الفصل الرابع : أصول الدعوة والإصلاح
ومن الأبواب التي يجدر بنا إفرادها باب الدعوة ومنهج الإصلاح الذي قد يخص به اصطلاح "المنهج"، خاصة في هذا الزمن الذي أصبح فيه ميدان الدعوة معتركا تمايزت فيه صفوف الداعين وتباينت فيه أهدافهم وطرائقهم، ومن الأصول المدرجة في هذا الباب ما هو اعتقادي ومنها ما هو فقهي، ولكن الكل قد ثبت بالدليل القطعي، وفيما يأتي تعداد الأصول التي نص عليها الشيخ ابن باديس رحمه الله.
1-مصدر تلقي منهج الدعوة والإصلاح وقضاياه هو الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، خلافا لمن يجعله ثمرة للتجارب الفردية والجماعية([189]). 2-اعتقاد بقاء المنهج محفوظا في كل زمان يتوارثه العلماء، خلافا لمن يفسر التجديد بالإحداث والاختراع على يد إمام أو قائد يأتي في آخر الزمان([190]). 3-اعتبار الدعوة إلى التوحيد أولى الأولويات، لأنه أصل الدين وهدف دعوة النبي r ، وسبيل النجاة في الآخرة وشرط التمكين في الدنيا([191]). 4-اعتقاد شمول الشريعة لكل ما يحتاج إليه الناس لصلاح دنياهم وأخراهم([192]). 5-طريق الإصلاح هو التعليم والتكوين وتبصير الجماهير بعقائد هذا الدين وقواعده، وتربية الأمة على الالتزام بالشعائر الإسلامية، واعتقاد عدم جدوى العمل السياسي- وأي عمل سواه- في غياب التربية والتوعية([193]). 6-العلم الصحيح هو سلاح الدعاة في معركة الإصلاح([194]). 7-نبذ الحزبيات المفرقة لشمل الأمة والمبددة للجهود ، ومباركة كل عمل يجمع الأمة على ما فيه صلاح عقيدتها ويوحد صفها في وجه عدوها([195]). 8-إظهار الحق والأمر بالمعروف والنهي عن كل منكر ([196]). 9-سلوك الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة واجتناب التسرع في الحكم على الناس بالكفر والفسق والبدعة([197]).
المبحث الأول : اعتماد الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح
إنه مما تميز به أهل الدعوة السلفية في عصر النهضة الحديثة ، أنهم يجعلون منهج الدعوة إلى الله والطريق إلى إصلاح الأمة وإعادة مجدها وتمكينها مستمدا من المصادر الشرعية المعروفة الكتاب والسنة النبوية وما كان عليه السلف الصالح، خلافا لأهل المناهج الأخرى التي لا تنتسب إلى السلفية الزاعمين أن المنهج يستفاد من التجارب الخاصة للأفراد وللجماعات والتي ترى أن سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير ملزمة لهم حالا ومقالا، والالتزام بهذا الأصل قد صرح به الشيخ ابن باديس في غير موضع من مقالاته فقال في موضع من تفسيره :''فعلى الأمم التي تريد أن تنال حظها من هذا الوعد (التمكين ) أن تصلح من أنفسها الصلاح الذي بينه القرآن، فأما إذا لم يكن لها حظ من ذلك الصلاح فلا حظ لها من هذا الوعد وإن دانت بالإسلام . ولله سنن نافذة بمقتضى حكمته ومشيئته في ملك الأرض وسيادة الأمم، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء « ([198]).
نعم إنها السنن التي لا يفلح من غالبها ولا يحظى بالتأييد الرباني من تنكر لها ، يقول هذا رغم أن الواقع الذي عاشه -واقع الاستعمار وغياب الخلافة-كان يغري بدخول المعتركات السياسية ولم يكن الشيخ غافلا عن هذا الواقع، بل كان خبيرا به سابرا لغوره، الأمر الذي جعله يعتبره أعراضا لداء أصيل مستحكم في الأمة وليست هي أول داء ينبغي علاجه، وقد بين هذه الحقيقة في موضع من تفسيره إذ قال :( لقد شعر المسلمون عموما بالبلايا والمحن التي لحقتهم وفي أوّلها سيف الجور المنصبّ على رؤوسهم، وأدرك المصلحون منهم أن سبب ذلك هو مخالفتهم عن أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخذت صيحات الإصلاح ترتفع في جوانب العالم الإسلامي في جميع جهات المعمورة تدعو الناس إلى معالجة أدوائهم بقطع أسبابها واجتثاث أصلها وما ذاك إلا بالرجوع إلى ما كان عليه محمد صلى الله عليه و سلم وما مضت عليه القرون الثلاثة المشهود لها منه بالخير في الإسلام ، قد حفظ الله علينا ذلك بما إن تمسكنا به لن نضل أبدا - كما في الحديث الصحيح- الكتاب والسنة ، وذلك هو الإسلام الصحيح الذي أنقذ الله به العالم أولا ولا نجاة للعالم مما هو فيه اليوم إلا إذا أنقذه الله به ثانيا ''([199]).
فالظلم والجور ومنه ضياع الحقوق وفقدان الحكم العادل مرض وبلية في حد ذاته، ولكن هو بالنسبة إلى الابتعاد عن تعاليم الإسلام الصحيح عقيدة وسلوكا وشريعة مجرد أثر حتمي وعقوبة ربانية لا تزول إلا بزوال أصلها وسببها المباشر، ولن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
[189]/ قال ابن القيم في مدارج السالكين (2/70-72):( الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله وحكموا بها بين عباده وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده، فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل، وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس، وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف، وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة، فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه، فهؤلاء يقولون لكم النقل ولنا العقل، والآخرون يقولون: أنتم أصحاب آثار وأخبار ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار، وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقائق، والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السياسة، فيا لها من بلية عمت فأعمت، ورزية رمت فأصمت وفتنة دعت القلوب، فأجابها كل قلب مفتون وأهوية عصفت، فصمت منها الآذان وعميت منها العيون … )، ويقول الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في كتابه منهج الأنبياء في الدعوة (123):« عرفنا فيما مضى منهج الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك ومظاهره وأسبابه ، وأنه منهج قائم على العقل والحكمة والفطرة، وعرفنا أدلة ذلك جملة وتفصيلا من نصوص الكتاب والسنة ومن الناحية العقلية . والآن نسأل هل يجوز للدعاة في عصر من العصور العدول عن منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله الجواب في ضوء ما سبق وما سيأتي لا يجوز شرعا ولا عقلا العدول عن هذا المنهج واختيار سواه. أولا : أن هذا المنهج هو الطريق القويم الذي رسمه الله لجميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ، والله هو واضع هذا المنهج وهو خالق الإنسان والعالم بطبائع البشر وما يصلح أرواحهم وقلوبهم ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ». [190]/ قال شيخ الإسلام ابن تيمية (4/97) عن أهل الحديث :« أما أهل العلم فكانوا يقولون هم الأبدال لأنهم أبدال الأنبياء ، وقائمون مقامهم حقيقة ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعا، وكانوا يقولون هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة الظاهرون على الحق لأن الهدى ودين الحق الذي بعث به رسله معهم هو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله ». [191]/ قال ابن تيمية(15/157):« فالدعوة إلى الله تكون بدعوة العبد إلى دينه وأصل ذلك عبادته وحده لا شريك له ، كما بعث الله بذلك رسله وأنزل به كتبه ». وقال ابن القيم في مدارج السالكين (3/411): «التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى …فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل ». [192]/ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (19/155):« إن رسول الله e بيَّن جميع الدين أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاما بهذا الأصل كان أولى بالحق علما وعملا ». والذي جاء به الرسول e هو القرآن (كلام الله تعالى ) والسنة ( شرحه وبيانه ). وقال الشافعي مقررا هذا المعنى في الرسالة :« فليست تنـزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها » [193]/ يقول ابن تيمية (28/232):« فالكتاب هو الأصل ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد » ويقول ابن القيم في جلاء الأفهام (415):» فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسوله، وهو على بصيرة وهو من أتباعه ومن دعا إلى غير ذلك، فليس على سبيله ولا هو على بصيرة ولا هو من أتباعه، فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم، والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم لهم « . [194]/ قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/154):»وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام والله يؤتي فضله من يشاء « . [195]/ قال ابن تيمية (28/15-16):» وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى:] وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ[ وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدا بموافقته على كل ما يريده وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه« ، وقال (3/347):»فمن جعل شخصا من الأشخاص غير رسول الله rمن أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك كان من أهل البدع والضلال والتفرق، وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله r». [196]/ قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية(3/158):» ثم هم مع هذه الأصول ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة « وقال (15/165-166):» إذا تبين ذلك فالدعوة إلى الله واجبة على من اتبعه، وهم أمته يدعون إلى الله كما دعا إلى الله، وكذلك يتضمن أمرهم بما أمر به ونهيهم عما ينهى عنه، وإخبارهم بما أخبر به إذ الدعوة تتضمن الأمر، وذلك يتناول الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر، وقد وصف أمته بذلك في غير موضع كما وصفه بذلك … « . [197]/ قال ابن تيمية في الاستقامة (2/233):» فلا بد من هذه الثلاثة العلم والرفق والصبر العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة لا بد أن يكون مستصحبا في هذه الأحوال« وقال في المجموع (15/167):» والقيام بالواجبات من الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط يقام بها كما جاء في الحديث(!) ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر: أن يكون فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه، فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر المنكر والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود والحلم بعد الأمر ليصير على أذى المأمور المنهي، فإنه كثيرا ما يحصل له الأذى بذلك، ولهذا قال تعالى:] وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك[ (لقمان:ة17) وقد أمر نبينا بالصبر في مواضع كثيرة كما قال تعالى في أول المدثر :] قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر [ … '' .