المَلِكُ يمين الدولة , فاتح الهند , أبو القاسم , محمود بن سيد الأمراء ناصر الدولة سُبُكْتِكِين , التركي , صاحب خراسان والهند وغير ذلك .
كان والده أبو منصور قد قدم بخارى في أيام نوح بن منصور , في صحبة ابن السكين مُتَوَلِّيًا على غَزْنَة , فعرف بالشهامة والإقدام والسمو , فلما سار ابن السكين متوليا على غزنة , ذهب في خدمته أبو منصور , فلم يلبث ابن السكين أن مات , واحتاح الناس إلى أمير , فأمَّروا عليهم أبا منصور , فتمكن وعظم , وأخذ يغير على أطراف الهند , وافتتح قلاعا , وتمت له ملاحم مع الهنود , وافتتح ناحية بُسْت , واتصل بخدمته أبو الفتح البستي الكاتب وقرب منه , وكان كرَّامِيًّا .
قال جعفر المستغفري كان أبو القاسم عبد الله بن عبد الله بن الحسين النضري قاضي مرو ونسف صلب المذهب , فدخل صاحب غزنة سبكتكين بلخ , ودعا إلى مناظرة الكرامية , وكان النضري يومئذ قاضيا ببلخ , فقال سبكتكين : ما تقولون في هؤلاء الزهاد الأولياء ؟ فقال النضري : هؤلاء عندنا كفرة . قال : ما تقولون فيَّ ؟ قال : إن كنت تعتقد مذهبهم , فقولنا فيك كذلك . فوثب , وجعل يضربهم بالدبوس حتى أدماهم , وشج النضري , وقيدهم وسجنهم , ثم أطلقهم خوف الملامة , ثم تمرض ببلخ , وسار إلى غزنة , فمات سنة سبع وثمانين وثلاث مائة، وعهد بالإمرة إلى ابنه إسماعيل , وكان محمود ببلخ , وكان أخوهما نصر على وعهد , وكان في إسماعيل خلة فطمع فيه جنده , وشغبوا , فأنفق فيهم خزائن , فدعا محمود عمه , فاتفقا , وأتاهما نصر , فقصدوا غزنة , وحاصروها , وعمل هو وأخوه مصافا مهولا , وقتل خلق , فانهزم إسماعيل , ثم آمن إسماعيل , وحبسه معززا مرفها , ثم حارب محمود النواب السامانية , وخافته الملوك . واستولى على إقليم خراسان , ونفذ إليه القادر بالله خلع السلطنة , ففرض على نفسه كل سنة غز والهند , فافتتح بلادا شاسعة , وكسر الصنم سومنات الذي كان يعتقد كَفَرَةُ الهند أنه يُحْيِي ويميت ويحجونه , ويقربون له النفائس , بحيث إن الوقوف عليه بلغت عشرة آلاف قرية , وامتلأت خزائنه من صنوف الأموال , وفي خدمته من البراهمة ألفا نفس , ومائة جوقة مغاني رجال ونساء , فكان بين بلاد الإسلام وبين قلعة هذا الصنم مفازة نحو شهر , فسار السلطان في ثلاثين ألفا , فيسر الله فتح القلعة في ثلاثة أيام , واستولى محمود على أموال لا تحصى , وقيل : كان حجرا شديد الصلابة طوله خمسة أذرع , منزل منه في الأساس نحو ذراعين , فأحرقه السلطان , وأخذ منه قطعة بناها في عتبة باب جامع غزنة , ووجدوا في أذن الصنم نيفا وثلاثين حلقة، كل حلقة يزعمون أنها عبادته ألف سنة . وكان السلطان مائلا إلى الأثر إلا أنه من الكَرَّامية .
قال أبو النضر الفامي : لما قدم التاهرتي الداعي من مصر على السلطان يدعوه سرا إلى مذهب الباطنية , وكان التاهرتي يركب بغلا يتلون كل ساعة من كل لون , ففهم السلطان سر دعوتهم , فغضب , وقتل التاهرتي الخبيث , وأهدى بغله إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي شيخ هراة , وقال : كان يركبه رأس الملحدين , فليركبه رأس الموحدين .
وذكر إمام الحرمين أن محمود بن سبكتكين كان حنفيا يحب الحديث , فوجد كثيرا منه يخالف مذهبه , فجمع الفقهاء بمرو , وأمر بالبحث في أيما أقوى مذهب أبي حنيفة أو الشافعي . قال : فوقع الاتفاق على أن يصلوا ركعتين بين يديه على المذهبين . فصلى أبو بكر القفال بوضوء مسبغ وسترة وطهارة وقبلة وتمام أركان لا يجوز الشافعي دونها , ثم صلى صلاة على ما يجوزه أبو حنيفة , فلبس جلد كلب مدبوغا قد لطخ ربعه بنجاسة , وتوضأ بنبيذ , فاجتمع عليه الذُّبَّان , وكان وضوءا منكسا , ثم كبَّر بالفارسية , وقرأ بالفارسية : دَوْبَرْكَك سَبْز . ونقر ولم يطمئن ولا رفع من الركوع , وتشهد , وضَرَطَ بلا سلام . فقال له : إن لم تكن هذه الصلاة يجيزها الإمام , قتلتك . فأنكرت الحنفية الصلاة , فأمر القفال بإحضار كتبهم , فوُجد كذلك , فتحول محمود شافعيا . هكذا ذكره الإمام أبو المعالي بأطول من هذا .
قال عبد الغافر الفارسي في ترجمة محمود : كان صادق النية في إعلاء الدين , مظفرا كثير الغزو , وكان ذكيا بعيد الغور , صائب الرأي , وكان مجلسه مورد العلماء . وقبره بغَزَنة يزار .
قال أبو علي ابن البناء : حكى علي بن الحسين العكبري أنه سمع أبا مسعود أحمد بن محمد البجلي قال : دخل ابن فُورْك على السلطان محمود , فقال : لا يجوز أن يوصف الله بالفوقية؛ لأن لازم ذلك وصفه بالتحتية , فمن جاز أن يكون له فوق , جاز أن يكون له تحت . فقال السلطان : ما أنا وصفته حتى يلزمني , بل هو وصف نفسه . فبهت ابن فورك , فلما خرج من عنده مات . فيقال : انشقت مرارته .
قال عبد الغافر : قد صنف في أيام محمود وأحواله لحظة لحظة , وكان في الخير ومصالح الرعية يُسِّرَ له الإسار والجنود والهيبة والحشمة مما لم يره أحد .
وقال أبو النضر محمد بن عبد الجبار العتبي في كتاب "اليميني" في سيرة هذا الملك : قيل فيه : تَعَـالَى اللـهُ مَـا شَـــاءَ
وزَادَ اللــــهُ إِيمـــانِــي أَأَفْرِيــدُونُ فـــي التَّــاجِ
أَمِ الإِسْكَنْــــدَرُ الثَّانــــي أَمِ الرَّجْعَــةُ قــد عــادَتْ
إليْنَـــــا بِسُـــلَيْمَــانِ أَظَلَّـــتْ شَـمْسُ مَحْمُــودٍ
علـــى أَنْجُــمِ سَــامَـانِ وأمسَـــى آلُ بهــــرامٍ
عبيـــدًا لابــنِ خَاقَـــانِ فَمِــنْ وَاسِـطَةِ الهِنْــــدِ
إلـــى سَــاحَةِ جُرْجَـــانِ ومِـنْ قَاصِيَـةِ السِّـنــــْدِ
إلــى أَقْصَــى خُرَاسَـــانِ فَيَوْمًــا رُسُـلُ الشَّــــاهِ
ويومًـــا رُسُــلُ الخَـــانِ
مولد محمود في سنة إحدى وستين وثلاث مائة ومات بغَزْنَة في جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وأربع مائة وتسلطن بعده ابنه محمد مُديدة , وقبض عليه أخوه مسعود , وتمكن , وحارب السلجوقية مرات إلى أن قتل في سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة , ثم قام ابنه . وكانت غزوات السلطان محمود مشهورة عديدة وفتوحاته المبتكرة عظيمة.
.......................................... .
|