قناة الجزيرة..صوت الشارع العربي
أحيل المهتمين بهذا الموضوع على مقال للأستاذ بلخيرات حسين، ماجستير العلاقات الدولية بجامعة الجزائر، المنشور بالعدد 520 لمجلة الخبر الأسبوعي صفحة 18، تحت العنوان "الحكومات العربية وقناة الجزيرة..من الاحتجاج إلى العداء"، حدد الأستاذ حسين من خلاله بعض الممارسات الإعلامية للقناة التي أدت إلى هذا الموقف العدائي تجاهها، ولعل أبرزها:
أولا: التركيز الإعلامي المكثف على إعادة التفتيش في التاريخ السياسي للدول العربية بشكل يتصادم مع التاريخ الرسمي المعلن والموثق، من خلال فقرات مثل: شاهد على العصر، مع هيكل، أرشيفهم وتاريخنا، بحيث يتم تناول هذا التاريخ السياسي في صورة الفاضح وليس في صورة المحقق، بشكل أقرب إلى التوظيف السياسي وليس التوثيق التاريخي.
الكاتب محق في هذه النقطة بالذات، فمن خلال البرامج التاريخية للقناة، التي ترجع بنا إلى السنوات الأولى لتشكل الممالك والدول العربية بعد الحرب العالمية الثانية، يكتشف المواطن العربي البسيط كثير من الأسرار والحكايات المضحكة أحيانا، والمثيرة للاشمئزاز أحيانا أخرى، ويتعرف على دول أقيمت بأكملها لتحقيق أهداف أطراف إقليمية، ويدخل إلى قاعات حفظ أرشيف المراسلات بين الحكام العرب وحكام الدول الأوربية، ويتعرف على الظروف التي رافقت الانقلابات العسكرية. كل هذه التفاصيل تصب من قبل مديري القناة في خدمة هدف واحد: إقناع المواطن العربي، الذي لم يعش أجواء الحروب العربية الإسرائيلية، التي كان آخرها حرب 1973، أن حكام الدول العربية الكبرى متواطئون بشكل أو بآخر في وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وفي ضمان استمراره إلى اليوم، والتركيز على فضائح الأسر الحاكمة لنزع الهالة التي نجحت في تكوينها حول نفسها عبر عدة سنوات.
طبعا، لن يشاهد المواطن العربي وثائقيا تاريخيا يسرد لنا الظروف التي رأت فيها دولة قطر النور، ولن يشاهد تقريرا عن الطريقة الاحترافية التي وصل بها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى سدة الحكم سنة 1995 واعتراف الولايات المتحدة الأميركية به حاكما شرعيا سابقة جميع دول العالم بتلك الخطوة ، ولن يسمع عن أخبار القبيلة التي سحبت منها الجنسية القطرية بعد مشاركة أفراد منها في محاولة الانقلاب الفاشلة، والتي كانت تهدف لإرجاع الأب المخلوع عن الحكم، ولن يطلع على الصراعات الداخلية بين أبناء حاكم دولة قطر (من عدة نساء) لتولي ولاية العرش، ولن يقوم الصحفي البارز أحمد منصور بتسجيل حلقات لبرنامجه "شاهد على العصر" مع الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني والذي تمكن من العودة إلى قطر بعد أن تم الصلح بينه وبين ابنه الشيخ حمد الحاكم الحالي، ولن نشاهد حلقة جديدة من الوثائقي "الجريمة السياسية" تروي لنا تفاصيل اغتيال الزعيم الشيشاني سليم خان ياندربييف إثر انفجار سيارته بضواحي الدوحة سنة 2004.
سوف تستمر قناة الجزيرة في لعب دور الحكواتي الذي علم بنوع القصص التي يفضل مريدوه سماعها، ففضل عدم تغييرها خشية أن ينفضوا عنه، خاصة إذا أيقن الحكواتي عدم اكتراث المريدين بما سبق من حياته وبما يفعله في حياته الخاصة.
ثانيا: الانفتاح الموسع وغير المسبوق على جميع حركات المعارضة العربية، حتى تلك التي تعتمد وسيلة العنف اتجاه الحكومات، بحيث يتم التعامل معها في صورة فاعل سياسي يمتلك مشروعية ويمنح له الحق الإعلامي في تبني عملياته، ويرافق ذلك الإعلان بتثمين لتلك العمليات من طرف القناة.
بالفعل، وهو ما زاد من شعبية خطاب قناة الجزيرة لدى شريحة المواطنين العرب المسحوقين من طرف أنظمتهم، والذين ملوا من الخطاب الرنان الذي لا يتوقف عن تمجيد القائد والزعيم الملهم. قناة الجزيرة أدركت ذلك، فقامت بالحصول على حقوق البث الحصري لألبومات شيوخ الإسلام الجهادي، الشيخ أسامة بن لادن، الشيخ أيمن الظواهري، الشيخ أبو مصعب الزرقاوي والشيخ أبو مصعب عبد الودود والذين لم تنفع صرخات الشيوخ والدعاة المعاصرين في الحد من شعبيتهم التي تظهر جلية في كل سبر آراء تقوم به وسائل الإعلام العربية والعالمية، ولعلنا نتذكر سبر الآراء الذي رجح كفة المتعاطفين مع هجمات الجماعة السلفية للدعوة والقتال في أرض المغرب الإسلامي والأندلس، والذي كانت نتيجته منسجمة تماما مع استفتاءات سابقة له، جاءت في صالح أعمال تنظيم القاعدة في العراق وفي أفغانستان وفي المملكة العربية السعودية وفي كل مكان.
ديلام، تعقيبا عل الاستفتاء الشهير
ثالثا: تضخم حجم التوظيف السياسي للأخبار في الممارسة الإعلامية لقناة الجزيرة، بحيث يظهر مراسل القناة في كل دولة في صورة معارض سياسي وليس مراسلا إعلاميا.
ارجع الكاتب التحول الإعلامي لقناة الجزيرة إلى خلفيتين:
أولا: سيطرة تيار الإخوان المسلمين على الجهاز الإعلامي للقناة (وضاح خنفر، المدير العام للقناة مثلا)، فارضا توجها جديدا غير الذي عرفت به القناة عند انطلاقتها، فعدد من المذيعين البارزين (حافظ الميرازي، منتهى الرمحي) برروا مغادرتهم بحصول هذا التحول.
وضاح خنفر
ثانيا: علاقة ذلك التحول بالسياسة الخارجية القطرية، ففي بداية القناة كان التوظيف السياسي يحمل الطابع التسويقي لدولة صغيرة، أما الآن فهناك توجه جديد للسياسة الخارجية القطرية يسعى لفضح الثنائية القطبية المطروحة في النظام الإقليمي العربي، مانحا لنفسه دورا إقليميا كبيرا (محاولات وساطة في فلسطين، لبنان، وأخيرا في السودان)، ولذلك فإن عداء الحكومات العربية لتوجهات قناة الجزيرة يخفي وراءه، هامشا عاليا من عدم الرضا عن التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية القطرية.
من خلال هذه النقاط التي أثارها الأستاذ بلخيرات حسين، يمكننا الاستنتاج أنه لا يمكن فهم عدائية الأنظمة العربية لقناة الجزيرة دون إلقاء نظرة على العلاقات المصرية القطرية، السعودية القطرية والأردنية القطرية، ودون أن نضع في الحسبان احتضان هذه الدولة للأسطول الأميركي الخامس منذ سبع سنوات، وقرارها "التنسيق التجاري" مع دولة إسرائيل كخيار استراتيجي لزحزحة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المتعثرة منذ سنوات.
التقدم الهائل الذي أحرزته دولة قطر في المجال الدبلوماسي الإقليمي، أثار غيرة النظام المصري الذي كان يقدم نفسه للمجتمع الدولي بصفته الممتلك لجميع مفاتيح اللعبة السياسية في البيت العربي، ولعل الضربة القاضية لهذا الادعاء ستكون توصل قطر للتوصل لإمضاء اتفاق سلام بين المتقاتلين بإقليم دارفور، وبهذا تكون اليد القطرية قد امتدت إلى العمق الاستراتيجي لمصر.
أتذكر تصريح لأحد المسؤولين اللبنانيين، عقب تغطية قناة الجزيرة المنحازة لصالح ميليشيات "فتح الاسلام" في لبنان، متسائلا عن هذه الدولة اللغز (قطر)، يرفرف في سمائها، بالاضافة إلى علم قطر، كل من رايات: الولايات المتحدة الأميركية (ممثلة في قاعدتي العديد والسيلية)، إسرائيل ( ممثلة في مكتبها التجاري المجمد لاحقا)، وبن لادن ( يقصد منبر من لا منبر له).
الشيخان أسامة وأيمن عبر منبرهما المفضل
باختصار، فإن قناة الجزيرة القطرية تلعب اليوم نفس الدور الإعلامي الذي كانت تلعبه إذاعة صوت العرب، مروجة للمشروع القومي العربي لعبد الناصر وحاشدة للهمم في سبيل مناصرة قضايا التحرر العربي ومهاجمة للأنظمة التي رفضت الدوران في الفلك القومي العروبي كنظام الملك حسين بن طلال في الأردن والرئيس كميل شمعون في لبنان ورئيس الوزراء العراقي نوري سعيد.
ولكن لنتساءل:
هل ستلاقي قناة الجزيرة نفس مصير إذاعة صوت العرب ؟ أم أن المشروع الذي تروج له هذه القناة (كمزيج بين التيارين القومي العربي الناصري والإسلامي السياسي المؤمن بفكرة الخلافة) يختلف عن المشروع المروج له في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ؟
هل الشيخ حمد آل ثاني يمتلك من الحنكة السياسية ما يؤهله للنجاح في ما قد فشل فيه الزعماء العرب السابقون ؟ خاصة وأنه يمتلك ترسانة عسكرية يسيل لها لعاب زعماء كثيرين، عكس الرئيس عبد الناصر الذي كان ينتظر عبر دفعات، السلاح السوفياتي المحدود التأثير ؟
أسئلة لا يمكن مشاهدتها خلال البرنامج الأكثر مشاهدة، والأكثر مساهمة في صنع ثقافتنا ووعينا السياسي، برنامج " الاتجاه المعاكس"....

قاعدة السيلية