النصوص التي قد يفهم منها عدم العذر بالجهل:
النص الأول:
منها قوله رحمه الله: “فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بجهله”
النص الثاني:
عند استخراجه لفوائد حديث عمران بن حصين وفيه: أَنَّ النَّبِىَّ – صلى الله عليه وسلم – أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً – أُرَاهُ قَالَ مِنْ صُفْرٍ(2) – فَقَالَ: «وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟». قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا لاَ تَزِيدُكَ إِلاَّ وَهَنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ ؛ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَداً».
قال الإمام محمد: فيه مسائل… الثالثة: أنه لم يعذره بالجهل
وعند التأمل في جميع هذه النصوص، يظهر جَلِيًّا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب يعذر بالجهل، فكيف نجيب عن قوله: فقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل؟
نقول: هذا النص للإمام محمد لا يخالف نصوصه التي تدل على العذر بالجهل ؛ لأن الجهل ليس عذرًا بإطلاق لكل أحد، وقد أكد الإمام محمد بن عبد الوهاب ذلك فقال ما نصه: “الإنسان لا يعذر بالجهل في كثير من الأمور، فمن أمكنه العلم والسؤال فلم يفعل، وإنما أعرض عن ذلك. هذا الذي لا يُعْذَر عند الإمام محمد.
إذن قوله رحمه الله: “وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل”. لا يخالف نصوصه التي تدل على العذر بالجهل ؛ لأن الجهل ليس عذرًا مطلقًا لأي أحد، وقد أكد ذلك بقوله: “الإنسان لا يعذر بالجهل في كثير من الأمور، فمن أمكنه العلم والسؤال فلم يفعل، وإنما أعرض عن ذلك”. هذا هو الذي لا يعذر عند الإمام محمد، ويدل على ذلك قوله رحمه الله في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
قال الإمام ما نصه: “تنبيه الجاهل أنه لا يعذر ؛ لأنه يمكنه السؤال والنقاش.
وأما قوله في حديث عمران بن حصين: إنه لم يعذره بالجهل. فهذا الحديث – كما تعلمون – في شأن الشرك الأصغر، وليس الشرك الأكبر، وإذا كان الإمام محمد يعذر في الشرك الأكبر إذا لم تقم عليه الحجة – كما تقدم في نص كلامه، وكلام الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن – فالشرك الأصغر من باب أولى
وقال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في قوله: إنه لم يعذر بجهالة. أي: بعد أن عَلِم وأُمِرَ بدفعها. هذا كلام مهم للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله
وبهذا نعرف أن بعض الناس الذين يخرجون بعض كتب أو مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو رسائله في مواقع الإنترنت يأخذون الكلام من سياقه ويقولون: الإمام محمد بن عبد الوهاب لا يعذر بالجهل، وأنه يكفر، وأنه لا يعذر بالإكراه… وأنه وأنه. ويقطعون الكلام عن سياقاته، فهذا من أكبر الظلم للإمام محمد بن عبد الوهاب.
إن الإمام محمد بن عبد الوهاب من أشد الناس تورعًا وتحرزًا من إطلاق الكفر كما سمعنا في قوله، ولَمَّا ذكر أن أركان الإسلام خمسة قال: لا نكفر إلا بترك الشهادتين. حتى ذكر ترك الصلاة وقال: وأن العلماء اختلفوا في كفر تاركها كسلا من غير جحود. قال: وأنا لا أكفر إلا من اتفق المسلمون على تكفيره
فكيف يُظْلم الإمام محمد بن عبد الوهاب، وتُقْطع كلامه من سياقاته، ثم يدفع بها إلى الشباب، فيظن أن ذلك – يعني التكفير مُطْلَقًا – مُسْتَمَدٌّ من كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب، وليس الأمر كذلك
إن منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب هو منهج السلف الصالح، وهو بعيد كل البعد عن الغلو وعن التسرع في التكفير وغيره، رحمه الله عز وجل.
ولا نريد أن نفيض في هذه المسألة ؛ لأن صاحب الفضيلة الدكتور فهد سيتكلم بمزيد من الإيضاح عن هذه المسائل.
ونحب أن ننبه على مسألة مهمة جدًّا وهي بخصوص ما ذكرت من أن موانع التكفير عند الإمام محمد بن عبد الوهاب الإكراه
بعض من الناس يقولون: إن الإمام محمد بن عبد الوهاب لا يعذر المكره. فما دليلهم؟ قالوا: ما ذكره الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد في قصة الذباب، حيث أخذ الإمام محمد بن عبد الوهاب منها مسائل، وحديث الذباب رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد وفيه: أنه دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يَجُوزُه أحد حتى يُقَرِّب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قَرِّب. قال: ليس عندي شيء. فقالوا له: قَرِّب ولو ذُبابًا. فقَرَّب ذُبابًا، فخَلُّوا سبيلَه. قال: فدخل النار. وقالوا للآخر: قَرِّب ولو ذُبابًا. قال: ما كُنْتُ لأُقَرِّبَ لأحدٍ شيئًا دون اللهِ عز وجل. قال: فضَرَبُوا عُنُقَه. قال: فدَخَلَ الجَنَّةَ.
فقال رحمه الله معلقا على هذا الحديث: هذا دخل النار مع أنه فعله تَخَلُّصًا من شرهم. ومعنى ذلك: أنه لم يعذر المكره.
فهذا الكلام ليس بصحيح، وهذا الفهم ليس بصحيح ؛ وهناك قاعدة نحب أن نبينها وهي أنه يجب أن نرجع الأمور المشتبهة إلى الكلام المحكم الواضح حتى يتضح الأمر ، فالإمام رحمه الله لَمَّا ذكر نواقض الإسلام العشرة قال في آخرها: ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره. فهذا يدل على أن الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – يعذر المكره.
أما الجواب عن مسألة حديث الذباب: فليس بصريح أنهم أكرهوه على الفعل، وليس كل تَخَلُّص يعتبر عذرًا في ارتكاب الكفر، بل إن ظاهر قوله: لا يجوزه أحد. ليس فيه إكراه، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم والشراح، قال: إذ يمكن أن يقول: سأرجع من حيث أتيت. فليس في هذا إكراه، لأنه يمكن ألا يجوز ذلك المكان، ويرجع من حيث أتى، وليس كل خوف يعتبر إكراهًا، ثم إن ما جاء في قصة الذباب هو في شرع مَن كان قبلنا، والإكراه في شريعتنا من موانع التكفير، وعليه: فإن النصوص الصريحة الواضحة عن الإمام محمد – رحمه الله – تدل على أنه يَعْذِر بالإكراه، ومَن اشتبه عليه شيء فليرده إلى المحكم، فإن ذلك هو طريق الراسخين في العلم، وليحذر من طريق الذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون المتشابه، ونسأل الله عز وجل التوفيق والسداد.