121- إن الذي يراك تنفق أفضل منه وتؤثر الغيرَ على نفسك أكثر منه , هو يحتقر نفسه بينه وبين نفسه حتى ولو لم يظهر لك ذلك , بل حتى ولو أظهر سخرية واستهزاء بك . إن الكثير من الناس يسخرون منك ويستهزئون بك وهم يرونك متعلقا بالله وباليوم الآخر أكثر منهم , إنهم يفعلون ذلك لا لأنهم يرون بأنهم أفضل منك بل يفعلون ذلك كما يفعل الثعلب عندما لا يقدر على الوصول إلى عنقود عنب في أعلى الشجرة , يقول عنه بأنه " حامض" !!!. إنه يستهزئ بك غيرة وحسدا وكعملية انتقام منك لأنه يراك سيدا لشهواتك وأما هو فيعلم من نفسه أنه عبد لها .
122- القوة العضوية من أجل إقامة حدود الله ومن أجل محاربة أعداء الله , محمودة بإذن الله تعالى . وأما القوة العضوية لغير ذلك فلا يليق أن نعتز بها ونتباهى بها على حساب الدين والأدب والخلق و ... مهما كنت قويا فالكثير من الحيوانات أقوى منك,ومنه فتنافس فيما يتنافس فيه الـعـقال , لا فيما تتفوق عليك فيه الحيوانات.
123- من لم يبذل الغالي والرخيص من أجل إظهار الدين والأدب والخلق والاجتهاد في الدارسة والتفوق في العمل وحسن معاملة الغير و ... فإنه سيظهر قوته العضلية وجمال جسده ومالَهُ وسيتباهى أمام الغير بلباسه وجمال شعره وحلاوة ضحكاته وروعة صوته و... وأما الذي يهتم بالجوهر والحقيقة وبما ينفع دنيا وآخرة فإنه لا يجد الوقت الكافي للإهتمام بالمظهر وبالشكل وبسفاسف الأمور وتوافهها . وكذلك المرأة التي لا تجد أدبا وخلقا وحياء وحجابا و...تظهره للغير فإنها ستُـظهر حتما جسدها للناس , أي ستهتم بالتبرج وباللباس الضيق والشفاف والقصير والمفتوح وبالضحكات والحركات الملفتة لانتباه الرجال و ... وأما المرأة التي تخاف الله وتؤمن بالله واليوم الآخر وتهتم بالجوهر والحقيقة وبما ينفع ويفيد فإنها لا تهتم إلا بعظائم الأمور والأهم منها .
124- كم هو مضحك منظر التلميذ ( عمره حوالي 13 سنة , يدرس في السنة الأولى متوسط ) الذي وجدته أمه في الحمام يحلق شعرات قليلة جدا وقصيرة جدا من شاربه من أجل أن يسرع من وتيرة نمو الشعر ليثبت لزملائه وبسرعة بأنه أصبح رجلا مع أنه صغير من حيث السن , كم هو مضحك منظر هذا الشاب لأنه – وكما تحكي لي عنه أمه – عوض أن يهتم بالدراسة وبالأدب والخلق وحسن المعاملة و...
( لأن هذا هو المطلوب منه ) ترك كل ذلك وراح يحاول ولو بالقوة أن ينبت الشعر فبل الوقت في رأسه
( مع أن ذلك ليس مطلوبا منه , لأن الشعر سينبت مع الوقت وبطريقة عفوية ) . إن هذا التلميذ اختلط عليه الأمر فظن ( كسلا وتهاونا فقط ) أن المطلوب منه هو الشكل - وهو الشعر في الوجه - ونسي أن المطلوب منه أشياء أخرى , كما نسي أو تناسى أن الذكورة شيء والرجولة شيء آخر .
125- من أنفق في سبيل الله فإن الله سيعوض له حتما دنيا قبل الآخرة . وصدق رسول الله فيما ورد عنه في الحديث القدسي " عبدي , أَنفقْ أُنفقْ عليكَ " .
126-خير الأمور أوسطها , ومنه فالخوف الزائد سيء والاطمئنان الزائد سيئ كذلك . وحتى في العلاقة مع
الله - لا مع العبد - , فإن الخوف الزائد إلى درجة اليأس من رحمة الله لا يجوز وهو كفر بالله الرحمان الرحيم , والاطمئنان الزائد إلى درجة الأمن من مكر الله حرام كذلك وكأنه كفر بالله شديد العقاب .
127- الخوف الزائد يُـولِّـد أحيانا خوفا زائدا , كما أن التعصبَ يولد في الكثير من الأحيان تعصبا مضادا . ومنه فإننا أحيانا نثير القلقَ عند الشخص من كثرة ما نبالـغُ في العمل من أجل إبعاده عن مثيرات القلق , ثم نقول له " لا تقلق " . وكذلك فإننا نثير الخوف عند الطفل من كثرة ما نتحدث معه عن مثيرات الخوف , ثم نقول له " لا تخف " .
128- كل شيء زاد عن حده يمكن جدا أن ينقلب إلى ضده , ومنه فإن الخوف الزائد قد يسيء أحيانا إساءات بالغة للأسف الشديد .
129- أحيانا يمكن للمرأة أن تكون سببا في إصابة ولدها بالخوف والخلعة والوسواس والقلق و ... لسنوات وسنوات , بسبب أن الأم رأت ولدَها مجروحا بجرح بسيط , ولكنها عندما رأتْ جرحَ ابنها ( البسيط الذي يُـعالَـج بسهولة ويرتاح منه الولد خلال ساعات أو أيام ) وبضع قطرات دم على وجهه , وعوض أن تواجه الحادثَ البسيطَ ببساطة وتعالجَ الأمر بحكمة , صرختْ وولولت ولطمت الخدود وشقت الجيوب ودعت بدعوى الجاهلية و ... أمام ابنها , وتصايحت بمثل " لقد قتلوا ابني , والله سننتقم ممن ضربه , يا ويلي ويا ويل ابني , أين سيارة الإسعاف , أين أبوه , ...!!!؟ ". وبسبب هذه الخوف الزائد عند الأم يمكن أن يمرض الابن لسنوات طويلة ويصبح لا يطيق رؤية اللون الأحمر ( لون الدم ) ولا رؤية شاة تذبح , كما لا يقبل أبدا أن يأكل ولو قطعة لحم صغيرة ولا دجاجا ولا سمكا ولا ...كل ذلك وأكثر من ذلك بسبب خوف زائد ومبالغ فيه صدر عن الأم في يوم من أيام طفلة الطفل .
130- ومع كل ذلك ومع ما سبق أن قلـتُـه , يمكن أن أضيفَ بأنه يستحب للشخص أحيانا أن يعالج شيئا بضده :
ا- يمكن لمن كان مدمنا على شرب الدخان - إن أراد التخلص من شرب الدخان – أن ينتقل إلى الضد تماما , حتى يتمكن تماما من التخلص مما أدمن عليه , وذلك بأن يمزق السجائر الأخيرة ولا يدخل إلى أي محل تجاري يباع فيه الدخان ويقطع صلته تماما بمخالطة أو مصاحبة أي شخص يتناول الدخان ,
و... وهكذا ...
ب- يمكن لمن يخاف على نفسه من شيء أن يقطع تماما كل الطرق والسبل التي يمكن أن تقربه
( لا أن توصله ) إلى ما يخافه على نفسه . ومن هنا أذكر الآن أنني وقبل 33 سنة ( أي عندما كنتُ طالبا في الجامعة ) , كان البعضُ من زملائي يسيرون – بنية حسنة أو سيئة - أحيانا على طريق تمر أمام بيوت الدعارة ( في مدينة ...) حيث تعرضُ عشراتُ النساء أجسادَهن ( شبه العارية ) على كل غادي أو رائح من الرجال . أنا الآن أذكر أنني كنتُ دوما أرفض ثم أرفض أن أمر حيث يمرون حتى لا تقع عيني على ما لا يجوز النظر إليه . وكانت نفسي تحدثني أحيانا " يا عبد الحميد أنظر اليوم ولا تنظر غدا " , ولكنني كنتُ أرفض النظرَ اليوم وغدا وبعد غد , كما كانت نفسي تحدثني أحيانا أخرى " يا عبد الحميد سر على هذا الطريق , ولا تنظر , حتى تثبت لنفسك أنك قوي الإيمان ! " , ولكنني كنتُ أرفض هذا المنطق لأن عدم تعريض النفس للبلاء أولى , ولأن النجاح في الامتحان وعدم نظري إلى ما حرم الله غير مضمون , ولأن النفس أمارة بالسوء , ولأن رسول الله ما ترك بعده فتنة أشد على الرجال من النساء .
131- فرق بين الخوف من الله الذي هو تقوى وورع وإيمان مطلوب منا تنميته وتزكيته , كمن لا يشرب من كأس شُربت به خمر حتى يُـغسل الكأسُ أكثر من مرة بالصابون , أو لا يشرب من مشروب شك في أنه يحتوي على كحول , أو لا يأكل من لحم رأى أنها لحيوان لم يذبح على الطريقة الإسلامية أو ...
وبين الخوف من الله الذي هو وسواس أو مرض يحتاج إلى طبيب يعالجُهُ , كمن يعيش في قرية سُـرقت فيها بقرةٌ , وبسبب من ذلك امتنع هذا الشخصُ عن شراء لحم البقر أو أكله خوفا من أن يكون اللحم المأكول أو الذي يشتريه من السوق هو للبقرة المسروقة في يوم من الأيام !!!.
132- من التيه ما هو مقبول ولا شيء فيه , ومنه ما هو مرفوض وإذا ما وقع فهو ظاهرة مرضية .
133- الإنسان ضعيفٌ وعاجز وقاصر . هكذا خلقه الله , وقد يكون من الحِكم من وراء ذلك : أن يبقى الإنسانُ متواضعا لله ولا ينفخُ فيه الشيطان في يوم من الأيام ويدعي أنه " إله " والعياذ بالله تعالى .
ومن مظاهر ضعف الإنسان أنه يتيه في بعض الأحيان تيها طبيعيا بدون أن يُلام كثيرا . وبدون أن أكون طبيبا نفسانيا وبدون الرجوع إلى أطباء نفسانيين يمكن أن أقولَ – انطلاقا من التجربة - بأن التيه من أي منا طبيعيٌّ
( ولا يدل أبدا على مرض ) بشروط منها :
ا- أن يقع التيهُ في فترات متباعدة , ولا يقع في كل يوم مثلا .
ب- أن لا يصل التيهُ إلى درجة يصبحُ معها صاحبهُ لا يفرق بين الأرض والسماء , ولا بين الرجل والمرأة , ولا بين أن يكون أبا أو إبنا , ولا يفرق – والعياذ بالله – بين زوجة وبنت , ولا …
إذا توفر الشرطان فإن التيه يصبح عاديا وطبيعيا بإذن الله . قد يُضحكنا في بعض الأحيان , نعم ! , ولكن يبقى صاحبُه غير ملوم .
ومن أمثلة ذلك : أن الواحد منا يبحثُ عن ساعته وهي في يده , ويطلب العشاءَ وهو قد تعشى , وتكسر المرأةُ البيضة وترمي البيض في سلة القاذورات ( بالمطبخ ) وتضع قشرَ البيض في الزيت المغلي بـ " المقلى" , ويتصل الشخصُ عن طريق الهاتف بشخص آخر مع أن الآخر هو في الحقيقة هاتف آخر موجودٌ في جيب نفس الشخص المُـتَّـصِل , وقد يأخذُ الرجلُ من بيته القاذورات في كيس ليرميه أمام الدار في مكان معين ومخصص ولكنه ينسى ويتيه فلا ينتبه إلا وهو داخل بالكيس إلى المسجد أو إلى مقر عمله أو ... وهكذا …
134- الأصل في التيه أنه طبيعي وأن صاحبه مسئول عما يفعله أثناء تيهه من أخطاء وما يمكن أن يرتكبه أثناء تيهه من مخالفات . ومنه إن تاه وكذب فالأصل أنه مسئول أمام الله ومعاقب على كذبه , وإن تاه وسرق فالأصل أنه مسئول أمام الله ثم الناس ومعاقب على سرقته , وكذلك فإنه مطلوب منه شرعا رد الحق لصاحبه المسروق .
135- إن ارتكب المرءُ ما لا يجوز أثناء التيه , فلا يرتفع الإثم عنه ولا ترتفع المسئولية الشرعية عنه إلا إن ثبت بشهادة طبيب كفء وثقة بأن الشخصَ مريضٌ نفسيا أو عصبيا إلى درجة أنه يرتكب ما يرتكبُ بغير إرادة منه ولا اختيار . وأما شهادة الراقي فلا تُقبل شرعا – إن قُبلت- إلا بعد أن يثبتَ بأن الذي تاهَ ليس به شيء نفسيا أو عصبيا , وبشرط أن يكون الراقي صاحبَ علم ودين وأمانة لا كذابا ولا سارقا مثلما هو حال أغلبية الرقاة خاصة عندنا في الجزائر اليوم .
136- ومن أمثلة ذلك من حياتي الخاصة : كنتُ ذاهبا ( في الصيف منذ حوالي 5 سنوات ) من قريتي التي يسكنُ فيها أهلي ( بولاية سكيكدة ) إلى قرية أخرى مجاورة حيث كنتُ مدعوا إلى الغذاء بمناسبة عرس قريب لي , ومدعوا كذلك لتقديم درس ديني بسيط له علاقة بالأعراس والأفراح . وفي الطريق – ولمسافة تساوي حوالي 3 كلم – التي قطعتُـها مشيا على الأقدام ,كنتُ أشغلُ نفسي بذكر الله أو بقراءة القرآن . وفي لحظة من اللحظات مرتْ بي بقرة ( والطريقُ عادة خال لأنه موجود داخل غابة وهو بعيد عن السكان ويقعُ في منطقة نائية و…) , فقلتُ لها بدون أن أنتبه إلى أنها حيوانٌ وليستْ إنسانا " السلام عليكم "!. وبعد دقيقتين أو ثلاثة , أي بعد قطعي لحوالي 50 أو 60 م تساءلتُ مع نفسي " لمن قلتَ يا عبد الحميد قبل قليل : السلام عليكم ؟!" , فاستدرتُ إلى الخلفِ فلم أر إلا بقرة خلفي , فعلمتُ بأنني سلمتُ على بقرة !!! .
137- أجرة الأستاذ والمعلم في العالم العربي والإسلامي حاليا وكذا في العالم الثالث بشكل عام , غير كافية , وهي أقل بكثير مما يستحق الأستاذ والمعلم , وأقل مما يلزمه من أجل أن يعيش مرتاحا وهانئا ومن أجل أن يؤدي وظيفته بالطريقة التي يحبها الله ورسوله والتي تؤتي ثمارها الطيبة والمباركة في الدنيا قبل الآخرة .
138- فرق كبير بين أستاذ يتعامل مع التلميذ على اعتبار أنه " أهله ": أي كأنه أخ أو أخت أو بن أو بنت , قبل أن يفكر في الأجر الدنيوي على تدريسه . فرق بين هذا وبين أستاذ يتجه إلى التعليم فقط على اعتبار أنه مصدر رزق ليس إلا , أي أن المهم عنده أن يقبض الأجر على عمله في نهاية الشهر ولا يُهِمُّه بعد ذلك أن يفهم التلميذ أم لا , أو أن يتعلم التلميذ أم لا , أو أن يستقيم التلميذ في سلوكه أم لا .
إن الفرق بين هذا وذاك كالفرق بين النائحة ( التي تقبض الأجر من أجل أن تـتباكى على الميت ) والثكلى (التي فقدت بالفعل واحدا من أهلها وهي تبكي حزنا عليه ) !. وإذا أردتَ أيها المعلم أن تُحَبَّ ( بعد محبة الله لك ) من طرف التلميذ ووليه خصوصا ومن طرفِ الناس عموما , فيجب أن تُحِبَّ أنتَ أولا التلميذَ مِن خلال حسن تعليمه والتفاني في تربيته , ثم بعد ذلك ستأتيك عفويا وتلقائيا محبةُ التلميذ لك وكذا محبةُ وليه ومحبةُ أغلبية الناسِ . أما إن أردتَ – أيها المعلم أو الأستاذ - أن يُحبَّـك الغيرُ بدون أن تُـحِبَّ أنت أولا فأنت واهمٌ ثم واهم ثم واهمٌ .
ولا يجوز أن تُحبَّ التلاميذ فيمقابل محبتهم لك , أي لا يجوز لك أن تُحبَّ التلاميذ وتطلب منهم تلميحا أو تصريحاأن يُحبوك . لا وألف لا , لن تنال بهذا محبة من الله ولا محبة حقيقية من التلاميذ .
ولكن المطلوب منكأن تُحبَّ التلاميذ لوجه الله وحده , أي لأن الله طلب منك أن تحبهم , فإذا فعلتَوصدقت وأخلصت في حبك للتلاميذ جاءتك بعد ذلك محبة الله ثم محبة التلاميذ ثم محبةأغلب الناس بإذن الله تعالى .
139- تلاميذ أيام زمان كان هم الواحد منهم : التفوق في الدراسة وتحسين السلوك أولا , قبل الاهتمام بمسائل أخرى ثانوية وشكلية ومظهرية , وأما تلاميذ هذا الزمان فالدراسة والسلوك هي آخر ما يفكر فيه الكثير منهم . إن الكثير منهم أصبح اهتمامهم الأكبر اليوم هو " الجال " و " النقال " و " اللباس الجميل " و " المحفظة الأنيقة " و " شرب الدخان " و " سماع الموسيقى الصاخبة والغناء الخليع " و " إطالة شعر الشارب واللحية بالقوة " ليثبت لنفسه ولغيره أنه أصبح رجلا , و " تبرج البنات وإظهار جمال الجسد لكل غاد أو رائح "
و " الكلام البذيء الفاحش " و " تسكع الذكور في الطرقات وإضاعة وقت البنات في القيل والقال والتفرج على المسلسلات الفارغة " و ...
ولا ننسى أن اهتمام التلميذ بالشكل سيكون حتما ودائما على حساب اهتمامه بالجوهر والنافع والمفيد والطيب والمبارك و...
140- كان التلميذ أيام زمان لا يجرؤ أبدا أن يمر في طريق يمكن أن يلتقي فيه بمعلمه , وأما اليوم فإنك ترى وبسهولة التلميذ يقابل معلمه في الطريق ويقول له ضاحكا أو مبتسما ( وكأنه يتحدث مع زميله ) " صحَّ يا أستاذ " !!!. ويمكن أن يحيي التلميذُ المعلمَ في الطريق وفي يد التلميذ سيجارة للأسف الشديد أو جهاز لسماع ما لا يجوز من الغناء أو...
يتبع : ...