رد: وقفات مع ذكريات حسنة أو سيئة ( تتمة ال 100 الثالثة ) :
04-01-2011, 06:20 AM
273- الأخوة والمحبة في السجن نعمة عظيمة جدا :
أذكر أننا عندما كنا في سجن البرواقية ( ولاية المدية ) لمدة عام ونصف , قضينا سنة ونصف السنة كفترة من أحسن فترت حياة كل واحد منا الخاصة , أو قضينا أياما هي من أحسن الأيام في حياتنا . وفي المقابل قضينا في نفس الفترة أياما هي من أسوأ الأيام في حياتنا .
السجن كأي شيء آخر فيه الخير الكثير وفيه الشر الكبير .
كان في السجن الجوع والعطش والألم والحزن والتعذيب النفسي والبدني والإذلال والإهانة والظلم والقهر والتعدي والإساءة والفساد والإفساد , وسب الله ورسوله وعلماء الإسلام وشتم الصحابة رضوان الله عليهم , والتهديد بالإكراه على الزنا وعلى شرب الخمر ...الخ ...
ولكن كان في السجن كذلك الأخوة والمحبة والتكافل والبكاء من خشية الله والذكر والدعاء الصادقان والخالصان ورؤية الرسول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في المنام وتعلم الدين وحفظ القرآن وقوة الإيمان والثبات على الحق والاستهانة بالباطل مهما علا وتكبر وتجبر والاعتزاز بالحق والاستعداد في كل وقت للتضحية بالنفس رخيصة في سبيل الله تعالى و ... وهكذا ...
ومما أذكره من حسنات السجن فيما بين نوفمبر 1982 م وماي 1984 م الأخوة الكبيرة والمحبة العظيمة التي كانت فيما بيننا وكذا سعة الصدر وطول البال أثناء خلافاتنا مع بعضنا البعض . نختلف – طبعا في مسائل دينية أو دنيوية , فرعية وثانوية واجتهادية - فيما بيننا . ويسيء الواحد منا إلى الآخر في حوالي 1 % من الأحوال , ولكن والحمد لله وفي حوالي 99 % من خلافاتنا كان شعارنا قولا وعملا , قانونا وتطبيقا هو " رأيي صواب ولكنه يحتمل الخطأ ورأيك خطأ ولكنه يحتمل الصواب " و " نتفق ونحن إخوة ونختلف ونحن إخوة كذلك " و
" اختلافاتنا يجب أن تكون رحمة لا نقمة " و " نختلف ولكن لا يجوز أن يفسد اختلافنا الود الذي يجب أن يكون بيننا " و " المحافظة على الأخوة الإسلامية ومقتضياتها واجب من أهم واجبات الإسلام " .
ومنه فإنني أؤكد على أننا اختلفنا فيما بيننا في مئات المسائل أو آلاف , ومع ذلك لا يقول أحدنا للآخر أبدا ما يسيئه أو يجرحه أو يقلقه أو يؤذيه أو ... ولا يسب أحدنا الآخر ولا يشتمه أبدا , ولا يسخر أحدنا أبدا من الآخر ولا يستهزئ به في أية لحظة , ولا يُـنفِّر أحدنا أبدا من أخيه ولا يُحذر منه أبدا مهما كان . وأؤكد على أنه لم يقل أحدنا لآخر أبدا أبدا أبدا " أنت ضال أو منحرف أو فاسق أو فاجر أو مائع أو منحل أو مبتدع أو... أو أنت تكذب أو تسرق أو تخون أو ...". لم يحدث هذا أبدا أبدا أبدا لا في النوم ولا في اليقظة . وحلاوة الجو الإيماني الذي كنا نعيشه في السجن وكذا بركات الأخوة والمحبة التي كنا نستظل بظلالها لا يحس بها إلا من عاشها , ومع ذلك نسأل الله أن يعافينا جميعا من السجن" لا تتمنوا لقاء العدو , ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا ".
وكنتُ في تلك الفترة أقدم لإخواني ال 20 الموجودين معي في السجن درسا أسبوعيا في فقه العبادات على المذهب المالكي مقارنا بالمذاهب الأربعة الأخرى ( الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وبن حزم ) , وكنت في دروسي هذه أركز على جملة أشياء منها :
1- تعلم أحكام العبادات على مذهب الإمام مالك .
2-مقارنة مذهب الإمام مالك ببقية المذاهب والتأكيد على أن كل المذاهب محترمة وكلها تشكل الإسلام العظيم , وأنه لا يجوز التعصب لواحد منها ولا ضد واحد منها .
3- تعلم فقه الاختلاف والاستفادة منه في سائر شؤون حياتنا الدينية والدنيوية .
وفي المقابل كان الكثير الكثير من الإخوة الإسلاميينالمعتقلين في الجزائر في الفترة ما بين 1992 م و 2000 م , كانوا في بعض المعتقلاتيختلفون فيما بينهم بالليل والنهار في مسائل ثانوية فرعية اجتهادية في الدين أو فيالدنيا . وبسببها يسخر بعضهم من بعض ويشتم بعضهم بعضا ويحذر بعضهم من بعض , و... وكانوا يعيشون كأنهم خصوم وأعداء وكأنهم ليسوا إخوة في الدين وليسوا دعاة إلى اللهوليسوا مساجين ومعتقلين في سبيل الله , و... ووصل بالبعض منهم الجهل والتعصب للأسفإلى درجة أنهمأصبحوا يصلون في المعتقل جماعة منخلال أكثر من جماعة واحدة للصلاة المفروضة الواحدة , وذلك بسببالاختلاف والتعصب لمسائل بسيطة جدا لا يجوز أبدا التعصب لها أو التشدد من أجلها , لأنها إما متعلقة بمستحبات أو سنن فقط , أو بواجبات أو فروض خلافية بين الفقهاء والعلماء .
274- " سي عبد الحميد , وعمي عبد الحميد , والأخ عبد الحميد " :
أنا هنا أذكر جانبا هزليا بسيطا جدا من حياتنا التي كنا نعيشها في السجن , والذي كنا من خلاله نُرِّوح به عن أنفسنا ونقوي من خلاله أنفسنا على عبادة الله وكذا على الصبر على متاعب السجن والتحقيق والتعذيب و ... كنا في السجن في الفترة الممتدة من نوفمبر 1982 م وماي 1984 م , كنا 21 شخصا: أنا ومعي 20 آخرون.
وكنا ثلاثة أشخاص أسماؤنا " عبد الحميد " .
ومنه اقترح علينا في يوم من الأيام الأخ ... الذي كان أستاذ عربي في الثانوية ثم في الجامعة , رحمه الله , لأنه مات خلال السنوات الحمراء العشرة بالجزائر , أي سنوات التسعينات . قلتُ : اقترح علينا الأخ أمرا حتى لا تختلط الأسماء بين الإخوة بين عبد الحميد وعبد الحميد وعبد الحميد .
اقترح علينا اقتراحا اتفقنا عليه جميعا , وبقينا نعمل به طيلة العام والنصف وحتى خروجنا من السجن في ماي 1984 م , بعد أن حكمت محكمة أمن الدولة بالمدية , حكمت علينا جميعا بالبراءة .
اقترح الأخ الفاضل رحمه الله رحمة واسعة ورزقه أجر الشهداء , لأنه مات مقتولا .
اقترح أن ينادى الإخوة :
1- على الأول ( وكان طبيبا إسمه ... عبد الحميد ) ب " سي عبد الحميد " .
وسي معناها " السيد " , وهي كلمة تطلق على الشخص كدلالة على احترامنا وتقديرنا له ولعلمه , كما نقول اليوم للمطلع على الإسلام " يا شيخ " .
2- وعلى الثاني ( وكان طالبا في جامعة بضواحي الجزائر العاصمة , إسمه ... عبد الحميد ) ب " الأخ عبد الحميد " .
3- وأن ينادى علي أنا ( عبد الحميد رميته ) , بـ " عـمي عبد الحميد " .
ومع أنني لم أكن الأكبر سنا في ذلك الوقت , بل كان عمري آنذاك 27 عاما وكان الشيخ عباسي مدني مثلا يرقد بجانبي في ذلك السجن وفي تلك الفترة , كان عمره حوالي 53 سنة أي أن سنه كان ضعف عمري أنا , إلا أن الأخ اقترح على إخواني مناداتي ب" عمي " من جهة للتفريق بيني وبين الآخرين ومن جهة أخرى من باب الاحترام والتقدير لمن نقول له " عمي " حتى وإن كان في السن أصغر منا .
وكم كانت تعجبني كلمة " عمي عبد الحميد " التي سمعتها بعد ذلك من إخواني خلال فترة السجن كلها , سمعتها منهم آلاف المرات .
وفقني الله وأهل المنتدى جميعا لكل خير , آمين .
275- " الإغضاء عن السفيه يزيد صاحبه رفعة " :
وقيل كذلك " الإعراض عن الجاهل أحسنجواب له ". فإذافرضنا أن شخصا قال لك - بعد أن قدمت له نصيحة ما - ما لا يصلح أن يُقال , فلـمَتقلقْ وتغضبْ وتثورْ !؟ . إن الذي قال لك ما لا يليق , أثبتَ بذلك عيبَـه هو لا عيبَـك أنت .
إنه زاد من حسناتكعند الله , كما زاد هو من سيئاته .
إنه هبط بقيمته عند من يسمعه إلى الحضيض , أما قيمتُـك أنت فلن تُنقصَ منها تلك الكلمات شيئا , بل إن قيمتك يرفعُـها اللهغالبا عند الناس كلما تحمَّـلتَ الأذى وقابلتَ السـيـئـةَ بالحسنةِ واحتسبتَ أجركَعند الله .
وأذكر هنا بالمناسبة أن رجلا طلبني منذ حوالي 15 سنة من أجل أن أحكم بينه ( هو وزوجته ) من جهة , وبين أهل زوجته من جهة أخرى , أن أحكم بين العائلتين في قضية لها علاقة بالميراث . سمعتُ من الطرفين في جلستين طويلتين , ثم حكمتُ بما رأيتُه موافقا للشرع الحنيف , وطلبتُ مع ذلك الاستعانة بعد ذلك برجل له اختصاص في المسائل التقنية حتى يُكملَ القسمة بين العائلتين من الناحية المادية والمالية والتجارية .
وبعد أن حكمتُ بما حكمتُ به لم يعجب الحكمُ الرجلَ فثارت ثائرته وقال لي " ما دخلك أنت يا عبد الحميد ؟!". فقالت له زوجته " أنت الذي طلبتَ الشيخ عبد الحميد يا رجل !".
سكت برهة ثم قال لي " أنت مزور , أنت جئت تدافع عن غيري بالباطل , أنت مفسد !!!". قلتُ له " ما دمنا قد وصلنا إلى هذا الحد فأنا أستأذن في الانصراف , وشكرا جزيلا لك ".
أرادت زوجتي أن تنصرف معي من بيت هذا الرجل ( كان زوجا لإحدى محارمها من النساء " , فطلبتُ منها أن تبقى ساعة أو ساعتين لتكمل الزيارة وصلة الرحم ثم تلحق بي , وأضفتُ قائلا لها " الرجل اختلف معي أنا , وأنا لا أريد أن أدخلك أنتِ في الوسط . قريـبـتك هي قريبتك وصلة الرحم في الإسلام هي صلة الرحم مهما كان بيني وبين زوج قريـبـتك " .
خرج الرجل معي , إلى باب الدار وقبل أن نصل إلى الباب , قلتُ له " أنا أتمنى منك أن تُحكم أي إمام في مدينة ميلة , وستجد أنه سيحكم بينك وبين ... بنفس ما حكمتُ أنا به قبل قليل " , فقال لي باللفظ " لو نزل الله من فوق سبع سماوات , وحكم بنفس ما حكمتَ به أنت , ما قبلتُ بحكمه أبدا !!!". والعياذ بالله تعالى , وأستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم .
ومنذ تلك الحادثة كلما صادفتُ الرجلَ في طريقي أسلم عليه فلا يرد .
وفي يوم من الأيام جاء إلى ثانويتنا ليسأل عن ابنته وعن أحوالها , فأخطأت الإدارة وظنت بأن ابنته كانت تدرس عندي فاستدعت مجموعة من الأساتذة , وأخطأت فاستدعتني أنا معهم . دخلتُ إلى مكتب المسؤول وقلتُ للولي وللمسؤول وللأساتذة " السلام عليكم " فردوا " وعليكم السلام " . ولما رأيتُ بأن التلميذة لا تدرس عندي وأن الأمر لا يعنيني , خرجتُ في الحين . الحادثة وقعت في الصباح على الساعة ال 10 , وعند الساعة الواحدة التقيتُ بأستاذ من الأساتذة الذي قال لي " يا أستاذ رميته , أنت في الصباح , وبمجرد خروجك من عندنا لحقنا بك فخرجنا وراءك " , قلتُ " ما الذي أخرجكما وقد جاء الأب يسألكم عن ابنته ؟!" , فقال لي " بمجرد أن خرجتَ أنتَ رد على سلامك بقوله ( أنظروا إلى الكلب الذي يسمى عبد الحميد ) , فلم نفهم لماذا قال لك ذلك , ولكننا انصرفنا عنه وقلنا له ( إن كانت الأستاذ رميته كلبا , فكلنا كلاب ) . أراد الولي أن يبقينا ولكننا أصررنا على الانصراف ".
قلتُ وما زلتُ أقول " سامحه الله وهداه الله ثم أسعده الله في الدارين " . ومع ذلك فأنا أجزم 100 % وليس 99 % بأن الرجل أسقط من قيمته عند كل من سمع بقصته وبما قال لي وما فعل معي ( وعلى رأسهم زوجته الفاضلة ) , هذا فضلا عن إثمه عند الله عزوجل .
اللهم اغفر لنا جميعا وارحمنا واهدنا وارزقنا وعافنا , آمين .
يتبع : ...
اللهم اغفر لأهل منتديات الشروق وارحمهم واجعلهم جميعا من أهل الجنة







