تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: فقه التمكين عند دولة المرابطين
28-06-2008, 01:20 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة القسام النموشي مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك اخي العاصمي واذكر ان محي تاريخ الجزائر الشيخ مبارك الميلي قد قال في دولة المرابطين انه وان لم تتوسع رقعة دولتها ولم يكتب لها من الانتشار ما كتب للموحدين الا انها تبقى اسلم عقيدة واحرص على دماء المسلمين مقارنة بالموحدين
سياتي على ذكر الموحدين زمان نسال الله ان نبلغه في طاعته واحسانه
اذ لا يعقل ذكردولة المرابطين دون الحديث على دولة الموحدين وبيان اسباب انهيار الاولى و قيام الثانية على انقاضها ..
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: فقه التمكين عند دولة المرابطين
29-06-2008, 08:23 AM
فصول من كتاب :
هذه المرة مع كتاب "فقه التمكين عند دولة المرابطين" للدكتور الصلابي

الحلقة السابعة:
الأندلـــــس بعد الزلاقــــــة

بعد رجوع يوسف بن تاشفين إلى المغرب للأسباب التى ذكرتها تولى قيادة المرابطين القائد الميدانى سير بن أبى بكر, الذى واصل غاراته الناجحة مع أمير بطليوس على أواسط البرتغال الحالية مما يلى تاجة، وقد أثخنتْ قواتُه مع قوات المرابطين فى تلك البقاع.
كما وجَّه المُعْتَمِد بن عَبَّاد ضربات موفقة بقيادته إلى عدة مُدُن حول طُلَيْطِلَة, ثم اتجه نحو أرض مرسية، حيث استقرَّت جموع الفرسان النصارى بقيادة الكنبيطور فى أحد الحصون القريبة التى تشن غاراتها على مُدُن المسلمين, خاصة مدينة المرية, إلا أن المُعْتَمِد انهزم واضطرَّ أن يلتجئ إلى قلعة لورقة فى كنف واليها مُحَمَّد بن ليون, ثم توجه نحو قرطبة تاركًا مرسية لمصيرها.

وبدأت قوات النصارى تتجمع حول ألفونسو الذى أربك مُدُن شرق الأَنْدَلُس, متخذين من حِصن لييط المنيع الواقع على مسيرة يوم من لورقة مركزًا لشنِّ الغارات على أراضى المُسْلِمِين.
فلم يمض عام واحد على هزيمة ألفونسو حتى عاد نشاطه وجيشه, ونقل مقر العمليات إلى شرق الأَنْدَلُس الذى خيمت عليه الفرقة السياسية, بعكس غرب الأَنْدَلُس الذى كانت تحكمه مملكتان قويتان هما مملكة إشبيلية وبطليوس, تعضدهما فرقة من المرابطين قوامها ثلاثة آلاف رجل على رأسها القائد العظيم سير بن أبى بكر( ).
تأذى أهل غرب الأَنْدَلُس من النصارى الحاقدين فتوافدت وفودهم على الأمير يوسف, وخصوصًا أهل بلنسية ومرسية ولورقة, يصفون للأمير يوسف ما نزل بهم على أيدى النصارى الذى يتحكمون فى حصن لييط.

وعبر المُعْتَمِد المجاز إلى المغرب وطلب من يوسف العبور، فاستجاب يوسف لرغبته، تمَّ جواز يوسف إلى الجزيرة الخضراء فى ربيع الأول سنة 481هـ/ 1088م, ومن هناك كتب الأمير يوسف إلى جميع أمراء الأَنْدَلُس يدعوهم إلى الجهاد، ثم تحرَّك الأمير يوسف إلى مالقة فى صحبة أميرها تميم بن بلقين، كما لحق الأمير عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة, والمعتصم بن صمادح، فضلاً عن المُعْتَمِد بن عَبَّاد، بالإضافة إلى أمراء مرسية وشقورة وبسطة وجيان، ولم يتخلف من ملوك الطوائف سوى ابن الأفطس صاحب بطليوس، وتوجهت تلك الجموع لضرب الحصار على حصن لييط الذى كان يسكنه ألف فارس واثنا عشر ألفًا من المشاة من جنود النصارى الحاقدين أصحاب النزعة الصليبية الانتقامية، واستبسل النصارى فى الدفاع عن الحصن وكانوا يخرجون ليلاً للانقضاض على المُسْلِمِين وإلحاق الخسائر بهم.
واستمرَّ الحصار بدون جدوى وظهرت صراعات ملوك الطوائف فيما بينهم ووصلت للأمير يوسف الذى ساءه ذلك كثيرًا.
وشكى المُعْتَمِد بن عَبَّاد للأمير يوسف خروج ابن رشيق صاحب مرسية عن الطاعة ودفعه الأموال لألفونسو السادس تقربًا إليه، وظهرت المشاكل بين أبناء بلكين
عبد الله وتميم للأمير يوسف، وكأن لا عمل له إلا حل المشاكل والمنازعات بين
الأطراف المتنازعة.

وتضايق الأمير يوسف من خيانة ابن رشيق الذى دفع أموالاً طائلة لألفونسو, وعرض الأمر على الفقهاء والعلماء الذين أفتوا بإزاحته من حكمه وتسليمه للمُعْتَمِد، واستغاث ابن رشيق بالأمير يوسف الذى أجابه بأنَّها أَحكام الدِّين ولا يستطيع مخالفتها ( ).
وأمر القائد سير بن أبى بكر باعتقاله وتسليمه للمُعْتَمِد مشترطًا عليه إبقاءه حيًّا ( ).
وكانت لفتوى الفقهاء عند قادة المرابطين مكانة عظيمة يضعونها فوق كل اعتبار.

وفرَّ جيش ابن رشيق من المعركة، ومنع الزاد على جيش المرابطين ومَن معه من الأَنْدَلُسيين الذين يحاصرون الحصن، فارتفعت الأسعار، ووقع الغلاء واضطربت الأحوال، وعندما علم ألفونسو بالخلافات التى وقعت حشد جيشًا من أجل فك الحصار عن أتباعه فى حصن لييط، فاضطرَّ الأمير يوسف إلى فك الحصار خوفًا من معركة خاسرة غير مأمونة النتائج خاصة بعد الذى رآه من حُكَّام الأَنْدَلُس وتآمرهم واتصالهم بالعدو، ورجع الأمير يوسف إلى لورقة وترك أربعة آلاف مرابطى بقيادة داود ابن عائشة للمحافظة على منطقة مرسية وبعث بجنود إلى بلنسية بقيادة مُحَمَّد بن تاشفين( ).
واستطاع ألفونسو الوصول للحصن وأخرج من نجا من الموت، ورأى أن لا فائدة من الاحتفاظ بالحصن, لأنَّه يتطلب حماية كبيرة معرضة لمصير سابقاتها فقرَّر إخلاءه وتدميره, واسترجع ابن عَبَّاد الحصن بعد أن أصبح أطلالاً.
لقد أيقن الأمير يوسف إن أمراء الأَنْدَلُس لا يصلحون للحكم ولا يعتمد عليهم فى جهاد، وبعد رجوع الأمير يوسف فى عام 482هـ/1089م عرض الأمر على الفقهاء والعلماء فأفتوا له بضم الأَنْدَلُس للمغرب.
وكان فقهاء وعلماء الأَنْدَلُس يؤيدون ذلك، وكذلك فقهاء وعلماء المغرب والمشرق، وأرسل الإمام الغزالى وأبو بكر الطرطوشي( ) فتوى تؤيد عمله الجليل من أجل توحيد صفوف المُسْلِمِين.

يقول الغزالي فى شأن أمراء الطوائف: فيجب على الأمير وأشياعه قتال هؤلاء المتمردة ولا سيما وقد استنجددوا بالنصارى( )، فقد أفتاه العلماء بجواز خلعهم وإزاحتهم، وبأنه فى حل مما تعهد لهم به من الإبقاء عليهم في جوازه الأول، لأنهم خانوا الله بمعاهدتهم ألفونس على محاربة المسلمين؛ وبالتالي فإن عليه أن يبادر إلى خلعهم جميعًا، فإنك إن تركتهم وأنت قادر عليهم، أغاروا بقية بلاد المسلمين إلى الروم وكنت أنت المحاسب بين يدي الله( )، وكان ممن استفتى في هذا الموضوع الفقيه يوسف بن عيسى المعروف بأبي الملجوم( ).

وطلب القضاة والفقهاء من يوسف أن يرجع ويوحد البلاد بالقوة، لتدخل تحت الخلافة الإسلاميَّة فى بغداد.
لقد كان ملوك الطوائف يهتمون بمصالحهم الخاصة لا ينظرون إلى عزة أمتهم حتى وصفهم ابن حزم بقوله: «لو وجدوا فى اعتناق النصرانية وسيلة لتحقيق أهوائهم ومصالحهم لما ترددوا »( ).

وكان المُسْلِمُون فى الأَنْدَلُس يتمنون أن ينضموا إلى دولة المرابطين, وعبَّر عن ذلك فقهاؤهم وعلماؤهم وبرز الفقيه القاضى ابن القلاعى «قاضى غرناطة», الذى توطدت العلاقة بينه وبين يوسف بن تاشفين منذ ذهاب أول بعثة إلى المغرب لطلب النجدة، إذ كان أحد أعضائها, وكان يرى فى الأمير يوسف صلاحًا وعدلاً وحزمًا.
حاول الأمير عبد الله ابن ملك غرناطة أن يتخلص منه فاعتقله, ثم اضطر
إلى إطلاق سراحه، فهرب إلى قرطبة، ومن هناك اتصل بالأمير يوسف وأطلعه على خفايا من الأمور، وأفتى بخلع ملوك الطوائف, وتفاعل مسلمو الأَنْدَلُس مع هذه
الفتوى الموفَّقَة( ).

فتوى فى جواز ضم الأندلس بالقوة والقضاء على ملوك الطوائف

أرسل الإمام أبو بكر بن العربى المالكى إلى الإمام الغزالى كتابًا يشرح فيه موقف ملوك الطوائف بالأَنْدَلُس من حركة يوسف بن تاشفين الجهادية، ويطلب منه فتيا فى ذلك،
قال الإمام أبو بكر بن العربي: «وكان أشهر من لقينا من العلماء فى الآفاق، ومن سارت بذكره الرفاق، ولطول باعه فى العلم ورحب ذراعه، الإمام أبو حامد بن مُحَمَّد الطوسى الغزالي، فاستدعينا منه فتيا وكتابًا، واختصرت لفظ الفتيا لوقت ضاق عن تقييدها لكن أنبه على معناها وهو: فى علم الإمام ما ذكر فى وصف خلال أمير المُسْلِمِين وناصر الدِّين أبى يعقوب يوسف بن تاشفين أمير المغربين الأَنْدَلُس والعدوة، وما أوضحت لديه من إعزاز الدِّين، والذب عن المُسْلِمِين، وهو حميرى النسب ومعه المرابطون، وقد وقفوا أنفسهم على الجهاد، وقد كانت جزيرة الأَنْدَلُس قد تملَّكها من تاريخ ابتداء الفتنة سنة أربعمائة, عدة ثوار تسوروا على البلاد، فضعف أهلها عن مدافعتهم، وتلقَّبُوا بألقاب الخلفاء وخطبُوا لأنفسهم، وضربوا النقود بأسمائهم، وأثاروا الفتنة بينهم لرغبة كلِّ واحد منهم فى الاستيلاء على صاحبه، واستبانوا الفُسَّاق فى الأرقاء والصنائع الطلقاء فى محاربة بعضهم بعضًا، واستنجدوا بالنصارى عندما اعتقد كل واحد منهم أنه أحق من صاحبه، وعند ذهاب شوكة المُسْلِمِين، وحينما انكشف للنصارى ضعف المُسْلِمِين، وعلموا المداخل والمخارج إلى بلاد المُسْلِمِين، طلبوا المعاقل وأخذوا بالحرب كثيرًا منها من غير مؤونة ولا مشقَّة، ثم لجأ الباقى من المُسْلِمِين إلى المرابطين واستصرخوهم فلباهم أمير المُسلِمين ووصل إلى البحر، فاستاء بعض الرؤساء وفاءً للمشركين، وحقدًا على المُسْلِمِين فى استدعائهم له، ووصل الأمير إلى غرب الأَنْدَلُس فمنحه الله نصرًا، وألجم الكفار السيف، ثم عاود الجواز فى العام الثالث من هذا الفتح فتهيبه العدو، وتحصَّن منه، ولم يخرج للقائه مع تثاقل الرؤساء عنه، وعثر لأحدهم على خطاب يشجع العدو على اللقاء، واستولى على من قدر عليه من الرؤساء من البلاد والمعاقل، وبقيت طائفة من رؤساء الثغر الشرقى من جزيرة الأَنْدَلُس، حالفوا النصارى أو صاروا معه إلبًا، ودعاهم أمير المُسْلِمِين إلى الجهاد، والدخول فى بيعة الجمهور، فقالوا: لا جهاد إلا مع إمام من قريش، ولست به، أو مع نائب عن الإمام، وما أنت ذلك، فقال: أنا خادم الإمام العبَّاسي، فقالوا له: أظهر لنا تقديمه إليك، فقال: أو ليست الخطبة فى جميع بلادى له؟ فقالوا: ذلك احتيال. ومردوا على النفاق، فهل يجب قتالهم؟ وإذا ظفر بهم كيف الحكم فى أموالهم؟ وهل على المسلم حرج فى قتالهم؟ وهل على الإمام العبَّاسى أن يبعث بمنشور يتضمن تقديمه له على جهادهم، فإنهم إنَّما خرجوا عليه بأن الأمير خادمه، وهو يخطب له على أكثر من ألفى منبر، وتضرب السكة باسمه إلى غير ذلك، ومتى وصف نفسه قال: لست مستبدًّا وإنما خادم أمير المؤمنين المستظهر، وهذا أشهر أن يؤكد بالتحلية, وأظهر من أن يجدد بالتزكية.
فللشيخ الإمام الأجل الزاهد والأوحد أبى حامد أتم الأجر، وأعم الشكر فى الإنعام بالمراجعة فى هذا السؤال إن شاء الله تعالى( ).

فتوى الإمام الغزالى فى موقف كل من يوسف بن تاشفين وملوك الطوائف والخلافة العباسية:
فأجاب الإمام الغزالى رحمه الله: «لقد سمعت من لسانه وهو الموثوق به الذى يستغنى عن شهادته عن غيره وعن طبقة من ثقاة المغرب الفقهاء وغيرهم، من سيرة هذا الأمير -أكثر الله من الأمراء أمثاله - ما أوجب الدعاء لأمثاله، ولقد أصاب الحق فى إظهار الشعار الإمامى المستظهرى- حرس الله على المستظهرين ظلاله- وهذا هو الواجب على كل ملك استولى على قطر من أقطار المُسْلِمِين فى مشارق الأرض ومغاربها، فعليهم تزيين منابرهم بالدعاء للإمام الحقِّ، وإن لم يكن بلغهم صريح التقليد من الإمام، أو تأخر عنهم ذلك لعائق، وإذا نادى الملك المستولى بشعار الخلافة العباسية، وجب على كل الرعايا والرؤساء الإذعان والانقياد، ولزمهم السمع والطاعة، وعليهم أن يعتقدوا أن طاعته هى طاعة الإمام، ومخالفته هى مخالفة الإمام، وكل من تمرد واستعصى وسل يده عن الطاعة، فحكمه حكم الباغي، وقد قال تعالى:﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات:9]. والفيئة إلى أمر الله، الرجوع إلى السلطان العادل المتمسك بولاء الإمام الحق المنتسب إلى الخلافة العباسية، فكل متمرد على الحق فإنه مردود بالسيف إلى الحق، فيجب على الأمير وأشياعه قتال هؤلاء المتمردة عن طاعته، ولا سيَّما وقد استنجدوا بالنصارى المشركين وأوليائهم, وهم أعداء الله فى مقابلة المُسْلِمِين الذين هم أولياء الله، فمن أعظم القربات قتالهم إلى أن يعودوا إلى طاعة الأمير العادل المتمسك بطاعة الخلافة العباسية, ويتركوا المخالفة، وجب الكفُّ عنهم، وإذا قاتلوا لم يَجُز أن يُتَتَبَّعَ مدبرهم، ولا أن يُذَفَّف( ) على جريحهم, بل متى سقطت شوكتهم وانهزموا، وجب الكفُّ عنهم، أعنى عن المُسْلِمِين منهم دون النصارى الذين لا يبقى لهم عهد مع التشاغل بقتال المُسْلِمِين، وأما ما يظفر به من أموالهم فمردود عليهم أو على وريثهم، وما يؤخذ من نسائهم وذراريهم فى القتال مهدرة لا ضمان فيها وحكمهم فى الجملة فى البغى على الأمير المتمسك بطاعة الخلافة، والمستولى على المنابر والبلاد بقوة الشوكة حكم الباغى على نائب الإمام، فإنه وإن تأخَّر عنه صريح التقليد لاعتراض العوائق المانعة من وصول المنشور بالتقليد فهو نائب بحكم قرينة الحال، إذ يجب على الإمام المصر أن يأذن لكل إمام عادل استولى على قطر من أقطار الأرض، فى أن يخطب عليه، وينادى بشعاره ويحمل الخلق على العدل والنصفة، ولا ينبغى أن يظن بالإمام توقف فى الرضا بذلك والإذن فيه.
وإن توقَّف فى كتبه المنشور، فالكتب قد يعوق عن إنشائها وإيصالها المعاذير، وأما الإذن والرضا بعدما ظهر حال الأمير فى العدل والسِّيَاسَة وابتغاء المصلحة للتفويض والتعيين فلا رخصة فى تركه، وقد ظهر حال هذا الأمير بالاستفاضة ظهورًا لا شك فيه، وإن لم يكن عن إيصال الكتاب وإنشائه عائق، وكانت هذه الفتنة لا تنطفئ إلا بأن يصل إليهم صريح الإذن والتقليد بمنشور مقرون بما جرت العادة بمثله فى تقليد الأمراء، فيجب على حضرة الخلافة بذل ذلك. فإن الإمام الحق عاقلة أهل الإسلام، ولا يحلُّ له أن يترك فى أقطار الأرض فتنة ثائرة إلا ويسعى فى إطفائها بكل ممكن، قال عمر t: «لو تركت جرباء على ضفة الفرات، لم تطل بالهناء، فأنا المسئول عنها يوم القيامة», قال سليمان بن عبد الملك يومًا وقد أحدق به الناس: «قد كثر الناس» فقال عمر بن عبد العزيز: «خصماؤك يا أمير المؤمنين», يعنى أنَّك مسئول عن كل واحد منهم إن ضيعت حق الله فيهم أو أقمته، فلا رخصة فى التوقيف عن إطفاء الفتنة فى قرى تحوى عشرة، فكيف فى أقاليم وأقاليم إلا أن يعوق عن ذلك عائق، ويمنع منه مانع، المواقف القدسية الإمامية المستظهرية حرس الله جلالها أبصر بها, ونحن نعلم أن لا نستجيز التوقف عن إطفاء هذه الفتنة إلا لعذر ظاهر وجب على أهل الغرب أن لا يعتقدوا فى حضرة الخلافة إلا ذلك، فإن المسافة إذا بعدت وتخللها المارقون عن ربقة الحق، ولم يبعد أن يقتضى الرأى الشريف صيانة الأوامر الشريفة عن أن تمد إليها أعين الدولة فضلاً عن أيديهم، وأمَّا مَن يستجيز التوقُّف فيها من غير عذر عن التقليد لأمير قد ظهرت شوكته وعرفت سياسته، وتناطقت الألسن بعدله، ولم يعرف فى ذلك القطر من يجرى مجراه، ويسد فى هذا الحال مسده، فهذا اعتقاد فساد فى حضرة الخلافة, حاشاها من أن تُنسَب إلى قصور، أو تقتضى فى نصرة أهل العدل المتمسكين بخدمتها، والمعتصمين بعروتها، والقائمين فى أقطار الأرض بإنفاذ شعائرها وأوامرها المعلومة بقرائن الأحوال، فهذا حكم كل أمير عادل فى أقطار الأرض، وحكم من بغى عليه، والله أعلم( ).

يتضح لى من فتوى الإمام الغزالى أن رأيه فى قتال يوسف بن تاشفين لملوك الطوائف مبنى على كون أولئك الملوك من البُغاة والخارجين عن سلطة الدولة المرابطية التابعة للخلافة الإسلاميَّة.

وبهذا يتضح أن الفقهاء والعلماء رأوا ضرورة ضم الأَنْدَلُس لقيادة المغرب الأقصى بعد أن فرَّط أمراء الأَنْدَلُس فى أمور الشرع ومصالح الرعية, وحالفوا النصارى ضد إخوانهم المُسْلِمِين.

ولا شكَّ فى أن ما فعله الأمير يوسف ضد ملوك الطوائف صحيح من الناحية الشرعية والاستراتيجية العسكرية والمنطلقات السياسية.

بل فى رأيى أن وجود ملوك الطوائف مفسدة عظيمة، والسعى لإزالتهم خطوة نحو توحيد الصفوف، ونجد كُتابًا من الغرب وأذيالاً لهم من أبناء المُسْلِمِين يصفون ما فعله الأمير يوسف ضد ملوك الطوائف بأنَّه خروج عن الإنسانية، ودليل على الهمجية، حسب وجهة نظرهم المغشوشة، وتصوُّرِهم المغلوط، أمَّا بالنسبة للمؤرخ المسلم فإن ما قام به يوسف يعتبر عملاً عظيمًا قدَّمه للأمة، وحفظ به الإسلام فى الأَنْدَلُس من انهيار مُحقَّق، وضبط الأمور بعزم وحزم بعد فوضى وضياع وخنوع واستسلام مارسه ملوك الطوائف دون اهتمام بدين أو شعب أو عقيدة.

لقد تميَّز يوسف بن تاشفين بوفائه التام للعهود، وابتعاده عن الأطماع الدنيوية، وحرصه على إعزاز الدِّين، وإزاحة العوائق التى تحول دون وحدة المُسْلِمِين، ولذلك أقدم على الخطوة المباركة من أجل توحيد الأَنْدَلُس، وضمها تحت قبضة دولته الميمونة التابعة للخلافة العباسية السُّنيَّة.

إن كثيرًا من الحُكَّام المعاصرين المتسترين بالدِّين، والذين يحالفون النصارى الحاقدين واليهود الماكرين وأشياعهم وأتباعهم الكافرين, واجب على الدولة الإسلاميَّة السُّنيَّة الفتية أن تعمل على تخليص المُسْلِمِين من قبضتهم وتضمها إليها، وتسعى من أجل تحقيق ذلك بكل الأمور الشرعية المعروفة.

وإذا تعذَّر وجود دولة سُنية لها هموم إسلاميَّة وتطلعات شرعية فعلى الحركات الإسلاميَّة أن توحِّد صفوفها للوصول إلى هذا الهدف المنشود،** ومن ثم السعى لتوحيد الأمة تحت دولة إسلاميَّة تقوم على عقيدة التوحيد، وتحكمها شريعة الرب المجيد, وإذا ما وصلت أى حركة معاصرة إلى ذلك الهدف المذكور تجد نفسها تحتاج إلى فتاوى شرعية وتجارب لتستأنس بها فى مسيرتها المباركة، ولذلك أرى من الفائدة العميمة والخبرة الرشيدة دراسة الدول الإسلاميَّة التى قامت، واجتهاداتهم فى الحروب، وتربيتهم للشعوب، لنسترشد بها ولنطورها على حسب متطلبات المرحلة التى نمرُّ بها.

ولذلك نجد أن الأمم عمومًا عندما تعد طلائع قيادية تهتم بدراسة الشعوب والحركات التحررية، والثورات الإنسانية لتكون رصيدًا لأولئك الذين يعدون ويربون على قيادة أمتهم فى المستقبل المنظور.

إن العقلية الضيقة المتحجرة عندما تكون فى سُدة القيادة لا تستطيع أن ترتقى بجنودها، وتجد نفسها تصطدم اصطدامًا عنيفًا مع مستجدات الحياة ومشاكلها المعقدة.
إن تجارب التَّارِيخ الإسلامى تُكسب الطلائع القيادية للحركة الإسلاميَّة المعاصرة خبراتٍ مهمة فى مجال البناء والحركة والتنظيم والتكوين والتنفيذ والتمكين.

إن دروس التَّارِيخ تعلمنا أن العلماء الربَّانيين، والفقهاء العاملين لهم مكانة فى نفوس شعوبهم، ومَهَابَة عند حُكَّامِهم، ولفتاويهم شأنٌ عظيم فى شئون الحُكم والدول والحروب وعزل الملوك وتوليةِ غيرهم. . . إلخ.
.......................................

**- على ان يكون ذلك بالطرق المشروعة من تصفية وتربية ودعاء ودعوة وتعليم وتاليف وغيرها من وسائل الدعوة الى الله لا على سبيل الحزبيات المعاصرة والحركات الثورية كما هو مقرر في قواعد الشرع
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

التعديل الأخير تم بواسطة algeroi ; 29-06-2008 الساعة 08:26 AM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: فقه التمكين عند دولة المرابطين
30-06-2008, 05:40 PM
فصول من كتاب :
هذه المرة مع كتاب "فقه التمكين عند دولة المرابطين" للدكتور الصلابي


الحلقة الثامنة:
الأندلـــــس عند العبور


العبور الثالث للأمير يوسف بن تاشفين للأندلس
بعد طلب العلماء والفقهاء في الأَنْدَلُس والمغرب والمشرق من الأمير يوسف أن يضُمَّ الأَنْدَلُس إلى دولة المرابطين الفتية التابعة للخلافة العباسية السُّنيَّة، عبر الأمير يوسف بقوة ضخمة, عبرت من سبتة إلى الجزيرة الخضراء وسار على رأس جيشه إلى طُلَيْطِلَة وأرسل فرقاً من جيشه نحو مختلف المدن، وسار بنفسه نحو مدينة غرناطة.
واستطاع أن يفتحَ غرناطة بعد شهرين من حصارها واعتقل أميرها، عبد الله بن بلكين الصنهاجى الذى تحالف مع النصارى من أجل أملاكه، ثم أرسله أسيرًا إلى المغرب، واستقرَّ فى أغمات بالقرب من مراكش( ).
وحاول المُعْتَمِد بن عَبَّاد والأفطس أن يثنيا الأمير يوسف عن عزمه، ولكنَّه رفض مقابلتهما, وأيقنا أن زوالهما قريب.
وألقى المرابطون القبض على تميم بن بلكين والى مالقة وأرسل إلى إفريقية، ثم رجع الأمير يوسف إلى سبتة، وتولَّى القيادة السياسية والعسكرية القائد المحنك سير بن أبى بكر، وبدأ الأمير يوسف فى إرسال الجيوش من المغرب إلى الأَنْدَلُس للقضاء الكلى على ملوك الطوائف، وأصبحت القوة المرابطة فى الأَنْدَلُس قوة ضاربة لا يستطيع أحد الصمود أمامها، وقسم الأمير يوسف جيش المرابطين إلى أربعة أقسام:


1- جيش بقيادة سير بن أبى بكر توجَّه إلى إشبيلية.
2- وجيش سار إلى قرطبة بقيادة أبى عبد الله بن الحاج وواليها، آنذاك، ولد المُعْتَمِد الفتح أبو النصر.
3- وسار جرور اللمتونى إلى أرض رندة بجيش ثالث، وفيها ولد آخر للمُعْتَمِد وهو يزيد الراضى بالله.
4- وسار أبو زكريا بن واسندوا إلى المرية التى فيها المعتصم بن صمادح، صديق المُعْتَمِد الحميم.
وبقى يوسف بن تاشفين فى سبتة على رأس جيش احتياطى لكى يقوم عند الحاجة بإنجاد هذا الجيش أو ذاك( ).


وسقطت قرطبة فى يد المرابطين فى صفر 484هـ/1091م بعد مقاومة عنيفة من ابنى المُعْتَمِد اللذين قتلا «المأمون ويزيد الراضي» ووصل المرابطون إلى ضواحى طُلَيْطِلَة مهددين ملوك النصارى، واستولوا على قلعة رباح التى فتحت الطريق أمامهم إلى قشتالة، واشتدَّ الخوف بالمُعْتَمِد بن عَبَّاد الذى أرسل إلى ألفونسو يستنجده ضد المرابطين، وعقد الخطر المشترك أواصر الصداقة بينهم.

وسقطت قومونة بعد حصار قصير فى ربيع الأول 484/1091م، وأصبح أمير إشبيلية فى خطر عظيم، وجاءته إمدادات النصارى التى أرسلها ألفونسو بقيادة الكونت جومز، وعدتها أربعون ألف رجل مرتجل، وعشرون ألف فارس، ووصلت إلى مقربة من قرطبة وتصدَّى لهم القائد الشجاع إبراهيم بن إسحاق فى جند الشجعان، ونشبت بين الفريقين معركة حاسمة، أصاب فيها المرابطون بالرغم من خسائرهم نصرًا كبيرًا مبينًا، وغدت إشبيلية بعد فرار النصارى تحت رحمة المرابطين، وكانوا قد ضربوا حولها الحصار، وكان سير بن أبى أبكر يقود الجيش المحاصِر، وفتحت إشبيلية عنوة فى رجب 484هـ/1091م، وكانت خاتمة المُعْتَمِد بن عَبَّاد مأساة حزينة، وكانت عبرة لتقلُّب الدهر، وذلك أن الرجل الذى لبث زهاء ربع قرن يقبض بيديه على مصاير إسبانيا، والذى كان يحكم سواد النصف الجنوبى لشبه الجزيرة، والذى يرجع إليه سبب استيلاء ألفونسو السادس على طُلَيْطِلَة، والذى استدعى المرابطين إلى الأَنْدَلُس، اختتم حياته الحافلة بالأحداث فى غمرة البؤس والحزن فى أغمات المغرب فقد قبض عليه بعد سقوط إشبيلية، وعلى نسائه وأبنائه وبناته – وهم نحو مائة – وأرسلوا إلى مراكش( )، وفى طريقه تألم المُعْتَمِد من قيده وضيقه وثقله فقال:

تبدَّلت من ظل عزِّ البنودِ
بذل الحديد وثقل القيود


وكان حديدى سنانًا ذليقًا
وعضبًا رقيقًا صقيل الحديد


وقد صار ذلك وذا أدهما
يعض بساقى عض الأسود


لقد أطنب الشعراء والمؤرخون وأهل الأدب فى سيرة المُعْتَمِد بن عَبَّاد، وسبب ذلك أمور كثيرة وأهمها فى نظرى أن قضيته غريبة، وشخصيته عجيبة، ومرَّ بأمور رهيبة وكانت سيرته مليئة بالمتناقضات فهو الذى قال: «رعى الإبل ولا رعى الخنازير» وهو الذى استعان بالنصارى، وأجلب خيلهم ورجالهم ضد المُسْلِمِين، وسيرته تبين لنا سنن الله فى إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، وإعطاء الملك لمن يشاء ونزعه ممن يشاء.
قال تعالى:﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].
وتوفى المُعْتَمِد بن عَبَّاد فى أغمات سنة 488هـ -رحمه الله تعالى-.
وفى النادر الغريب أنه نودى فى جنازته بالصلاة على الغريب، بعد عظم سلطانه وجلالة شأنه، فتبارك مَن له البقاء والعزَّة والكبرياء( ).
من شعر المعتمد بن عباد:¬
دخل عليه ولده أبو هاشم والقيود قد عضت بساقيه فخاطب قيده فقال:


قيدي, أما تعلمنى مُسلمًا
أبيت أن تشفق أو ترحما


دمى شرابٌ، واللحم قد
أكلته ولا تهشم الأعظُما


يُبصرنى فيك أبو هاشم
فينثني, والقلب قد هُشما


ارحم أخياتٍ له مثله
جرَّعتهن السُّم والعَلقما


وقال ذات مرة بعد أن أحيط به فى إحدى معاركه:

لما تماسكت الدموع
وتَنْهنه القلبُ الصديع


قالوا الخضوعُ سياسة
فليبدُ منك لهم خُضوع


وألذ من طعم الخُضَوع
على فمى السّمُّ النقيع


أتسلبْ عنى الدُّنا
ملاكى وتُسلْم القلبَ الضُّلوع


قد رُمتُ يوم نِزالهم
أن لا تحصِّنُنى الدروع


وبرزت ليس سوى القميـ
ـص عن الحشى شيء دَفُوع


أجلى تأخَّر, لم يكنْ
بهواى ذلى والخُضوع


ما سرتُ قطُّ إلى القتال
وكان فى أملى الرجوع


شيم الأولى أنا منهم
والأصل تتبعه الفُروعْ
( )

ولما تُوفِّى فى أغمات رثاه الشعراء بقصائد معبرة عن المشاعر الإنسانية الدفينة, وممن رثاه شاعره المخلص أبو بحر عبد الصمد بقصيدة طويلة أجاد فيها، وأولها:


ملك الملوك، أسامع فأنادي
أم قد عدتك عن السماع عوادي


لما نقلت عن القصور ولم تكن
فيها كما قد كنت فى الأعياد


أقبلت فى الثرى لك خاضعًا
وجعلت قبرك موضع الإنشاد
( )


لقد كانت محنة المُعْتَمِد بن عَبَّاد عظيمة، وتعاطف معه كثير من المؤرخين والأدباء والشعراء، واتهموا يوسف بن تاشفين بالقسوة والغلظة وأنَّه صحراوى بدوى نزعت الرحمة من قلبه، واستدلُّوا أنه ذو نزعة توسعية دنيوية، ولذلك أنزل العقوبة المؤلمة على من استطاع من ملوك الأَنْدَلُس وتخلَّص منهم.

والواقع يقول: إن ابن تاشفين لم يطمع فى الأَنْدَلُس، وتردد كثيرًا قبل العبور، وعفَّ عن الغنائم بعد الزِّلاقَة وتركها للمُعْتَمِد ولأمراء الأَنْدَلُس، ولم يأخذ منها شيئًا، وكانت عودته, ثم عاد فى الجواز الثانى بسبب اختلافات ملوك الطوائف الهزلي، وتحالُفِ بعضهم مع ملوك النصارى، ولما اشتد الخطب على أهل الأَنْدَلُس, وأفتى العلماء بخلع ملوك الطوائف حرصًا على سلامة الدِّين والعقيدة؛ قرَّر الأمير يوسف أن يضع حدًا لمهزلة ملوك الطوائف, لقد آنَ - من أجل الشريعة والمصلحة العظمى للأمة- لهذه الدويلات الهزيلة الضعيفة المتناحرة المتحالف بعضها مع الأعداء أن تنتهي، وكما قال الشاعر محمود غنيم:

مَن عالج الباب العصى فلم يلن .. ليديه, حطَّــمَ جانب المصـراع

فقد شغله هؤلاء الأمراء المتفرقون عن الجهاد والفتوحات والمرابطة فى سبيل الله لضعفهم وفرقتهم، فلقوا جزاء خيانتهم وفرقتهم، وابن تاشفين خص الأمراء وحدهم بشدة عقابه, وعفا عن الشعب المسلم، لأن التناقض جلى بين الشعب الذى تعلق بالمرابطين وبالأمير يوسف لعدله وحزمه وجهاده، والذى حرص على رفع المظالم والضرائب والمكوس عن كاهل الشعب الذى طلب من ملوكه الاتحاد فى وجه النصارى، وبين الأمراء والملوك الذين آثروا التَّفرُّق والخلاف، حُبًّا فى الحكم، وحفاظًا على مصالحهم الشخصية.
وهذا الذى قام به الأمير يوسف، وإزاحة الملوك من أعظم حسناته ومآثره الخالدة فى تاريخه المجيد الذى تعتز به أمتنا العريقة.
وبسقوط إشبيلية تزعزعت باقى المُدُن والحصون، وأصبحت غرناطة ومالقة وجيان وقرطبة وإشبيلية والمرية تحت حكم المرابطين فى وقت لم يتجاوز ثمانية عشر شهرًا.
ولما سقطتْ المرية بيد داود ابن عائشة، هذا القائد المجاهد المرابط فى سبيل الله، المنصور بإسلامه ودينه وصفاء عقيدته وحفظه للعهود، واصل سيره الموفق مع جنوده البواسل, وافتتح مرابيطر وبلنسية وشنتمرية، ولم تغن أمراءهم معاونة الكمبيادور وفرسانه، فبلنسية كان بها يحيى بن ذى النون «القادر»، وعلى الرغم من أنه كان منضويًا تحت حماية ملك قشتالة، وقد خفت لإنجاده فرقة كبيرة منهم، وقوة من المرتزقة المسلمِين من مرسية بقيادة ابن طاهر على الرغم من كل هذا سقطت بلنسية بيد المرابطين أصحاب الأيادى المتوضئة، والقلوب الطاهرة، والضربات الفتاكة لكل جبار عنيد.
واستمرَّ داود ابن عائشة فى فتح حصون وقلاع مُدُن شرق إسبانية تحفُّه العناية الإلهية، وتنزل عليه الفتوحات الربَّانية, ويخط للمغاربة وللأمة الإسلاميَّة تاريخًا مجيدًا باقيًا على مر العصور والأزمان، واضحة معالم العقيدة والإيمان فى نحته وكتبه بماء الذهب الصافي.
أمَّا القائد الربَّانى والفارس الميدانى سير بن أبى بكر فكان جهاده الميمون فى غرب الأَنْدَلُس؛ حيث زحف إلى بطليوس وأميرها يومئذٍ مُحَمَّد بن الأفطس «المُتَوَكِّل» بعد أن فتح إشبيلية كما سلف، فاستولى على شلب ويابرة, ثم احتلَّ بطليوس فى صفر 487هـ - آذار (مارس) 1094م.
وفى الوقت الذى سقطت فيه بطليوس، استطاع المرابطون أن يفتحوا جزر البليار، التى كان واليها يومئذٍ من بنى شهيد أتباع أمراء بلنسية ودانية، وأحسن المرابطون صنعًا بفتح الجزر الشرقية «بليار» فى الوقت الملائم، فقد كانت منعزلة تعيش تحت هيمنة الأسطول النصراني، وقد تم الفتح على يد القائد البحرى ابن تافرطست.
بذلك أصبحت إسبانيا المسلمة تحت قبضة دولة المرابطين الفتية سنة487هـ /1094م، ونستثنى من ذلك ولاية سَرْقُسْطَة التى كان واليها أحمد بن هود «المستعين بالله» الذى أبلى بلاءً حسنًا فى جهاد النصارى, وظهرت فيه شهامة ورجولة أقنعت الأمير يوسف على إبقائه فى مُلكِه، وتحالف ابن هود مع إخوانه فى العقيدة ضدَّ أعدائهم فى الدِّين، وكان سدًا منيعًا فى الثغور الشمالية وقد كلف النصارى خسائر هائلة فى الأموال والأرواح.
واستطاع النصارى أن يحتلُّوا مدينة «بلنسية» عام 487هـ بقيادة القائد
النصرانى الكمبيادور الذى أمن قاضيها «ابن جحاف» ثم أحرقه بالنار، وعمل المرابطون على إرجاع بلنسية والحصون التى وقعت فى يد النصارى، وتمكَّنوا من تحرير بلنسية عام 495هـ.
والجدير بالذكر أن بابا الفاتيكان أفتى لأهل إسبانيا ومَن حولهم من الإفرنج إن قتالهم فى الأَنْدَلُس ضد المُسْلِمِين جهاد مقدس, ولذلك لم يشارك الإسبان فى حروب النصارى الصليبية فى شرق العالم الإسلامى فى هذه الفترة.
لقد كانت سياسة الإسبان فى حروبهم للمُسْلِمِين صليبية النزعة، همجية الخلق، خالية من الأخلاق، ممزوجة بالغدر بعيدة عن العلم والحضارة.
وكانت سياسة المرابطين فى حروبهم وجهادهم مبنية على نشر الإسلام ومكارم الأخلاق فى أُطُر حضارية نابعة من مشكاة الوحيين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ( ).

الجواز الرابع للأمير يوسف فى الأندلس

لما أصبحت إسبانيا المسلمة تحت حكم المرابطين بما فى ذلك سَرْقُسْطَة التى حكمها بنو هود، عبر أبو يعقوب يوسف بن تاشفين العبور الرابع سنة 496هـ/ 1103م بعد استرداد بلنسية بعام واحد، يبتغى تنظيم شئونها، وليطلع على حسن سير الإدارة، ودعا القادة والولاة وزعماء الأَنْدَلُس، وشيوخ القبائل المغربية التى تدين بالطاعة له إلى الاجتماع فى قرطبة، وعيَّن ولده الأصغر عليًًّا «أبا الحسن» وليًّا للعهد؛ فقد ظهرت مواهبه ونجابته ورجاحة عقله ولمس والده فيه الخصال اللازمة لحكم شعوب وأمم كثيرة¬( ).
أولاً: نص ولاية العهد للأمير على بن يوسف:
عهد الأمير يوسف إلى كاتبه الفقيه أبى مُحَمَّد بن عبد الغفور أن يكتب نص ولاية العهد وكان مشهورًا ببلاغته، وهذا هو النص: «الحمد لله الذى رحم عباده بالاستخلاف، وجعل الإمامة سبب الائتلاف، وصلى الله على سيدنا مُحَمَّد نبيه الكريم الذى ألف القلوب المتنافرة، وأذل لتواضعه عزة الملوك الجبابرة.
أما بعد: فإن أمير المُسْلِمِين وناصر الدِّين أبا يعقوب بن تاشفين لما استرعاه على كثير من عباده المؤمنين، خاف أن يسأله الله غدًا عما استرعاه كيف تركه هملاً لم يستنب فيه سواه، وقد أمر الله بالوصية فيما دون هذه العظمة، وجعلها من آكد الأشياء الكريمة، كيف فى هذه الأمور العائدة فى المصلحة الخاصة والجمهور، وإن أمير المُسْلِمِين بما لزمه من هذه الوظيفة وحضه الله بها من النظر فى الأمور الدِّينية الشريفة، قد أعزّ الله رماحه وأحد سلاحه، فوجد ابنه الأمير الأجل أبا الحسن أكثرها ارتياحًا إلى المعالى واهتزازًا، وأكرمها سجية وأنفسها اعتزازًا، فاستنابه فيما استرعي، ودعاه لما كان إليه ودعا، بعد استشارة أهل الرأى على القرب والنأي، فرضوه لما رضيه، واصطفوه لما اصطفاه، ورأوه أهلاً أن يسترعى فيما استرعاه، فأحضره مشترطًا عليه الشروط الجامعة بينهما وبين المشروط قبل، وأجاب حين دُعي، بعد استخارة الله الذى بيده الخيرة والاستعانة بحول الله الذى من آمن به شكره، وبعد ذلك مواعظ ووصية بلغت النصيحة مرامى قصية، يقول فى ختامه شروطها وتوثيق ربوطها، كتب شهادته على النائب والمستنيب من رضى إمامتها على البعيد والقريب، وعلم علمًا يقينًا بما وصاه فى هذا الترتيب وذلك فى عام 495هـ / 1101م¬( ).
أ- وأوصى يوسف بن تاشفين ابنه عليًّا بما يلي:
ألا يُعَيّن فى مناصب الحُكَّام والقضاة فى الولايات والحصون والمُدُن إلا المرابطين من قبيلة لمتونة.
وأن يحتفظ فى الأَنْدَلُس بجيش دائم حسن الأجر من المرابطين، قوامه سبعة عشر ألف فارس، يطعمون على حساب الدولة يوزعون كما يأتي: أربعة ألاف فى ولاية سَرْقُسْطَة، وسبعة آلاف فى إشبيلية، وثلاثة آلاف فى غرناطة، وألف فى قرطبة، والباقى قدره ألفان يحتلون قلاع الحصون كحامية، ويحسن أن يعهد إلى مسلمى الأَنْدَلُس بحراسة الحدود النصرانية ومحاربة النصارى، فهم لهم معرفة أوسع وخبرة أكبر على مقاتلة النصارى من المغاربة، وأن يعمل على تشجيع الأَنْدَلُسيين على روح الجهاد وأن يكافئ المتفوقين فى الحرب منهم بالخيل والسلاح والثياب والمال.
ونصح أبو يعقوب ابنه أن يعامل أهل الأَنْدَلُس وخصوصًا قرطبة بالرفق واللين، وأن يقوى علاقته الأخوية مع بنى هود الذين هم طليعة الأَنْدَلُسيين فى محاربة النصارى.
ولما انتهى يوسف بن تاشفين من تنظيم شئون الأَنْدَلُس وقسمها إلى ست ولايات هى إشبيلية، غرناطة، قرطبة، بلنسية، مرسية، وسَرْقُسْطَة، عاد ابن تاشفين إلى مراكش.
ب- لقد مرت سياسة المرابطين فى الأندلس بمراحل ثلاث:


1- مرحلة التدخل من أجل الجهاد وإنقاذ المُسْلِمِين، وقد انتهت بانسحاب المرابطين بمجرد انتصار الزِّلاقَة.
2- مرحلة الحذر من ملوك الطوائف، بعد أن ظل وضعهم وضع التنافر والتحاسد والتباعد، ولم يفكروا فى الاندماج فى دولة واحدة، بل فضل بعضهم التقرب إلى الأعداء للكيد ببعضهم.
3-مرحلة ضم الأَنْدَلُس إلى المغرب، فوضعوا حدا لمهزلة ملوك الطوائف

وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: فقه التمكين عند دولة المرابطين
03-07-2008, 11:02 AM
فصول من كتاب :
هذه المرة مع كتاب "فقه التمكين عند دولة المرابطين" للدكتور الصلابي

الحلقة التاسعة:

السياسة الداخلية والخارجية فى دولة المرابطين



حقوق الرعية فى دولة المرابطين :

إن الله تعالى جعل بين الحاكم والمحكوم حقوقًا وواجبات متبادلة، وبينت الشريعة الغرَّاء هذه الحقوق المتبادلة؛ فمن أهم حقوق الرعية على الرَّاعِي:

أولاً:
العمل على الإبقاء على عقيدة الأمة صافية نقية:
وذلك عن طريق حفظ الدِّين على أصوله المستقرَّة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فهذا هو أهم الأمور التى تلزم ولاة الأمر تجاه الرعية( )، وأهم هذه الأصول: التمسك بالكتاب والسنة وإجماع القرون المفضلة الأولى، وفى دراستى التَّارِيخية لدولة المرابطين وجدت أن حُكَّامها ساروا على هذا المنهج الذى رسمه شيوخهم الذين سبقوهم، ولذلك توحدت دولة المرابطين، وكان لذلك المسلك سبب فى حماية الأمة من التَّفرُّق فى الدِّين إلى دروب الأهواء والضلالات، وكان حماية ووقاية للحاكم والمحكوم فى دولة المرابطين على السواء من الزيع عن السبيل، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] أي: تمسَّكوا بدين الله الذى أمركم به، وعهده الذى عهده إليكم، فى كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله»( ), لقد كان يوسف بن تاشفين ومن سبقه من حُكَّام دولة المرابطين على منهج الفرقة الناجية وسبيل أهل السنة والجَماعَة، لا سُبُل أهل الزيغ والتفريق التى نهى الله عنها فى قوله:﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:105،106].
قال ابن عبَّاس –رضى الله عنهما-: «يعنى تبيض وجوه أهل السنة والجَماعَة وتسوَّد وجوه أهل الفرقة والزيغ»( )، لقد قام يوسف بن تاشفين بحماية أصول أهل السنة والجَماعَة بتشجيع العلماء والفقهاء وبنشرها وحمل الناس عليها واستخدم فى ذلك سلطانه وصلاحياته الشرعية( ).


ثانيًا:
توحيد المغرب تحت راية الخلافة الإسلامية:
قام يوسف بن تاشفين بتوحيد المغرب الأقصى تحت راية الخلافة الإسلاميَّة, واستعمل من أجل هذا الهدف كافة الأسباب المشروعة سواء بإصلاح ذات البين بين القبائل المتناحرة، أو باستعمال القوة مع مَن استعصى عن الإجابة، وكان يسعى سعيًا حثيثًا للقضاء على الشرور فى بلاده، ويعمل على إغلاق أبوابها أولاً بأول وسبيله فى ذلك: «تنفيذ الأَحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعمَّ النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم»( ).


ثالثًا:
العمل على حماية الأمة من المفسدين والمحاربين:
حيث استطاع أمير المُسْلِمِين يوسف بن تاشفين أن يؤمن السبل فى بلاده, وأن يبسط الأمن, ويقمع الأخطار التى هددت دولته من المارقين, ونظم طرق الأسفار ومسارب التجارات.
وقد عدَّ علماء الإسلام تأمين السبل والطرق حقًّا من حقوق الرعية التى سيُسأل عنها كل راع، فذكروا أن الإمام يلزمه: «حماية بيضة الإسلام, والذب عن الحُرم، ليتصرف الناس فى معايشهم وينتشروا فى أسفارهم آمنين على أنفسهم وأموالهم»( ), ولا شكَّ أن تأمين السبل دليل بارزٌ على انتصار الدِّين وتمكينه، فإنه صلى لله عليه وسلم لما دَعا عدى بن حاتم إلى الإسلام، وعده – إن طالت به الحياة – أن يرى طرق المُسْلِمِين آمنة، وسبلهم محفوظة لما يؤول إليه الأمر من قوة المُسْلِمِين بعد ضعفهم، فقد روى البخارى فى صحيحه عن عدى بن حاتم قال: «بينما أنا عند النبى صلى لله عليه وسلم إذا أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدى هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله...» وفيه أن عديًا قال بعدها: «فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله»( ).


رابعًا:
العمل على حماية الأمة من أعداء الخارج:
قام الأمير يوسف بن تاشفين – رحمه الله – بأعمال عظيمة حماية لدولته وشعبه من كلِّ عدوٍّ يحاول أن يعتدي، واتخذ كل الأسباب المتاحة من أجل تحقيق هذا العمل المنشود من تحصين الثغور بالعُدَّة المانعة والقوة الدافعة حتى لا يظفر الأعداء بثغرة ينتهكون بها محرمًا, ويسفكون دمًا لمسلم أو معاهد ( ).
وقضى على كلِّ محاولات أعداء دولته من البرغواطيين والمغاورة والحَمَّاديين الذين حاولوا ضم أراض من دولته, وقضى على دويلات الكفر والإلحاد, وألزم الحَمَّاديين احترامه بالقوة.


خامسًا:
حفظ ما وُضِعَت الشريعة لأجله:
فقام بإقامة الحدود، حتى تُصان محارم الله عن الانتهاك, وتحفظ حقوق العباد من أى إتلاف أو استهلاك, ونفذ فى رعيَّتِه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:58].


سادسًا:
إعداد الأمة إعدادًا جهاديًّا:
ومسيرة المرابطين منذ خروجهم من رباط عبد الله بن ياسين تدلُّ على أنَّهم قوم مجاهدون، وقام قادتهم بجهاد الوثنيين, واستمرَّ يوسف بن تاشفين فى قتال أهل الردة, وغلاة المبتدعة, وتوحيد القبائل الخارجة عن نطاق الدولة، وقام بواجبه فى جهاد الكفرة المعاندين للإسلام حتى أسلموا أو أدخلوا فى ذمة المُسْلِمِين قيامًا بحق الله تعالى فى ظهور دينه على الدِّين كلِّه ( ).


سابعًا:
القيام على تحصيل الصدقات وأموال الزكـــاة والخراج والفيء:
حيث قام الأمير يوسف بالإشراف على جباية وصرف الزكاة فى مصارفها الشرعية من غير حيف ولا عسف، فكانت من مصادر دولة المرابطين الزكاة والخراج والفيء وغيرها، فكان الأمير يوسف لا يأخذ الضرائب والمكوسَ، بل أسقطها, وإنَّما يأخذ المال من حِلِّه، ويضعه فى حقه، ولا يمنعه من مستحقِّه( ).


ثامنًا:
تحرى الأمانة فى اختيار المناصب:
حرص الأمير يوسف على أن يختار الأمناء والأكفاء وأسند إليهم الولايات وقيادات الجنود ومناصب القضاة، وحرص على أن يولِّى كل عمل من أعمال المُسْلِمِين أصلحَ مَن يجده لذلك العمل، واختار وانتخب أحسن وأنفع العناصر لدولته السُّنيَّة من أجل أن يقوم بواجبه نحو رعيَّتِه.


تاسعًا:
الإشراف المباشر على شئون الدولة:
اعتاد الأمير يوسف أن يُشرف بنفسه على أمور رعيَّتِه، ويتابع ولاته, ويزورهم فى مواطنهم, ويستمع للنَّاس، وما كان يعتمد على التفويض وحده؛ خوفًا من الله تعالى الذى قال فى كتابه:﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: 26], وقد عدَّ الإمام الماوردى هذا الأمر من حقوق الرعية على الوالي، وذكر أنه يلزمه: «أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور, وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعوِّل على التفويض تشاغلاً بلذَّة, أو عبادة؛ فقد يخون الأمين, ويغش الناصح...» ( ).


كان الأمير يوسف يراقب ولاته مراقبة شديدة, ولا يترددُ فى تبديلهم وعزلهم إذا أساءوا، وكان يضع مصلحة الرعية فى المقام الأول عند تعيين الولاة ويوصيهم بها خيرًا، وقد جاء فى كتابه إلى عبد الله ابن فاطمة: «فاتخذ الحق إيمانك، وارفع لدعوة المظلوم حجابك، ولا تسد فى وجه المضطهد بابك، ووطن للرعية -أحاطها الله - أكنافك، وابذل لها إنصافك، والحرج من كل ما يَحيف عليها ويؤذيها، ومن سدَّد عليها من عمالك زيادة، أو خرق فى أمرها عادة، أو غيَّرَ رسمًا، أو بدَّل حكمًا، أو أخذ لنفسه منها درهمًا ظلمًا فاعزله من عمله، وعاقبه فى بدنه، وألزمه فى ردِّ ما أخذ متعديًا إلى أهله، واجعله نكالاً لغيره حتى لا يقدم منهم أحد على مثل فعله»( ).

وكان الأمير يوسف يُخطر أهل الولاية بتعيين الوالى الجديد؛ فكتب إلى أهل سبتة بشأن الأمير يحيى بن أبى بكر: «ونحن من وراء اختياره والفحص عن أخباره، فإذا وصل إليكم كتابنا؛ فالتزموا له السمع والطاعة، والنصح والمتابعة جهد الاستطاعة»( ) بالإضافة إلى ذلك كان الأمير يوسف كثير الطواف فى مملكته للإشراف على تنفيذ أوامره وتعليماته من قبل الولاة( ), والاطلاع على أحوال الرعية والنظر فى أمورها.

موقف الرعية فى دولة المرابطين:
لقد استوفتْ الرعية فى دولة المرابطين حقوقها الشرعية، فكان طبيعيًّا جدًّا أن تؤديَ واجباتها إلى حُكَّامها وولاتها, وأهم هذه الواجبات التى أدتها:


أولاً:
الطاعة:
كان مسلمو المغرب فى زمن دولة المرابطين يتقربون إلى الله تعالى بطاعة أميرهم والانقياد له فى كل معروف، ويرون هذه الطاعة حقًا ثابتًا لحُكَّامهم بنص القرآن وصريح السنة وصحيحها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأمْرِ
مِنْكُمْ﴾ [النساء:59].
وفى مجتمع المرابطين كانت الشريعة فوق الجميع يخضع لها الحاكم والمحكوم، ولهذا فإن طاعة الحُكَّام كانت عندهم مقيدة دائمًا بطاعة الله ورسوله.
قال صلى لله عليه وسلم: «لا طاعة فى المعصية، إنما الطاعة فى المعروف»( ).


ثانيًا:
النصرة:
كان المُسْلِمُون تحت قيادة أمراء المرابطين يعاضدون وينصرون أمراءهم فى أمور دينهم وجهادهم لعدوهم عاملين بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة:2].
وكانوا يكرمون من يقيم شرع الله من حُكَّامهم، ويدافعون وينافحون عنه ويكرمونه ويجلونه لقوله صلى لله عليه وسلم: «إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذى الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالى فيه والجافى عنه, وإكرام ذى السلطان المقسط»( ).


ثالثًا:
النصح:
قامت هذه الدولة الميمونة المباركة على النصح المتبادل بين الحاكم والمحكومين، ونجد إن أحد الوزراء يطلب من الأمير يوسف عدم جواز البحر فى جهاده ضد النصارى حتى يسلم المُعْتَمِد بن عَبَّاد له الجزيرة الخضراء، فيسمع الأمير يوسف هذه النصيحة وينفذها فى أرض الواقع، وامتنع عن جواز البحر حتى تحصَّل على تلك الجزيرة التى أفادته فى جهاده كثيرًا، لقد كانت قيادات المرابطين تستمع للنصح فى تواضع جم، واستعداد نفسى رفيع يدل على عمق التربية العميقة التى تحصَّلوا عليها.
إن الإسلام أوجب على الرعية أن تُناصح ولاة أمرها، وقد جاء الأمر بذلك فى حديث من جوامع الكلم لرسول الله صلى لله عليه وسلم إذ يقول: «الدِّين النصيحة – ثلاثًا – قال الصحابة: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله – عزَّ وجلَّ- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المُسْلِمِين وعامتهم»( ).
ومعنى النصيحة لهم فى هذا الحديث: «معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به وتنبيههم فى رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق»( ).
وقال صلى لله عليه وسلم: «ثلاثة لا يُغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المُسْلِمِين، ولزوم جماعتهم»( ).
لقد أكرم الله حُكَّام المرابطين ببطانة آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر, مرشدة للصواب، ناصحة للراعى والرعية لا تخشى إلا الله.


رابعًا:
التقويم:
كان المُسْلِمُون الذين ارتبطوا بدولة المرابطين لا يجدون حرجًا ولا مانعًا فى إيصال ما يرونه من النصح والإرشاد وتقويم الأخطاء التى يقع فيها الحُكَّام أثناء اجتهاداتهم فى شئون الحياة.
وهذا المبدأ قد استقرَّ فى مفهوم الصحابة منذ بداية دعوة الإسلام، فهذا
الصدِّيق رضي الله عنه عندما تولى الخلافة، قام فى الصحابة خطيبًا، فقال: «أيُّها الناس, فإنِّى قد ولِّيت عليكم, ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعيونني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى أرجع عليه حقه -إن شاء الله- والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه - إن شاء الله-، لا يدعُ قوم الجهاد فى سبيل الله إلا خذلهم الله بذلٍّ، ولا تشيع الفاحشة فى قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء, أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لى عليكم, قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله»( ).
وكان عمررضي الله عنه لا يكتفى بإنصاف الناس من نفسه، حتى ينصفهم من عُماله وولاته، يسأل الرعية عمن أساء منهم، وكان يقول: «إنِّى لم أبعث عمالى ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكنى استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، فمَن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له عليَّ، ليرفعها إليَّ حتى أقصه منه»( ).


إن علاقة الحاكم بالمحكوم فى الإسلام غرضها الأول إعلاء كلمة الله, وإعزاز دينه, ولمصلحة الرَّاعِى والرعية, وثانياً: فهى بعيدة كل البعد عمَّن يجعلون فى مرتبة مَن لا يسألون فيها عما يفعلون, وبين مَن يحقرون ويمتهنون حُكَّامهم بدون وجه حق، إن الحاكم فى الإسلام له احترامه وحقوقه المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ×، وكذلك للمحكوم حقوقه المستمدَّة من أصل عقيدة الإسلام، لذلك نجد النصح والنقد والتقويم بين الحاكم والمحكوم فى تاريخ الإسلام على مرِّ العصور والأزمان، فإذا تأملت فى الدول التى سارت على شرع الله المولى - عزَّ وجلَّ -وجدت هذه المعالم واضحة.

وهذا يوسف بن تاشفين عندما دخل فى بلاد الأَنْدَلُس للجهاد فى سبيل الله فأرسل إلى أهل المرية من ممالك الأَنْدَلُس، وذكر لهم أن جماعة أفتوه بجواز طلب العون اقتداء بعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فردَّ قاضى المرية «أبو عبد الله بن الفراء» على الأمير يوسف ردًّا فيه نقد وتقويم ونصح، فلم يتعرَّض ذلك القاضى لعقوبة، بل استمع إلى نصحه وإرشاده وما رآه حقًّا, وكان هذا القاضى من الدِّين والورع بمكان، وهذا نصُّ الجواب الذى أرسله إلى الأمير يوسف: «أمَّا بعد, ما ذكره أمير المُسْلِمِين من اقتضاء المعونة وتأخيرى عن ذلك، وإن أبا الوليد الباجى وجميع القضاة والفقهاء بالعُدوة والأَنْدَلُس أفتوا بأن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه اقتضاها، وكان صاحب رسول الله × وضجيعه فى قبره، ولا يشك فى عدله، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله × ولا بضجيعه فى قبره، ولا من لا يشك فى عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلة فى العدل فالله سائلهم عن تقلدهم فيك، وما اقتضاها عمر حتى دخل مسجد رسول الله صلى لله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد من بيت مال المُسْلِمِين ينفقه عليهم، فلتدخل المسجد الجامع هناك بحضرة أهل العلم، وتحلف أن ليس عندك درهم واحد، ولا فى بيت مال المسلمين, وحينئذٍ تستوجب ذلك, والسلام»( ).
ومحل الشاهد من هذه الرسالة هو النقد والتقويم المستمرُّ فى حياة الأمة بين علمائها وأمرائها بدون ظلم وجور واعتداء من الطرفين على بعضهما البعض، وبذلك تنطلق حضارة الأمة بآفاقها المتنوعة لتحدث تغييرًا حضاريًا فى دنيا الناس، مبنى على النصح والتناصح، والنقد والتقويم، كما حدث فى دولة المرابطين السُّنيَّة.

وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

موضوع مغلق
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 10:56 AM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى