ثالـثا : والله إن المسألة خلافية في الدين , وليست اتفاقية :
من حقك أن لا تسمع الموسيقى – كل موسيقى - لأنك مقتنع بقول من قال بحرمتها , ومن ثم ترى أنها تقسي القلب . ولكن ليس من حقك أبدا أن تمنع غيرك من سماع الهادئ منها والمصاحب لكلام نظيف إن اقتنع بقول من قال بإباحة هذا السماع . كما أنه ليس من حقك أبدا أن ترفض كلامه وتعتبره " كذبا وزورا وبهتانا " إن قال بأنه عندما يسمع سامي يوسف مثلا ينشد أناشيد إسلامية – بالموسيقى- يحس بأن قلبه يلين أكثر ويحس بأن إيمانه يزداد . موقفك مقبول وموقفه مقبول , والإسلام الواسع يسعكما جميعا ويحميكما ويظلكما ويستركما ويحفظكما , إن نبذتما التعصب لعنه الله .
والله الذي لا إله إلا هو - أحلف مليون مرة , بل ما لا نهاية من المرات - لقد كانت وما زالت وستبقى مسألة سماع الموسيقى ( إذا كانت هادئة ومصاحبة لكلام نظيف بطبيعة الحال ) محل خلاف بين الفقهاء : منهم من حرمها بإطلاق ومنهم من أجازها . ولكل أدلته القوية أو الضعيفة , والمصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد , أي أن الكل مأجور بإذن الله . والمصيب لا يعلمه إلا الله وحده . ونحن - عامة المسلمين غير المجتهدين - ما كلفنا الله سبحانه وتعالى أن لا نأخذ إلا ممن كان دليله أقوى بل فقط طلب منا أن لا نأخذ إلا من عالم " إسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ".
العالم دليله الكتاب والسنة وأما نحن فدليلنا قول العالم , ولن يسألني الله إذا سمعت أناشيد لسامي يوسف أو غيره ( بموسيقى هادئة وكلام نظيف ) , لن يسألني الله تعالى " لماذا أخذت بقول القرضاوي والغزالي وبن حزم وأبي حامد الغزالي و ... رحمهم الله – أحياء وأمواتا - ولم تأخذ بقول الألباني وبن باز ومالك وبن تيمية و... رحمهم الله تعالى جميعا ؟! ". لن يسألني الله أبدا بإذن الله هذا السؤال . يسألني الله فقط ويعاتبني ويعاقبني إذا أخذت ديني من جاهل أو إذا تتبعت السهل من أقوال الفقهاء في كل مسألة , لأنني عندئذ أعتبر متبعا لهواي لا للدين والإسلام .
أنت أخي من حقك أن لا تسمع الموسيقى لأنك مطمئن لقول من قال بأنها حرام – وأنت مأجور بإذن الله - ولكن ليس من حقك أن تمنع غيرك من السماع مادام هناك علماء قالوا بالجواز , بغض النظر عن قوة أو ضعف دليل الواحد منهم . المهم أنهم علماء , وهم جميعا بإذن الله ورثة الأنبياء .
ومن حقك أن تقول بأن سماع الموسيقى يقسي عندك القلب , ولكن من حق غيرك كذلك أن يقول لك بأن إيمانه يزداد ومعنوياته ترتفع عندما يسمع أناشيد إسلامية مثل أناشيد سامي يوسف أو غيره من أصحاب الغناء النظيف الطيب المبارك , طبعا بدون أن يبالغ في السماع وبدون أن يلهيه السماع عن أداء واجب أو يجره السماع إلى فعل حرام .
يا ليتنا – إخواننا الكرام - نوسع صدورنا في المسائل الخلافية ولا نتشدد إلا في المسائل الأصولية . يا ليتنا نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه . يا ليتـنا نوجه سهامنا إلى أعداء الدين الذين يحاربون الإسلام بالليل والنهار ونحن غافلون , عوض أن نوجه سهامنا لبعضنا البعض .
إن المسألة الخلافية تبقى خلافية إلى يوم القيامة , شئنا أم أبينا , والله أرادها أن تبقى خلافية , وذلك للتيسير على الناس , وليجد المتشدد نفسه معها وهو مسلم , وليجد المتساهل نفسه معها وهو مسلم كذلك , وليبقى الإسلام صالحا لكل زمان ومكان . إن سماع الموسيقى مسألة خلافية منذ 14 قرنا ولن ترجعها أنت ( الذي تقول بأن سماع أناشيد سامي يوسف حرام ) لن ترجعها إتفاقية وأصولية مهما حاولتَ , والأفضل لك أن لا تُتعب نفسك مهما كانت نيتك الطيبة . ولو أراد الله لها أن تكون أصولية لجعل أدلتها قطعية لا ظنية , ولمنع علماء الإسلام أن يختلفوا فيها حتى لا يبقى الناس في حيرة من أمرهم . وهذا الذي أقوله عن سماع الموسيقى يقال مثله عن آلاف المسائل الخلافية الفرعية في الدين : في العبادات والمعاملات وكذلك في العقيدة .
يتبع : ...