تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية علي قوادري
علي قوادري
مشرف شرفي
  • تاريخ التسجيل : 30-07-2008
  • المشاركات : 4,559
  • معدل تقييم المستوى :

    22

  • علي قوادري is on a distinguished road
الصورة الرمزية علي قوادري
علي قوادري
مشرف شرفي
رد: الطائر الصغير يقود السرب
30-10-2011, 12:09 PM
اخي الحبيب ابن حوران
قرات هنا نصا مميزا ولا شك انه مشروع رواية إن لم تكن فعلا قد اتممتها.
نتمنى ان نكمل معك كل الحكاية.
محبتي.
الديمقراطيه الأمريكيه أشبه بحصان طرواده الحريه من الخارج ومليشيات الموت في الداخل... ولا يثق بأمريكا إلا مغفل ولا تمدح أمريكا إلا خادم لها !
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 05-02-2009
  • الدولة : الأردن/ الرمثا
  • العمر : 74
  • المشاركات : 1,896
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ابن حوران is on a distinguished road
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
رد: الطائر الصغير يقود السرب
08-11-2011, 10:45 AM
أشكركم أخي الفاضل على تزكيتكم العمل

وإنه لشرف كبير أن أحظى بمروركم الكريم

احترامي وتقديري
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 05-02-2009
  • الدولة : الأردن/ الرمثا
  • العمر : 74
  • المشاركات : 1,896
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ابن حوران is on a distinguished road
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
رد: الطائر الصغير يقود السرب
08-11-2011, 10:47 AM
(25)

جبار يُسلِّم.. هذه كلمة السر التي قالها (أحمد صباح البردي) لعلوان، عندما اتصل به ليبلغه عن موعد الاجتماع الحزبي، وأخبره بمكان الاجتماع والطريقة التي يدخل فيها للمكان.. وكان من عادة أحمد أن يغير مكان الاجتماع كل أسبوع، للحيطة الأمنية!


وتفاجأ علوان من فكرة الحيطة الأمنية، في بلدٍ يحكمه الحزب، ويتم تنسيق اختيار الأمكنة مع أمن الجامعة، والحراس المناوبين، فمرة يختار الطابق الثالث من مبنى كلية العلوم، وبعد أن يتأكد من انتهاء المحاضرات في قاعات الدرس، ومرة يختار غرفة مشرف على القسم الداخلي للطلبة.

وفي إحدى المرات، كان أحد أعضاء الحلقة الثمانية، قد تأخر عدة دقائق، فطلب أحمد من أحد أعضاء الحلقة أن يفتح الباب، وكان غير عربي واسمه (سردار)، ففتح الباب المكون من قطعة واحدة على سعته الكاملة، فصاح به أحمد:
رفيق سردار... ماذا عملت؟ لقد كشفت مبادئ الأمة العربية!

عندما تذكر علوان تلك الوقائع بعد أكثر من أربعين سنة على وقوعها، تساءل: هل كان أحمد صباح يستشعر ماذا سيحصل لحزبه؟ وهل كان سلوكه طبيعيا في وقتها؟ ثم تذكر ما كان يحدث في اجتماعات حزب الخلاص الإسلامي قبل ذلك بعدة أعوام، عندما كان المسئول، يبلغ الأعضاء بتغيير مكان الاجتماع الأسبوعي، كل مرة ولم يكن يجعله أسبوعياً، بل كان إذا اجتمع المرة الأولى يوم السبت في مكان (أ) في الساعة السابعة مساءً، فإن الاجتماع الذي يليه سيكون يوم الأحد في مكان (ب) وفي الساعة الثامنة، لكي لا يُتاح حتى للأقارب الربط بين اللقاءات والأمكنة والأشخاص.

ثم قارن علوان بين المواد الثقافية التي كانت تعطى في الحزبين، فحزب الخلاص كان يأتي بكُتبٍ يلصق على جلدتها جريدة، كي لا يُتاح للأعضاء معرفة اسم الكتاب، واسم مؤلفه، وتذكر كيف أنه في مرة تمزقت الجريدة بين يديه فظهر عنوان الكتاب (في ظلال القرآن لسيد قطب)، وكيف أن مسئوله رماه بنظرة تعنيف لم يشأ أن يجعل منها قضية.

أما الحزب الجديد، فإنه كان يوزع نشرات مكتوب على غلافها (خاص بالأنصار، خاص بالأعضاء الخ).

لم يكن الحزب جديداً بل كان أقدم من حزب الخلاص حتى في بلده الأصلي، وتذكر كيف كان جهاز الاستنساخ (الرونيو) يُخبّأ في أوكارٍ حزبية، يتم اختيارها لحسن جوار من حولها، فإن داهمت أجهزة الأمن الوكر، انتقل الجهاز عبر جدران البيوت الى سابع جار، وتفشل خطط الأمن في المداهمة، وكيف لا؟ فعقوبتها ستكون على الأقل عشر سنوات سجن في مكان غير معروف!

(26)

بعد إعلان إيران ضم الجزر العربية الثلاث أو احتلالها في 30/11/1971، خرجت مظاهرات تندد بهذا الإجراء، وتطالب بالرد العملي والقوي..

اصطفت (كراديس) طُلاب الجامعة معظمها حسب منشأ الطلاب، وكان طلاب كل بلد يهتفون بطريقتهم الخاصة، كانت المظاهرة كمعرض فريدٍ من نوعه، وكان علوان يتجول بين الكراديس يشارك في الهتاف أو يستمع لهتاف، كان من يختلط بين الكراديس لا يميز ما يقول الهاتف الرئيسي، وحتى من يرد عليه كان يخطئ في فهم ما قال...

في (كردوس) لطلاب جنوب لبنان كان أحدهم يهتف:
وحدوا.. وحدوا الأمة العربية
دمروا .. دمروا الإمبريالية..
شتتوا .. شتتوا الصهيونية..

وكان من بين الردود ما يأتي: دمروا الأمة العربية، من باب الخطأ غير المقصود..

وكان هناك، شابٌ يحمله البعض على أكتافه اسمه مهدي ويطلقون عليه لقب (ماو العرب) حيث كانت ملامحه صينية، صاحب صوتٍ قوي يهتف:
يا إيران جاكي جاكي
حزب الشعب الاشتراكي
ويرد الجميع عليه بحماس
والذين يحملونه على الأكتاف يرقصون طرباً.. فسقطت (فردة) من حذائه.. فصاح وهو لم يتخلص من لحن الهتاف..
(نزلوني وقعت كندرتي: أي أنزلوني سقط حذائي)
ومن خلفه يهتفون: نزلوني وقعت كندرتي..

لم يكن هناك من يدقق بالهتافات، فمعظمها تأتي بنت وقتها..

(27)


في اليوم الثالث من المظاهرات، كان موعد الاجتماع الحزبي، الحضور، مراجعة محضر الاجتماع السابق، التعليمات، الموضوع الثقافي، وكان عن كتلة عدم الانحياز، ومن ثم متفرقة..

أنجز المسئول أحمد صباح البردي النقاط التي تسبق الموضوع الثقافي بدقيقة ونصف، وكان يجلس خلف المنضدة، يضع كتاباً دراسياً على فخذيه دون أن يراه أعضاء الحلقة، وكان يبدو أنه يقرأ لامتحانٍ في الغد. وعندما كان على أحد الأعضاء المكلفين بطرح الموضوع الثقافي (كتلة عدم الانحياز)، لم يكن قد اطلع عليه أحد أو حضره إلا من سبق وأن كُلِّف بتحضيره، ورغم أن الموضوع طويل واحتل في المجلة الحزبية تسع صفحات، لكن من كُلف به أنجزه بدقيقة، دونما اعتراض لا من المسئول ولا من أعضاء الحلقة على الاختصار الشديد، وعدم التحضير..

ثم جاءت (متفرقة)، وهي الفقرة التي يشطح بها الرفاق، واختاروا ساعتها الحديث عن إيران واحتلالها الجزر الثلاث (طُنب الكبرى والصغرى وأبو موسى)، فقال أحدهم: علينا احتلال إيران وإجبار الشاه على إعادة الجزر!
ـ قال آخر: هل إذا أعادها يتوجب علينا الخروج من إيران؟
ـ قال آخر: عندها لكل حادثٍ حديث..

استمر الحديث بهذا الشكل، وأحمد صباح لا يتدخل، فقد كان منهمكاً بدراسة ما في يديه..

نبهه علوان: رفيق أحمد... ضع حداً لهيئة الأركان العسكرية، فقد تتخذ قراراً بالانسحاب!!



تساءل علوان، بعد انتهاء الاجتماع، هل تصنع تلك الاجتماعات رجالاً للمستقبل؟ ربما تصنع، وربما لا تصنع، إنها على الأقل تعلم الشباب الانضباط والجدية وملكة الحوار وملكة التحليل، وتصوِّب ما لديهم من قناعات مرتبكة عن الحياة السياسية والكيفية التي سيؤدي بها من يؤمن بموالاة فكرة أو نظام ولائه.

ولكن، هل المواضيع الثقافية ضرورية لإنجاز ذلك؟ قد تكون ضرورية، ففيها من المعلومات ما تعين في اتخاذ قرارٍ مؤمن، بعكس الجاهل بما يدور حوله! وهل كان رجال الفتح الإسلامي والمعارك الأولى قد قرءوا ابن تيمية والخلافات بين المذاهب، أم كانوا يحفظون بعض قصار السور ويتسلحون بهمة عالية، واندفاع هائل.. وهذا كان يحدث مع التتار في غزواتهم فقد لا يكون الجنود قد وقفوا عند العقيدة العسكرية لهولاكو أو جنكيز خان.. فمعظم الانتصارات والحروب وحتى الإنتاج الاقتصادي الكبير ينجزها أقل الناس ثقافة وقراءة، ولكن تحت إمرة من يكون قد ألَّم بها جيداً!
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 05-02-2009
  • الدولة : الأردن/ الرمثا
  • العمر : 74
  • المشاركات : 1,896
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ابن حوران is on a distinguished road
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
رد: الطائر الصغير يقود السرب
18-11-2011, 08:01 PM
(28)

عاد علوان الى أهله، بعد غياب أربع سنوات، كان نجيب قد تخرج منذ سنتين وعمل مهندساً في البلديات ثم سافر ليعمل في إحدى دول الخليج. لم يتغير الوضع المادي كثيراً في البيت، ولكن كثير من الطِباع قد تغير، فلم يعد في البيت بقرة تحلب، ولم يعد في البيت فرناً يُصنع فيه الخبز، ولم يعد والده يحمس القهوة في الصباح ويضرب على (المهباش) لسحن القهوة وإضافتها من إبريق لآخر باحتراف، أو لقتل الوقت، وكانت وجبة الإفطار مليئة بالأصناف المشتراة من خارج البيت (حليب، زبد، جبن، لبن رائب) حتى البيض كان يُشترى هو الآخر. وعند الغداء لاحظ علوان أن المائدة لم تخلُ يوماً من اللحوم أو الدجاج.

لم يشأ علوان أن يسأل والدته عن مصدر أثمان تلك الأشياء، وقد سألهم يوماً عن جهاز تلفزيون 24 بوصة، كم ثمن ذلك الجهاز، فأخبروه بأن أخاه (نجيب) هو من أحضره من دول الخليج، فخمن أن أخاه هو من يرسل لهم تلك الأموال.

لم يخبرهم علوان أنه لم يتخرج بعد، بالرغم من أنه لم يُسئل عن ذلك، فقد بقيت عليه مادة واحدة سيقدمها بالدور الثاني بنهاية الصيف، وكان عليه أن يعود للجامعة لتكملتها.

عند الإفطار أبلغه والده أن عمه (قدري) دعاه للغداء، وكانت تلك العادة مُتبعة في الأرياف، فما أن يغيب أحدهم بالسفر بضعة أيام، حتى يعمل له أقاربه (دُوُرية) أي كل واحد يدعوه مرة. لم يبتهج علوان بتلك الدعوة فيعرف أن عمه قدري هو من كان يحرض والده على عدم إرساله للجامعة، توفيراً للمصاريف وحتى لا يبيع أرضه من أجل ذلك. حاول علوان التملص وعدم الذهاب لتلك الدعوة، ولكن أبوه زجره وقال: (عيب يزعل عمك)!.

(29)

ماطل العم (قدري) في إحضار طعام الغداء، وكان كل دقيقة يُرحب بابن أخيه ترحيباً أثار استغراب علوان لتكراره، فتساءل في سره: هل عمي يريد أن يستدرجني لخطبة ابنته؟

كان العم قدري يسأل زوجته أسئلة لا يربط بينها رابط: أين محمود؛ أين علي؟ يسأل عن ولديه وهو يعلم أنهما سافرا في شاحنتيهما الى الخارج، فتجيبه أنهما في سفرهما ولعلهما يعودان اليوم.. ثم يسأل عن ابنته (فتحية) فتحضر: فيسألها هل أحضر أبو عايد ما تبقى عليه من مال.. فتجيب نعم يا أبي أحضرها.. فيأمرها: هات ذلك المال لأعده، فيقوم بعد المال على مهله وبصوت مسموع: نعم ستة آلاف وخمسمائة دينار..

يعود العم قدري بالترحيب، ويقوم بالسؤال عن مدين آخر: هل أحضر الحاج مسعود قسط سيارته؟ فتقوم زوجته بالطلب من ابنتها فتحية: أحضري النقود التي في الخزانة، فيقوم بعَدِّها بنفس الطريقة..

على المائدة رحب العم قدري بعلوان مرة تلو الأخرى، ولا ينسى المقبلات لذلك الطعام (الدسم)..

ليس هناك أفضل من العمل الحر، نحن نأكل أحسن الطعام دون أن نبيع شبراً واحداً من الأرض، ليس كوالدك (الله يصلحه!) كل يوم يبيع قطعة أرض ليشتري حليباً ولحماً ودجاجاً!

فكر علوان: إذن أثمان الطعام الفاخر الذي تقدمه والدته يومياً مصدرها من بيع الأرض، وليس من المال الذي يرسله نجيب!

كانت تلك الدعوة بمثابة رهانٍ ثقيل لقياس مدى تحمل علوان للؤم عمه، وقد انتهت بتشويش على واقع الأسرة...

(30)

في المساء التقى علوان بإبراهيم أحد خريجي الجامعات اليوغسلافية، وكان متعطلاً عن العمل، وكان يحضر اللقاء والد إبراهيم، الذي كان يتمنى أن علوان أحد أولاده، وأثناء الحديث قال والد إبراهيم بتهكم مقصود، غداً أو اليوم أضيف لجيش العاطلين عن العمل من الجامعيين واحدٌ آخر، وكان يقصد علوان...

دار الحديث، فاقترح والد إبراهيم أن يموِّل مشروعا يتشارك فيه كل من إبراهيم وعلوان، فقد كان ميسور الحال من عمله المتعلق بالتخليص على البضائع.. وقد اختار أن يكون المشروع (مزرعة لتربية أبقار الحليب)، تمت المسألة بسرعة غريبة..

اشترى والد إبراهيم اسمنت، رغم صعوبة الحصول على مثل تلك المادة في تلك الأيام، ووضع حارساً، وكان ينتظر من علوان إنهاء دراسة الجدوى الاقتصادية. وفي تلك الأثناء كان يوقظ إبراهيم بعد صلاة الفجر ويسمعه كلاماً قاسياً (لا أظن أحداً ينام للضحى العالي سينجح بمشروع!) كان يعلم أن إبراهيم لا يصلي بعكس علوان، ولكنه كان يريد أن يغتنم فرصة ربط ابنه به وجدانيا ومادياً...

لم يكتف والد إبراهيم بمناكفة ولده، بل امتدت المناكفة لتطال علوان نفسه، فعند مناقشة الجدوى الاقتصادية معه عندما كان يقرأها علوان ويشرحها، فاجأه أبو إبراهيم بنقطة لم تخطر على بال أحد.. إنك لم تتخذ تدابير كافية إذا ما هاجم قطيع الأبقار (نمرٌ)...

ـ نمر يا أبو إبراهيم؟
ـ نعم نمر.. لماذا لا نحتاط لكل صغيرة وكبيرة؟
ـ وهل نحن في حوض الأمازون أو زمبيزي؟

غمز علوان إبراهيم، وأفهمه فيما بعد أن يصرف النظر عن مثل ذلك المشروع، وعلم فيما بعد، أن أبا إبراهيم قد ربح من بيع الاسمنت!

التعديل الأخير تم بواسطة ابن حوران ; 18-11-2011 الساعة 08:03 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية علي قوادري
علي قوادري
مشرف شرفي
  • تاريخ التسجيل : 30-07-2008
  • المشاركات : 4,559
  • معدل تقييم المستوى :

    22

  • علي قوادري is on a distinguished road
الصورة الرمزية علي قوادري
علي قوادري
مشرف شرفي
رد: الطائر الصغير يقود السرب
18-11-2011, 08:52 PM
يبدو انها رواية وليست قصة.
ننتظر بقيتها.
الديمقراطيه الأمريكيه أشبه بحصان طرواده الحريه من الخارج ومليشيات الموت في الداخل... ولا يثق بأمريكا إلا مغفل ولا تمدح أمريكا إلا خادم لها !
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 05-02-2009
  • الدولة : الأردن/ الرمثا
  • العمر : 74
  • المشاركات : 1,896
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ابن حوران is on a distinguished road
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 05-02-2009
  • الدولة : الأردن/ الرمثا
  • العمر : 74
  • المشاركات : 1,896
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ابن حوران is on a distinguished road
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
رد: الطائر الصغير يقود السرب
26-11-2011, 11:44 AM
(31)

لم يبقَ على علوان إلا أن يعلن عن نظريةٍ ظن أنه هو أول من اكتشفها، نظرية تتعلق بالغربة والألفة، فمدة مكوثه في بلده كانت وكأنها فترة لكسر رقم قياسي في البقاء في مكان لا يرتاح فيه، كالغوص تحت الماء، أو التهام كمية من طعام رديء المذاق، أو مجالسة سفهاء، أو المراهنة على عد أكبر كمية من رمال الصحراء..

كان تواقاً للعودة الى المدينة التي فيها جامعته، وقد قرر في سره أن لن يغادرها بعد تلك المرة، فالمجالسة فيها أكثر متعة والوقت فيها لا يتشابه مع سابقه، فالنمو فيها أكثر اتزاناً وأكثر فائدة...

أما الهواء الذي يتنفسه، فكان عنده ليس تلك الغازات المنتشرة في الفضاء وليس نقائها وجودتها بزيادة نسبة الأكسجين بها، بل كان عنده مختلفاً باختلاف من يخالطهم، فهذا ابن تونس وينتهي اسمه ب (اللومي) وهذا ابن اليمن الجنوبي و ينتهي اسمه ب (با مدهاف) وهذا ابن البحرين وينتهي اسمه ب (الزياني) وهذا ابن سوريا وينتهي ب (الدقاق)، وهذا ابن العراق وينتهي ب (الجبوري) وأسماء كثيرة من كل بلدٍ ومدينة، كانت رئتاه تتمدد الى لا حد، لتستوعب كل ما يصادفها..

هناك فرقٌ أن يعيش الشخص بوسطٍ مكون من عشرة آلاف نسمة، قد يكونوا أبناء جِدٍ واحد أو أبناء خمسة جدود، تناقلوا خبراتهم وثقافاتهم فيما بينهم، فأصبح الأمر محكوما عليه بمساره، وبين عشرة آلاف أتوا من عشرة آلاف جدٍ جاوروا أجداداً غيرهم، فكما أن كل أمة تجر وراءها آلاف السنين المليئة بالخبرات والمعارف غير المدونة في كتب، فهؤلاء الخلطاء الجدد يعتبروا منجماً لتعزيز الثقافة المطلوبة لتكوين الشخصية التي كان يتوق لها علوان.

وحتى لا يكون مملاً وغير مقبولاً عند مقابلة أمثال هؤلاء، كان يجدد في مطالعاته وقراءاته ليحملها (زوَّادة) للتفاعل مع هؤلاء، وهذا سيكون رافداً عظيما آخر لحقن ذاته.

(32)

لاحظ مسئولوه همته وحبه لأدائه في مهامه التنظيمية، فأوصوا بإدخاله دورة للقيادات الوسطى، فبعد أن كان يمارس مسئولية تسع حلقات في الأسبوع الواحد، أضيفت عليه مهمة جديدة وهي الخضوع لدورة مكثفة، حاضر فيها أساتذة جامعات ممن آمنوا بفكر الحزب، ومفكرون كِبار، وتناولت مواضيعها شؤونا مختلفة بين السلوك اليومي والانضباط والاحتراف وكتلة عدم الانحياز والاشتراكية والنهوض وحيوية الفكر الخ.

وفي مساء ذات يوم، جاءه أحدهم يحمل حقيبة مملوءة بأشياء، وأخبره بأن عليه حمل تلك الحقيبة الى خارج الحدود، ودونما أن يعبر بتأشيرة جواز سفر، وأعطاه كلمة سر، سيقابله أحدهم خارج الحدود، ليستلم الحقيبة منه، وحذره من عدم محاولة فتح الحقيبة، وأن الانطلاق سيكون من موقف السيارات في الساعة كذا ...

ذهب في اليوم المحدد، والساعة المحددة الى موقف السيارات حاملاً الحقيبة معه، وما أن حَكَم الوقت، حتى أقبل من أعطاه الحقيبة مبتسماً، وقال له: هاتِ الحقيبة، لقد أُلغيت المهمة، تهانينا: لقد نجحت في الاختبار!

لكنه غافل صاحبه ولاذ، ثم استقل سيارة الى منطقة الحدود وعبر الحدود دون تأشيرة، ودون الحقيبة، وبات ليلة رأس السنة في المدينة الحدودية ثم عاد في اليوم التالي، وعندما فاتحه المسئول بذلك، أجاب: كنت بحاجة الى ذلك الاختبار من تلقاء ذاتي..


(33)

تم تبليغ علوان بموعد ومكان حفل ترديد قَسم المرحلة الجديدة ، وذلك بعد أن أكمل خمس سنوات في مراحل ما قبل ذلك، وتم تبليغه بأنه سيحضر الحفل مسئول حزبي كبير.

كان هناك نقاطٌ للتفتيش، مُقامة على كل تقاطع من شوارع فرعية خلت من الباعة والأطفال وحتى الناس، وحُرَّاس يلبسون ملابس تختلف عن ملابس الجيش والشرطة، ومعهم أجهزة اتصالات كالتي مع عمال تفجير الصخور في الجبال. لم يفتشوا أحداً، ولكن يبدو أنهم تعرفوا على المدعوين قبل وصولهم لنقاط التفتيش.

عند مدخل البهو كان هناك شبان سمر يقفون على جهتي المدخل الواسع، يلبسون بدلات رمادية، ويشبكون أزرار ستراتها الوسطى، ويقفون بوقفة استعداد فارجي سيقانهم قليلاً، كانوا يبدون كأنهم فريق كرة قدم أستدعي لتكريمه.

سار بجانب علوان شابٌ من طاقم الاحتفال مبتسماً ابتسامة رسمية، وأعلمه مكان جلوسه، جلس بجانب شابٍ آخر لا يعرف اسمه ولا من أي منطقة جاء.

تأمل المكان الهادئ، فالمنصة لا زالت خالية من رعاة الاحتفال، والكل في حالة سكون وترقب. أشغل نفسه بتخمين ارتفاع البهو، عشرة أمتار، أكثر قليلاً، ثم بعرضه وطوله، وقراءة الشعارات المكتوبة (فلسطين طريق الوحدة.. والوحدة طريق فلسطين)، (نفط العرب للعرب)، (لا حرية بلا تحرر)، (الشهداء أكرم منا جميعاً)، (الزراعة بديل النفط)..

دخل رعاة الحفل القاعة، فنهض الجميع، وكان نهوضهم كقرقعة سلاحٍ تهيأ للرماية، كان الجو مهيباً، وكان الحضور يجلسون برضا واستعداد وكأنهم نُذروا لتخليص الأمة من ويلاتها...

لم يشاهد الكثيرين ممن حضروا الدورة المكثفة، هل لأنهم خافوا أن يعبروا الحدود، أم أن مهامهم كانت مختلفة؟ ومن يدري هل أفشى بعض المسئولين سر الاختبار بأنه وهمي لبعض من جرى عليهم الاختبار؟

حلَّ عليه شعورٌ غريب وهو يستمع لكلمات (كرنفالية)، هل هيبة الجالسين على المنصة قد استمدت من الحراس والشوارع الملتوية، وغرابة المكان؟ أم أنها استمدت من خضوع هؤلاء الأتباع ومظاهر استعدادهم للولاء والدفاع عن المبادئ؟ ماذا لو كان مثل هذا الاجتماع لم ترعاه دولة قائمة؟ ماذا لو كان الدخول للبهو قد جاء بدون حرَّاس وبدون اختبارات وهمية؟ هل ستبقى درجة ولاء هؤلاء الجالسين كما هي؟
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 05-02-2009
  • الدولة : الأردن/ الرمثا
  • العمر : 74
  • المشاركات : 1,896
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ابن حوران is on a distinguished road
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
رد: الطائر الصغير يقود السرب
11-12-2011, 07:54 AM
(34)

طلب علوان من سائق (تكسي ) أن يوصله الى أطراف الغابة، سأله السائق: الى أين بالضبط؟ لم يجبه، ظن السائق أن صاحبه سيتجه لاحتساء الخمر في كازينو قريب من الغابة، لكن هيئته ووقت العصر لا يرجحان ذلك الاحتمال، لم يتكلم معه كثيراً، رغم أنه أعدَّ سلسلة من الأسئلة، كانت تغور في بلعومه قبل أن تتحول لكلامٍ منطوق، كما أنه قد تجاوز مكان الكازينو، دون أن يبطئ من سرعته، بعد عدة كيلومترات... طلب منه التوقف، وناوله أجرته...

لم يكن باستطاعة أي فريقٍ من المختصين أن يتعرفوا على مسحة الوجوم والحيرة التي وسمت وجه علوان، وهو يرمي بقطع من الحصى في مياه النهر الجاري تحت الصخرة التي جلس فوقها... كان الطقس أكثر ميلاً للبرودة قبل حلول الربيع بقليل..

جلس فوق صخرة تعتلي النهر قليلاً وأخذ يراقب الموجات المتتابعة التي كانت تشتت أثر الدوائر الناتجة من سقوط الحصى التي يرميها، وأشعة الشمس تلعق بسطح الماء فتزيل النتوءات البسيطة المتلاحقة من الماء والحصى.. هل تعطش أشعة الشمس لتلعق وجه (روجات) النهر؟ هل تخزنها في معدة السماء لتعود بنثرها كأمطار في موسم آخر؟ هل تنزل نفس القطرات في نفس المكان، هل تتعرف تلك القطرات على ما كان يحاذيها من قطرات أخرى؟ هل للماء مجتمع كمجتمعاتنا يحن الأفراد فيه الى بعض، ويتخاصمون كما يتخاصم أفراد مجتمعاتنا؟ هل تتكلم قطرات الماء أو حتى النهر؟ أصاخ سمعه.. نعم إنها تتكلم! فالهسيس الذي تحدثه ثم تكسره أصواتٌ أعلى بين حين وآخر لا بُد أن يكون كلاماً أو غناءً، ولماذا لا تتكلم وهي أم لكل أشكال الحياة؟

كانت ذكريات عشر سنوات تتشابك مع تأملاته في الماء، فكان خلالها أحداثٌ كثيرة، استقلال كثير من دول الخليج، تأميم النفط العراقي، اغتيال ثلاثة من قادة منظمة التحرير الفلسطينية، (كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار) وانقلاب على (سلفادور الليندي) في تشيلي، وحرب تشرين، وزواجه من فتحية ابنة عمه قدري، وولادة ابنته وابنه، واتفاقية كامب ديفيد، وبدايات الحرب العراقية الإيرانية...

كانت نصف المدة التي قضاها في حالة صعود، ليس عنده بل عند كل من كان يعرفهم، فقد كان الجميع يشعر أنه قد اقترب من تحقيق أهدافه، كثيرٌ ممن كان يعرفهم تطوع الى ساحات القتال في لبنان وفلسطين، وبعضهم استشهد هناك أو في زنازين دولهم... لم تكن تنقصهم الروح الوثَّابة، كانوا سعداء فيما يقومون به. أما نصف المدة الأخرى، فكانت تنبئ بأشياء لم يرتح لها كثيراً، بل كان يتمنى العمل على تصويبها، وإن كانت لم تؤثر على قناعاته، لكنها كانت تخيفه في بعض الأحيان...

عاد معظم الطلبة العرب الى بلدانهم بعد تخرجهم، وكان كلما يبتعد أحدهم يقل رصيده من مخزون الذكريات، ويتساءل هل ممكن له أن يتواصل معهم؟ أم أن احتمالية ذلك لا تزيد على احتمالية التقاء قطرات مياه النهر في دورتها الأزلية؟ وآن له أن يعود...

(35)

تناقل أبناء البلدة خبر اعتقال علوان...
وأخذوا يتساءلون: كيف عاد؟ ولماذا عاد؟ وأين ذهبت زوجته؟ ألم يقل أهله أنه تزوج من ابنة عمه قدري (فتحية)، متى كان ذلك؟ لم نحضر الزفاف، ألم يقل أهله أنه رُزق ببنت وولد؟ أين ذهبا؟

وتأتي اجتهادات البعض بالإجابة.. إنه وقبل أن يسافر المرة الأخيرة قبل ست سنوات، أتاه عمه قدري، وأخبره أن هناك من تقدم لخطبة فتحية، فبادر وقال له أنا سأتزوجها يا عم.. فعقد قرانه عليها، وبعد أن عُلم أنه مطلوب للمخابرات، تم إرسال فتحية إليه مع والدته، بعد أن أقاموا له عرساً دون أن يحضره.. ويضيف البعض أنه سمع أنه قد ذهب بها الى بريطانيا لعلاجها، عندما اكتشفوا أنها تعاني من مرضٍ خطير، وقد صرفت لهما الدولة التي كان يقيم بها جوازان للسفر، وذهبت والدته لإحضار الطفلين قبل سفره لبريطانيا...

وكعادة أهل الأرياف، كان كل واحد يهتم بمعرفة التفاصيل الدقيقة، وإن لم تكن تلك التفاصيل مهمة وتجعل من يستمع إليها مشدوداً، فإن من يروي يتطوع لإضافة ما يجعل قصته مهمة وأن لديه سبقاً صحفياً يمتاز به على غيره... كانوا يقومون بذلك حتى عند روايات الموت، حيث يصبح الميت أشهر من روَّاد الفضاء، ولكن لمدة يومين أو ثلاثة، ثم يُركن في زوايا النسيان...

(36)

دائرة المخابرات تأخذ شكلاً من أشكال قوتها مما يُحاك حولها من قصص، ربما تخترعها هي، فالرعب يملأ نفوس من يودعوا فيها أو يُطلبوا لها طائعين أو مكرهين، يبقى كذلك، حتى يؤول مصيرهم داخلها، فإما أن ينهاروا منذ اللحظة الأولى، وإما أن يتكيفوا كتكيف امرأة ريفية وشمت وجهها..

كانت الممرات المؤدية إليها قد صممها مهندسون خصوصيون لتكون كاختبارات متصاعدة في صعوبتها، لتزلزل تماسك من يدخلها، وكان في داخل تلك المحطات المرحلية الصغيرة مَن يرصد ردة فعل المطلوب الجديد، لتعين المُحققين على اختيار منفذ لسبر أغوار (زبونهم) الجديد..

بعد أن اقتيد علوان وُضع في قاعة انتظار أو اختبار أولي، يزيد عرضها عن عشرة أمتار، أما طولها فكان خمسة أمتار!. جلس مع المطلوبين المنتظرين على مقاعد خشبية أمام (كاونتر) طويل يتكون من مستويين من السطوح، السطح المنخفض يضع عليه الموظفون المستقبلون أوراقاً لا يراها من يجلس أمامهم، وسطح مرتفع لا يسمح للمنتظرين برؤية أشكال الموظفين الذين أمامهم، فإن أخفض الموظف بصره، فإن المنتظرين يرون قمة رأسه من الخلف، وإن رفع بصره، فإنهم سيرون عينين تلمعان، ومنتصف الأنف من الأعلى...

كان الجلوس في قاعة الانتظار هو لمعرفة تماسك الزبون في ظاهرة التَبَوُّل وشرود الذهن، فإن نقل ساقيه شمالاً ويميناً، فإن رغبته بالتبول تفضح تماسكه، وإن طلب الذهاب الى الحمام، فهو إشارة على أنه سيوقع على أي وثيقة يريدها المحقق منه...

كان موظفو الاستقبال يحترفون قنص مثل تلك الإشارات، وأحياناً يكتفون بها دون جولات التحقيق، فالمطلوب الذي يبقونه من الصباح الى الثانية ظهراً، يأمرونه بالانصراف والعودة في اليوم التالي، ويتركونه لتفاعلاته الداخلية، عدة أيام متكررة، حتى يطالبهم (هو) بالتطوع للعمل معهم أو الاعتراف بأي تهمة حتى لو كان يعلم براءته منها...

كان علوان، يعلم تلك التصرفات من خلال التدرب عليها، ليس هو فقط بل كل من كان بمستواه حزبياً، ويتعاملون معها بشكل طبيعي... وقد اكتشف موظفو الاستقبال تلك الحالة، عندما دخل مطلوبٌ آخر من رفاقه، لم يره منذ مدة طويلة، فقام وصافحه وعانقه، وسأل أحدهما الآخر عن أحواله. تدخل أحد الموظفين ناهراً لهما وطالبهما بالصمت، فبادر رفيقه بالرد على الموظف: وهل نحن بقاعة امتحانات حتى نصمت؟ هنا، أمر الموظف بتحويلهما الى الداخل، حتى لا يخدشا هيبة المكان...
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 05-02-2009
  • الدولة : الأردن/ الرمثا
  • العمر : 74
  • المشاركات : 1,896
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ابن حوران is on a distinguished road
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
رد: الطائر الصغير يقود السرب
20-12-2011, 08:22 PM
(37)

أمره أن يُخرج يديه من جيبي معطفه، بصوتٍ مليء بالشوائب، لم يكن بعيداً منه أكثر من خطوة واحدة من الخلف. سار أمام من ينهره في ممرٍ مُضاء كهربائياً،لا نوافذ ولا أبواب تُفضي إليه، وبانحدارٍ مسحور لم يلحظ أنه انحداراً، حتى وصل الى غرفة تبدو وكأنها مخزناً للأمانات، يجلس عند بابها ثلاثة أفراد، خصص واحدٌ منهم لتلك المهمة.

طلب منه الموظف المختص، تسليم ملابسه، وحزامه والنقود التي في جيوبه، وعلبة لفائف التبغ والمقدحة، وساعة اليد، والتوقيع على تسليمها، وارتدى الملابس التي تعطى للنزلاء الجدد، واقتاده من أحضره الى زنزانة طولها أكثر من ثلاثة أمتار بقليل وعرضها يكاد أن يصل الى مترين، ولها بابٌ صُنع من القضبان الحديدية الثخينة، احتل واجهتها الأمامية بشكل كامل، فيها سريران ثُبِّت أحدهما فوق الآخر. فتح قفلها حارس يرتدي ملابس عسكرية، وأشار إليه أن يدخل..

كان كل سرير مُغطى ببطانية من القطن القاتم، وتتقدم طرفه مخدة، وطُويت بطانية أخرى من نفس النوع لتُشعر النزيل أنها للغطاء إذا ما أراد النوم.

تمر لحظات التكيف ببطءٍ شديد، بينما تتزاحم الأفكار والصور والذكريات بسرعة البرق، فتتداخل لتشكل صوراً كأنها رسمت بألوان متضادة، على صفائح من مادة بلاستيكية شفافة، وعندما توضع فوق بعض لا يكاد يميز أي صورة منها، وإن أزاح صفيحة الى جنب لن تقل ضبابية الصور المعكرة ولكنها ستزداد تشويشاً..

انتبه في لحظة استراحة من التشويش، فلمح نسختين من القرآن الكريم وضعتا في زاوية الزنزانة... تناول واحدة، وفتح الكتاب لا على التعيين، وبقي كذلك دون أن يقرأ كلمة واحدة، كان الهدوء والصمت مبالغ فيهما، ولو أراد التنصت على صوت جريان الدم في عروقه، لسمعه بكل وضوح...

كسرت حاجز الصمت أصواتٌ لولولات ورجاء تصدر من مكانٍ لم يعرف بعده عنه، يتخللها وقع أصوات عصي على جسم المولول.

جاء الحارس مع المرافق المخصص لاقتياد النزلاء ومعهما نزيل آخر، أدخلاه الى نفس الزنزانة، كان شاباً منعماً حسن الوجه مبتسماً، عرف بنفسه مهندس إلكترونيات (هُمام) خِريج كندا. لكنه شارك علوان الهواجس، فعندما رأى كلٌ منهما الآخر ظن به ظناً غريباً، فقد يكون أحدهما متعاوناً مع المخابرات جيء به ليساعد في سبر أغوار الآخر.

(38)

طرق الجندي باب غرفة التحقيق، وأدى التحية وانصرف..
لم يطرح علوان التحية على محقق ضئيل الحجم، قَلَّم شاربه وتدرب على نفخ شفته العُليا، وكأنه يتقمص شخصية نَذَر نفسه لخدمتها. وكان بجانبه مساعدٌ بدا وكأنه في أول محاولة من محاولات القيام بمثل تلك المهمة، كان المحقق يتعامل معه كطقم أسنان ركبه صاحبه لأول مرة، فلم يكن متيقناً من أن هذا الطقم سيقضم الطعام ويقطعه كما في حالة الأسنان الطبيعية...

لم يرتح علوان للمُحقق كما لم يرتح المحقق له، فقد دبَّت الكراهية فيما بينهما منذ اللحظة الأولى... كان في الغرفة منضدة يتوسطها كرسي يجلس عليه المحقق وكرسي بجانبه اليمين يجلس عليه المساعد (طقم الأسنان)، وكرسي يبعد عنهما بالمقابل بحوالي خطوتين..

أشار المحقق لعلوان أن يجلس على الكرسي، فجلس، فبادر بنهره بصوت عالٍ: اقعد (مليح)..

نهض علوان عن الكرسي وقال: أرني كيف أجلس حتى لا تصبح تلك قضية تشغل نفسك بها...

تدخل المساعد: هل ترى سيدي مدى وقاحته؟
رمقه علوان بنظرة استمرت للحظات قال فيها الكثير دون أن يتكلم..
المحقق: وجهك مبين وجه واحد يبحث عن (الرزالة)..
علوان: ليس بيني وبينك قضية شخصية، لا على طلاق أخت، ولا على إفراز أرض، وأنا أبعد عنك خطوتين وسمعي جيد، فلا تراهن على تعميم أساليبك على الجميع، قم بمسئوليتك بمنتهى المهنية سأتعامل معك بما هو داخل نطاق القانون.
المحقق: يشتم قيادات الحزب فرداً فردا، ويهدد! في مكانك هذا جلس فلان، هل تعرفه؟ وفلان وعدد مجموعة أسماء...
ابتسم علوان دون أن يعلق..
ـ لماذا تبتسم؟
ـ أبتسم لأنني غبت عن هذه البلاد أكثر من عشر سنين، دون أن أشتم أحداً..
ـ طبعاً، لأنه بلدك، وقيادته، قيادتك
ـ القضية مختلفة!
غير المحقق لهجته: ماذا عملت لكم الدولة آل (علوان): أليس سليمان بك قرابتك؟ و أليس فلان وفلان من أقاربك؟
ـ وما علاقة ذلك بما نحن فيه؟
ـ شكلك تعبان والسهر مؤثر عليك، (انقلع) لزنزانتك وسنكمل فيما بعد..

(39)

سأله همام: كيف كانت جلسة التحقيق؟
ـ عادية.. في بلدٍ مثل بلدنا، ورغم أن الجندي يتلذذ في اقتياد المثقفين، والمحقق يتلذذ في التأسد عليهم، حتى الحلاق والحارس، أراه يتمتع وهو يجبر النزلاء على تنظيف قضبان بوابة الزنزانة بالديزل، ومسح الممرات، فإن في داخل كل واحدٍ منهم رجل مهزوم مسكون في مخاوف لا أعلمها... أنظر: أنا وأنت وكل نزيل له اسم ثلاثي وربما رباعي، واسم والدته وزوجته وأمه... أما هؤلاء، فإنهم ينادونهم (حجي) ( بيك) الخ... ربما يخافون من أن أهل النزيل سيبعثون له بأزعر للاقتصاص منه...

همام: لا أظن ذلك، بالتأكيد، فأنا هنا منذ ثلاثة أشهر، هم يخشون من الصليب الأحمر، فزيارات أفراده تتم كل شهرٍ مرة، قبل أن تأتي أنت بيوم تمت زيارة الصليب الأحمر، ولكنهم لا يعرضون كل النزلاء على المفتشين، فمن أرادوا أن يفرجوا عنه يتركون له فرصة لمقابلة المفتشين، وكما هو معروف التوقيف دون محاكمة مسموح به دولياً شهراً واحداً، وبعده عليهم إما الإفراج عنه وإما تحويله للمحكمة...

علوان: ألم ترَ مفتشي الصليب الأحمر؟
همام: كلا، فهناك طابق تحت هذا الطابق، يُرحل إليه الذين لا تريد المخابرات عرضهم على الصليب الأحمر، وأنا منهم.

كان علوان أقرب للقبول بتصديق ما قاله شريكه في الزنزانة..
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 05-02-2009
  • الدولة : الأردن/ الرمثا
  • العمر : 74
  • المشاركات : 1,896
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ابن حوران is on a distinguished road
الصورة الرمزية ابن حوران
ابن حوران
شروقي
رد: الطائر الصغير يقود السرب
27-12-2011, 08:52 AM
(40)

مَثُل علوان أمام المحقق الأول، ولكن لم يكن مُساعده (طقم الأسنان) موجوداً، بل كان هناك شخص ضخم حليق الشوارب، وجهه يبعث على عدم النفور..


المحقق الأول: نحن يا علوان، لا نضغط على أحد، ولا نجبره على قول ما لا يريد، ويبدو أنك لم ترتح خلال أسبوع لأسلوبي، فسيكون معك أحد أفضل شبابنا ونتمنى أن تكون متعاوناً، حتى تغادر الى أهلك... ثم نهض المحقق الأول مغادراً..

المحقق الثاني بصوتٍ ودود منخفض رغم ضخامة صاحبه: أهلاً وسهلاً.. كما أنك يا علوان تعمل مهندساً، فأنا أعمل ضابطاً في المخابرات، ليس بيني وبينك قضية شخصية، فأرجو أن تكون متعاوناً، هل تدخن؟
ـ نعم..
ـ ناوله سيجارة، وسأله عن كيفية قهوته، فأجاب..
ـ هناك من يأخذ زينته وهيبته من كرسيه، وهناك من يعطي كرسيه الزينة والهيبة، فحضرتكم تعطي للكرسي هيبة مهنية، في حين صاحبكم كان يلتمس تلك الهيبة من كرسيه..
ـ دعنا من موضوع الكراسي، نحن نعلم أن عملك الحزبي كان مع منظمات عربية، لا تهمنا الأسماء فيها، لأننا لو سألناك عن تلك الأسماء لغيرت وبدلت فيها، وعندها يصعب علينا متابعة تدقيق مثل تلك الأسماء، ولكن ماذا عن رئاسة اتحاد الطلبة لسنتين، وماذا عن إخراجك مسرحية (من هو العبد؟)..
ـ كل ما وردكم صحيح..
ـ ماذا عن استنكارك للانتساب للحزب؟
ـ لن أستنكر، وإذا خرجت من هنا، وتم الاتصال بي، لَلَبَيْتُّ النداء..
ـ هذا سيعرضك، لاعتقال آخر، فأنت تعلم أن حزبكم ممنوع في البلاد..
ـ امسك (الجمل) وخذ (باجه)
طلب المحقق الثاني من المرافق أن يودعه زنزانته..

(41)

لم تكن الثقة قد حلت بين هُمام وعلوان، فكانا يمضيان وقتهما بهمسٍ عندما يجلسان على أرض الزنزانة، فوق أحد البطانيات، يلعبان لعبة الأحرف كل يوم: أسماء دول تبدأ بحرف الكاف، أسماء عواصم تبدأ بحرف الباء، أسماء رؤساء جمهورية لبنان منذ تأسيسها، أسماء أنهر، أنواع ساعات، الخ. كان صوت كل منهما بالكاد يصل الى أذني جليسه، ولكنهما كان يستعملان أصابعهما في عد المطلوب بالسؤال..

كان أحد الحراس يتلصص عليهما، علَّه يستمع لشيء مفيد يرقي رتبته، فأحياناً يلمحا طرف رأسه على ارتفاع شبر من جانب بوابة الزنزانة، وأحياناً في منتصف ارتفاعها، فتزيد متعتهما بذلك..

الحارس: ماذا تعد أنت وهو؟
ـ لا شأن لك بذلك، وهل يمنع استعمال الأصابع في الحديث..
كان يغضب، فيخرجهما لمسح أرضية الحمامات، أو الممرات بين الزنزانات، أو غسل أواني المساجين، كانا يتمتعان في تلك العقوبة لتحريك أرجلهما، فالمسافة بين السريرين والحائط المقابل لا تكفي لتنشيط الدورة الدموية..

لم يكن بإمكانهما معرفة الوقت على وجه التعيين، إلا إذا صاح أحد الحراس أن وقت الصلاة قد دخل، فلا الشمس تصل الى الطابق السفلي، ولا ساعة مع النزيل لمعرفة الوقت، حتى الأيام كانا يعرفانها بواسطة برنامج العشاء (كوسى مع بيض: الأربعاء. زيت وزعتر: الثلاثاء، حمص بطحينة الخميس وهكذا). أما الأشهر، فكانت تُعرف من خلال زيارة (الصليب الأحمر أو حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة)...

(42)

في الصباح الباكر، أخرج الحُرَّاس همام، فظن علوان أن وفد حقوق الإنسان قد يأتي اليوم...

تم تنظيف الممرات، وقضبان الزنزانات، وبدا الحراس الخمسة الذين يحرسون الزنزانات بكامل لياقتهم، ذقون محلوقة وناعمة، ملابس مكوية جداً...

ـ اسمك..
ـ كذا..
ـ أين تسكن؟
ـ في طلعة السوق، بجانب محطة المحروقات، قرب فرن أبو شمسية..
ـ صحتك؟
ـ أعاني من تلبك في المعدة، وقد طلبت إحالتي على طبيب، ولم يتم ذلك..
ـ كيف نوع الأكل الذي يقدمونه لك؟
ـ لماذا أنت موقوف؟
ـ لا أعلم، فلم توجه لي تهمة حتى اليوم!
ـ رقم تلفونك؟
ـ كذا..
تساءل علوان: لماذا تلك الأسئلة التي وصلت الى مسامعه من زنزانة قريبة؟ وهل هم فعلاً حريصون على حقوق الإنسان؟ أم أنهم يتصيدون عملاء وجواسيس بحجة حقوق الإنسان..

وصل السائل الى علوان، فكان رجلاً أشقرا له شوارب شقراء طرفاها مدببان ومعقوفان الى الأعلى، كانت هيئته كهيئة جنرالٍ إنجليزي من الحرب العالمية الأولى حضر حفلاً بملابسه المدنية، ومعه مترجم عربي بشرته مائلة الى السواد.

ـ اسمك؟
ـ علوان..
ـ كيف صحتك؟
ـ الحمد لله، لا أشكو من أي شيء..
ـ كيف الطعام الذي يُقدم لك؟
ـ تعجز زوجتي أن تصنع مثله، فهو طعام متكامل وصحي..
ـ لماذا أنت موقوف؟
ـ هذه قضية بيني وبين حكومة بلادنا، لن أجاوب!
رمقه الأشقر بنظرة غريبة ثم انصرف الى الزنزانة التي بعد زنزانته..
أخرج علوان لفافة تبغ، وتقدم الى شبك البوابة، وهي طريقة لإشعال سجائر المدخنين من النزلاء، كونه لا يسمح لهم بالاحتفاظ بالمقادح، فتفاجأ بصوت مدير المعتقل الذي كان يسير خلف المفتشين بخطوات لا يراها النزلاء الذين توجه لهم الأسئلة، يأمر الحارس: ولع سيجارة الأستاذ..
ـ مرحبا أستاذ!

بعد ساعة تقريباً، أو بعد أن تيقن مدير المعتقل، أن اللجنة قد غادرت، أمر الحراس أن يخرجوا النزيل الذي أعطى التفاصيل..
ـ أخرجوا بارد الوجه... امسحوا فيه الأرض... فرموه أرضاً، وهو من فوقه، مريض؟ الأكل لا يعجبك؟ وأخذوا يسحلوه من مكان لمكان، وهو يولول ويترجى..
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 04:20 AM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى