رد: فقه التمكين عند دولة المرابطين
03-07-2008, 11:02 AM
فصول من كتاب :
هذه المرة مع كتاب "فقه التمكين عند دولة المرابطين" للدكتور الصلابي
الحلقة التاسعة:
السياسة الداخلية والخارجية فى دولة المرابطين
حقوق الرعية فى دولة المرابطين :
إن الله تعالى جعل بين الحاكم والمحكوم حقوقًا وواجبات متبادلة، وبينت الشريعة الغرَّاء هذه الحقوق المتبادلة؛ فمن أهم حقوق الرعية على الرَّاعِي:
أولاً:
العمل على الإبقاء على عقيدة الأمة صافية نقية:
وذلك عن طريق حفظ الدِّين على أصوله المستقرَّة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فهذا هو أهم الأمور التى تلزم ولاة الأمر تجاه الرعية( )، وأهم هذه الأصول: التمسك بالكتاب والسنة وإجماع القرون المفضلة الأولى، وفى دراستى التَّارِيخية لدولة المرابطين وجدت أن حُكَّامها ساروا على هذا المنهج الذى رسمه شيوخهم الذين سبقوهم، ولذلك توحدت دولة المرابطين، وكان لذلك المسلك سبب فى حماية الأمة من التَّفرُّق فى الدِّين إلى دروب الأهواء والضلالات، وكان حماية ووقاية للحاكم والمحكوم فى دولة المرابطين على السواء من الزيع عن السبيل، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] أي: تمسَّكوا بدين الله الذى أمركم به، وعهده الذى عهده إليكم، فى كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله»( ), لقد كان يوسف بن تاشفين ومن سبقه من حُكَّام دولة المرابطين على منهج الفرقة الناجية وسبيل أهل السنة والجَماعَة، لا سُبُل أهل الزيغ والتفريق التى نهى الله عنها فى قوله:﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:105،106].
قال ابن عبَّاس –رضى الله عنهما-: «يعنى تبيض وجوه أهل السنة والجَماعَة وتسوَّد وجوه أهل الفرقة والزيغ»( )، لقد قام يوسف بن تاشفين بحماية أصول أهل السنة والجَماعَة بتشجيع العلماء والفقهاء وبنشرها وحمل الناس عليها واستخدم فى ذلك سلطانه وصلاحياته الشرعية( ).
ثانيًا:
توحيد المغرب تحت راية الخلافة الإسلامية:
قام يوسف بن تاشفين بتوحيد المغرب الأقصى تحت راية الخلافة الإسلاميَّة, واستعمل من أجل هذا الهدف كافة الأسباب المشروعة سواء بإصلاح ذات البين بين القبائل المتناحرة، أو باستعمال القوة مع مَن استعصى عن الإجابة، وكان يسعى سعيًا حثيثًا للقضاء على الشرور فى بلاده، ويعمل على إغلاق أبوابها أولاً بأول وسبيله فى ذلك: «تنفيذ الأَحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعمَّ النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم»( ).
ثالثًا:
العمل على حماية الأمة من المفسدين والمحاربين:
حيث استطاع أمير المُسْلِمِين يوسف بن تاشفين أن يؤمن السبل فى بلاده, وأن يبسط الأمن, ويقمع الأخطار التى هددت دولته من المارقين, ونظم طرق الأسفار ومسارب التجارات.
وقد عدَّ علماء الإسلام تأمين السبل والطرق حقًّا من حقوق الرعية التى سيُسأل عنها كل راع، فذكروا أن الإمام يلزمه: «حماية بيضة الإسلام, والذب عن الحُرم، ليتصرف الناس فى معايشهم وينتشروا فى أسفارهم آمنين على أنفسهم وأموالهم»( ), ولا شكَّ أن تأمين السبل دليل بارزٌ على انتصار الدِّين وتمكينه، فإنه صلى لله عليه وسلم لما دَعا عدى بن حاتم إلى الإسلام، وعده – إن طالت به الحياة – أن يرى طرق المُسْلِمِين آمنة، وسبلهم محفوظة لما يؤول إليه الأمر من قوة المُسْلِمِين بعد ضعفهم، فقد روى البخارى فى صحيحه عن عدى بن حاتم قال: «بينما أنا عند النبى صلى لله عليه وسلم إذا أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدى هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله...» وفيه أن عديًا قال بعدها: «فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله»( ).
رابعًا:
العمل على حماية الأمة من أعداء الخارج:
قام الأمير يوسف بن تاشفين – رحمه الله – بأعمال عظيمة حماية لدولته وشعبه من كلِّ عدوٍّ يحاول أن يعتدي، واتخذ كل الأسباب المتاحة من أجل تحقيق هذا العمل المنشود من تحصين الثغور بالعُدَّة المانعة والقوة الدافعة حتى لا يظفر الأعداء بثغرة ينتهكون بها محرمًا, ويسفكون دمًا لمسلم أو معاهد ( ).
وقضى على كلِّ محاولات أعداء دولته من البرغواطيين والمغاورة والحَمَّاديين الذين حاولوا ضم أراض من دولته, وقضى على دويلات الكفر والإلحاد, وألزم الحَمَّاديين احترامه بالقوة.
خامسًا:
حفظ ما وُضِعَت الشريعة لأجله:
فقام بإقامة الحدود، حتى تُصان محارم الله عن الانتهاك, وتحفظ حقوق العباد من أى إتلاف أو استهلاك, ونفذ فى رعيَّتِه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:58].
سادسًا:
إعداد الأمة إعدادًا جهاديًّا:
ومسيرة المرابطين منذ خروجهم من رباط عبد الله بن ياسين تدلُّ على أنَّهم قوم مجاهدون، وقام قادتهم بجهاد الوثنيين, واستمرَّ يوسف بن تاشفين فى قتال أهل الردة, وغلاة المبتدعة, وتوحيد القبائل الخارجة عن نطاق الدولة، وقام بواجبه فى جهاد الكفرة المعاندين للإسلام حتى أسلموا أو أدخلوا فى ذمة المُسْلِمِين قيامًا بحق الله تعالى فى ظهور دينه على الدِّين كلِّه ( ).
سابعًا:
القيام على تحصيل الصدقات وأموال الزكـــاة والخراج والفيء:
حيث قام الأمير يوسف بالإشراف على جباية وصرف الزكاة فى مصارفها الشرعية من غير حيف ولا عسف، فكانت من مصادر دولة المرابطين الزكاة والخراج والفيء وغيرها، فكان الأمير يوسف لا يأخذ الضرائب والمكوسَ، بل أسقطها, وإنَّما يأخذ المال من حِلِّه، ويضعه فى حقه، ولا يمنعه من مستحقِّه( ).
ثامنًا:
تحرى الأمانة فى اختيار المناصب:
حرص الأمير يوسف على أن يختار الأمناء والأكفاء وأسند إليهم الولايات وقيادات الجنود ومناصب القضاة، وحرص على أن يولِّى كل عمل من أعمال المُسْلِمِين أصلحَ مَن يجده لذلك العمل، واختار وانتخب أحسن وأنفع العناصر لدولته السُّنيَّة من أجل أن يقوم بواجبه نحو رعيَّتِه.
تاسعًا:
الإشراف المباشر على شئون الدولة:
اعتاد الأمير يوسف أن يُشرف بنفسه على أمور رعيَّتِه، ويتابع ولاته, ويزورهم فى مواطنهم, ويستمع للنَّاس، وما كان يعتمد على التفويض وحده؛ خوفًا من الله تعالى الذى قال فى كتابه:﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: 26], وقد عدَّ الإمام الماوردى هذا الأمر من حقوق الرعية على الوالي، وذكر أنه يلزمه: «أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور, وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعوِّل على التفويض تشاغلاً بلذَّة, أو عبادة؛ فقد يخون الأمين, ويغش الناصح...» ( ).
كان الأمير يوسف يراقب ولاته مراقبة شديدة, ولا يترددُ فى تبديلهم وعزلهم إذا أساءوا، وكان يضع مصلحة الرعية فى المقام الأول عند تعيين الولاة ويوصيهم بها خيرًا، وقد جاء فى كتابه إلى عبد الله ابن فاطمة: «فاتخذ الحق إيمانك، وارفع لدعوة المظلوم حجابك، ولا تسد فى وجه المضطهد بابك، ووطن للرعية -أحاطها الله - أكنافك، وابذل لها إنصافك، والحرج من كل ما يَحيف عليها ويؤذيها، ومن سدَّد عليها من عمالك زيادة، أو خرق فى أمرها عادة، أو غيَّرَ رسمًا، أو بدَّل حكمًا، أو أخذ لنفسه منها درهمًا ظلمًا فاعزله من عمله، وعاقبه فى بدنه، وألزمه فى ردِّ ما أخذ متعديًا إلى أهله، واجعله نكالاً لغيره حتى لا يقدم منهم أحد على مثل فعله»( ).
وكان الأمير يوسف يُخطر أهل الولاية بتعيين الوالى الجديد؛ فكتب إلى أهل سبتة بشأن الأمير يحيى بن أبى بكر: «ونحن من وراء اختياره والفحص عن أخباره، فإذا وصل إليكم كتابنا؛ فالتزموا له السمع والطاعة، والنصح والمتابعة جهد الاستطاعة»( ) بالإضافة إلى ذلك كان الأمير يوسف كثير الطواف فى مملكته للإشراف على تنفيذ أوامره وتعليماته من قبل الولاة( ), والاطلاع على أحوال الرعية والنظر فى أمورها.
موقف الرعية فى دولة المرابطين:
لقد استوفتْ الرعية فى دولة المرابطين حقوقها الشرعية، فكان طبيعيًّا جدًّا أن تؤديَ واجباتها إلى حُكَّامها وولاتها, وأهم هذه الواجبات التى أدتها:
أولاً:
الطاعة:
كان مسلمو المغرب فى زمن دولة المرابطين يتقربون إلى الله تعالى بطاعة أميرهم والانقياد له فى كل معروف، ويرون هذه الطاعة حقًا ثابتًا لحُكَّامهم بنص القرآن وصريح السنة وصحيحها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأمْرِ
مِنْكُمْ﴾ [النساء:59].
وفى مجتمع المرابطين كانت الشريعة فوق الجميع يخضع لها الحاكم والمحكوم، ولهذا فإن طاعة الحُكَّام كانت عندهم مقيدة دائمًا بطاعة الله ورسوله.
قال صلى لله عليه وسلم: «لا طاعة فى المعصية، إنما الطاعة فى المعروف»( ).
ثانيًا:
النصرة:
كان المُسْلِمُون تحت قيادة أمراء المرابطين يعاضدون وينصرون أمراءهم فى أمور دينهم وجهادهم لعدوهم عاملين بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة:2].
وكانوا يكرمون من يقيم شرع الله من حُكَّامهم، ويدافعون وينافحون عنه ويكرمونه ويجلونه لقوله صلى لله عليه وسلم: «إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذى الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالى فيه والجافى عنه, وإكرام ذى السلطان المقسط»( ).
ثالثًا:
النصح:
قامت هذه الدولة الميمونة المباركة على النصح المتبادل بين الحاكم والمحكومين، ونجد إن أحد الوزراء يطلب من الأمير يوسف عدم جواز البحر فى جهاده ضد النصارى حتى يسلم المُعْتَمِد بن عَبَّاد له الجزيرة الخضراء، فيسمع الأمير يوسف هذه النصيحة وينفذها فى أرض الواقع، وامتنع عن جواز البحر حتى تحصَّل على تلك الجزيرة التى أفادته فى جهاده كثيرًا، لقد كانت قيادات المرابطين تستمع للنصح فى تواضع جم، واستعداد نفسى رفيع يدل على عمق التربية العميقة التى تحصَّلوا عليها.
إن الإسلام أوجب على الرعية أن تُناصح ولاة أمرها، وقد جاء الأمر بذلك فى حديث من جوامع الكلم لرسول الله صلى لله عليه وسلم إذ يقول: «الدِّين النصيحة – ثلاثًا – قال الصحابة: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله – عزَّ وجلَّ- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المُسْلِمِين وعامتهم»( ).
ومعنى النصيحة لهم فى هذا الحديث: «معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به وتنبيههم فى رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق»( ).
وقال صلى لله عليه وسلم: «ثلاثة لا يُغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المُسْلِمِين، ولزوم جماعتهم»( ).
لقد أكرم الله حُكَّام المرابطين ببطانة آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر, مرشدة للصواب، ناصحة للراعى والرعية لا تخشى إلا الله.
رابعًا:
التقويم:
كان المُسْلِمُون الذين ارتبطوا بدولة المرابطين لا يجدون حرجًا ولا مانعًا فى إيصال ما يرونه من النصح والإرشاد وتقويم الأخطاء التى يقع فيها الحُكَّام أثناء اجتهاداتهم فى شئون الحياة.
وهذا المبدأ قد استقرَّ فى مفهوم الصحابة منذ بداية دعوة الإسلام، فهذا
الصدِّيق رضي الله عنه عندما تولى الخلافة، قام فى الصحابة خطيبًا، فقال: «أيُّها الناس, فإنِّى قد ولِّيت عليكم, ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعيونني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى أرجع عليه حقه -إن شاء الله- والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه - إن شاء الله-، لا يدعُ قوم الجهاد فى سبيل الله إلا خذلهم الله بذلٍّ، ولا تشيع الفاحشة فى قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء, أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لى عليكم, قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله»( ).
وكان عمررضي الله عنه لا يكتفى بإنصاف الناس من نفسه، حتى ينصفهم من عُماله وولاته، يسأل الرعية عمن أساء منهم، وكان يقول: «إنِّى لم أبعث عمالى ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكنى استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، فمَن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له عليَّ، ليرفعها إليَّ حتى أقصه منه»( ).
إن علاقة الحاكم بالمحكوم فى الإسلام غرضها الأول إعلاء كلمة الله, وإعزاز دينه, ولمصلحة الرَّاعِى والرعية, وثانياً: فهى بعيدة كل البعد عمَّن يجعلون فى مرتبة مَن لا يسألون فيها عما يفعلون, وبين مَن يحقرون ويمتهنون حُكَّامهم بدون وجه حق، إن الحاكم فى الإسلام له احترامه وحقوقه المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ×، وكذلك للمحكوم حقوقه المستمدَّة من أصل عقيدة الإسلام، لذلك نجد النصح والنقد والتقويم بين الحاكم والمحكوم فى تاريخ الإسلام على مرِّ العصور والأزمان، فإذا تأملت فى الدول التى سارت على شرع الله المولى - عزَّ وجلَّ -وجدت هذه المعالم واضحة.
وهذا يوسف بن تاشفين عندما دخل فى بلاد الأَنْدَلُس للجهاد فى سبيل الله فأرسل إلى أهل المرية من ممالك الأَنْدَلُس، وذكر لهم أن جماعة أفتوه بجواز طلب العون اقتداء بعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فردَّ قاضى المرية «أبو عبد الله بن الفراء» على الأمير يوسف ردًّا فيه نقد وتقويم ونصح، فلم يتعرَّض ذلك القاضى لعقوبة، بل استمع إلى نصحه وإرشاده وما رآه حقًّا, وكان هذا القاضى من الدِّين والورع بمكان، وهذا نصُّ الجواب الذى أرسله إلى الأمير يوسف: «أمَّا بعد, ما ذكره أمير المُسْلِمِين من اقتضاء المعونة وتأخيرى عن ذلك، وإن أبا الوليد الباجى وجميع القضاة والفقهاء بالعُدوة والأَنْدَلُس أفتوا بأن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه اقتضاها، وكان صاحب رسول الله × وضجيعه فى قبره، ولا يشك فى عدله، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله × ولا بضجيعه فى قبره، ولا من لا يشك فى عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلة فى العدل فالله سائلهم عن تقلدهم فيك، وما اقتضاها عمر حتى دخل مسجد رسول الله صلى لله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد من بيت مال المُسْلِمِين ينفقه عليهم، فلتدخل المسجد الجامع هناك بحضرة أهل العلم، وتحلف أن ليس عندك درهم واحد، ولا فى بيت مال المسلمين, وحينئذٍ تستوجب ذلك, والسلام»( ).
ومحل الشاهد من هذه الرسالة هو النقد والتقويم المستمرُّ فى حياة الأمة بين علمائها وأمرائها بدون ظلم وجور واعتداء من الطرفين على بعضهما البعض، وبذلك تنطلق حضارة الأمة بآفاقها المتنوعة لتحدث تغييرًا حضاريًا فى دنيا الناس، مبنى على النصح والتناصح، والنقد والتقويم، كما حدث فى دولة المرابطين السُّنيَّة.