تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > المنتدى الحضاري > أرشيف > منتدى تحريم دم المسلم

> شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها

 
 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • المشاركات : 119
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ولد برق is on a distinguished road
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
13-05-2008, 10:11 PM
الشبهة الخامسة



فإن قال قائل: إن الدعوة النجدية هي التي أججت نار هذه الفتنة، لأن عقيدة علماء هذه الدعوة ومؤلفاتهم تقوّي هذا الاعتقاد الفاسد في قلوب الشباب، فلا بد من إطفاء نور هذه الدعوة!!
فالجواب: هذا الكلام فيه عدة مغالطات، ونعوذ بالله من كيد الكائدين، ولولا وجود من اغتر بهذه الشبهة، بل من روّج لها - حتى من أبناء هذه الدعوة ، ومن أبناء المملكة!!- لما اشتغلت بالرد عليها؛ لسقوطها، والله أعلم.
وذلك أن الذين يتكلمون على عقيدة هؤلاء العلماء بذلك: إما صوفية خرافية، أو رافضية باطنية، وإما علمانية ماكرة، أو صهيونية فاجرة، أو صليبية سافرة، أو أفراخ هؤلاء وأولئك، وقد ينال من هذه الدعوة: من هو محب للحق، لكنه اعتمد على أخبار فاسدة، وبضاعة كاسدة، وليس جَهْلُ مَنْ جَهِلَ حُجَّةً على عِلْم مَنْ عَلِم!!
وكذا قد ينتقد بعضُ العلماء بعضَ المسائل العلمية، وليس في هذا طعن في الدعوة وأئمتها، أو رميهم بهذه الفرية!! كما قد يدعي هذا من وقف على بعض المواضع من كلام الأئمة، ووجد من يسيئ فهمها، ومعلوم أن سوء فهم المتأخر؛ ليس دليلًا على فساد منهج المتقدم، أو خطأ كلامه!!
وكذا قد يتهم علماءَ هذه الدعوة من وقف على خطأ لعالم معين منهم، فإنهم غير معصومين، ثم - لجهله أو لظلمه - يجعل ذلك قاعدة عامة عند جميع علماء الدعوة!! ومع هذا كله: فليسوا بمعصومين، ومن أخطأ منهم؛ رُدَّ خطؤه مع معرفة قدْره وفضله، كما هو الشأن في التعامل مع أخطاء أهل العلم سلفًا وخلفًا.
وبالجملة: فلم يستطع هؤلاء - جماعاتٍ وأفرادًا - أن يقيموا حجة صحيحة على هذه الادعاءات العريضة، في كون هذه الدعوة سببًا في فتنة التفجيرات والعنف!! وإلا فأين في كتب كبار علماء هذه الدعوة الخروج على الحاكم الظالم، أو الطعن في العالم ؟! وهاتان بذرتا التكفير ثم التفجير، كما تقدم!!
وأين في كتبهم عدم مراعاة المصالح والمفاسد ؟! وأين في فتاواهم الاعتداء على المستأمنين؟‌! وأين في كلامهم الحكم على كثير من البلدان بأنها دول محاربة، والحكم على كثير من المجتمعات الإسلامية بأنها مجتمعات كافرة، ومِنْ ثَمَّ فلابد من تفجير منشآتهم، وإثارة الفتنة عندهم وعند غيرهم ؟!
إن الذي طفحت به كتبهم ودروسهم التحذير من الخروج على الحكام، والنهي عن إثارة الفتن، وزعزعة الأمن، والواقع أكبر دليل على ذلك.
وأيضًا فعلماء الدعوة لم ينشروا من المراجع إلا كتب أهل السنة سلفًا وخلفًا، ومؤلفاتهم مغترفة من بحر علوم السلف، ومع ذلك فليسوا بمعصومين، ولا نقلدهم، ولا نقلد غيرهم، إلا بالحق ودليله، ونقبل منهم الحق، ونرد عليهم الخطأ حسب الأدلة الشرعية، والقواعد المرضية، لا بهوى ولا عصبية.
فإذا كان من ينشر عِلْمَ السلف سَفَّاحًا للدماء إرهابيًّا؛ فالسلف الصالح سفاحون للدماء إرهابيون!! ومن اعتقد ذلك، أو تفوَّه به؛ فقد ضل ضلالا بعيدًا، وشاق الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واتبع غير سبيل المؤمنين، والله تعالى يقول: )وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (([1]).
وأيضًا: فلو كانت عقيدة كبار علماء هذه الدعوة وسلفها كذلك - كما يزعم الزاعمون - فلماذا لم يكن على هذه الطريقة كل من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، وصاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمهما الله تعالى - وكذا سماحة المفتي عبدالعزيز آل الشيخ، وصاحب الفضيلة الشيخ صالح اللحيدان، وصاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان، وصاحب الفضيلة الشيخ عبدالمحسن العباد، ومعالي وزير الشؤون الإسلامية صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، وكبار علماء الدعوة في هذا العصر حفظهم الله جميعًا - ؟!
ألم يعلم القاصي والداني منهج هؤلاء الأئمة، واعتدالهم، وتوسطهم، وإنكارهم هذا الغلو قبل وقوعه في المملكة العربية السعودية، وبعد وقوعه فيها ؟
أليسوا يُرْمَوْن من الشباب المتحمس- في المملكة وخارجها- بالجبن، والضعف، والعمالة، والركون إلى الدنيا، والجهل بالواقع... الخ ؟!
فكيف يكونون سفاحين للدماء، وهم يُرْمَون من بعض الشباب بذلك، بل يُكفَّر بعضهم من بعض الغلاة!!
ألا يُعَدُّ دليلا كافيًا على صحة أصول هذه الدعوة: أن تخرِّج أجيالًا لم يُعرفوا بشئ من هذا الشذوذ إلا فئة قليلة، لم تأخذ هذه الأفكار عنهم ؟!
أليس من التحامل والظلم والمكر: أن تُنسب دعوة تَخَرَّجَ بها أجيال عبر قرون في العالم الإسلامي إلى الشذوذ والعنف من أجل قلة قليلة لم تُوَفَّق لمعرفة دعوتها في هذا الباب، وتتلمذوا على غير علمائهم في ذلك؟!
أليس الكثير من المخالفين يتهمون علماء الدعوة المعاصرين بالجبن والعمالة ؟!
إن هذا ليدلنا على أن العلماء لم يتعلموا من مشايخهم الأوائل هذا الفكر، ولو تعلموه من مشايخهم؛ لربّوْا عليه الطلاب، ولو كانوا كذلك؛ فلماذا يتهمهم الطلاب هؤلاء بأنهم مميعون؟!
واعلم بأن الدعوة في المملكة - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين - سائرة منذ وقت بعيد، وقد اشتهر هذا الفِكْر الغالي في هذا العصر في غيرالمملكة، وكبار حملته كانوا ينكرون على علماء المملكة اشتغالهم بغير هذا الحماس، ويعدونهم من فقهاء الأوراق!! فلو كانت الدعوة تنشئ أجيالًا على هذا الفكر؛ فلمَاذا لم يظهر ذلك خلال هذه المدة الطويلة ؟ ولماذا عاب الحماسيون في العالم علماء المملكة وعَدُّوهم مداهنين مجاملين، وجهلة بالواقع... إلى غير ذلك من أوصاف الذم ؟! فمن العجب أن يأتي اليوم من يريد أن يحشرهم - ظلمًا وعدوانًا- في دعاة هذا الفكر، ويظلم عقيدتهم وشيوخهم، ويرميهم بأنهم دعاة فتنة ؟!
واعلم بأنه ليس من الغلو بيان العلماء لعقيدة الصوفية، والحلولية، والرافضة، والجهمية، وغيرهم، وكذا كلامهم في الولاء والبراء، وضوابط التكفير، والتحذير من نواقض كلمة التوحيد؛ فإن ذلك من الدين، طالما أن الكلام في ذلك وغيره لم يخرج عن منهج السلف الصالح وقواعدهم - رَضِي مَنْ رَضِي، وسَخِط مَنْ سَخِط!! -
ويقال لمن يريد أن ينال من العلماء بالزور والبهتان:

يا ناطح الجبل العالي ليوهنه أَشْفِقْ على الرأس لا تُشْفِقْ على الجبلِ

ويقال له أيضًا:

أَقِلُّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا

فإن قيل: فإذا كان ذلك كذلك؛ فلماذا انتشر هذا الفكر بين كثير من الشباب في المملكة العربية السعودية ؟!
فالجواب: اعلم أن فِكْر التفجيرات موجود عند عدد من الشباب هناك، وإلا فكثير من الشباب ينكر هذا، وإن كان بعضهم - وللأسف - ليس محصَّنًا ضد هذه الأفكار، وليست عنده مناعة كافية لدفع هذه الأقوال!!
ومع ذلك، فيوجد - ولله الحمد - في المملكة من العلماء والدعاة وذوي التخصصات في الجامعات والقضاء وغير ذلك ما تقرّ به عيون أهل السنة، وتسخن به عيون أهل الانحراف والفتنة!!
واعلم بأن هذه الأفكار الشاذة ليست من مؤلفات وتوجيهات أئمة الدعوة، فقد أنكرها علماء هذه الدعوة، قبل أن تقع في بلادهم، لكنها قد وفدت منذ سنوات على الشباب في المملكة من التوجُّهَات الحركية، والتنظيمات السرية، التي تعمل في الخفاء، فَجَرّأتهم على أمرائهم وعلمائهم، ولم تذكر لهم عنهم إلا المثالب، وزجَّت بهم في هذه السراديب والدهاليز المظلمة باسم التوحيد والسنة، وأُحْسِن الظن بحملة هذه الأفكار لإظهارهم الدعوة إلى التوحيد وعقيدة السلف، واسْتُبْعدَ وقوع فتنة من وراء دعوتهم، ولو بعد حين!! فشغلوا الشباب بهذه الأفكار، فصدّوهم عن علم علمائهم القائم على سعة الحصيلة العلمية، ولزوم غرز السلف، والاستفادة من تجارب الأمة سلفًا وخلفًا، والنظر في المصالح والمفاسد، ومراعاة واقع الأمة المسلمة بين أمم العالم، والصبر على نور فيه ظلمة؛ فإن ذلك خير من ظلمة لا نور فيها، إلا أن الشباب ضاقت صدور كثير منهم بطريقة علمائهم، وهرولوا وراء سراب الحماسيين، فكان ما كان ؟! والله المستعان.
وقد أجاب بنحو ما ذكرتُه صاحبُ الفضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى- جوابًا على سؤال حول السبب في فرقة الشباب وطلاب العلم، فقال - حفظه الله تعالى-:
((الجواب: يوم أن كان أهل هذه البلاد مرتبطين بعلمائهم: شبابًا وشيبًا؛ كانت الحالة حسنة ومستقيمة، وكانت لاتأتي إليهم أفكار من الخارج، وكان هذا هو السبب في الوحدة والتآلف، وكانوا يثقون بعلمائهم، وقادتهم، وعقلائهم، وكانوا جماعة واحدة، وعلى حالة طيبة، حتى جاءت الأفكار من الخارج عن سبيل الأشخاص القادمين، أو عن سبيل بعض الكتب، أو بعض المجلات، أو بعض الإذاعات، وتلقاها الشباب، وحصلت الفُرْقة، لأن هؤلاء الشباب الذين شذوا عن المنهج السلفي في الدعوة؛ إنما تأثروا بهذه الأفكار الوافدة من الخارج، أما الدعاة والشباب الذين بقُوا على صلةٍ بعلمائهم، ولم يتأثروا بهذه الأفكار الواردة؛ فهؤلاء - والحمد لله - على استقامة كسلفهم الصالح .
فالسبب في هذه الفرقة يرجع إلى الأفكار والمناهج الدعوية من غير علماء هذه البلاد، من أناس مشبوهين، أو أناس مضللين، يريدون زوال هذه النعمة التي نعيشها في هذه البلاد: من أمن، واستقرار، وتحكيم للشريعة، وخيرات كثيرة في هذه البلاد، لاتوجد في البلاد الأخرى، ويريدون أن يفرقوا بيننا، وأن ينتزعوا شبابنا، وأن ينـزعوا الثقة من علمائنا، وحينئذٍ يحصل - والعياذ بالله - مالا تحمد عقباه!!
فعلينا: علماء، ودعاة، وشبابًا، وعامة، بأن لا نتقبل الأفكار الوافدة، ولا المبادئ المشبوهة، حتى وإن تلبست بلباس الحق والخير - لباس السنة -.
فنحن لسنا على شك من وضعنا - ولله الحمد - نحن على منهج سليم، وعلى عقيدة سليمة، وعندنا كل خير - ولله الحمد - .
فلماذا نتلقى الأفكار الواردة من الخارج، ونروجها بيننا وبين شبابنا ؟!
فلا حل لهذه الفرقة: إلا بترك هذه الأفكار الوافدة، والإقبال على ماعندنا من الخير، والعمل به، والدعوة إليه.
نعم: عندنا نقص، وبإمكاننا أن نصلح أخطاءنا، من غير أن نستورد الأفكار المخالفة للكتاب والسنة وفهم السلف من الخارج، أو من أناس مشبوهين، وإن كانوا في هذه البلاد أو مضللين.
الوقت الآن وقت فتن، فكلما تأخر الزمان؛ تشتد الفتن، عليكم أن تدركوا هذا، ولاتصغوا للشبهات، ولا لأقوال المشبوهين والمضللين، الذين يريدون سلب هذه النعمة التي نعيشها، ونكون مثل البلاد الآخرى: في سلب، ونهب، وقتل، وضياع حقوق، وفساد عقائد، وعداوات، وحزبيات،... )).([2]) .اهـ.
هذا؛ ومن أراد الله به خيرًا؛ فقهه في الدين، وحبَّب إليه كبار أهل العلم، وسهَّل في قلبه إعذارهم - بالحق - وأجرى على لسانه ذِكرْ مناقبهم، وأعانه على ستْر خلتهم، وإقالة عثرتهم، وشرح صدره إلى طريقتهم - بما لا يخرجه عن شريعة الله تعالى - وفَرَّ من الأفكار الحزبية المقيتة، والاتجاهات الحركية المشينة فراره من الأسد، ونبذ ما خالف منهج السلف نبْذ النواة، وطَرَدَه كما يطرد البعير الضال عن إبله، فمن كان كذلك؛ فقد هُدِي إلى صراط مستقيم، قال تعالى: )وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(([3]) ومن لم تنفعه الأدلة، ولا التجارب؛ فلسنا بأرحم به من الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول: )وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا (([4]))وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (([5]) وإلى الله المشتكى.



~~~




([1]) [ النساء: 115 ].

([2]) ((الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة)) ( ص 49 – 51 ) نقلًا عن ((الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية)) ( ص 100 – 101 ).

([3]) [ آل عمران: 101 ].

([4]) [ المائدة: 41 ].

([5]) [ النور: 40 ].

تليها الشبهه السادسة إلى الأربعين
التعديل الأخير تم بواسطة ولد برق ; 13-05-2008 الساعة 10:13 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • المشاركات : 119
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ولد برق is on a distinguished road
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
14-05-2008, 07:50 PM
الشبهة السادسة



وهناك من يقول: لا نأخذ الفتاوى من القاعدين، ولكن نأخذها من أهل الثغور، ويستدل على ذلك بقول الأوزاعي وابن المبارك: ((إذا اختلف الناس في شيء؛ فانظروا ما عليه أهل الثغر )).
والجواب من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
الأول: يُنظر في صحة هذا الأثر أولًا؛ فإنني لم أقف له على سند، والبحث عن إسناده وإثبات صحته مما يلزم من احتج به!!
وعلى التسليم بصحته: فإنه ليس فيه ما يدل على ترك الدليل الشرعي لقول أهل الثغور، ولو كان ذلك مرادهما - وحاشاهما - لَرُدَّ هذا على قائله كائنًا من كان!!
وقد سبق من الأدلة القاطعة نصًّا، وأثرًا، وواقعًا - ما يدل على الرجوع إلى أهل الذكر في معرفة الحلال والحرام، ولم يُخَصّ ذلك بأهل الثغور.

الثاني: لو قُصد به معرفة الحلال والحرام المعلومَيْن بالشرع؛ فيكون وجهه فيما إذا كان أهل الثغر من العلماء الراسخين، ولهم مزية الجهاد، التي لم يحصل عليها كثير من أهل المجاهدة، والواقع أن هؤلاء الشباب لا يحيلوننا إلى ملىء في العلم والمعرفة، بل نجدهم يفتون بما هو مصادم لأصول أهل السنة، أو يفتحون على الناس أبواب الفتنة والمحنة!!

الثالث: أن هذا الأثر محمول على الترجيح بما عليه أهل الثغور فيما يعرض للقلب من خواطر تشتبه عليه، لا في الحلال البين والحرام البين - فضلًا عما تعم به البلوى - وهذا فيما إذا لم يظهر للمرء من الجهة العلمية أي الطريقين أولى بالصواب.
وقد ذكر العلامة ابن القيم - رحمه الله -([1]) هذا الأثر في هذا المعنى، فقال: ((فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحبَّ الطرق إلى الله، فإنه سالك به وإليه، فيعترضه طريقان، لا يدري أيهما أرْضى لله وأحبَّ إليه، فمنهم من يُحكِّم العلم بجهده استدلالًا ، فإن عجز فتقليدًا، فإن عجز عنهما؛ سكن ينتظر ما يحكم لديه القَدَر، ويُخلي باطنه من المقاصد جملة.
ومنهم من يُلقي الكل على شيخه، إن كان له شيخ.
ومنهم من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء، ثم ينتظر ما يجري به القَدَر.
وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضَى: علمًا ومعرفة، فإن أعجزهم؛ قنعوا بالظن الغالب، فإن تساوى عندهم الأمران؛ قدموا أرجحهما مصلحة.
ولترجيح المصالح رُتَبٌ متفاوتة: فتارة تترجح بعموم النفع، وتارة تترجح بزيادة الإيمان، وتارة تترجح بمخالفة النفس، وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها، وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها، فهذه خمس جهات من الترجيح، قَلَّ أن يُعْدَم واحدة منها.
فإن أعوزه ذلك كله؛ تخلى عن الخواطر جملة، وانتظر ما يحركه به محرك القَدَر، وافتقر إلى ربه افتقار مستنـزل ما يرضيه ويحبه، فإذا جاءته حركة؛ استخار الله، وافتقر إليه افتقارًا ثانيًا، خشية أن تكون تلك الحركة نفسية أو شيطانية، لعدم العصمة في حقه، واستمرار المحنة بعدوه، ما دام في عالم الابتلاء والامتحان، ثم أقدم على الفعل، فهذه نهاية ما في مقدور الصادقين.
ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ماليس لأهل المجاهدة.
ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك: ((إذا اختلف الناس في شيء؛ فانظروا ما عليه أهل الثغر ((يعني: أهل الجهاد، فإن الله تعالى يقول: )وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ( ([2]).
ثم ذكر - رحمه الله تعالى- أن اعتراضات الأحكام التي ذكرها المؤلف، يجوز أن يريد بها الأحكام الكونية، أو الدينية، ثم قال: ((وإن كان المراد به الأحكام الدينية؛ فلا يجدون بُدًّا من القيام بأحكام الأمر...)).اهـ. ([3])
قلت: ولا شك أن من وقف على هذا التفصيل؛ علم الموضع الذي يُستعمل فيه هذا الأثر، وأن ذلك بمعنى ما يُروى مرفوعًا: ((استفت قلبك، وإن أفتاك الناس، وأفتوك))([4]) وليس هذا عامًا، فما ثبت فيه النص لا نحتاج بعده إلى استفتاء قلب فلان أو غيره،كذا لا نحتاج إلى الرجوع إلى أهل الثغر أو غيرهم!!
نعم؛ لأهل الثغر من صفاء البصيرة - لجهادهم العدو، وقهرهم للهوى - ماليس عند كثير ممن ليس كذلك، لكن لا يلزم من ذلك ترك الأدلة الواضحة - فضلًا عن الأصول الأصيلة لقولهم، فتأمل.
وكلام الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- واضح في أن هذا يكون عندما تعرض للقلب خواطر، لا يدري المرء أيها أرْضى لله - عز وجل - وقد ذكر - رحمه الله تعالى- وجوه الترجيح، ومنها الاستخارة، والاستخارة لا تكون في قبول نص شرعي أو تركه، فضلًا عن قبول أصل من أصول أهل السنة والجماعة، أو رفضه!! ولذلك لما ذكر الإمام ابن القيم الأحكام الدينية؛ ذكر أن المكلفين لا يجدون بُدًّا من القيام بأحكام الأمر، وإن عرض لقلوبهم اعتراض خفي أو جلي، بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر، والله تعالى أعلم وأحكم.
فقارنْ بين فهم العلماء لهذا الأثر، وفهم الشباب الذين يريدون أن نترك الأدلة النيرات، والحجج القاطعات، ونترك منهج الأئمة سلفًا وخلفًا، ونفتح باب الفتنة والمحنة على الأمة، بحجة أن هذا ما عليه أهل الثغور!!
ويا ليت شعري من هم أهل الثغور - إن صح الأثر - الذين تطلبون منا الرجوع إليهم في هذه المسائل المصيرية، والتي تَعمُّ بها البلوى ؟!


~~~








([1]) ((مدارج السالكين)) (1/510-511/ ط. دار الرشاد الحديثة).


([2]) [ العنكبوت: 69 ].

([3]) قول الأوزاعي وابن المبارك قد ذكره بعض المفسرين في آخر سورة العنكبوت من قول سفيان ابن عيينة، وانظره أيضًا في ((بدائع الفوائد)) (3/110/ ط. دار الكتاب العربي).

([4]) انظر ما قاله محقق ((مسند أحمد)) (29/533،528،523) بأرقام (17999، 18001، 18006) ط/ دار الرسالة.

تليها الشبهه السابعة
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2008
  • الدولة : البليدة
  • العمر : 38
  • المشاركات : 7,183
  • معدل تقييم المستوى :

    26

  • جمال البليدي is on a distinguished road
الصورة الرمزية جمال البليدي
جمال البليدي
شروقي
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • المشاركات : 119
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ولد برق is on a distinguished road
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
15-05-2008, 01:28 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة البليدي جمال مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك أخي وجزاك الله خيرا واصل رعاك الله
و فيك بارك أخي الكريم

حفظك الله و رعاك

مع العلم ان الشبهات و الجواب عليها منقولة
التعديل الأخير تم بواسطة ولد برق ; 15-05-2008 الساعة 01:31 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • المشاركات : 119
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ولد برق is on a distinguished road
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
15-05-2008, 06:58 PM
الشبهة السابعة


فإن قال قائل: نحن نسلِّم بقاعدة مراعاة المصالح والمفاسد، لكننا نرى عكس ما ترون، ونرى أن المصالح في التفجيرات والاغتيالات أكثر من المفاسد، وأنكم تعدون المصالح مفاسد، ولا تُلْزمونا برأيكم واجتهادكم!!
فالجواب: أن كل إنسان يستطيع أن يدَّعي هذه الدعوى، ولو حاججت أهل الباطل، وأنكرت عليهم كثيرًا من صنيعهم؛ لأنكروا عليك، ولو سألتهم: لماذا فعلتم هذا الفعل أو ذاك ؟ لظهر لك أنهم يرون المصلحة القطعية في صنيعهم، مع أن العقلاء متفقون على أنه فعلٌ باطل!!
إذًا، فليس كل من ادعى دعوى؛ سُلِّم له بقوله، إنما العمدة على الدلائل والبراهين، والآثار والنتائج، والفتن إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها الناس كلهم أو جُلُّهم، وقد سبق ذكر عدد من المفاسد المردية، بما لا يختلف فيه منصفان!!
فهل نُصَدِّق رجلًا يقول: قَتْلُ المئات من المسلمين الأبرياء، فيه مصلحة عظمى للإسلام وأهله ؟!
وهل نقبل من رجل يقول: إن سقوط الدولة المسلمة - على ما فيها من جور - فيه مصلحة كبرى، لأننا سنقيم الدين كله بعدها، ونحن نرى أن من فعل ذلك؛ جرَّ ويلات أشد وأنكى مما كان يريد إزالته ؟ ونرى أن غير المسلمين يفرحون بهذه الفتن في بلاد الإسلام، لأنهم يتذرعون بها للتدخل في شئون المسلمين، تحت ستار: ((حقوق الإنسان)) و((المنظمات الدولية))، و((الأمم المتحدة))، و((مكافحة الإرهاب)) و((الديمقراطية)) ونحو ذلك!!

فأين الذين يدَّعون فقههم بالواقع، ويتجرؤون ويتطاولون بذلك على كبار العلماء مما جرى للمسلمين في عدة بلدان، حيث جرت حروب طاحنة، وبعد أن أكلتْ الأخضر واليابس بين المسلمين البين؛ جاءت الدول الأخرى، لتجني الثمرة، وتسلِّم الزمام لمن تريد!! ألا نعتبر بما حلَّ بالمسلمين في الدول الأخرى بسبب هذا الشَّغب ؟! أليس السعيد من وُعظ بغيره ؟ أليس الله قد حثنا على السير في الأرض للتدبر والاتعاظ بما حلَّ بغيرنا ؟! والله - عز وجل - يقول: )قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( ([1])ويقول سبحانه: )أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ( ([2]).
ويقول سبحانه: )فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( ([3])
فما هي ثمرة أفكاركم هذه في المغرب العربي، ومصر، واليمن، والسعودية، والكويت، والصومال، والباكستان، وأندونيسيا وغير ذلك من بلدان؟!
وهل نصدِّق من يكابر، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- يقول: ([4]) في سياق ذكر الصبر على جور الحكام، وترك الخروج عليهم، لما في الخروج على الحكام من مفسدة كبرى، فقال - رحمه الله تعالى-:
00((...ويقال: ستون سنة من إمام جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان؛ والتجربة تبين ذلك )).اهـ.

فهل نلغي عقولنا، ونُهمل اجتهادات علماء عصرنا - وهم أهل الاستنباط والمرجع في النوازل - ونرفض تجربة سلفنا، وأحاديث نبينا- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصبر على الجور، لقول رجل لم تحصل له أهلية النظر في مثل هذه الأمور، ًاوْله أهلية - على أحسن الأحوال - إلا أنه أخطأ خطًا فاحشًا ؟!
وقد قال الإمام ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ([5]): ((... وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر... ومن تأمل ما جرى للإسلام في الفتن الكبار والصغار؛ رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولَّد منه ما هو أكبر منه...)).اهـ.
وقد أنكر أحمد الخروج على الواثق - الداعية للقول بخلق القرآن، وهو كفر باتفاق - وعلّل ذلك بأنه يكره الخروج والفتنة والدماء، ولم يكن في زمانه منظمات دولية، أو تحالفات عالمية، تجيد الاستفادة من جهود وضحايا المسلمين في آخر المطاف، كما هو الآن!!
فهل بعد هذا التصريح من سلفنا الصالح، نقبل قول من يقول اليوم شيئًا، ويرجع عنه غدًا ؟ وهل نترك الجبال الرواسي، ونكون كمن يجري وراء رمال تقلبها الرياح، وتنقلها من أرض إلى أرض، ومن وجه إلى وجه ؟! ثم نجعل حرمة المسلمين من الدماء والأموال والأعراض، وأمنهم واستقرارهم حقل تجارب ! فنُجرب بمئات القتلى والجرحى، ونسعى في اضطراب الأمن وزوال النعمة، ثم بعد ذلك نقول: لقد استفدنا من هذه التجربة، بأن هذا المنهج لا يجوز!! ولكن بعد ماذا ؟! بعد أن يتسلط الكفار على المسلمين، وتقوى شوكة أهل الأهواء والمشركين، ويتمنى المرء أن يعود الأمر كما كان، ولكن ولات حين مندم!! ألا نستفيد من تجربة السلف ؟! ألا نتعظ بما يجري حولنا ؟! أم أننا لا بد أن نبدأ بما بدأ به غيرنا ؟! ولا بد أن نعيد الخطأ مرة أخرى أو مرات ؟ والنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: ((لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين))([6])ونحن قد لدغنا مرات ومرات!!
ألا يكفينا حال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مكة، وهو يرى عبادة الأصنام وغير ذلك من المكفِّرات الكبرى، وهو صابر لضعف قوة المسلمين آنذاك ؟!

ألا يكفينا حديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصبر على الجور، وإنْ ضَرَب الولاة الظهور، وأخذوا الأموال ؟! ألا يكفينا قوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقد سئل عن الولاة الذين لا يعطون الناس حقهم، ومع ذلك يلزمونهم أداء ما عليهم، فقال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((اسمع وأطع، فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم ))؟!

فهذه أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهذا تاريخ السلف، وهذه تجربتهم، وهذه الآثار السيئة لهذه الأفعال بادية لكل ذي عينين، فماذا مع المخالفين من دليل ينهض لمقاومة بعض هذا - فضلًا عن كله - من أجل أن يكابروا، ويدَّعوا أنهم أعرف بتقدير المصالح والمفاسد من الأئمة الراسخين ؟!
وصدق من قال:

فأما ما عَلِمْتُ فقد كفاني و أما ما جَهِلْتُ فجنِّبوني


وإذا كان الحق واضحًا، بهذه المثابة، ومع ذلك يُقِابَل هذا كله بالإنكار - ممن يُكَفِّر العلماء أو يضللهم - والتعالم في تقدير مصالح ومفاسد الأمور الكبار؛ فما بقى إلا أن يتمثل المرء بما ذكره الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- ([7]) وهو قول القائل:


وقُلْ للعيون العُمْي للشمس أعينٌ سواكِ تراها في مغيبٍ ومَطْلعِ
وسامحْ نفوسًا أطفأ اللهُ نورهـا بأهـوائها لا تستفيق ولا تعي


وأما الذين لا زالوا يبجِّلون العلماء، فهم وإن لم يكونوا كذلك؛ إلا أنه يُخشى عليهم أن يصلوا إلى هذا الحال، ومن جالس جانس، إلا من رحم الله، والله تعالى أعلم.


~~~






([1]) [ آل عمران: 137 ].

([2]) [ غافر: 21 ].

([3]) [ آل عمران: 137 ].

([4]) ((مجموع الفتاوى)) (28/391).

([5]) (3/15) ط. دار الفكر.

([6]) أخرجه البخاري برقم (6133) ومسلم برقم (7423) من حديث أبي هريرة.

([7]) ((مختصر الصواعق)) (ص265).
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • المشاركات : 119
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ولد برق is on a distinguished road
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
16-05-2008, 07:10 PM
الشبهة الثامنة





يقول بعض هؤلاء الثوريين: لماذا تقولون لنا: لو سلمنا لكم - جدلًا - بكفر الحاكم؛ فلا يلزم من ذلك الخروج عليه، إلا بتوافر شرط القدرة والاستطاعة على الخروج، لتكون المفاسد أقل ما يكون ؟!
قالوا: وهذا أبو بكر الصديق لما كفَر مَنْ كفر مِنَ العرب بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكان المسلمون أضعف ما يكونون؛ لم يراعِ أبو بكر والصحابة - رضي الله عنهم - شرط القدرة والاستطاعة، بل جهَّزوا الجيوش لحرب المرتدين، وبعثوا البعوث، حتى رجع من رجع إلى الإسلام، وقُتِل مَنْ قُتِل، وهذا كله يدل - بإجماع الصحابة - على وجوب قتال المرتدين، وإن كان المسلمون قِلَّة: عَددًا وعتادًا، وكانوا أضعف من عدوهم!!

والجواب على ذلك من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
الأول: نحن لا نسلِّم بأن المرتدين كانوا أكثر وأقوى من المؤمنين الصادقين الثابتين على ما تركهم عليه رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل الأمر بخلاف ذلك، فإن الذين ارتدوا من العرب كانوا قلة بالنسبة لمن بقي على دين الله من المؤمنين، وقد قال ابن حزم - رحمه الله تعالى- في ((الملل والنحل ((: ((انقسمت العرب بعد موت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على أربعة أقسام:
طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهم الجمهور.
وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى.
والثالثة: أعلنت بالكفر والردة، كأصحاب طليحة وسجاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم، إلا أنه كان في كل قبيلة من يقاوم من ارتد.
وطائفة توقفت، فلم تطع أحدًا من الطوائف الثلاث، وتربَّصوا لمن تكون الغلبة.
فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل مُسيلمة باليمامة، وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سجاح، ورجع غالب من كان ارتد إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحول إلا والجميع راجعوا دين الإسلام - لله الحمد -)).([1]) .اهـ.
فهذا يدل على أن المرتدين قلة بالنسبة للثابتين، وهذا بخلاف دعوى هؤلاء الشباب.
الثاني: كيف يَدَّعي المخالف بأن المسلمين كانوا أضعف ما يكونون زمن الردة، وهاهو يذكر أن أبا بكر - رضي الله عنه - جهّز الجيوش، وبعث البعوث هنا وهناك وهنالك لحرب المرتدين!! فهل من يفعل هذا يكون أضعف ما يكون ؟! فيا لله العجب!!
الثالث: الواقع يدل على صحة ما قال ابن حزم - رحمه الله تعالى- فلو كان الثابتون على دينهم قلة ضعفاء؛ لطال زمن الفتنة - في العادة - ولقويت شوكة المرتدين، وسقطت دولة الإسلام، ولكن كان الأمر بخلاف ذلك - ولله الحمد والمنة - وهذا بخلاف حال هؤلاء الشباب، فما يستطيعون أن يرسلوا جيشًا واحدًا، وإن فعلوا؛ فما يعود إلا بالخسارة - لضعفهم وتمزق المسلمين - ويكون غالب هَمِّ مَنْ سَلِمَ منهم: أن يهرب في الأرض، أو يختفي عن الأنظار، فأين هذا الحال من حال الجيوش المؤمنة زمن الردة ؟!
الرابع: لقد كان لأبي بكر ومن معه - رضي الله عنهم جميعًا - خلافة، ودولة، وأرض ينطلقون منها وإليها، وجمهور المسلمين يؤيدونهم، وقد أجمعت كلمة العلماء من الصحابة على قتال المرتدين، بعد المناظرة التي جرت بين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وانشرحت النفوس لقتال من ارتد من العرب، ولذا كانت العاقبة حميدة - ولله الحمد -.
أما المخالفون: فأين خلافتهم، وأين دولتهم، وأرضهم، وأين الجمهور من المسلمين الذين يؤيدونهم على ما يفعلون من إراقة الدماء، وإزهاق أرواح الأبرياء، وأين إجماع العلماء على الفتوى بصحة ما هم عليه ؟!
فإن قالوا: نحن نختلف عن أبي بكر ومن معه، فإنهم كانت لهم دولة وأرض، أما نحن فلسنا كذلك.
قيل: فلماذا تحتجون بحال من سبق، وأنتم على حال يخالف ما هم عليه، ومع ذلك تُلْزمون غيركم أن يكون معكم على طريقتكم، وإلا كَفَّرْتموه، أو بدَّعتموه، وطعنتم في صدقه وإخلاصه ؟!
الخامس: شرط القدرة والاستطاعة في القيام بالأوامر: شرط ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وقواعد الأئمة، والعقل، والواقع:
فالله - عز وجل - يقول: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (([2])، ويقول: )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (([3]) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على رفع التكليف عند العجز، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((ما أمرتكم بأمر؛ فأْتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء؛ فاجتنبوه )). ([4])
وقد نص العلماء على أن من القواعد الخمس المتفق عليها، والتي تشمل نصوص الشريعة: قاعدة: لا تكليف مع العجز.
والعقل الصحيح يقضي بأن الضعيف إذا كان خروجه على ذي الشوكة يؤدي إلى شر أكبر؛ فإن هذا قبيح.
والواقع يدل على أن الذين خرجوا على الحاكم - وإن كان كافرًا، فضلًا عن كونه مسلمًا ظالمًا - وهم ضعفاء غير قادرين؛ فإن خروجهم يؤول إلى فساد أعظم، فلا عَدُوَّهم كَسَروا، ولا الإسلام نصروا.
والتاريخ يدل على هذا، كما سبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - إذْ قال: ((... ويقال: ستون سنة من إمام جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك )). ([5]) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى-: ((... وقَلَّ من خرج على إمام ذي سلطان؛ إلا كان ما تولَّد على فِعْلِهِ من الشر، أعظم مما تولَّد من الخير )). ([6])
وقال أيضًا: ((ولعله لا يكاد يُعْرَف طائفة خرجت على ذي سلطان؛ إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته )).([7]) .اهـ.
وقال: الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى-: ))... ومن تأمَّل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار؛ رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على المنكر، فطلب إزالته، فتولد منهم ما هو أكبر منه... )). ([8]) والله تعالى أعلم.




~~~


([1]) انظر ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر (1/276)، وانظر كلامًا آخر لبعض العلماء في هذا الشأن في كتابي ((البيان الأمثل)).


([2]) [ التغابن: 16 ].

([3]) [ الحج: 78 ].

([4])((البخاري)) (7288) و ((مسلم )) (1337).

([5]) ((مجموع الفتاوى)) ( 28/391).

([6]) ((منهاج السنة النبوية)) (4/527).

([7]) ((منهاج السنة النبوية)) (3/391).

([8]) ((إعلام الموقعين))(3/15-16).



تليها التاسعة 0000000 نواصل حتى الأربعين
التعديل الأخير تم بواسطة ولد برق ; 16-05-2008 الساعة 07:13 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • المشاركات : 119
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ولد برق is on a distinguished road
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
17-05-2008, 09:39 PM
الشبهة التاسعة



قد يقول قائل: إن الأدلة التي ذكرتَها من طاعة ولاة الأمور، والصبر على ظلمهم - وإن جاروا - إنما يكون ذلك في حق حكامٍ مسلمين، صحَّ لهم عقْد الإسلام - وإن خالفوا - أما ملوك، ورؤساء، وأمراء، وشيوخ زماننا فكفار ليسوا مسلمين، وعلى ذلك فلا صبر عليهم، ولا طاعة لهم، بل يجب الخروج عليهم؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بايع الصحابة على السمع والطاعة للأمراء في المنشط والمكْره، والعُسْر واليُسْر، إلا أن يروا كفرًا بواحًا،لهم فيه من الله برهان، وقد رأينا نحن في زماننا الكفر البواح، فلا سمع ولا طاعة، ولا صبر على هؤلاء الحكام، بل دماؤهم وأموالهم حلال!!

وكذلك لقد نهى الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الخروج عليهم بقوله: ((لا، ما صَلَّوْا)) وكثير من حكام زماننا لا يُصلون، ومن صلى منهم؛ كفر من باب آخر!!

والجواب - إن شاء الله تعالى - من وجوه:
الأول: أنني لست بصدد الكلام معكم على كُفر الحاكم أو إسلامه، فإن لهذا موضعًا آخر، وفيه تفاصيل أُخَر، وإن كنتُ لا أُسلِّم لكم بإطلاقكم تكفير جميع الحكام - دون تفصيل - كما لا أُسلِّم لكم بأن هذا الميدان كلأٌ مباح لكل من أراد أن يرعى فيه، فإن لكل مَلِكٍ حمى، وإن ملك هذا الحمى: هم العلماء الراسخون في العلم، لا الشباب المبتدئون، ولا الدعاة المتحمسون، الصادُّون أو المعرضون عن منهج السلف في هذا الأمر الخطير!!
الثاني: ومع هذا كله: فلو سلَّمْتُ لكم - جدلًا - بما تقولون؛ فهل يلزم من ذلك جواز قيامكم بالتفجيرات والاغتيالات - وقد سبق ذكر كثير من مفاسدها - ؟
ألا تُفرِّقون بين حالة القوة والضعف ؟ ألا تعلمون أن التكاليف الشرعية مقيدة بالاستطاعة، لقوله تعالى ): فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )([1]) وقوله- عز وجل -: )لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا( ([2])وقوله سبحانه: )لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا ءَاتَاهَا( ([3])وقوله سبحانه وتعالى: )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (([4]) وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:((ما أمرتكم بأمر؛ فأْتوا منه ما استطعتم ))؟
وقد قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله تعالى - وقد ذكر عدة أدلة في السمع والطاعة في المعروف، والصبر على الجور، ثم قال: ((هذا يدل على أنهم لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور، ولا الخروج عليهم، إلا أن يروا كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فسادًا كبيرًا وشرًّا عظيمًا، فيختل به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسر ردع الظالم، ولا نصرة المظلوم، وتختل السُّبُل ولا تُؤَمَّن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم، وشر كبير.
إلا إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان؛ فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم تكن عندهم قدرة؛ فلا يخرجون، أو كان الخروج يسبب شرًّا أكثر؛ فليس لهم الخروج؛ رعايةً للمصالح العامة، والقاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر؛ فلا يجوز بإجماع المسلمين.
فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة السلطان، الذي فعل كفرًا بواحًا، عندها قدرة على أن تزيله، وتضع إمامًا صالحًا طيبًا، دون أن يترتب على ذلك فساد كبير على المسلمين، وشر أعظم من شر هذا السلطان؛ فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير، واختلال الأمن، وظلم الناس، واغتيال من لا يستحق الاغتيال، إلى غير هذا من الفساد العظيم؛ هذا لا يجوز، بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف، ومناصحة ولاة الأمور، والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله، وتكثير الخير، هذا هو الطريق السويُّ الذي يجب أن يُسْلَكَ، لأن في ذلك مصالح المسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر، وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن، وسلامة المسلمين من شر أكثر، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية )). ([5]).اهـ.
وقال صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى -: ((وأما التعامل مع الحاكم الكافر؛ فهذا يختلف باختلاف الأحوال: فإن كان في المسلمين قوة، وفيهم استطاعة لمقاتلته وتنحيته عن الحكم، وإيجاد حاكم مسلم؛ فإنه يجب عليهم ذلك، وهذا من الجهاد في سبيل الله، أما إذا كانوا لا يستطيعون إزالته؛ فلا يجوز لهم أن يتحرشوا بالظلمة والكفرة، لأن هذا يعود على المسلمين بالضرر والإبادة، والنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عاش في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة والولاية فيها للكفار، ومعه من أسلم من أصحابه، ولم ينازلوا الكفار، بل كانوا منهيين عن قتال الكفار في هذه الحقبة، ولم يُؤْمروا بالقتال إلا بعد ما هاجر - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصار له دولة وجماعة يستطيع بهم أن يقاتل الكفار، هذا هو منهج الإسلام.
فإذا كان المسلمون تحت ولاية كافرة، ولا يستطيعون إزالتها؛ فإنهم يتمسكون بإسلامهم وبعقيدتهم، ولكن لا يخاطرون بأنفسهم، ويغامرون في مجابهة الكفار، لأن ذلك يعود عليهم بالإبادة والقضاء على الدعوة، أما إذا كانت لهم قوة يستطيعون بها الجهاد؛ فإنهم يجاهدون في سبيل الله على الضوابط الشرعية المعروفة )).([6]) .اهـ.
فإن سلمتم -كما يقول كل منصف- بأنكم ضعفاء غير مستطيعين؛ فلماذا تخرجون على الحكام الذين تكفرونهم - سواء أصبتم في تكفيرهم، أم أخطأتم - وأنتم غير قادرين ؟! وإن كابرتم، وقلتم: لسنا مستضعفين؛ فلماذا نسمع أن كثيرًا منكم - إذا كنتم أهل شوكة ومنعة - في بطون السجون، وتسيرون مُسْتَخْفين، ومنكم من يحلق لحيته، ويلبس لباسًا آخر، ولا تُصلُّون في المساجد، ولا يصل إليكم من أرادكم إلا بشق الأنفس ؟ أهذا حال قادر ممكَّن؟!.
وإن سلمتُ - جدلًا- بأن عندكم قوة وشوكة؛ فهل الخروج على الحكام - وهم لهم قوة وشوكة أعظم من قوتكم،كما هو ظاهر -مشروع مطلقًا دون النظر في المصالح والمفاسد ؟ أي: فهل الخروج عليهم مشروع، وإن جلب مفاسد أكثر ؟ وإن أدى إلى ضعف قوة الدعوة والدعاة - كما هو حاصل الآن - ؟
أم أن الشريعة تقضي بأن المفسدة إذا كانت أكبر؛ فيُترك الخروج، وكذا إذا كانت مماثلة، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح- حينئذٍ - ؟
وهل تسلّمون بقاعدة مراعاة المصالح والمفاسد، أم لا تقيمون لها وزنًا ؟! فإن سلّمتم بها؛ فهل تطبيقكم هذا لها - مع المفاسد السابقة - صحيح ؟ وإن لم تقيموا لها وزنًا، فأين أنتم من الأدلة الدالة عليها ؟ وأين أنتم من سلف الأمة الذين أطبقوا على مراعاة ذلك ؟
( إشكال وجوابه ): فإن قيل: إن النصوص الدالة على العفو والإعراض عن الكفار والمشركين في حالة الضعف نُسخت بآية السيف، فلا بد من قتالهم!! وأن العهد المكي قد نُسخ بالعهد المدني، فلا بد من العمل بنصوص القتال للكفار!!
فالجواب: أن ذلك إنما يكون عند القوة والتمكين للمسلمين، كما أنه يكون عند الأمن من وقوع مفاسد أكثر، وسيأتي- إن شاء الله تعالى -تصريح شيخ الإسلام بذلك، أما في حالة ضعف المسلمين - كما هو حاصل - فإنهم يعملون بأدلة الصبر والإعراض، وذلك من وجهين:
1- أن الله - عز وجل - لم يكلف إلا المستطيع، وقد سبقت أدلة ذلك قريبًا، والمسلمون - بحالهم هذا - غير قادرين على مواجهة غيرهم.
2- أن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قرّر ذلك ([7]) فذكر - رحمه الله تعالى - أن المسلم إذا كان في حال ضعف؛ فيأخذ بنصوص العفو والصفح والصبر، وإذا كان في حال قوة؛ فيأخذ بالنصوص الدالة على قتال الكفار، وقد ذكر شيخ الإسلام هذا وغيره في سياق الرد على من استدل بقول الله تعالى: )لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( ([8]) فاستدل المعترض بذلك ونحوه على ترك قتل أهل الذمة، وإن طعنوا في كتاب الله، ودينه، ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-!!
فرد عليه شيخ الإسلام بردود كثيرة، ومنها قوله: ((إن الأمر بالصبر على أذاهم، وبتقوى الله؛ لا يمنع قتالهم عند المكنة، وإقامة حد الله عليهم عند القدرة...)) وذكر أن هذه الآية وما شابهها منسوخة من بعض الوجوه، ونقل أن الناسخ قوله تعالى: )وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ( ([9]) وقوله تعالى: )قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (([10])... إلى أن قال: ((... وصارت تلك الآية في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا لسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغار على المعاهَدين في حق كل مؤمن قوي يَقْدِر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عُمُر رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمَنْ كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة: فإنما يعامِلون بآية قتال أئمة الكفر، الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب،حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون... )).اهـ.
فظهر من كلام شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - مراعاة القوة والضعف، وأن المسألة ليست مسألة العهد المكي أو المدني، إنما المسألة مسألة قوة وضعف، ومصلحة ومفسدة، فقد يكون في زمن القوة للمسلمين بعامة من هو يخفي إيمانه في بلده،كما قال تعالى: )وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ([11]) هذا حال بعض المؤمنين في مكة، مع وجود قوة للمؤمنين الآخرين في المدينة.
فمن كان قويًا؛ عمل بنصوص خُوطِب بها أهل القوة، ومن كان ضعيفًا؛ عمل بنصوص خُوطِب بها أهل الضعف، هذا في حق فرد أو طائفة دون النظر إلى الحال العام للمسلمين، فمسألة العهدين المكي والمدني ليست مرحلتين زمانيتين انتهت إحداهما بجميع أحكامها - في هذا الباب - وبقيت الأخرى بجميع أحكامها، فالحق: أن الدين قد اكتمل، والواجب الإيمان بكل مالم يُنسخ، سواء نزل في مكة أو المدينة، وإنما المسألة منوطة بالقوة والضعف في حق كل أحد، فقد يجب عليك ما لا يجب عليّ، فالغني يجب عليه من الزكاة والحج بخلاف الفقير، وكذا القتال يجب على القوي إذا لم يأت بمفسدة أكبر، ولا يجب على من ليس كذلك، بل الرجل الواحد قد يجب عليه الحكم في وقت دون آخر.
وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - ([12]) أثناء كلامه عن الجهاد: ((لا بد فيه من شرط، وهو: أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة؛ فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى القتال على المسلمين وهم في مكة، لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة، وكوَّنوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة؛ أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات، لأن جميع الواجبات يُشْترط فيها القدرة لقوله تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ( ([13]) وقوله:)لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ( ([14]) )).اهـ.
فتأمل تفصيل العلماء الموافق للآيات القرآنية ولحديثه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إذا أمرتكم بأمر؛فأتوا منه ما استطعتم... ((فأين هذا ممن لا يرفع بذلك رأسًا، متمسكًا بظاهرآية أو حديث، أو مُصِرًّا على رأيه، أو فراسته وظنه، أو ما تمليه عليه عاطفته، أو قيادته، معرضا عن بقية الأدلة، وعن فهم سلف الأمة ؟!
( إشكال آخر وجوابه ): فإن قيل: إذا كنتم تقولون: هذه بلاد مسلمة ؟! أو هذا مجتمع مسلم، فمن كان له دولة؛ فهو قادر على تنفيذ كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلا يجوز ترك شيء من ذلك، وهؤلاء الحكام تركوا الكثير من ذلك، فتعين أَطرْهم على الحق أَطْرًا!!
فالجواب: أنه لا يلزم من كون المجتمع أو الحاكم مسلمًا؛ أن يكون قادرًا على تنفيذ الشريعة كلها في سلطانه - فضلًا عن إقامته في بقية الدول - فالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانت له دولة في المدينة، ومع ذلك لم يستطع أن يغير الأصنام التي حول الكعبة إلا في الفتح، وقد اعتمر قبل الفتح، ولم يُزِلْ ذَلكَ،كل هذا مراعاة منه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمصالح والمفاسد.
وأيضًا: فالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو في المدينة - كان يتعامل بالصفح عمن ألْحَقَ به أذى، حتى قويت الشوكة، وظهرت الهيبة، فلا يلزم من وجودِ دولة؛ وجودُ القوة بكاملها، أو وجودُ القدرة التامة على تغيير كل منكر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -([15]) جوابًا على من استدل بصبر رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على تحية اليهود المنكرة لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومعلوم أن هذا كان في المدينة، وفي زمن وجود الدولة المسلمة، فقال- رحمه الله تعالى - رادًّا عليه: ((قلنا: عن هذا أجوبة:
أحدها: أن هذا كان في حال ضعف الإسلام، ألا ترى أنه قال لعائشة: ((مهلا يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله)) وهذا الجواب كما ذكرناه في الأذى الذي أمر الله بالصبر عليه، إلى أن أتى الله بأمره )).
قال: ((ذَكَرَ هذا الجواب طوائف من المالكية، والشافعية، والحنبلية، منهم: القاضي أبو يعلى، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو الوفاء بن عقيل وغيرهم...))إلى أن قال: ((نعم، قدْ قدّمنا أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وسلم كان يسمع من الكفار والمنافقين في أول الإسلام أذى كثيرًا، وكان يصبر عليه امتثالًا لقوله تعالى: )وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ (([16]) لأن إقامة الحدود عليهم كان يفضي إلى فتنة عظيمة، ومفسدة أعظم من مفسدة الصبر على كلماتهم )).
قال: ((فلما فتح الله مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأنزل الله ((براءة)) قال فيها: )جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (([17]) وقال تعالى: )لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ... (([18]) إلى قوله تعالى: )أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ( ([19])... )).
إلى أن قال - رحمه الله تعالى -: ((فهذا يفيد أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يحتمل من الكفار والمنافقين قبل ((براءة)) ما لم يكن يحتمل منهم بعد ذلك، كما قد كان يحتمل من أذى الكفار - وهو بمكة- ما لم يكن يحتمل بدار الهجرة والنصرة )).اهـ.
فهذا يدل على أن الحاكم قد يكون له دولة ومَنَعَةٌ، لكن مع ذلك يمرّ بمراحل لا يستطيع أن يواجه أعداءه بالسيف ونحوه، بل قد يحتاج إلى تأليف بعض رعيته، خشية إثارة مفسدة أعظم، فيترك إقامة بعض الحدود عليهم، ونحو ذلك، فتأمل فقْه السلف، وبركة علومهم، نفعنا الله بذلك.
ومع هذا، فإنني لا أستدل بما سبق على أن الكثير من الحكام اليوم غير مفرِّط في كثير مما أوجبه الله عليه!! فإن ذلك ظاهر لكل ذي عينين، بين مقل ومستكثر، وأسأل الله لنا ولهم الهداية والصلاح، فإن في صلاحهم صلاحًا للبلاد والعباد، إنما أردُّ بذلك على من يستدل بهذا على كُفْر مَنْ كانت له دولة، ولا يُعلن الجهاد - كذا أطلق،ولم يفصِّل!! - والله أعلم.
الثالث: إذا تقرر أن الخروج على الحاكم وقتاله مُقَيَّدٌ بوجود الكفر البواح، والقدرة على عزل الحاكم دون شر أكبر؛ فهناك عدة وقائع في التاريخ تدل على مراعاة ذلك أيضًا، فمن ذلك:
1 ــ أن الحجاج بن يوسف الثقفي، قد اشتهر أمره في الظلم والفساد، حتى كفّره بعض السلف، كإبراهيم النخعي، وطاووس، وسعيد بن جبير، وخرج عليه بعض من كفّره، أو فسّقه، ولم يخرج عليه آخرون، ولم يرجع من خرج عليه إلا بشر أعظم.
وقد أنكر من أنكر من السلف الخروج على الحجاج سواء كان ممن كفّره أم لا، ولم يبلغنا أنهم عللوا ذلك الإنكار بعدم كفره، لأن من كفَّره مجتهد متأول، ولا يلزم النكير عليه في مسألة اجتهادية - إذا كان أهلًا لذلك، ولم يقع بسبب فتياه مفسدة عظيمة، لا يستطيع العقلاء دفعها - إنما أنكروا عليهم بسبب المفاسد المترتبة على ذلك، وهذا قولنا إن سلَّمنا لكم بكفر من خرجتم عليه!!
2 ــ أن الإمام أحمد قد عاصر من قال بالتعطيل، واتفق العلماء على كفر الجهمية المعطلة الذين يقولون بخلق القرآن - كما مرّ بنا - ومع ذلك فقد أنكر الإمام أحمد على من أراد الخروج على الواثق، وعلّل ذلك بالدماء والفتنة، مع أنه لا خلاف في أن الذي يدعو إليه الأمراء - آنذاك- كُفْر، وإن لم يكفِّرهم العلماء بأعيانهم، ولم يردَّ أحمد على من أراد الخروج آنذاك بقوله لهم: ما دليلكم على التكفير ؟ إنما قال: لا يجوز لكم الخروج، أي سواء كفَّرتم أم لا، فإنزال الحكم العام على المعيَّن؛ من مسائل الاجتهاد التي قد تختلف فيها وجهة نظر العلماء المجتهدين.
3 ــ في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - كان هناك كثير من الحكام يقولون بقول الروافض الباطنية، أو بقول غلاة الصوفية الحلولية، أو بقول متكلمة الصوفية الجهمية المعطلة، ومع ذلك لم يعلن الجهاد على أمراء البلاد المسلمة، إنما كان ينصح ويأمر وينهى بالحكمة، ويرد على شبهات علماء هذه الفرق، ولم يرفع لواءً لحرب حكام زمانه - على ما فيهم بل لا أعلم أنه صرح بكفر هؤلاء الأمراء بأعيانهم، لأنه يعلم ما وراء ذلك من الفتن!!
وكذا كثير من دول الإسلام عبر التاريخ فيها أنواع من الكفر الأكبر، وإن لم تكن بصورة الاستهزاء بشريعة الله؛ فهي بالقول بالحلول والاتحاد، وهذا أشد من كفر اليهود والنصارى، أو بالقول بالتعطيل، أو عبادة القبور، ومع ذلك لم يُنْقَل عن علماء السنة أنهم صرخوا في الناس جميعًا بخلع أيديهم من طاعة هؤلاء الأمراء؛ لوقوع اشتباه على كثير من الأمراء في فهم هذه الأمور، وللمفاسد المترتبة على الخروج!!
فإن سلمتم بذلك؛ ففيه رد عليكم في إطلاق تكفير حكام المسلمين اليوم بدون تفصيل، والحكم على بلادهم بأنها بلاد كفر، كما فيه رد عليكم في أمر الخروج والتفجير!!
4 ــ في زمن الدولة العثمانية، حصلت أمور منكرة، من عبادة القبور، وجَلْب كثير من قوانين أوربا، وعُمل بأحكام مستوردة في ميادين كثيرة، وانظر ماذكر مؤلف ((مشكلة الغلو في الدين))([20])، ومع ذلك فالمخالفون هنا مُسَلِّمون بأنها خلافة إسلامية، ولا يجوز الخروج عليها، وعلماء المسلمين الراسخون لم يفتوا بالخروج عليهم - فيما أعلم- إنما رأوا التعاون معهم في المعروف، وإصلاح ما يقدرون على إصلاحه من الخطأ، وهذا دأب العلماء المصلحين سلفًا وخلفًا.
وقد رد محدِّث العصر الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - على من أطلق تكفير حكام المسلمين، ثم قال: ((ثم كنت - ولا أزل - أقول لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين: هَبُوا أن هؤلاء كفار كفر ردة، وأنهم لو كان هناك حاكم أعلى عليهم، واكتشف منهم أن كفرهم كفر ردة؛ لوجب على ذلك الحاكم أن يطبق فيهم الحد، فالآن ما تستفيدون أنتم من الناحية العملية إذا سلمنا - جدلًا - أن كل هؤلاء الحكام كفار كفر ردة ؟ ماذا يمكن أن تعملوه ؟ هؤلاء الكفار احتلوا من بلاد الإسلام، ونحن هنا - مع الأسف - ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فماذا نستطيع نحن وأنتم أن نعمل مع هؤلاء، حتى تستطيعوا أنتم مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار ؟
هلا تركتم هذه الناحية جانبًا، وبدأتم بتأسيس القاعدة التي على أساسها تقوم قائمة الحكومة المسلمة، وذلك باتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي ربى أصحابه عليها، ونشّأهم على نظامها وأساسها، وذلك ما نُعَبّر عنه في كثير من مثل هذه المناسبة، بأنه لا بد لكل جماعة مسلمة تعمل بحق لإعادة حكم الإسلام - ليس فقط على أرض الإسلام - بل بحقٍّ ( على ) الأرض كلها، تحقيقًا لقوله تبارك وتعالى: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( ([21]).
وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذه الآية ستُحَقّق فيما بعد؛ فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآني، هل يكون الطريق بإعلان ثورة على هؤلاء الحكام الذين يظنون كفرهم كفر ردة ؟!
ثم مع ظنهم هذا - وهو ظن خاطئ - لا يستطيعون أن يعملوا شيئًا، ماهو المنهج ؟ ماهو الطريق ؟ لا شك أن الطريق: هو ما كان رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يدندن حوله، ويُذَكِّر أصحابه به في كل خطبة: ((وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-)).
فعلى المسلمين كافة - وبخاصة منهم من يهتم بإعادة الحكم الإسلامي - أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو ما نُكَنّي نحن عنه بكلمتين خفيفتين: (التصفية والتربية) ذلك لأننا - نحن - نعلم حقيقة يغفل عنها أو يتغافل عنها- في الأصح أولئك ( الغلاة ) الذين ليس لهم إلا إعلان تكفير الحكام، ثم لا شيء، وسيظلون يعلنون كفر الحكام، ثم لا يصدر منهم إلا ( الفتن ) والواقع في هذه السنوات الأخيرة التي تعلمونها: بدءًا من فتنة الحرم المكي، إلى فتنة مصر، وقتل السادات، وذهاب دماء كثير من المسلمين الأبرياء، ثم أخيرًا في سوريا، ثم الآن في مصر، والجزائر - مع الأسف - كل هذا بسبب أنهم خالفوا كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، وأهمها)لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ( ([22]).
إذا أردنا أن نقيم حكم الله في الأرض، هل نبدأ بقتال الحكام - ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم - ؟ أم نبدأ بما بدأ به الرسول - عليه الصلاة والسلام - ؟ لا شك أن الجواب: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ( (2) بماذا بدأ رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ؟ تعلمون أنه بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقَبُّل الحق، ثم استجاب له من استجاب، كما هو معروف في السيرة النبوية، ثم التعذيب والشِّدَّة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم الأمر بالهجرة الأولى والثانية إلى آخر ما هناك، حتى وطَّد الله - عز وجل - الإسلام في المدينة المنورة، وبدأت هناك المناوشات، وبدأ القتال بين المسلمين والكفار من جهة، ثم اليهود من جهة أخرى، إذًا لا بد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام، كما بدأ الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لكن نحن الآن لا نقتصر على التعليم، لأنه دخل الإسلام ما ليس منه، وما لا يمِتُّ إليه بصلة، بل دخل عليه ما كان سببًا في تَهَدُّمِ الصرح الإسلامي، فلذلك كان من الواجب على الدعاة: أن يـبدؤوا بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه، والشيء الثاني: أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى، ونحن إذا درسنا الجماعات الإسلامية القائمة الآن، منذ نحو قرابة قرن من الزمان؛ لوجدنا كثيرًا منهم لم يستفيدوا شيئًا، رغم صياحهم، ورغم ضجيجهم بأنهم يريدونها حكومة إسلامية، وسفكوا دماء أبرياء كثيرين بهذه الحجة، دون أن يستفيدوا من ذلك شيئًا، فلا نزال نسمع منهم العقائد المخالفة للكتاب والسنة، والأعمال المنافية للكتاب والسنة.
وبهذه المناسبة نقول: هنالك كلمة لأحد الدعاة، كنت أتمنى من أتباعه أن يلتزموا بها، ويحققوها، وهي: ( أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقم لكم على أرضكم ) لأن المسلم إذا صحح عقيدته بناءً على الكتاب والسنة؛ فلا شك أنه من وراء ذلك ستصلح عبادته، وستصلح أخلاقه وسلوكه...إلخ، لكن هذه الكلمة الطيبة - مع الأسف - لم يعمل بها هؤلاء الناس، فظلوا يصيحون بإقامة الدولة المسلمة دون جدْوَى، وصدق فيهم قول ذلك الشاعر:


ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس


لعل في هذا الذي ذكرته كفاية، جوابًا على هذا السؤال ([23]).اهـ.
وقد أقره سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى - ([24]) بقوله:
((الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه؛ أما بعد:
فقد اطلعت على الجواب المفيد القيم، الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى - المنشور في ((صحيفة المسلمون)) الذي أجاب به فضيلته من سأله عن ( تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل ) فألفيتها كلمة قيمة أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح - رحمه الله تعالى - أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يُكَفّر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل، من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعن غيره من سلف الأمة... )).اهـ.
فتأمل فهم العلماء من السلف والخلف، وتحذيرهم من الدخول في الفتن، واشتغالهم بما ينفع، وبما هو مستطاع، وصدق من قال:


إذا لم تستطـع شيـئًا فدعْـه وجـاوزه إلى مـا تستطيـعُ


الرابع: أن هذا كله يوضح لنا أن حديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إلا أن تروا كفرًا بواحًا، لكم فيه من الله برهان ((ليس معناه: أنك إذا رأيت كفرًا من الحاكم، أو في دولته، ولم يغيره؛ فاخرج عليه، وإن جرى من الفساد ما جرى!! إنما في الأمر تفصيل، راجع إلى كون الحاكم كافرًا بعينه، أم لا ؟ فإنه لا يلزم من قول الكفر أو فِعْله؛ أن يكون القائل أو الفاعل كافرًا بعينه، إلا بعد استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، وهذا أمر يُراعى في حق آحاد المسلمين، فكيف برؤسائهم وأهل الشوكة فيهم ؟!
وأيضًا: ففي الأمر تفصيل ثانٍ - بعد الحكم بالكفر على الحاكم بعينه - راجع إلى القدرة أوالشوكة وعدمها أو ضعفها.
وأيضًا: ففي الأمر تفصيل ثالث - بعد وجود أصل القدرة والشوكة - راجع إلى كونها قدرة كافية، تجلب المصالح، وتدرأ المفاسد أم لا!! وكل هذا مستمد من الأدلة والقواعد الأخرى، لأننا لا نأخذ ديننا كله من نص واحد، ونترك النصوص الأخرى التي في الباب، كما هو دأب أهل الأهواء من قديم الزمان!!
وللأسف، فكثير من هذه التفاصيل لم تلق اهتمامًا عند المخالفين، فجرى بسبب هذا الإعراض ما يندى له الجبين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(تنبيه): ثم إن كثيرًا ممن يرون هذا الفكر يعيشون في البلاد الكافرة في الشرق والغرب، فهل هؤلاء المخالفون لم يروا هناك كفرًا بواحًا عندما نراهم ساكتين هناك وهنالك - وإن كانوا يُشْكَرون على ترك الفتن - ؟ أم أنهم لا يرون كفرًا بواحًا إلا في البلاد الإسلامية ؟! وجوابهم على ذلك؛ هو جوابنا عليهم من باب أولى، فالله المستعان، وإليه المشتكى، وعليه التكلان.



~~~





([1])[ التغابن: 16 ].

([2]) [ البقرة: 286 ].

([3]) [ الطلاق: 7 ].

([4]) [ الحج: 78 ].

([5])كما في: ((مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري على ضوء الكتاب والسنة)) ( ص 25 – 26 )

([6])من ((فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة)) (ص 76-77).


([7]) في ((الصارم المسلول على شاتم الرسول)) (2/402-418) ط/رمادي للنشر – الأولى.

([8]) [ آل عمران: 186 ].

([9]) [ النساء: 89 ].

([10]) [ التوبة: 29 ].

([11]) [ الفتح: 25 ].

([12])في ((الشرح الممتع)) ( 8 / 9 – 10 ).

([13]) [ التغابن: 16 ].

([14]) [ البقرة: 286 ].

([15]) ((الصارم المسلول)) (2/416-418).

([16]) [ الأحزاب: 48 ].

([17]) [ التحريم: 9 ].

([18]) [ الأحزاب: 60 ].

([19]) [ الأحزاب: 61 ].

([20]) ( 2/436- 437).

([21]) [ الصف: 9 ].

([22])، (2) [ الأحزاب: 21 ].

([23]) وانظر ((المجلة السلفية)) (1/1415هـ ) نقلًا من ((فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة)) (ص 157-160).

([24]) (ص161) من المصدر نفسه.


تليها العاشرة0000000 نواصل حتى الأربعين
التعديل الأخير تم بواسطة ولد برق ; 17-05-2008 الساعة 09:43 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • المشاركات : 119
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ولد برق is on a distinguished road
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
18-05-2008, 08:19 PM
الشبهة العاشرة



فإن قال قائل: لو سلمنا لكم بأن الحكام ليسوا بكفار؛ فنحن نرى الخروج على الحكام؛ لأن هذا أمر قد اختلف فيه السلف، وطالما أن المسألة خلافية؛ فلا يجوز لكم أن تلزمونا برأيكم، وهو عدم الخروج على هؤلاء الولاة!!
والجواب: أن الخلاف بين السلف كان قبل أن تظهر مفاسد هذا الأمر بجلاء، وكان للحق أعوان وأنصاركُثُر- في نظر من خرج- ولمالم يأت الخروج بخير؛ اتفقت كلمة السلف على ترك الخروج على الأئمة - وإن جاروا -.
وقد نص غير واحد على هذا الاتفاق، فمن ذلك:
1 ـــ ما أخرجه اللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة ))([1]) بسنده إلى البخاري في ذكر ما يعتقده البخاري - رحمه الله تعالى - قال: ((لقيتُ أكثر من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتهم كرّاتٍ، قرنًا بعد قرن، ثم قرنًا بعد قرن ([2])، أدركتهم وهم متوافرون، منذ أكثر من ستة وأربعين سنة: أهل الشام، ومصر، والجزيرة مرتين، والبصرة أربع مرات، في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحْصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدثي أهل خراسان، منهم:...))فذكر بعض أسمائهم، ثم ذكر بعض مسائل الاعتقاد، ومنها قوله: ))... وألا ننازع الأمر أهله... وألا يرى السيف على أمة محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقال الفضيل: لو كان لي دعوة مستجابة؛ لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام؛ أَمَّنَ البلاد والعباد، قال ابن المبارك: يا معلم الخير، من يجترئ على هذا غيرك )).اهـ.
2 ـــ وذكر اللالكائي - أيضًا- ([3]) سنده إلى ابن أبي حاتم الرازي في بيان معتقد أبيه وأبي زرعة، فقال: ((سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك ؟
فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم... )) فذكر أمورًا كثيرة منها: ((ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله - عز وجل - أمرنا، ولا ننـزع يدًا من طاعته، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة )).اهـ.
3 ـــ وقال النووي - رحمه الله تعالى -: ((وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام باجماع المسلمين - وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُهُ... )).اهـ.
ثم قال: ((قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الاجماعَ، وقد رَدَّ عليه بعضهم هذا بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث... ثم قال: قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم )).([4]).اهـ.
4 ـــ قلّما تجد إمامًا مُصَنِّفًا في بيان معتقد أهل السنة؛ إلا ويذكر عدم الخروج على الولاة - وإن جاروا - والسمع والطاعة في المعروف، وجعلوا هذا من أصولهم، وأن من خالفهم في ذلك؛ فهو من أهل الأهواء والبدع، ومن المارقين عن الجماعة.
قال الأشعري في ((رسالة أهل الثغر))([5]): ((وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى كل مَنْ وَليَ شيئًا من أمورهم عن رضًى أو غلبة، وامتدت طاعته - من برٍّ وفاجر- لا يلزم الخروج بالسيف جار أو عدل... )).اهـ.
وقال الإسماعيلي في ((اعتقاد أهل السنة)) ([6]): ((ويروْن الدعاء لهم بالإصلاح، والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم )).اهـ.
5 ـــ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ([7]): ((... كان من العلم والعدل المأمور به: الصبر على ظلم الأئمة وجورهم، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة)).اهـ.
وذكر ([8]) كلامًا طويلًا، منه قوله - رحمه الله تعالى -: ((... ولهذا استقر أمر أهل السنة على تَرْك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصاروا يَذْكُرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَوْر الأئمة، وترْك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خَلْقٌ كثير من أهل العلم والدين... ((إلى أن قال: ))... ولم يُثْنِ - أي: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على أحد لابقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولانَزْع يدٍ من طاعة، ولا مفارقة للجماعة )).اهـ.

وقال شيخ الإسلام ([9]) بعد أن بين أن مفسدة الخروج على الولاة تربو على مصلحته: ((ولهذا كان مذهب أهل الحديث: ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم، إلى أن يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر )).اهـ.

وقال - أيضًا -: ((ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وأما أهل الأهواء-كالمعتزلة- فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم...)). ([10]) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى -: ((وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يُرَخِّصون لأحد فيما نهى الله عنه: من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم )).([11]) .اهـ.

وقال - رحمه الله تعالى -: ((ولا يُزال المنكر بما هو أنكر منه، بحيث يُخْرَج عليهم بالسلاح، وتقام الفتنة، كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة، كما دلت عليه النصوص النبوية، لما في ذلك من الفساد الذي ( يربو ) على فساد ما يكون من ظلمهم... )).([12]) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى -: ((ومن أصول هذا الموضع: أن مجرد وجود البغي من إمام أو طائفة؛ لا يوجب قتالهم، بل لا يبيحه، بل من الأصول التي دلت عليها النصوص: أن الإمام الجائر الظالم يُؤْمر الناس بالصبر على جوره، وظلمه، وبغيه، ولا يقاتلونه... ))([13]) .اهـ. كلامه - رحمه الله تعالى -.

6 ـــ وقال الإمام ابن القيم في ((حادي الأرواح))([14]):
((هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الآثار، وأهل السنة المتمسِّكين بها، المقْتَدَى بهم فيها من لدن أصحاب النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى يومنا هذا، وأدركتُ من أدركتُ من علماء أهل الحجاز، والشام، وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها؛ فهو مخالف، مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.

وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسْنا، وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم ...)) فذكر أمورًا، وفيها: ((... والانقياد لمن ولاّه الله - عز وجل - أمْركم، ولا تنـزع يدًا من طاعة، ولا تخرج عليه بسيف، حتى يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولاتنكث بيعته، فمن فعل ذلك؛ فهو مبتدع، مخالف، ومفارق للجماعة...)). .اهـ.
وقال- رحمه الله تعالى -:
((فصْل فيما اجتمعت عليه الأمة من أمور الديانة، من السنن التى خلافها بدعة وضلالة...)) فذكر أمورًا، ومنها:
(( والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكُلُّ من وَلىَ أمر المسلمين عن رضًى أو عن غلبة، واشتدت وطْأته من بَرٍّ أو فاجر؛ فلا يُخرج عليه: جار، أو عدل... )).
إلى أن قال: ((وكل ما قَدمنا ذكره: فهو قول أهل السنة، وأئمة الدين، والفقه، والحديث على ما بيَّنَّاه )).([15]) .اهـ.
7 ـــ ذكر الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب))([16]) في ترجمة الحسن بن صالح بن حي، أن منهم من قال فيه: كان يرى السيف، فقال الحافظ: ((وقولهم:كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك؛ لما رأَوْه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحَرَّة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما؛ عِظةٌ لمن تدبّر )).اهـ.
8 ـــ وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - رحمه الله تعالى -:
)) ولم يَدْرِ هؤلاء المفتونون: أن أكثر ولاة أهل الإسلام، من عهد يزيد بن معاوية - حاشا عمر بن عبد العزيز ومن شاء الله من بني أمية- قد وقع منهم من الجراءة، والحوادث العظام، والخروج، والفساد في ولاية أهل الإسلام، ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام، والسادة العظام معهم معروفة مشهورة: لا ينـزعون يدًا من طاعة فيما أمر الله به ورسوله من شرائع الإسلام، وواجبات الدين... )).([17]) .اهـ.
ومعلوم أن هذا الحكم في السمع والطاعة ليس خاصًّا بالأمراء العادلين، بل هو شامل للجائرين أيضًا، وذلك لأمور:
أ ـــ أن هذا مقتضى الأدلة الواردة في الباب.
ب ـــ أن الأئمة الذين صرَّحوا بذلك لم يكونوا معاصرين لأمراء العدل والاستقامة، بل عاصروا الجَورة من الحكام، وما كانوا ليذكروا ما ذكروا على زمان قد مضى، ويبقى كلامهم بعيدًا عن الواقع، والناس في أمسِّ الحاجة إلى معرفة الحكم الشرعي في زمانهم الحاضر!!
ج ـــ أن من هؤلاء الأئمة من صرَّح بأن هذا الحكم شامل لأهل العدل والجوَرة من الحكام، ومنهم من أوصى بالصبر حتى يجعل الله للناس فرجًا ومخرجًا، ولا يكون ذلك في زمن الأئمة العادلين الصالحين، كما لا يخفى، والله أعلم.
والنصوص عن الأئمة في ذلك كثيرة مشتهرة، وقد سبق كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وفي كلاميهما ما يدل على أنه لا تكاد تُعْرف طائفة خرجت على إمام ظالم؛ إلا وجاءت بشَرٍّ مما أرادت إزالته، وأن ذلك سَبَبُ الفتن الكبار والصغار التي دخلت على الإسلام إلى آخر الدهر، فارجع إلى كلاميهما وكلام غيرهما في موضعه من هذا الكتاب.
فمن احتج بالخلاف القديم - بعد هذا وغيره - فهو محجوج بالإجماع اللاحق، ولا يخالف الإجماع هذا؛ إلا من ضل السبيل، كما صرح بذلك السلف، لاسيما وما سيترتب على هذه المخالفة من إهلاك الحرث والنسل، وانفلات الزمام، وتصدُّر الجهلة، وترؤس السفلة، وانفراط النظْم، والله المستعان.

(تنبيه ): قد يقول قائل: الإجماع اللاحق لا يرفع الخلاف السابق، لأن الأقوال لا تموت بموت أهلها!!
والجواب: نعم، لا تموت الأقوال بموت أصحابها، ولا زلنا نقول: كان ابن الأشعث يرى الخروج على الحجاج... وهكذا، لكن لا يلزم من ذلك بقاء كون المسألة خلافية اجتهادية بين أهل العلم إلى هذا الزمان، بعد ما أجمع العلماء على صحة أحد القولين، وفساد القول الآخر، وأنها أصبحت من مسائل الإجماع والأصول، لا من مسائل النـزاع السائغ بين الأئمة الفحول، فالأمة لا تجتمع على ضلالة،وفيها طائفة ظاهرة على الحق، فكيف تتفق الأمة على فساد قول - وفيهم تلك الطائفة - ثم يأتي من يقول: إذا كانت الأقوال لا تموت بموت أهلها، إذًا فليس ما اتفقت الأمة على فساده فاسدًا ؟! فهل هذا الكلام الذي يصادم ما عليه مجتهدو أهل السنة والجماعة طبقة بعد طبقة، له سمع أو قبول ؟! )نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( ([18]).
فإن قيل: لقد ذكر ابن الوزير - رحمه الله تعالى - في ((العواصم والقواصم ))([19]) أن الفقهاء لا يروْن الخارج على إمام الجور باغيًا، ولا آثمًا، وأن الكلام في ذلك عندهم من المسائل الظنِّية، وأن من خرج على الجائر مستحلًا لذلك فهو غير آثم!!
فالجواب على ذلك من وجوه- إن شاء الله تعالى - :
أ ـــأن ما ادعاه ابن الوزير- رحمه الله تعالى - مصادم لما سبق من نقلٍ عن الأئمة، ولما طفحتْ به كتب المصنفين في عقيدة أهل السنة، وكلام هؤلاء مقدم على من سماهم ابن الوزير - إن سلمنا بأن كلام جميعهم يدل على ما ذهب إليه -!!
ب ـــ لقد نقل ابن الوزير عن بعض العلماء كلامًا عامًّا، مع أنه قد جاء عن بعض هؤلاء الأئمة بأعيانهم كلام خاص في موضع النـزاع، والقاعدة أن الخاص من كلام الأئمة – أيضًا - يقضي على العام، وكذلك فقد نقل عن بعضهم كلامًا، ووجه الدلالة فيه على ما قاله ابن الوزير بالمفهوم لا المنطوق، هذا مع وجود كلام صريح عمن نقل عنه بخلاف ذلك.
مثال ذلك النووي - رحمه الله تعالى - فقد سبق كلامه الصريح في دعوى الاجماع، ونقل عنه ابن الوزير من ((روضة الطالبين )) أنه قال:
((الباغي في اصطلاح العلماء: هو المخالف لإمام العدل، الخارج عن طاعته بامتناعه من أداء واجب عليه، أو غيره )).اهـ.
ومعلوم أنه قد استدل بمفهوم قوله: ((لإمام العدل )) على أنه المخالف لإمام الجور لا يسمى باغيًا، ومن ثم لا يُنْكَر عليه، ولا يُؤَثَّم!! فأين هذا من قول النووي: ((وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام باجماع المسلمين - وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُهُ... ))؟!
ثم نقل النووي - رحمه الله تعالى - عن غيره أن الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، فأين الاستدلال بذاك المفهوم أمام هذا المنطوق الصريح ؟!
كما نقل ابن الوزير - رحمه الله - فيما نقل كلامًا محتملًا، وليس نصًّا في موضع النـزاع، ويمكن حمله على أن من جوَّز الخروج يقيده بما إذا لم يكن في الخروج مفسدة، كاضطراب الأحوال، وإراقة الدماء، ولا شك أن هذا لا يعارض الإجماع السابق، ومع ذلك فهو كلام نظري، وإلا فالغالب الأشهر أن الخروج لا يأتي إلا بشر أعظم، وقد سبق أن التجربة تبين ذلك، وأنه سبب الفتن الكبار والصغار على الإسلام عبر التاريخ!!
على أننا نقول: لو سلمنا بصحة ما قاله ابن الوزير عمن نقل عنهم؛ فهم محجوجون بالإجماع المتقدم، وقد سبق أنه عن طبقة بعد طبقة من المتقدمين، فلا عبرة بخلاف من خالف من المتأخرين.
ج ـــ ونقل ابن الوزير عن النووي- رحمهما الله - أن القهر أحد طرق الإمامة، لكنه إن كان عادلًا لم يأثم، وإن كان جائرًا أَثِمَ، وعصى بالتغلُّب.
وهذا ليس فيه دليل على ما ذهب إليه ابن الوزير؛ لأن كلام النووي في العدل يحتمل أنه خرج بقوة وشوكة على جائر ضعيف جدًّا دون حدوث مفسدة، وتمكَّن من عزل الجائر، وأقام حكم الله في الأرض، وهذا لا يعارض الإجماع السابق، كما لا يخفى، وقد سبق أن هذه مسألة افتراضية في الجملة!!
أضف إلى ذلك أن قول النووي: ((وإن كان جائرًا أَثِمَ، وعصى بالتغلُّب ((دليل على ابن الوزير لا له، حيث أطلق كلامه في الخارج، ولم يُفصِّل، وقد فَصَّل النووي!!
د ـــ لقد نقل ابن الوزير- رحمه الله - هذا المذهب عن بعض المتكلمين كالرازي، والكيا الهرّاسي، وغيرهما، ولا شك أن نقل هؤلاء ليس حجة على من ادعى اجماع أهل الحديث والأثر على ترك الخروج، وعَدَّ ذلك من معتقَدهم، الذي من خالفه فهو مبتدع ضال، فلا يُدفع في نحْر ذلك بكلام المتكلمين!!
هـ ـــ كما صرح ابن الوزير بأن مذهب أهل البيت يقتضي ذلك، وهذا ليس بحجة على إجماع أهل الحديث، كما هو ظاهر.
و ـــ لقد عاش ابن الوزير- رحمه الله - بين معتزلة وزيدية وغيرهم ممن يرى الخروج على الإمام الجائر، وقد وفَّقه الله- عز وجل - وعافاه بالسنة من مصائب عظيمة، ومزمنات أليمة، ولا يمنع ذلك وجود بقايا، أو رواسب، أو مجرَّد التأثُّر - إلى حد ما - بما حوله، وهذا من ذاك، فقد سلَّم ابن الوزير للشيعي الذي أرجف على أهل السنة بافتراءاته وتهاويله ببعض ما يقول؛ ليدافع بذلك - في نظره - عن أهل السنة، والواجب ألا يُسَلم لأهل البدع بقليل أو كثير من باطلهم، والله أعلم.
فإن قيل: إذا كان مذهب أهل السنة لا يرى الخروج على الظلمة؛ فيلزم من ذلك أن أهل السنة راضون بما عليه الحكام الظلمة من ظلم وجور!!
فالجواب: ليس هذا بلازم، ولقد سبق إلى هذا الافتراء ذاك الشيعي الذي يرد عليه ابن الوزير، واتهم أهل السنة بأنهم شيعة الحجاج، ويزيد، والمنصور، والرشيد، وشيعة كل من يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس!! فَعَظُمَ ذلك على ابن الوزير، حتى سلَّم له ببعض ما يقول - كما سبق- ولكن أهل السنة أعلم من بقية الفرق بالنصوص الشرعية، وهم أهل العدل والإنصاف، وأهل السنة والاتباع، وأهل النكاية بأعداء الإسلام عبر التاريخ، وهم الذين يحسنون تقدير المصالح والمفاسد، ويرون أن الصبر على هذه المظالم - لا الرضى بها، مع النصح ما أمكن - أهون من الفتن التي تترتب على الخروج، والتجربة تبين ذلك، فماذا جنت الأمة من فتن الخروج على الأئمة؟ وما هي آثار الروافض على المسلمين وديارهم؟ وما هي نكايتهم أو مواطأتهم - قديمًا وحديثًا - بالكافرين ؟! )وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( ([20]))سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (([21]).



~~~




([1]) ( 2/ 193- 197/برقم320).

([2]) أي: طبقة بعد طبقة.

([3]) في (2/197-198/برقم 321).

([4]) ((شرح مسلم)) (12/432-433).

([5]) (ص297/ط. مكتبة العلوم والحكم ).

([6]) (ص50/ ط. دار الريان ).

([7]) ((مجموع الفتاوى)) (28/279) .

([8]) (4 / 527-530) و ((الاستقامة)) (2/215-216).

([9]) ((مجموع الفتاوى)) (4/444).

([10]) ((مجموع الفتاوى)) (28/128).

([11]) ((مجموع الفتاوى)) (35/12).

([12]) ((مجموع الفتاوى)) (35/21).

([13]) ((الإستقامة)) (1/32) وانظر ((منهاج السنة)) (3/391).

([14]) (ص399،401) ط. مكتبة المدني.

([15]) ((إجتماع الجيوس الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية)) (ص108-113) ت. بشير محمد عون، ط. مكتبة المؤيد.

([16]) (2/263).

([17]) ((الدر السنية)) (7/177 – 178) وانظر ((معاملة الحكام)) (ص12) وغيرها، لأخينا الشيخ عبد السلام العبد الكريم - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.

([18]) [ الأنعام: 143 ].

([19]) (8/12 - 19، 75- 77 ) ط. مؤسسة الرسالة، ت: شعيب الأرناؤوط.

([20]) [ الشعراء: 227 ].

([21]) [ القمر: 26 ].

تليها الحادية عشرة 000000 نوصل إلى الأبعين
التعديل الأخير تم بواسطة ولد برق ; 18-05-2008 الساعة 08:24 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • المشاركات : 119
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ولد برق is on a distinguished road
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
19-05-2008, 08:37 PM
الشبهة الحادية عشرة



قد يقول قائل: سَلَّمنا بأن الخروج على الحكام خلاف مذهب أهل السنة، إلا أننا لم نَخْرُج جميعًا على الحكام، بل بعضنا ينكر هذه التفجيرات، إلا أن بيان عيوب الحكام، وذكر مثالبهم، والتشهير بذلك لِيَحْذَرَ الناس منهم؛ ليس خروجًا!!
فالجواب: من المعلوم أن الفعل يسبقه الكلام، وأن الفتن العظام قد يكون أصلها كلامًا لا يبالي به قائله، وأصل الخوارج رجل قال: ((اعدل يا محمد)) ولم يُشْهِرْ سيفًا آنذاك، ثم جاء بعده مَنْ سلك منهجه في التعقُّب والإنكار؛ فكفَّر المبشَّرين بالجنة - عثمان وعليًّا وغيرهما رضي الله عنهم -وقتل أهل الإسلام، وترك أهل الأوثان!!
وقال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - في تعليقه على رسالة العلامة القاضي الشوكاني - رحمه الله تعالى - ((رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين )): ((وقد قال الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا الرجل من يحقر أحدكم صلاته عند صلاته، يعني: مثله، وهذا أكبر دليل على أن الخروج على الإمام يكون بالسيف، ويكون بالكلام، هذا ما أَخَذَ السيفَ على الرسول - عليه الصلاة والسلام - لكنه أنكر عليه، وما يوجد في بعض كتب أهل السنة، من أن الخروج على الإمام: هو الخروج بالسيف، فمرادهم بذلك: هو الخروج النهائي الأكبر، كما ذكر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الزنى يكون بالعين، ويكون بالأُذُن، ويكون باليد، ويكون بالرجل، لكن الزنى الأعظم: هو زنى الحقيقة، هو زنى الفرج، ولهذا قال: ((الفرج يُصدِّقه أو يُكذِّبه)).
قال: ((فهذه العبارة من بعض العلماء: هذا مرادهم، ونحن نعلم علم اليقين بمقتضى طبيعة الحال: أنه لا يمكن خروج بالسيف إلا وقد سبقه خروج باللسان والقول.
الناس لا يمكن أن يأخذوا سيوفهم يحاربون الإمام بدون شيء يثيرهم، لا بد أن يكون هناك شيء يثيرهم، وهو الكلام، فيكون الخروج على الأئمة بالكلام خروجًا حقيقة، دلَّتْ عليه السنة، ودلّ عليه الواقع.
أما السنة فعرفتموها، وأما الواقع: فإنا نعلم علم اليقين: أن الخروج بالسيف فرع عن الخروج باللسان والقول، لأن الناس لم يخرجوا على الإمام ( بمجرد أخذِ السيف ) لا بد أن يكون توطئة وتمهيد: قدح في الأئمة، وستر لمحاسنهم، ثم تمتلئ القلوب غيظًا وحقدًا، وحينئِذٍ يحصل البلاء )). ([1]) .اهـ.
وقد مَرَّ بنا أن الفكر الذي أفضى إلى التفجيرات مَرَّ بمرحلتين قبل التنفيذ، ولم يكن فيهما إلا مجرد الكلام من فوق المنابر، وفي المحافل العامة والخاصة، فمن الذي أجاز لكم الكلام المفضي إلى الفساد ؟ أليس الإسلام يقضي بسد الذرائع ؟.
وإن هذا ليذكِّرني بما ذكره الذهبي: في ((النبلاء))([2]) أن نصر بن سيار أمير بني أمية في خراسان قال - عندما تأخَّر عليه مددهم ضد أبي مسلم الخراساني، الذي طوى فراش ملك بني أمية في أول الأمر بمجرد الكلام والكتمان - فقال نصر بن سيار:


أرى خلَـلَ الرمادِ وميضَ نارٍ خَليقٌ أن يكـون لـه ضرامُ

فإن النـار بالزَّنْـدَين تُورَى وإن الفعـل يسبقه الكـلامُ
و إن لم يُطْفـها عقـلاء قومٍ يكون وقودَها جثثٌ وهـامُ
أقول من التعجب ليت شعري أيقظانٌ أمـية أم نيـامُ ؟ !




بل قد قال ابن سعد في ((الطبقات الكبرى))([3]): أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن أبي أيوب عن هلال بن أبي حميد قال: سمعت عبد الله ابن عكيم يقول: لا أُعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان، فقيل له: يا أبا معبد، أوَ أعَنْتَ على دمه ؟ فيقول: ((إني أَعُدُّ ذِكْر مساويه عونًا على دمه ))([4]).اهـ.
ثم إن أهل السنة - أيضًا - لم يُرَخِّصوا لرجل أن يلعن أميرًا أو ذا سلطان، أو يدعو عليه - وهذا مجرد كلام، وليس بإشهار سيف - فقد قال البربهاري في ([5]): ((إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان؛ فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح؛ فاعلم أنه صاحب سنة - إن شاء الله تعالى - )).اهـ.
فأين هذا ممن يقول: اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، وأرنا فيه يومًا كيوم فرعون وهامان وقارون... إلى غير ذلك ؟!
وللأسف: أنك ترى كثيرًا من الناس لا يرفعون أصواتهم بالتأمين في القنوت وغيره في جميع الأدعية الأخرى، كما يرفعونها ويضجُّون بها عند الدعاء على ولي أمرهم، فهل هؤلاء على ملة أهدى من ملة محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أم أنهم مفتتحو باب ضلالة ؟!
وقد سئل صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى -: هل الخروج على الأئمة يكون بالسيف فقط، أم يدخل في ذلك الطعن فيهم، وتحريض الناس على منابذتهم والتظاهر ضدهم ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى -بقوله: ((ذكرنا هذا لكم، قلنا: الخروج على الأئمة يكون بالسيف، وهذا أشد الخروج، ويكون بالكلام: بسبهم، وشتمهم، والكلام فيهم في المجالس، وعلى المنابر، هذا يهيج الناس ويحثهم على الخروج على ولي الأمر، وينقص قدر الولاة عندهم، فالكلام خروج )).([6]) .اهـ.
وقد قال فضيلة الشيخ صالح بن غانم السدلان - حفظه الله تعالى -([7]) جوابًا عن سؤال على من قَصَرَ الخروج على ما إذا كان بالسيف، وظن أن التهييج بالكلام ليس خروجًا!!
فقال - حفظه الله تعالى -: ((هذا السؤال مهم، فالبعض من الإخوان قد يفعل هذا بحسن نية، معتقدًا أن الخروج إنما يكون بالسلاح فقط، والحقيقة أن الخروج لايقتصر على الخروج بقوة السلاح، أو التمرد بالأساليب المعروفة فقط، بل إن الخروج بالكلمة أشد من الخروج بالسلاح، لأن الخروج بالسلاح والعنف لا يُرَبِّيه إلا الكلمة، فنقول للأخوة الذين يأخذهم الحماس، ونظن منهم الصلاح - إن شاء الله تعالى -: عليهم أن يتريثوا، ونقول لهم: رويدًا، فإن صَلَفكم وشدتكم تربي شيئًا في القلوب، تربي القلوب الطرية التي لاتعرف إلا الاندفاع، كما أنها تفتح أمام أصحاب الأغراض أبوابًا، ليتكلموا وليقولوا ما في نفوسهم- إن حقًّا، وإن باطلًا -.
ولا شك أن الخروج بالكلمة، واستغلال الأقلام بأي أسلوب كان، أو استغلال الشريط، أو المحاضرات، والندوات في تحميس الناس على غير وجه شرعي؛ أعتقد أن هذا أساس الخروج بالسلاح، وأُحَذِّر من ذلك أشد التحذير، وأقول لهؤلاء: عليكم بالنظر إلى النتائج، وإلى من سبقكم في هذا المجال، لينظروا إلى الفتن التي تعيشها بعض المجتمعات الإسلامية، ما سببها؟ وما الخطوة التي أوصلتهم إلى ما هم فيه ؟! فإذا عرفنا ذلك؛ ندرك أن الخروج بالكلمة، واستغلال وسائل الإعلام، والاتصال للتنفير والتحميس والتشديد؛ يربي الفتنة في القلوب )).اهـ.
ثم هل يرضى هؤلاء المخالفون إذا كانوا ولاة أمر أن يُشَهَّر بهم من فوق المنابر، وفي أعظم الاجتماعات، في الجمع والأعياد ؟! وهل يقبلون النهش في عرضهم في المجالس العامة والخاصة، كما هُمْ يقعون في أعراض المسلمين، وإن كان فيهم بعض ما يقولون ؟!


~~~






([1]) الشريط ( 2/أ).

([2]) (6/56)، وفي بعض المواضع: ((فإن النار بالعودَيْن تُذكى....)).

([3]) (6/115)ط/دار الصادر.

([4]) وهذا سند حسن، رجاله كلهم ثقات، ومحمد بن أبي أيوب صدوق، وابن عكيم: ثقة مخضرم، أدرك حياة النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ.

([5]) ((شرح السنة)) (ص 113).

([6]) نقلا عن ((الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية)) ( ص 107 ).

([7]) كما في ((مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري)) ( ص 88 ).

تليها الثانية عشرة
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • المشاركات : 119
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • ولد برق is on a distinguished road
الصورة الرمزية ولد برق
ولد برق
عضو فعال
رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
23-08-2008, 07:45 AM
الشبهة الثانية عشرة



قد يقول قائل: سَلَّمْنا لكم بأن هؤلاء الحكام مسلمون، ولا يجوز الخروج على الحاكم المسلم - وإن جار - لكن هذا الأصل عند أهل السنة إذا كان الأمير للمسلمين واحدًا، أما إذا تعدد الأمراء - كما هو حاصل الآن - فلا سمع لأحد منهم ولا طاعة، وإمارتهم غير شرعية، أو أن السمع والطاعة لواحد منهم فقط - عُلِم أو لم يُعْلَم - ومن هنا جاز لنا الخروج عليهم!!
فالجواب: الأصل أن المسلمين يجب عليهم أن يكونوا أمة واحدة، أُمة معتصمة بالكتاب والسنة، وليس لهم إلا أمير واحد يسوسهم بالكتاب المستبين، والسنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقد قال الله تعالى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا( ([1]) وقال سبحانه )وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ! مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( ([2]) وقال - عز وجل -)إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( ([3]).
لكن هذا الأمر إذا لم يتحقق - كما قد حصل من قبل، وكما هو حاصل الآن - فهل يُجيز أهل السنة الافتئات على جميع الحكام أو أكثرهم، وإن أدى ذلك إلى اشتعال الفتنة في كل دولة بين حاكمها وشعبها ؟! أم يجب عليهم أن يسمعوا لكل حاكم في المعروف، في حدود سلطانه، وأن يتعاونوا معه على البر والتقوى، ونصرة المظلوم، وردع الظالم ... إلى غير ذلك مما يجب على ولاة الأمور ؟
إن الذي يفقه روح الشريعة، ويعرف مقاصدها وكلياتها، ويقف على كلام السلف الذين أدركوا نحو هذا الحال؛ لا يتردد في القول بالمذهب الثاني، وهو السمع والطاعة فيما يرضي الله، والتعاون - ما أمكن - على إقامة المعروف، وإنكار المنكر وإزهاقه، كلٌّ مع من اجتمعت عليه الكلمة في قُطْرِهِ، فإن الشريعة جاءت بتكميل المصالح وتحصيلها، وبتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا أمكن اجتماع الخيرين؛ وإلا فليُقَدَّم أوكدهما بتفويت أدناهما، وإذا عجزنا عن دفع المفسدتين؛ وإلا فَلْيُرْتَكَب أدناهما، لتفويت أشدِّهما، وهذا كله مأخوذ من أدلة كثيرة، منها قوله تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ( ([4]) وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم )).
وقد صرح بعض العلماء بهذا الجواب، وقد جمع كثيرًا من كلامهم أخونا الفاضل الشيخ عبد السلام العبدالكريم - سلمه الله - في كتابه المبارك الجامع في بابه ((معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة))([5]) فجزاه الله تعالى خيرًا على ذلك، وقد نقلت عنه بعض المواضع، وزدت عليها مواضع أخرى، فمن ذلك:
1 ـــ قال شيخ الإسلام ابن تيمية([6]): ((والسنة أن يكون للمسلمين إمامٌ واحد، والباقون نوّابه، فإذا فُرِض أن الأمة خرجت عن ذلك- لمعصية من بعضها، وعَجْزٍ من الباقين - فكان لها عدة أئمة؛ لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق...)).اهـ.
2 ـــ وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - ([7]):
((الأئمة مجمعون في كل مذهب: على أن من تغلَّب على بلد أو بلدان؛ له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا مااستقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل - قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا - ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم )).اهـ.
3 ـــوقال العلامة الصنعاني محمد بن إسماعيل الأمير - رحمه الله تعالى - في ((سبل السلام))([8]) في شرح قوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات؛ فَمِيتته جاهلية ((فقال - رحمه الله تعالى -: قوله: (عن الطاعة ) أي طاعة الخليفة الذي وقع الإجماع عليه، وكأنَّ المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذْ لم يجتمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم، إذ لو حُمِلَ الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام؛ لقلَّت فائدته...)).اهـ.
4 ـــ وقال العلامة الشوكاني - رحمه الله تعالى - في ((السيل الجرار))([9]) شارحًا قول صاحب ((الأزهار)): ( ولا يصح إمامان ) فقال الشوكاني:
((وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قطر - أو أقطار- الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطرالآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبتت فيه ولايته، وبايعه أهله؛كان الحكم فيه: أن يُقْتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانه، ولا يُدرى من قام منهم أو مات، فالتكاليف بالطاعة - والحال هذا - تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد.
فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودعْ عنك ما يقال في مخالفته؛ فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام، وما هي عليه الآن؛ أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا؛ فهو مباهت لا يستحق أن يُخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها )).اهـ.
قلت: وما ذكره العلامة الشوكاني - رحمه الله تعالى - من سبب في ذلك الأمر منتفٍ الآن؛ لسهولة الاتصال بأطراف العالم في أقل زمن وبأدنى تكلفة، لكن بقي أمر العجز عن الاجتماع،كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - فبقي الحكم قائمًا أيضًا، والله أعلم.
5 ـــ وقال صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى -: ((الأمة الإسلامية تفرقت من عهد الصحابة، تعلمون أن عبدالله بن الزبير في مكة، وبني أمية في الشام، وكذلك في اليمن أناس، وفي مصر أناس، ومازال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هم فيه، ويبايعونه، ويدْعونه بأمير المؤمنين، ولا أحد ينكر ذلك، فهذا شاقٌّ لعصا المسلمين من جهة عدم التزامه بالبيعة، ومن جهة أنه خالف إجماع المسلمين من عهد قديم.
والرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: ((اسمعوا وأطيعوا؛ وإن استعمل عليكم عبد حبشي ... )).([10]) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى - في شرح حديث: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة... )) الحديث:
((في حديث أبي هريرة: ((رجل بايع إمامًا، لا يبايعه إلا للدنيا، إن أعطاه؛ وَفَّى له بالبيعة، وإن لم يعطه؛لم يف بالبيعة)): هذا - أيضًا - من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، وذلك أن بيعة الإمام واجبة، يجب على كل مسلم أن يكون له إمام، سواء كان إمامًا عامًّا - كما كان في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الخلفاء - أو إمامًا في منطقة ، كما هو الحال الآن.
ومنذ أزمنة بعيدة من زمن الأئمة والناس متفرقون، كل جهة لها إمام، وكل إمام مسموع له ومطاع بإجماع المسلمين، لم يقل أحد من المسلمين إنه لا تجب الطاعة إلا إذا كان خليفة واحدًا لجميع بلاد الإسلام، ولا يمكن أن يقول أحد بذلك، لأنه لو قيل بهذا؛ ما بقي للمسلمين الآن إمام، ولا أمير، ولَمَاتَ الناس كلهم ميتة جاهلية، لأن الإنسان إذا مات فإنه يموت ميتة جاهلية، يُحْشَر مع أهل الجهل - والعياذ بالله - الذين كانوا قبل الرسالات، فالإمام في مكان وفي كل منطقة بحسبها )).([11]) .اهـ.
فهذه أقوال جماعة من الأئمة في موضع النـزاع، بل كل ما سبق نقله من نصوص الأئمة في جواب الشبهة العاشرة، من عدم منازعة ولي الأمر، وعدم الخروج عليه - بما في ذلك الإتفاق الذي حكاه البخاري وغيره كل ذلك قاطع لدابر هذه الدعوى، فإنها أقوال قيلت وحُكِيَتْ في حالٍ لم تكن الأمة فيه مجتمعة على إمام واحد، فتدبر.
واعلم بأن قواعدَ الشريعة تشهد لهذه الأقوال المأثورة عن أهل العلم، وما لا يُدرك كله؛ لا يُترك جُله، ومن سلك مسلك السلف؛ نجا، ومن شاقَّهم؛ هلك، قال الله تعالى:)وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(([12]) لاسيما إذا كانت المشاقة في أمرٍ يترتب عليه فساد الخاصة والعامة.
وأيضًا، فإذا كان كل حاكم قد قنع بحدود ولايته، وخرج الناس على حاكمهم الذي له عليهم شوكة وقدرة، وسعوا للدخول تحت إمارة ذلك الحاكم الذي لا يرغب في ذلك - رِضًا منه بما تحت يده - فإن هذا يؤدي إلى فساد عريض!! لأنه لا يقبلهم، وهم لم يقبلوا حاكمهم!! وسيجرّ هذا على الناس شرًّا مستطيرًا!! فكيف إذا قبلهم الإمام الآخر؟!
فما بقي إلا أن يصبر كل تحت ولاية من ولاه الله عليه، ويتعاون معهم على البر والتقوى، دون إثارة النعرات الجاهلية بين الدول المسلمة، مع دعاء الله - عز وجل - أن يجمع المسلمين على البر والتقوى، والسعي في تحقيق ذلك، والله أعلم
فإن قيل: لقد جاء في ((مراتب الإجماع))([13]) لابن حزم، أنه قال: ((واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان، لا مُتَّفقان، ولا مفترقان ولا في مكانين، ولا في مكان واحد )).اهـ.
وقال الذهبي: ((واتفق كل من ذكرْنا - يعني: ما ذكر من الفِرق - على أنه لا يكون في وقت إلا إمام واحد، إلامحمد بن كرام، وأبا الصباح السمرقندي، وأصحابهما، فإنهم ِأجازوا كون إمامين وأكثر في وقت واحد... )).([14]) .اهـ.
قلت: نعم، لا يجوز تفرق الأمة، والواجب عليهم أن يجتمعوا على الحق، وتحت إمام واحد، لكن البحث فيما إذا وقع التفرق، وسعى المصلحون لجمع الكلمة فعجزوا عن رأب الصدع؛ فهل يُتْرك الناس بلا إمام يأمرهم وينهاهم ؟! فإن قيل: نعم، فهذا فساد لا يغطيه ذيل، ولا يستره ليل، وقائل ذلك مخالف للمنقول والمعقول، ولا يستحق أن يخاطب بالحجة، لأنه إما مكابر، أو جاهل.
وإن قيل: لا بد من اتخاذ الإمارة دينا، لتحصيل ما أمكن من الخير، وتقليل ما أمكن من الشر؛ فهذا قول من سبق من العلماء الفقهاء في الشريعة، ومقاصدها، وكلياتها، ولا يتأتي هذا إلا بسمع وطاعة في المعروف، وتعاون على البر والتقوى، ويكون لكل أمير في سلطانه حقوق الأمير العام، إلا ما استثناه الدليل، والله أعلم.
وقد علَّق شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - على ما قال ابن حزم، فقال:
((قلت: النـزاع في ذلك معروف بين المتكلمين في هذه المسألة، كأهل الكلام والنظر، فمذهب الكرامية وغيرهم: جواز ذلك، وأن عليًّا كان إمامًا، ومعاوية كان إمامًا، وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم: أن كلًا منهما يُنَفَّذُ حكمه في أهل ولايته، كما يُنَفَّذ حكم الإمام الواحد، وأما جواز العقد لهما ابتداءً؛ فهذا لا يُفْعَل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها؛ فلم يَعْقِد كل من الطائفتين لإمامين، ولكن كل طائفة إما أن تسالم الأخرى، وإما أن تحاربها، والمسالَمَةُ خير من محاربةٍ يزيد ضررها على ضرر المسالمة، وهذا مما تختلف فيه الآراء والأهواء )).اهـ.
قلت: فإن استدل من يرى عدم السمع والطاعة للحكام عند التعدد بحديث: ((إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخر منهما))([15]).
فالجواب: أن هذا يكون عند قدرة المسلمين وقوتهم، واجتماع كلمتهم على خليفة ذي شوكة وسلطان، ثم جاء آخر ينازعه؛ فيُقْتل كائنًا من كان، لأنه بذلك يريد أن يشق عصا المسلمين، وأمرهم جميع على رجل، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.([16])
أما إذا كان المسلمون متفرقين، ولكل من الخليفتين شوكة، وستطحن رحى الفتن المسلمين هنا وهناك؛ فالمسالمة خير من المحاربة، كما قال شيخ الإسلام، وهذا هو المراد من الإجماع السابق.
فيُفَّرَّق بين حال الاجتماع وقوة الخليفة الأول، وبين حالة التفرق، وقوة الخليفة الآخر، أو ضعف الأول وعجزه، و)قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (. ([17])



~~~


([1]) [ آل عمران: 103 ].

([2]) [ الروم: 31 ـ 32 ].

([3]) [ الأنبياء: 92 ].

([4]) [ التغابن: 16 ].

([5])(ص 33-37).

([6])((مجموع الفتاوى)) (34/ 175- 176).

([7])"الدرر السنية)) (7/239).

([8]) (3/499).

([9]) ( 4/512).

([10]) نقلًا عن ((الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية)) ( ص 81 - 82 ).

([11]) ((شرح رياض الصالحين)) (4/503) ط/ دار البصيرة.

([12]) [ النساء: 115 ].

([13]) (ص124) ط. دار الكتب العلمية.

([14]) في ((المقدمة الزهرا في إيضاح الإمامة الكبرى)) (ص70-73) ط. مكتبة ابن عباس، ت: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني.

([15]) أخرجه مسلم برقم (1853).

([16]) انظر ((صحيح مسلم)) رقم (1852).

([17]) [ الطلاق: 3 ].
التعديل الأخير تم بواسطة ولد برق ; 23-08-2008 الساعة 07:47 AM
 
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 03:25 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى