أحببت إدراج رد الشيخ فركوس على عينة من هذه الخزعبلات فإليكم السؤال و الرد
في صحة صورة الشاب المعذب في قبره، وحكم ترويجها
السؤال:انتشر في ساحة الدعوة قرص يحتوي على صور لشاب يقال أنَّه أُخرِج من قبره،بعد ثلاث ساعات من دفنه، ووُجد على جسده آثار تعذيب نسبت لعذابه في القبر،وأرجعوا ذلك لكون الشاب منحرفا، تاركا للصلاة، وقد قام البعض بنشره، فهلهذه الآثار يمكن أن تكون نتيجة عذابه في القبر؟ وهل يجوز ترويج هذا القرصكأسلوب دعوي؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب:الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين،وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما، أما بعد:
فمعتقد أهل السنة والجماعة أنَّ عذابالقبر حق، يجب الإيمان به، لثبوته بنصوص شرعية متكاثرة ومتواترة، وأنَّالنعيم والعذاب يقع على الروح والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة، وتنعمالروح وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به، أي أنَّ الروح تبقى بعد مفارقةالبدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، فيحصل معها النعيموالعذاب سواء قُبر الميت أو لم يقبر، غير أنه لما كان الغالب على الموتىأنهم يقبرون كان ألصق في التسمية، فمن لم يدفن من مصلوب ونحوه يناله نصيبهمن فتنة السؤال، وضغطة القبر أيضا، قال ابن القيم في كتاب "الروح": "مماينبغي أن يعلم أنَّ عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات فهو مستحقللعذاب ناله نصيبه منه قُبر أم لم يُقبر، فلو أكلته السباع، أو حرق حتىصار رمادًا، أو نسف في الهواء، أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه منالعذاب ما يصل من المقبور".
وعليه، يتجلى واضحًا أنَّ الذي يحول دون تصديق صورة المعذب في قبره واعتقاد صحتها عدة موانع منها:
أولاً: إنَّ دار البرزخ عكس دار الدنيا، إذ الأرواح تابعة للأبدان في أحكامالدنيا، حيث إنَّ العقوبات الدنيوية تقع على البدن الظاهر، وتتألم الروحبالتبعية، أما في أحكام البرزخ فتقع على الأرواح، والأبدان تبع لها فينعيمها وعذابها، فكان العذاب والنعيم على الروح، ولها بالأصالة والبدنتابع للروح كما قرره ابن القيم رحمه الله.
ثانيًا:إن الله تعالى جعل أمر البرزخ والآخرة غيبا وحجبه عن إدراك العقول في هذهالدار، وذلك من كمال حكمته وليتميز الذين آمنوا بالغيب عن غيرهم، لذلك لايجوز قياس أحوال البرزخ والآخرة بأحوال الدنيا لافتراق أحوالهما.
ثالثا:ولأنَّ الله تعالى لم يُسمِع الأحياءَ من الآدميين أصوات المعذبين فيقبورهم، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَتُبْتَلىَ فِي قُبُورِهَا فَلَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُاللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ الذِي أَسْمَعُ مِنْهُ"(١)،فلحكمة الله الإلهية، وغلبة الخوف عند سماعه، كتمه الله عنا حتى نتدافن،لعدم القدرة على سماع شيء من عذاب الله في هذه الدنيا، فكذلك صورة العذابأخفيت علينا لعدم وجود الطاقة على النظر إلى شيء من عذاب الله تعالى فيهذه الدار، لضعف القوى.
هذا، وبغض النظر عن تأثير هذه الصورفي العامة، واستعمالها كأسلوب دعوي، فإنَّ الدعوة إلى الله بفساد المعتقدلا تشرع، لأنَّ الغاية لا تبرر الوسيلة، والنية الحسنة لا تبرر الحرام،لذلك فالتجارة بها وترويجها يتبعه في حكم المنع، لما فيها من القدح فيسلامة الطوية وصحة السريرة.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .
الجزائر في: 21 محرم 1427ﻫ
الموافق ﻟ: 20 فبراير 2006م
١-أخرجه مسلم في: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (7392)، وابن أبي عاصم في "السنة" (720)، وابن أبي شيبة في مسنده (122)، وفي "المصنف" (11845)،واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1724)، من حديث زيد بنثابت رضي الله عنه
منقول من موقع الشيخ.