تفريغ : برنامج آفــــــاق الحلقة الأولى
القسم : تفريغات برنامج آفــــــــاق -
التاريخ : 18/10/2013 -
الكاتب :
د. سوسن مؤيد محمود / العراق - كندا
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه ...
اخواني واخواتي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....
في عالمٍ يزدادُ يوما فيوما صغراً، تتهيأ للاسلام والمسلمين فرصٌ عظيمة يبدو انها لم تتهيأ لهم من قبلُ على هذا النحو. لكن مع تهيأ هذهِ الفرص الكبيرة العظيمة ، تبرزُ وتتحددُ تحديات ٌ كُبرى هي الاخرى . الفرصة العظيمة هي ان نتواصل مع سكان المعمورةِ جميعهم تقريبا ، في كل الاصقاع والبقاع ، وبطريقةٍ غير مكلفة وسهلة ومؤكدة مما يعني ان بأمكاننا ان نُعرب عن ديننا وعن مبادئهِ وعقائدهِ وبمنظومته القيمية والتشريعية بشكلٍ نُحسدُ عليه .
اما التحدي الذي يبرزُ بالازاء ان خطابنا لن يكون خطابا معزولا ، بمعنى ان عليه ان يواجه عشرات بل مئات ان لم يكون الوف التحديات ، التنقيدات ، التصويبات ، المجادلات والمحاورات . في الوقت ذاته ، اهادافنا وهي في هذه الحالة اهدافٌ بشرية لن تكون ايظا اهدافٌ معزولة ، بحيث يمكننا الاستفراد بها وتشكيل وصياغة قناعاتها وفق ما نُحب وبالطريقة التي نرغب بها ، لان هذه الاهداف البشرية ستكون عُرضةً للزوابع لاعداد مهولة من الخطابات التي تتصارع عليها لكسبها واجتذابها . ولذالك ينتهي هذا التحدي الى طلب الوفاء بشرطيين اثنيين كبيرين :
الشرط الاول هو شرط المطلوبية ، بمعنى ان علينا ان نصوغ خطابنا بطريقة تُثبت وتُبرهن انهُ خطابٌ مطلوب ، تماما كالدواء الذي يكون مطلوبا في حالات الامراض والعلل المختلفة.
والشرط الثاني الذي على خطابنا ان يفي به اي بتحقيقه هو شرط النجاعة ، اي شرط الشُغل ، العمل ، ان يشتغل او ان يعمل ، ان ينجع تماما كما يُطلب من الدواء المطلوب الذي يفي بشرط الاحتياج اليه ان يكون دواءا ناجعا .
ولا شك ان هذين الشرطين هما شرطان كبيرا وصعبا في عالم -كما قلت - يزداد صغرا وبالتالي يزداد فيه الاعتماد المتبادِل ويزدادُ فيه صراع النظريات والافكار والطُروحات والخطابات .
في برنامجنا هذا ، افاق ، نحاول ان نشاغب قليلا ، نوع من الشغب العلمي والفكري ، ان شئتم سميتموه شقاوة فكرية بحيث نتصدى في اعادة النظر في موضوعاتٍ كثيرة مما يهُم المسلمين انفسهم ، ومما نرشحه ان يكون موضع اهتمام من غير المسلمين حول العالم . ولكن من الجديد اانا نحاول ان نطرح هاتي الموضوعات بمقاربات فيها نوع من الجدة ، فيها ايظا نوع من الابتكار والتشغيب على المألوف والسائد ، لان المألوف والسائد فيه اجزاء واشطار ، فيها عناصر ومكونات يبدو انها بغلغلة النظر اليها مما انتهى صلاحيتهُ الاانها لا تزال تعمل ، وعملها بلا شك سيكون عملا سالبا او سلبيا .
في افاق سنتناول موضوعاتٍ شتى مُختلفة ، بحيث نُخصصُ كل حلقةٍ بموضوع بحياله او برأسهِ ، نبدأُ ثم نفرغُ منه في حلقة . من الواضح اننا لن نتمكن ان نقول الابعض ما قيل بصدد الموضوع ، لكننا نتلمح من قبلُ ومن بعدُ شئً مُهِما ، نُريدُ ان يبرُز في كل حلقات هذا البرنامج ، ماهو هذا الشئ؟ هذا الشئ هو ان هذه الموضوعات المُختلفة على عكس ما استقر وقّر في اذهان العامة وربما في اذهان بعض الخاصة ، انها موضوعات فيها سعة ، فيها منادح للقول ، فيها مجال للاجتهاد وتقليب النظر. لكن ما يحدُث من اسفٍ شديد ، ان هذه الموضوعات كما جرى على كثيرٍ من عارضيها ومُسوقيها على عرضها من زاويةٍ واحدة بحيث يكون الانتصار والتدعيم لوجه نظر واحدة وحيدة ، وبالتالي حتى هذه الوحدة تفقد معناها ، لماذا ؟ لان هذه الوحدة لا تظهر الا ضمن سياق تعديدي ، هذا السياق مفقود ، وبالتالي يترتب على هذه الوضعية حصول ترسخ وانطباع ان هذا هو الحكم الشرعي ، هذا هو القول الالهي ، هذا هو النص المقدس ، والحال انه ليس كذالك ، الحال انه ربما يكون - وهذا في معظم ما سنعرض له – وجهة نظر كما يقال باللغة العصرية ، ولكن باللغة الفقهية الاصولية هو اجتهاد ؛ اجتهاد من ضمن اجتهادات كثيرة ، يقترب بعضها من جهة اليمين ، ينحاز بعضها الى جهة اليسار، يُراوح بعضُها في منطقة الوسط ، ولكنها تبقى مجرد اجتهادات . هذا ما نؤمل ان ننجح في انجازه وتحقيقه ، ان نُعيد للاجتهاد اعتبارهُ ، ان نبعث اقوالا ولذلك بين مزدوجين ليست بالاقوال التي نشغب بأستحيأها وبعثها ان تكون اقوالا معاصرة ، لا بل ربما كما سيضح لكم هي اقوالُ ينميها الزمن ويعود بها الى القرون السوالف ، الى القرون الخوالي ، الى القرون الهجرية المتقدمة ، وينتسب كثيرُ منها الى ائمة مُعتبرين ، الى قادة من قيادات الفكر والرأي والاجتهاد .
لكن مالذي نريد ان نقولهُ بالتحديد ؟ وكيف سنقولهُ ؟؟
ما نُريد ان نقوله ، بان مقولة بان كل شئ واضح وان كل شئ مقطوعُ به وكل شئ مجزوم لا يحتاج الى اعادة استكشاف ، لا يحتاج الى مُسائلة ، الى اختبار ، هذا القول او هذا الاعتقاد او هذا المسلك او المزاج الفكري والعلمي بكلمة واحدة يُمثلُ ويُشكلُ احدى كوارثنا الفكرية والعقلية ، احدى كوارثنا العلمية والمعرفية ، فالامور ليست على هذا النحو ، ومهما تعددت القطعيات والجزميات وكثُرت الوثوقيات في اُمة كلما تراجع الاجتهاد ، كُلما تراجع التسامح ، كلما اُفتقد التفهم ومن ثم التفاهم – من المُحال ان لم اتفهمك ، ان اتفاهم معك – التفهم خطوة تسبق التفاهم ، كل هذا سيكون مفقودا غير حاضر على مسرح الحياة الثقافية في عوالم المسلمين ، في دنيا المسلمين ، لن يكون له حضور .
لذالك احبتي في الله ، نؤكد مع الحكيم الصيني الكبير كونفشوس والذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد ، لم يفصل بينه وبين الفيلسوف الاغريقي اواليوناني الكبيرافلاطون سوى جيل واحد ، ان التعليم والتعليم والتعليم ، او التعلم والتعلم والتعلم ، شرطٌ لازم لكل نهضة ، بل شرطٌ لازم لكل قيمة خُلقية ، يُمارسها الفرد ويدعمها المجتمع .
ففي المأثور الكنفشوسي – ان جاز التعبير – يسأل كنفشوس احد تلاميذه وهو الخبير ليو ، يقول له " يا ليو هل لديك المامٌ بالادراكات الست او الستة والضلالات الست او الستة ؟" فقال ليو" ايها المعلم ليست لدّي ثمة فكرة عما تتحدث عنه " فقال له كنفشوس " هيا اجلس اذا لاُعلمك "
جلس الخبير ليو واستتلى كونفشوس يقول :
"اولا، ان تحب الانسانية دونما ان تتعلم ، هذا ما يُدعى بضلال الحماقة "
ان يدعي امرءُ من الناس انه محبٌ للانسانية لكن دون ان يتعلم كيف يُحدد هذا الحب ، كيف يُعّرف هذا الحب ، كيف يُحيط خُبرا بماهيته ، ثم في المرحلة التالية كيف يمارسهُ ، كيف يُترجمه سلوكا عمليا ، هذا يُدعى ضلال الحماقة ، هذه حماقة .
"ثانيا، ان تُحب الحكمة دون ان تتعلم هذا ما يُدعى بضلال التسلية "
الذين يدعون انهم طلاب حكمة ، ينشدونها ويرتجونها ويتأملون في تحصيلها دون ان يتعلموا ويتعلموا كثيرا وبشكل مستمر وممتد ، هؤلاء يتسلون وليسوا طلاب حكمة ، هذا ضلال التسلية .
" ثالثا ، ان تُحب الاخلاص دون ان تتعلم هذا ما يدعى ضلال الذريعة"
وهذا معنى عميق جدا ! انا شخصيا مندهش كيف امكن لهذا الحكيم الصيني الكبير ان يُحدده بمثل هذا التكثيف وهذا التركيز وهذه الاناقة !؟ شئ مدهش يبعث على العجب . ان تحب الاخلاص دون ان تتعلم هذا يُدعى الذريعة ، ما معنى هذا الكلام ؟ سأبسطه بضرب مثل او مثليين .
ان تتدعي الاخلاص في الدين ، في التدين ، في حبك للدين ، انك مخلص في حب هذا الدين والدفاع عنه ونشره لكن دون ان تتسلح بالعلم الكافي ودون ان تتعلم كيف ان تكون مخلصا للدين كما تحبه ، سيكون هذا ضلال من ضلال التذرع والتوسل والتبريرjustificationاي ذريعة او وسيلة.
ان تحب الوطن وتتدعي الاخلاص في حبك دون ان تتعلم هذا ايظا يهوي بك بهذه المهواة ، ضلال التذرع او الذريعة .
ما معنى هذا ؟ معنى هذا انه في الحالتين كلتيهما يحدث ومازال يحدث ، حدث تاريخيا ومازال يحدث الى يوم الناس هذا في كل مكان تقريبا ، في كلتا الحالتين سنرى ان الاخ يذبح اخاه ، يحكم عليه بالمروق ، بالخيانة ، بالكفر، والزندقة ، مرةً باسم الوطن واخُرى بأسم الدين ، هذا هو معنى كلمة كونفشوس بضرب مثلا او اثنيين.
ثم يستتلي كونفشوس
" رابعا ، ان تُحب الحق او الحقيقة دون ان تتعلم هذا ما يُدعى ضلال التعصب "
وهذه من اروع واعمق مقولات كونفشوس ، لان الحق ما لم يكن مؤَسّسا على دراية وعلى علم وعلى معرفة واعية سيكون محض تعصب ، لذالك التعريف المختار للتعصب هو : ان تكون في وضع ما ، في موقف ما نظري او عملي ، فكري او مسلكي دون ان تمتلك التبرير الكافي له – لماذا انت هنا ، لماذا تقول بهذا ، لماذا تعارض هذا ، ولماذا تتصرف على النحو الكذائي وليس على النحو المعارض مثلا ثم لا يكون لك تبرير كافي مقنع لمن يسألك اذا انت في وضع تعصبي – قد يُدافع المتعصب خطوة او خطوتين عن موقفه ثم تخذلُه الحجة مباشرةً ، ويُفتضح امرهُ لانه متعصب . اذا واصل هذه المسيرة سينتحر ضميريا وعقليا وانسانيا ، اذا ان تُحب الحق دون ان تتعلم هذا ما يُدعى ضلال التعصب .
في القران الكريم ، الله تبارك وتعالى في لفته عجيبة ومدهشة ، لفت ويلفت الى ان مبرر استخلاف ادم في هذا العالم في هذه الارض ليس التسبيح او التقديس (( قالوا اتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم مالا تعلمون ، وعلم ادم الاسماء كلها )) ولكن بالازاء هناك الاية الشهيرة (( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدونِ)) هذا مطلوب ، بنظ الايتين في وحدة واحدة ، في سياق واحد ، نخلص الى ان العبادة المرادة لله تبارك وتعالى هي عبادة مؤسسة على معرفة ، على علم ، على ادارك ، مُبررة بالوعي ، اما العبادة التي يُشبه ان تكون مبرمجة فلا حاجة بها ، لا حاجة الى القدر بها ايظا لا تُبرر الاستخلاف والا فان الملائكة ادخلُ في هذا الباب واعّرق – نحنُ نُسبح ُبحمدك ونُقدس ُ لك – نعم.
ثم يقول كنفشوس " خامسا ، ان تُحب الشجاعة دون ان تتعلم فهذا ما يُدعى ضلال التهور"
الشجاعة بلا تعلم ، بلا معرفة كافية هو ضلال التهور .
ثم يختم بالادراك السادس والاخير " ان تُحب العزيمة -قوة الارادة – دون ان تتعلم هذا ما يُدعى ضلال الفوضى "
اي ان تكون لديك عزيمة من صخر ، من الصُلب ، لا تلين ، لا تنثني ، لا يُمكن ان تخونك لكن دون ان تتعلم هذا ما يُدعى ضلال الفوضى . العزيمة الماضية القوية الصُلبة مثل موتور ، مثل محرك بقوة هائلة تُحرك صاحبها في كل اتجاه ، يُحطم هنا ، يُدمر هنا ، يمحو هنا ، مثل بلدوزر ، لذالك العزيمة ، الارادة القوية بلا تعلم تؤدي الى الفوضى.
اخواني في الله ، من منا يستطيع ان يتبجح ويزعُم انه عارف وعالم بكل مُحدداته ، بكل ما يجعله ما هو ، ما الذي يجعلُني انا ، ما انا عليه بالضبط ، داخلياً وخارجياً وخاصة ً داخلياً ، افكاري ، مُعتقداتي ، مزاجي ، قناعاتي ، مُنتحلاتي الفكرية والعقدية ؟ صدقوني معظم البشر على الاطلاق - ونحن منهم – لا يعرفون ، لا يعرفون مالذي يجعلهم ما هُمّ ، مالذي يجعل احدهم ما هوّ او ما هي ّ، لذالك نُحب ايظا ان نبد أ من هذه النقطة كيما نُصيب حقنا المفقود من التواضع ، ان نتواضع قليلا ، وهنا احبتي يكمُن أُس الحكمة ، حين نعترف بهذه الحقيقة .
الفيلسوف اليوناني الكببير يُمكن ان ندعوهُ الشهيد سُقراط ، استاذ افلاطون ، وضع اصبعهُ على جذر ولُب الحكمة مُحددا اياه – اي هذا الجوهر، هذا اللُب – بانه ادراك المرء لإوجه النقص والقصور في معرفته . لذالك سُقراط كان يدعو نفسه محبا للحكمة – فيلسوف كما نقول ، السوف هي الحكمة بأزاء المعلمين السوفسطائيين الذين كانوا يّدعون وهذا كان اسمُهم ، الحُكماء ، السوفسطائي معناه الحكيم الذي اصاب ونال الحكمة ، مُصيب الحكمة – اما سُقراط فتراجع بتواضع انساني جميل نبيل يُحسد عليه فقال لستُ حكيما ! انا مُدرك لوجوه النقص والقصور في معرفتي ، في علمي ، انا مجرد رجل يُحب الحكمة ، مُحب لها ، هل اصاب حظهُ منها ام لم يُصب ؟ هو كان يقطع انه اصاب حظاً ضئيلا جدا ولعلهُ لم يُصب شيئا منها ، وبالتالي اذا كانت هذه الحكمة فسُقراط اكبرُ حكيم ، اذا كانت الحكمة بالضبط تعني اداراك الانسان لاوجه النقص والقصور في معرفته ، فسُقراط مُدرك لهذا جيدا ويعترف به ، فهو حكيم اذا ، فهو حكيم من حيثُ اراد ان ينفي عن نفسه الحكمة مكتفيا بكُل تواضع بعنوان حُب الحكمة ، انه مُحبٌ للحكمة .
اخواني واخواتي ، الانسان حين يُفكر ، لكي يُحّصل معلومات ، لكي يُعاير ويروز ويوازن ويُقارن بين معلومات وافكار، وبين نظريات ومناهج ، يُفكر وامامه وينشط وازائه عوائق كثيرة ، عوائق خارجية وعوائق باطنية او داخلية ، لذالك التفكير بذاته يجب ان يكون نشاطا حُراً . التفكير حتى ينبثق وحتى يعمل يجب ان يكون نشاطاً حُراً ، فالفكر لا يعمل الافي فضاء الحُرية ومن هنا حديثهمُ المكرور الملحوح - ان جاز التعبير- عليه كثيرا ، عن ضرورة حرية الفكر والتعبير ، هذه الحرية – اي حرية التفكير – تُسلم الى تحرير الانسان نفسه ، فكر حُر ، تفكير حُر يعني مزيدا من التحررللانسان ، بحيث لا يُضحك عليه ، لا يُستغفل ، لا يُختدع .
من البديهي ان اختِداع واستغفال انسان اُمي اوجاهل ، لا يُمارس التفكير بحرية اسهل بمراحل من اختداع اواستغفال انسان مُدمن على التفكير ، مُدمن على المُقارنات ، على المُوازنات ، على التعيير والرَوز ، لذالك الفكر الحُر يعني انساناً اكثر حُريةً.
لكن ، أنى لنا ان نُفكر بحرية والعوائق الخارجية كثيرة ، هناك انواع من الرُهابات او الخُوافات التي يُمارسها المجتمع وهو سببٌ في نشوئها وتأكيدها ، كما ان هناك عوائق داخلية ، سنعرض لشئ من هذه وشئ من هذه ، بحيث يبدو لنا بعد قليل الى حدٍ بعيد جداً ان اكثر مُنتحلاتنا ربما لا تزيد عن ان تكون قدراً جَغرافيا وقدرا مُجتمعيا ، ببساطة ، وُلدتُ في هذا النطاق من العالم الذي يعيش فيه مُسلمون مثلا فوجدتُ نفسي مُسلما ، مسلمون سُنة فوجدتُ نفسي مُسلما سُنيا ، على المذهب الفُلاني اوالعلاني ، وجدتُني كذالك ، ولكم ان تُنوعوا بحسب النُطق الجَغرافية ، وبحسب المجتمعات واديانها وثقافاتها المختلفة ، هذا ما يحصُل مع مُعظم عباد الله على الاطلاق ، قلة قليلة مُستثناة من البشر هي التي يمكن ان تزعُم بأعتزاز انها انتَخَبَت ماهي عليه من مُعتقدات وافكار ومُتبنيات ، قلة قليلة ، الله اعلم بنسبتهم المئوية والله وحده اعلم بتحديد هذه النسبة ، بكم هذه النسبة .
اكثر من هذا ، ما يظنُه الانسان ، الواحد فينا ومنا, حقائق قطعية ونهائية سواء في ميدان الافكار او في ميدان القيم الاخلاقية والمجتمعية ، للاسف الشديد هو متفاوت جدا من ثقافة الى ثقافة ومن مجتمع الى مجتمع ومن حقبة زمنية الى حقبة اخرى . هناك عبارة للفيلسوف بليس باسكال الفيلسوف الفرنسي الشهير والعالم والمُخترع المعروف يقول " ان ثلاث درجات من خطوط العرض كافية ان تقلب حقائق الامور الاخلاقية " ثم يوضح ما معناه ، فما يُعتبر فضيلة وحسنةً شمال جبال البرانس ،يعتبر بذاته ونفسه رذيلة ومقبحةً جنوبها . يشير باسكال الى الحقائق التي تمهر بشكل وسيع ورحيب في درسها والتصدي بتسجيلها علماء وباحثوا الانثروبلوجيا اي العلماء في النواحي الاجتماعية والثقافية ، علماء الاناسة ، الاناسة الثقافية والاناسة الاجتماعية الذين يتصدوّن بالرصد والدرس والتسجيل لمئات بل لاولوف العادات والتقاليد والمُنتحلات التي تتفاوت وتتباين وتتناشز وتتناقض وتتعارض من بيئة الى بيئة ومن مجتمع الى مجتمع ومن ثقافة الى ثقافة .
من الجميل جدا ما سجلهُ المؤرخ الشهير هيلي دوتس في كتابه الشهير المنسوب اليه ، من ان داريوس الملك الفارسي في القرن الخامس قبل الميلاد ، خطر له ان يقوم بهذه التجربة المُثيرة .دعا داريوس يوما جماعة من الاغارقة الذين يعيشون في مملكته ، وكان من عادة الاغارقة ، انهم يحرقون جُثث موتاهم ، ابائهم وامهاتهم وقراباتهم بعد ان يموتوا هكذا يُكرمونهم بأحراق جُثثهم وهي عادة لاتزال تُمارس في كثير من دول الغرب الاوربي وحتى في الولايات المتحدة العالم الجديد ، فسألهم الملك الفارسي الكبير ، ما الثمن الذي ترتضونه لقاء او مُقابل ان تأكلوا جثث ابائكم او امواتكم بعد ان يموتوا ، ففزعوا وضجوا وقالوا ، لا ثمن ، لا ثمن يمكن ان يُغرينا بهذه المقبحة ، بهذا الفعل القبيح الظاهر القباحة ، لكنه امرهم بالبقاء بين يديه واستدعى جماعة من الكلَاَتيين – نسبة الى كلاتينيا – استدعاهم وكان من عادة هؤلاء ان يأكلوا جُثث ابائهم وامهاتهم وقراباتهم بعد ان يموتوا ، يُكرمونهم بهذه الطريقة ، هذا هو طقس التكريم لهؤلاء الموتى ، فسألهم عن الثمن الذي يرتضونه مقابل او كفاء ان يحرقوا جُثث ابائهم وامهاتهم وقراباتهم بعد ان يموتوا ، فضجوا يناشدونه بالالهة وبكل ما هو عزيز ومقدس لديه ان لا يُعيد على مسامعهم هذا القول الفضيع ، ان نحرق جثث الاباء والامهات بعد ان يموتوا لكنهم يروّن اكلهم شيئاً طبيعيا جدا ، بلا شيئاُ مطلوبا تكرمةً لهم ، نفس الشئ هؤلاء ارادوا ان يكرموا موتاهم وهؤلاء ظنوا انهم يكرمونهم ولكن كل منهم يفعل على نحو مختلف تماما من الاخر ، نحوان متعارضان متناقضان على طول الخط .
ولذالك حين يتورط – وكلنا ذالك المتورط – الانسان الناشئ في ثقافة ، الرابي في ثقافة معينة او بيئة معينة ، في الحكم على الاخريين بأستسهال وببساطة ، انهم كذا وكذا وكذا ، يظن دائما انه يستند الى قانون طبيعي ، الى قانون نهائي مُطلق ، لا يقبل النقاش ، غير واعي وغير مدرك انه ربما انه يستند فقط الى عادات وتقاليد ، الى ثقافة نسبية ومحدودة ، ليست قانونا كونياً ، لا تجد مصادقة عليها لدى كل ابناء النوع البشري او الانساني . لذالك من اكثر الاشياء التي نتورط بها بأستسهال هو تخطئة الاخرين ودمغ الاخريين غير مدركيين مرة اخرى انهم يتورطون بنفس الطريقة وعلى نفس النحو في تخطئتنا وفي دمغنا وبأستسهال . اذا لا امتياز ، لا امتياز لنا حينما نصدر الاحكام على الاخريين ولا امتياز لهم حينما يصدُرونها علينا ، المسئلة هي مسئلة جهالة مركبة ، يجهل احدُنا حقيقة الامر ويظن انه يعلم وانه يعلم العلم النهائي والاخير .
ميشيل ديمونين ، ايظا الفرنسي في القرن السادس عشر ، قال ما من فضيلةً – هكذا اطلقها وارسلها ارسال مُسّلّم – قال " ما من فضيلةً في مُجتمعٍ ما في ثقافة ٍما الا ويمكن ان يُنظر اليها في ثقافةٍ اُخرى على انها رذيلة " ، الفضيلة ذاتُها ، نفسُها ، في مكان اخر لن تكون فضيلة ، ستكُف على ان تكون فضيلة .
لذالك اخواني واخواتي اعتقد الذي يتشبع والى حد ما من بعض معطيات الدرس الاناسي ، الانثروبايلوجي ، تحدُث له زعزعة في موثوقية كثير من العادات والتقاليد والمثل ويبدا يتسائل . ثمة درس مثير ايظا في التاريخ الاوربي ، في اواخر الوسيط ومطالع الحديث ، هذا الدرس هيأءه الدرس الجغرافي ، او الكشوف الجغرافية وما تلاها من الترحال والاسفار ، الى بلاد جديدة ومطالعة شعوب جديدة وعادات جديدة واديان جديدة وثقافات جديدة ، فحصل نوع من القلق والزعزعة والرجة الفكرية في المجتمعات الاوربية . حين زاروا الصين حين طالعوا فلسفاتها واديانها ، عادوا مصدومين تماما ، قالوا ما كنا نظن في يوم من الايام ان هناك بحرا مواجا بالشر كبلاد الصين لم يسمعوا يوما بالمسيح المُخلص وانه لقي حتفه على الصليب من اجل ان يُخلصهم من خطيئتهم الاصلية ، لم نكن نظن للحظة واحدة ان هذا المجتمع لديه منظومة قيمية تعمل على توشيج علائقه ، هذا المجتمع يعرف معنى احترام الكبير ، احترام الاب والام ، احترام الحكمة والحكماء ، المسنين ، الرحمة بالضعفاء ، لم نكن نظن! ماذا كانوا يظنون اذا ، ماذا كانوا يعتقدون ؟ كانوا يعتقدون ان لا مكان للفضائل والقيم ووجه البر والخير الا ضمن المنظور المسيحي الا ضمن عقيدتهم وديانتهم .
لاحظ جماعة من المؤرخيين والدارسين ، ان جماعة البشر الذين يعيشون بالقرب من الموانئ البحرية ، يتسمون بالعادة بقدر كبيرمن الانفتاح والمرونة الفكرية على الاقل اكثر من غيرهم بلا شك ، واعتقد انه بات لديكم واضحاً السبب ! لان الذين يعيشون بالقرب من الموانئ البحرية تتاح لهم فرصة ان يلتقوا باجناس واعراف مختلفة ، كثيروا الاختلاف من البشر ، من اُناس قادمين من اربعة جهات المعمورة على اختلاف اديانهم وثقافاتهم ومتبنياتهم ، لذا بعد زمن يكتسب هؤلاء البحرانيون ان جاز التعبير ، العائشون بالقرب من الموانئ البحرية ، يكتسبون هذه المرونة وهذه السماحة الفكرية ، يدركون بكلمة ان ثمة شركاء بالعالم ، ليسوا وحدهم ، المشهد الفكري عريض ، الطيف الفكري طويل جدا ، هم قسمة من قسماته ، مكون من مكوناته ليس الا ، وهذا في نهاية المطاف يطبع الانسان بطابع القرب وتوطين الاكناف والتواضع وكلها صفات عالية يتصف بها الحكماء من البشر يتسم بها طلاب المعرفة الجادون في الطلب ، ليس الطلاب المُدعون .
بعض كبار المؤرخين اوفلاسفة التاريخ اراد وبذكاء ان يصوغ هذه الحقيقة وبشكل اكثر تعقيدا وتركيبا وذالك من خلال تركزه على وجه التنافر في الثقافة الواحدة ، لان حتى في الثقافة الواحدة – كما نقول في الثقافة العربية مثلا او الثقافة الاسلامية وهذا مصطلع اوسع بكثير ، ضمن الثقافة العربية هناك قسمات مصربية ، مغربية ، عراقية ، شامية كلها ثقافة عربية يوشك ان يكون ثقافات عربية اذا ، كيف لو جرى الحديث عن الثقافة الاسلامية ، هي ثقافات اسلامية اذا ، في الحقيقة هذا ما صنعه بأقتدار الفيلسوف الالماني الشهير اوزفالد شبينغلر ، في كتابه اضمحلال الغرب . شبينغلر ركز بذكاء على وجوه التنافر ضمن الثقافة الواحدة ، لكنه في الازاء ، ركز متعمدا وهذا يشهد بذكائه وبانسانية مقاربته على الاقل في هذا الاعتبار او نظراً لهذا الصميمة ، ركز على المشابه بين الثقافات المختلفة. لان هناك مشترك انساني في نهاية المطاف بين الثقافات المختلفة ، يريد ان يلفت نظرنا الى شئ لا نلتفت اليه في العادة بحكم نظرنا ، لماذا بحكم ما اصبح يسمى النسبية الثقافية ، النسبية الثقافية بكلمة واحدة تعني صعوبة فهم اي ثقافة من خارجها ، من اجل ان تفهم اي ثقافة ، لا مناص ، لا مندوحة من ان تصير مفمورا ، تسبح في غمار وتمخر في عباب تلك الثقافة وهذا قد لا يتسنح لدارس خارجي الا بعد مدة متطاولة جدا من الزمن .
وبأزاء صعوبة ان تُفهم ثقافة من خارجها ، تحضُر وتَمثُل ايظا في نفس الوقت ان تتجاوز ثقافة من داخلها . من الصعب علينا ايظا ان نتجاوز الثقافة من داخلها ، لماذا ؟ هناك مصطلح في علم الاجتماع يسمى التنشئة الاجتماعية والتي تعني بكلمة مبسطة وسهلة : الاليات التي يستخدمها المجتمع من اجل ان يُطبع افراده – اي الافراد الاطفال الجُدد في هذا المجتمع او الافراد المُستجدين في هذا المجتمع كالذين يطلبون اللجوء الانساني واللجوء السياسي لكي يعيشوا بقية اعمارهم في هذا المجتمع – هنا يمارس المجتمع اليات التنشئة الاجتماعية بحق هؤلاء وهؤلاء لكي يطبعهم على افكاره وعلى اطرُه الفكرية ، على عاداته ، على تقاليده ، على ثقافته بشكل عام وطبعا هناك مفردات لهذه الالية. الية التنشئة الاجتماعية ممكن ان تُطلب من كتب الاجتماع المعروفة .
لذالك يصعٌب عل الفرد ان يتجاوز الثقافة من داخلها وبالازاء من الصعب ان يفهم الثقافة من خارجها ، المسئلة اصبحت تميل الى تعقيد زائد ، لذالك عالم الاجتماع الشهير ذو الاصول الشرقية جورج جورفيج ، في اخر حياته او الشطر الاخير من حياته بدا يرفض الحديث عن علم الاجتماع ، يشكك في جدوى المصطلح نفسه ، علم الاجتماع ، يقول لا يوجد شئ اسمه علم الاجتماع ولكن هناك علم المجتمعات بنظم اجتماعية متباينة الى حد بعيد ولكن ان يُقال علم الاجتماع هذا يتطلب ان نقر وان نُسّلم وان نبرهن بعد ذالك وقبل ذالك ان لا يوجد ما يسوغ التعميم وهذا غير موجود تقريبا لانها ثقافات مختلفة ، نُظم واُطر فكرية مختلفة الى حد بعيد .
كليفورد غيتس ، عالم الاجتماع الشهير في اخر حياته الاكاديمية عبر يائسا عن انقطاع امله او نضوب امله في امكان انجاز التعميم الاجتماعي ، قال ان هذه العملية اصبحت تقريبا عملية غير ممكنة بمعنى ان التنظير الاجتماعي اصبحت مسئلة في حيز الشك او التشكيك ، مسئلة مثشككة ، هل يُمكن ان نعمم ؟ كيف ممكن ان نعُمم مع وجود كل هذه الفوارق الهائلة والعديدة والكثيرة جدا ؟
سانتقل الان الى مرحلة متقدمة من اضاءة هذه النقطة ، واعرف انني بهذا الطرح سأستجلب الكثير من الاعتراضات – هذا واضح طبعا – لكن علينا ان نقف طويلا بهذه المفهومات وهذه المعطيات التي قد تبدو جديدة على بعض الناس ، في نهاية المطاف لسنا عدميين ، ولا ندعو الى نسبية مفتوحة في الفهم ابدا ابدا ، ولكن نلفت الى شئ واقع كلنا نعيشه وكلنا نمثله ، كلنا ابطاله وفي الوقت ذاته كلنا ضحاياه ، المرحلة المتقدمة اريد ان اخطو اليه تكشف عن كيفية التغرير وكيفية التلبيس وكيفية الخداع الذي نمارسه على انفسنا وعلى غيرنا ، ولكن لعمر الحق وبالله عليك قد يسألني احدهم عن اي خداع تتحدث ، كيف نخدع انفسنا ، كيف يخدع المرء نفسه ؟ نعم نحن نخدع انفسنا لكي نبقى متسقيين مع انفسنا ، مع ذواتنا الاجتماعية ، وحتى ذواتنا الفردية التي لا تعرف استقلالا لها خارج اطار المجتمع ، خارج الشرط الاجتماعي ، في نهاية المطاف الانسان وكما قال ارسطو هو حيوان اجتماعي ، كائن اجتماعي ، لا يتحدد خارج المجتمع على النحو الذي نفهمه ، عليه وبه .
قبل زاء 400 سنة تحدث الفيلسوف التجريبي البريطاني ، فرانسس بيكن ، في كتابه الالة الجديدة ، حديثا ذكيا جدا ، على ما صار يدعى في القرن العشرين بالتحيُّزين ، تحّيُز التشكيك وتحّيُز التاكيد ، لكنه ودون ان يستخد هذين المصطلحين بعبارة قال " ذهن الانسان يعمل وفق هذه الكيفية ، لديه مفاهيم او مفهومات مسبقة ، يعتقد بها ، يتبناها ، يبدأ هذا الذهن بعد ذالك يبحث ويأكد ويلتقط كل ما يعززهذه المفاهيم او تلكُم القناعات ، في الوقت الذي يتغافل فيها او يعُمى فيه او يتعامى – هنا الخديعة – عن كل ما من شأنه ان يُشكك في تلك المفهومات او ما يهز القناعة في تُلكم المتبنيات او المفروضات ، يتعامى عنها وكانها غير موجودة ، فعلا كأنها غير موجودة " هذا بالضبط ما قلته لكم ما صار يدعى في القرن العشرين بتحيز التأكيد وتحيز التشكيك .
ما معنى تحيز التاكيد ؟ ساضرب لكم مثالا بسيطاً من كلامنا ، هناك بيت شعر في العربية ،
وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ولكن عين السخط تُبدي المساويا
حينما تكون راضيا عن صاحبك ، سواءاً كان هذا الصاحب زوجك ، او زوجتك ، او معلمك او شيخك او جارك او شريكك في العمل والتجارة الى اخره ، حين تكون راضيا عنه لا ترى الا حسناته ، هو احسن الناس ، هو ائمن الناس ، هو اكرم الناس ، وحين تنُبه على بعض سيئاته ، بعض انحرافاته ، دائما تُصغرها ، كأنها غير موجودة ، قبته حبة ، تراها حبة مع انها قُبة لانه حبيبك .
الجديد في المسئلة اننا لا نفعل هذا من باب الخداع الواعي لانفسنا ، بالعكس نحن مخدعون حتى النخاع ، حتى الاعصاب ، حتى الدماغ ، بمعنى ان حتى ادمغتنا ترى ذالك ، لا اننا نراها ثم نخون ضميرنا ، نراها قبة ثم نقول انها حبة ، هذه خيانة ، لا لا لا نرى القٌبة حبة ، ادمغتنا ، عقولنا ، ترى القُبة حبة، لكن هذا الى حين .
حين نغضب ونسخط ، ترتفع المودة ، تتلاشى وتضمحل ، نغدو ونرى الحبة قُبة ، قد تكون قُبة ولكننا سنراها دائما اعظم مما هي ، وقد تكون في الواقع حبة ، ولكننا سنراها قُبة ، والمصيبة ان جاز التعبير نحن حتى في هذه المرة نحن ربما ، ربما ليس بالتاكيد دائما ، لا نكذب على انفسنا ولا نخون ضمائرنا ، نحن نراها قُبة ونقسم بالله غير حانفيين انها قُبة ، فهذا معنى تحيز التاكيد ، حين تقتنع بشئ تحبه ، توده ، ترى كل شئ يدعم هذه القناعة ، وتعمى عن كل شئ يقوض اسس هذه القناعة او يهزها حتى مجرد هز او يشوش عليها وعكسه تحيزالتشكيك ، عكسه تماما .
من التجارب اللافتة والمثيرة الى ابعد الحدود في هذا الصدد ، تجربة اجراها العلماء في الولايات المتحدة الامريكية سنة 2004 ايام الانتخابات ، في حمى الانتخابات على الرئاسة بين الحزبين الجمهوري ومرشحه جورج بوس الابن والديمقراطي ومرشحه جون كيري - الان صار وزير خارجية - مالذي حصل جاؤا بمجموعتين ، مجموعة مؤيدة للمرشح جورج بوش ومجموعة مؤيدة للمرشح الديمقراطي جون كيري ، وعرض على المجموعة الاولى اقوال واضحة يناقض فيه المرشح جورج بوش نفسه يقول الشئ مرة وضده مرة اخرى ، ثم عرض على المجموعة الثانية الشئ ذاته مجموعة اقوال وتصريحات لجون كيري يناقض نفسه بشكل صارخ .
طبعا الجديد في هذه التجربة انها تستخدم احدث واعلى التقنيات في دراسة الدماغ وعمل الدماغ ، تقنية لن اصدعكم بها ، تقنية في التصوير تمكن العلماء تقريبا من ان يروا ماذا يحدث داخل المخ الانساني تقنية الM R I تقنية غريبة جدا نستطيع ان نرى المراكز في الدماغ في حالة نشاطها واشتغالها ، نعلم من الذي يشتغل الان ، وفي اي درجة تقريبا وما الذي لا يشتغل . حين عرض على المجموعة الاولى مؤيدي جورج بوش الجمهوري ، هذه الاقوال المتناقضة له ، التصريحات المتشاكسة المتعارضة ، العجيب انهم لم يروا تناقضا ، دائما هناك تبرير لهذا التناقضات ، سيقول احدكم ان هذا يحدث معنا دائما ، هو فعلا يحدث دائما وفي كل يوم ، وفي كل موقف وفي كل ساعة ، انت ستعمى عن كل ما يُسيئ وكل ما يُشين الى ماتحبه ومن تحبه ، ما رائيك ؟ ستعمى حقيقةً المشكلة ، كما قلت لن تخدع نفسك ، لن تخون ضميرك الان ، انت مخدوع ،لكن لا تمارس هذا بوعي ، هذا يُمارس عليك تقريبا ، شئ غريب جدا ومحير ، الى الان غير واضح ، على كل حال ، كل شئ كان مبرر ولم يجدوا تعارضا وتناقض لكلامه ، نفس الشئ يتكرر مع مؤيدي المرشح الديمقراطي جون كيري . الجديد والمثير يا اخواني انه بهذه التقنية ، تقنية التصوير للدماغ والمخ وضح للعلماء وبان لهم ان المكان او المركز الذي كان ينشط حينما تعرض عليهم الاقوال المتباينة ، ليس هو المركز الذي يقوم بالتقويم المنطقي الاستنباطي العقلي المحاكمة العقلية ، ابدا وانما المركز الذي كان ينشط هو مركز العواطف والانفعالات ، طبعا هذا حبيبنا ومرشحنا ، لذالك نحن لا نرى التناقضات ، بالعكس لكل مقام مقال ، هو قال كل شئ في مقامه وقاله على احسن ما يكون ولذالك لم يروا تناقضا ، لكن ماذا لو ان المركز الذي اشتغل وتنشط هو مركز المحاكمات العقلية والمنطقية طبعا لراوا كما رؤا اعدائهم او اخصامهم الديمقراطيون التناقضات واضحة جدا ، بوش تناقض مع نفسه بشكل صارخ ، هذا يتكرر ايظا على النحو نفسه مع المجموعة الاخرى في حين راى الجمهوريون المؤيدي لبوش تناقضات جون كيري واضحة ، وهنا التصوير اثبت لنا ان الذي اشتغل في هذه اللحظة هو مركز المحكمات العقلية ، الاستنباط ، الان يشتغل ، لكن يشتغل ازاء تناقضات خصمنا الديمقراطي او خصمنا الجمهوري اما اذا تعلق الامر بمرشحنا هذا المركز يضمحل عمله ، يتراجع ، يتلاشى ، ويبدء بالعمل مركز العواطف والانفعالات لانه حبيبنا ، اذا هؤلاء مخدعون دون ان يدروا انهم مخدوعون ، ويمكن لاي منهم ان يحلف باغلظ الايمان واوثقها انه صادق مع نفسه وصادق مع ضميره لا يخون عقله ولا قناعاته هذه هي الحقيقة ، هذا هو الواقع مستعد ان يباهل ، مستعد ان يدخل النار من اجل ذالك شئ غريب يا اخواني ويحدث مع الجميع ويبدو لنا اننا في ورطة حقيقية لا منجى منها بالنسبة لي كرجل مسلم ، وارجوا اكون مؤمننا صادق الايمان بحول الله ، انا ارى انه لا منجى الا بأستهداء الله تبارك وتعالى ، لعل هذا هو بعض السر في اننا نبتهل الى الله في كل ركعة من ركعات صلواتنا ، اهدنا الصراط المستقيم ، اهدنا الصراط المستقيم ، اهدنا الصراط المستقيم
لانه ان لم يكن من الله عون للفتى اول ما يجني عليه اجتهادهُ
لذلك في نهاية الحلقة ابتهل الى الله سبحانه وتعالى لي ولك ، ان يمدنا بعونه بمدد دائم حتى لا نَضِل ولا يغضب ، ويرينا بفضله وكرمه الحق حقا وان يرزقنا اتباعه والباطل باطلا وان يرزقنا اجتنابه ،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .