رد: " تعصب لا يأتي إلا من جهل " في صفحة واحدة فقط :
13-11-2008, 11:01 PM
نصيحتي إلى تلميذي السلفي
للأستاذ محمد بلقاسمي , متقنة سور الغزلان , البويرة , الجزائر
بعد التحية والسلام أستسمحكم في البداية أن أعرفكم بنفسي والهدف من هذه الرسالة المتواضعة .
أنا أستاذ العلوم الإسلامية بمتقنة سور الغزلان [ سعد دحلب حاليا ] الجزائر .
أكرمني الله بهذه المهنة المقدسة لأداء أعظم رسالة في الوجود , وهي دعوة الناس إلى الإسلام وتعليمهم أمور دينهم على منهج الاعتدال والوسطية ، وهذه المهمة تحتاج إلى علم صحيح وفهم عميق وأخلاق إسلامية عالية كي تكون الثمرة يانعة ومفيدة .
اجتهدت مدة تدريسي [ لأكثر من 20 سنة ] أن أغرس في عقول ونفوس أبنائي الطلبة الصورة الجميلة للإسلام بعيدا عن الغلو والتسيب ، وبعيدا عن التدجيل والتدجين .
ولله الحمد فقد وفقني الله في رسالتي طيلة هذه المدة وبقيت علاقتي بطلبتي طيبة , فلم أبخل على أحد بالنصيحة والتوجيه ، خصوصا البنات وهن في مرحلة المراهقة .
وحينما ظهرت في بلادنا في أواسط التسعينيات بوادر التشدد والتنطع في صفوف الطلبة ووصلت دعوة التبديع والتضليل لكل جماعات العمل الإسلامي ( أي سلفية الأتباع المتعصبين ) وكل من يخالف فلان أو فلان باعتبارهم يمثلون المرجعية الإسلامية , وهم أمناء على الوحي المنزل على خاتم المرسلين , ومن دونهم فهم هلكى ، بل اعتبر هؤلاء المتعصبون أن جماعتهم هي الطائفة المنصورة والناجية وبقية الأمة السواد الأعظم من المسلمين هلكى وفي ضلال مبين !.
وهذا التيار يقوده بعض مشايخ العلم بالحجاز باسم السلفية , والسلفية الحقيقية بعيدة عنه ، ثم شاء الله أن ينقسم هذا التيار الذي ضاق ذرعا بكل مخالف , وتحتدم نيران الحسد والحقد بينهما . ومن أراد أن يشم رائحة هذا المنهج السلفي كما يدعي كل فريق منهما , فمواقع الأنترنيت تفوح بعطره السيئ ؟ !
فالرسالة إذن موجهة من أستاذ إلى تلميذ ليست نقدا لمنهج جماعة أو شيخ ، وإنما هي تذكير وتصحيح للمفاهيم ليس إلا .
وحينما كتبت الرسالة وأرسلتها إلى بعض من علمت بحالهم وتعصبهم لم أتلق ردا أو تعقيبا , وحينما اطّلع عليها أخوان فاضلان توليا طبعها على نفقتهما فجزاهما الله خيرا كثيرا ، وهذا ممّا ساعد في توزيعها على أكبر نطاق على جل ولايات الوطن . إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان .
ولا يفوتني أن أشكر كل من بارك لي العمل وشجعني ، وأحترم من انتقدني ولو بشكل عاطفي وبخلفية معروفة وبأسلوب عنيف . فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا الحبيب المصطفى محمد [ صلى الله عليه وسلم ]
وأستغفر الله وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالميـــــــــن .
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آلـه وصحبـه أجمعيــن .
خير الكلام كلام الله , إذ يقول على لسان نبيه هود ردا على تهم قومه له بالسفاهة والكذب :[ قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكنّي رسول من ربّ العالمين * أبلغكم رسالة ربي وأنا لكم ناصح أمين] [1].
فهذه الرسالة الصغيرة كتبتها منذ أكثر من سنة على أساس أن أرسلها إلى تلاميذي الذين انتموا إلى الجماعة السلفية المتشددة ( جهاديون أو علميون ) ممن يبدعون كل من وقع في بدعة عملية ويجرحونه ويهجرونه ، لكني كنت أتردد في إرسالها إليهم ومدى جدواها خصوصا حينما كنت ألتقي ببعضهم في الطريق أو في المسجد , فلا أرى أمارات الطيبة على محياهم كما كنت أراها يوم كانوا تلاميذ ولا بصيص أمل على بقاء بعض الحبّ والاحترام من زمن الصفاء والوفاء . ثم أقول لنفسي : هذه من وسوسة الشيطان حتى يستمر بيننا الجفاء , وهذا من أعظم أهداف إبليس اللعين , وما يدريني أن لا تجد كلماتي آذانا صاغية عند البعض على الأقل , والبعض الآخر بعد حين , أو على الأقل تفتح بيننا بابا للحوار الجاد لإيجاد القواسم المشتركة وما أكثرها .
فالعقيدة واحدة لا اختلاف حولها بأصولها وفروعها و الكتاب والسنة هما المرجع الأساس بيننا . فإذا ما وقع اختلاف في فروع العبادة , فهذا أمر عادي وقع بين السلف الصالح من صحابة وتابعين لا يستدعي عداء أو بغضا أو هجرا , فكل أمر يقبل التأويل والاجتهاد فلا إنكار فيه ، لكن أحيانا التعصب يعمي البصيرة ويولد الضغينة . ولو تجرد المسلم من هواه وقلل من تعصبه لجماعته أو شيخه لاعتدل . المهم هذه رسالة هي في الأساس لكل تلميذ درس عندي وصار سلفيا متعصبا ، ولكن قد يستفيد منها غير من قصدتُ ، فإن أصبتُ فمن الله وحده وإن قصّرت فمن نفسي ومن الشيطان " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " [2]
الحمد لله وحده و الصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
أما بعد السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
أخي الكريم : عملا بأوامر الله ورسوله حييتك بتحية الإسلام وناديتك أخي كما وصفنا الله في كتابه ورسوله في سنته قال الله تعالى : [ إنما المؤمنون إخوة ] [3]
و قال صلى الله عليه وسلم: [ المسلم أخو المسلم ][4]
فمن ذا الذي يجرؤ على الله ورسوله , فينفي عنه هذه صفة ( الأخوة ) وما يترتب عنها من حقوق ؟ . لقد وددت لو جرى الحوار بيننا مباشرة أخذا وعطاء بأسلوب هادئ وهادي قصد معرفة الحق والالتزام به بعيدا عن التعصب والعجب والهوى , ولكن ما دمت سرت مع جماعة الهجر والتبديع فقد تعذر ذلك فعوضته بالكتابة عسى أن يجد كلامي أذانا صاغية .
أخي الكريم : لقد جمعت بيننا الأقدار فكنت في يوم ما تلميذي ولا أظنك تنكر ما كنت تحمله لي من مودة
وتقدير وحب للمادة ليس له نظير ولا يمكنك أيضا أن تنكر بعض أفضالي عليك وعلى زملائك من تذكير بالله وتحبيب في الإسلام لنفوسكم وحسن معاملتي لكم من بشاشة وجه ولين كلام وعدل ومساعدة وعفو
, وتمنيت بعد الافتراق وحينما تكبر وتنضج أن تتطور علاقتنا إلى صداقة . ولكن حدث معك عكس ما تمنيتُ فقلت ما علمنا إياه حبيبنا محمد أن نقوله في مثل هذا المقام ( قدر الله و ما شاء فعل )[5]
و قديما قال الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي :
ما كل ما يتمناه المرء يدركه * تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فتحولت وتغيرت نظرتك تجاهي بعدما صاحبت جماعة الهجر والتبديع والتجريح فحشو رأسك بالشبهات والإشاعات والافتراءات وقلبك بالبغض والحقد . فصرتُ في نظرك مبتدعا ضالا مخالفا للشرع محاربا للسنة وأهل الحق بعدما كنت مربي الأجيال والداعية المعتدل المتسامح !!!.
أخي الكريم : أنا لا أقصد برسالتي هذه رد الشبهات والافتراءات المثارة عني فهذا لا يتسع له المقام ، ولا أقصد أيضا إقناعك بالخروج من السلفية والدخول في أية جماعة أخرى , فهذا أمر لم أفعله يوم كنتَ ورقة بيضاء بين يدي وثقتك في لا حدود لها , فكيف الآن وقد صرت لا تثق بي ولا تطيق النظر في والكلام معي .
أخي الكريم : إنما قصدي من الرسالة هو النصيحة كما علمنا المصطفى صلى الله عليه وسلم [الدين النصيحة ] [6]. ألم يعلمنا الله التثبت وعدم التسرع في الحكم على المسلمين [ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين] [7] وقال أيضا " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " [8] . فلماذا صدقتَ ما قيل عني وحكمت علي غيابيا ولم تمنح لي حق الرد والمرافعة , ثم بعد ذلك لك أن تحكم وتختار طريقك على بينة .
أخي الكريم : أنت مازلت شابا والتزامك جديد ولم يتم بعد تفقهك في الدين , فدين الله ليس هينا . قال صلى الله عليه وسلم : [إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق]
[9]. فلا تتعجل بقطف الثمرة قبل نضجها فتظن نفسك بعد قراءة كتاب أو اثنين لعالم أو عالمين أنك صرت عالما ملما بالشريعة ومقاصدها واطلعت على أخطاء الدعاة ممن سبقوا والديك للإيمان والدعوة إلى الله فصرت قاضيا تحكم على هذا بالضلال وعلى ذاك بالتبديع ونسيتَ نفسك من أنت وكيف كنتَ ، بل الشيطان اللعين أوقعك في الكمين وأشعرك بأنك وصلت إلى درجة من الالتزام واليقين ( الظاهري ) مما يؤهلك للحكم على غيرك من الدعاة للإسلام . قال صلى الله عليه وسلم: [إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم]. [10].
( أهلكُهم ) بضم الكاف فهو الهالك الأول والأكبر والأكثر خسارة يوم القيامة , وهو المفلس الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حقيقة الإفلاس[11] , وهذا سبب غروره وإعجابه بنفسه . أما بفتح الكاف فمعناه هو المتسبب في هلاكهم أو ضياعهم باستعلائه عليهم سواء بهجرهم أو السخرية منهم أو بالطعن فيهم وسوء الظن بهم وتيئيسهم من روح الله , فاحذر يا أخي أن يصيبك داء الغرور والإعجاب بالنفس . قال صلى الله عليه وسلم :[ ثلاث مهلكات : شح مطاع ،و هوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه [12], فلا تغتر بما فتح الله لك من أعمال صالحة سواء من صلاة جماعة أو إعفاء لحية أو تقصير ثوب أو اجتناب المنكرات إن كنت لا تدري هل يتقبل منك أم لا ؟!. وقد قال ربنا وهو يصف المؤمنين السابقين بالخيرات "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون" [13] , فهّذه في من فعل الخيرات ومع ذلك هو خائف ألا يتقبل الله منه ، لهذا قال العبد الزاهد ابن عطاء السكندري في حكمه المشهورة باسمه . " الحكم العطائية " :[ ربما فتح الله لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول ، وربما قدر عليك المعصية فكانت سببا في الوصول . معصية أورثت ذلا و انكسارا ، خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا ] .
أخي العزيز وتلميذي الكريم : أنصحك بمزيد من الطاعة الهادفة غير الموجهة ، اقرأ القرآن بتدبر واطلّع على تفسير ميسّر له . وداوم على قراءة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، مع شرح موجز لأهل العلم والتقوى , ولا تغفل عن نفسك لحظة فاقرأ ما ينفعك وداوِ به ما يصيبها من آفات , وأنصحك في هذا المقام أن تقرأ كتاب " منهاج القاصدين " للمقدسي أو مختصره وأيضا , وكتاب الدكتور سيد نوح " آفات على الطريق " , فهو مبسط وهادف يفيد كل سائر على طريق الدعوة واجتنب في بداية الطريق الاستماع إلى الأشرطة السمعية الخاصة بالتجريح والطعن في العلماء , وكذلك ما يكتب في هذا المجال , فهذا الأمر لن يزيدك إيمانا وتقوى بل يزيدك بغضا وغرورا . وحينما يثبت قدمك لك أن تسمع وتقرأ , لأنه حينئذ تكون محصنا تملك مصفاة تنتقي بها الصواب وأحسن الكلام وميزانا تحكم به بالعدل والإنصاف .
أخي الكريم : إذا التزمت بما نصحتك به فسوف ترزق بسلامة الصدر ، فما أعظمها من نعمة . قال زيد بن أسلم : دخل على أبي دجانة و هو مريض وكان وجهه يتهلل , فقيل له ما لوجهك يتهلل فقال " ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنين : كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليما " [14] .
والنصوص في هذا الأمر كثيرة .
يتبع : ...
اللهم اغفر لأهل منتديات الشروق وارحمهم واجعلهم جميعا من أهل الجنة