رد: يُدعى " سيّدا"، عاش سيّدأ، ومات شهيدًا سيّدا...
11-06-2015, 02:34 PM
السلام عليكم آل " شروق ".
استسمحكم أن أواصلَ الحديث عن بعض الجمل والفقرات.
فمنها من بترها من أولها نهايتها فجاءت وكأنها شاذة، ومنها من لم يقل بها سيد قطب، وإنما لُفّقت حين نُسبت له.
ومن تلك التلفيقات تلك الجملة التي من حسد الرجل وحقد عليه، راح يكررها، بل دبجت بها مقالات ومقالات، وهي الجملة التي تتكلم عن " الوطن " وصاغها من صاغها ولفقها لـ " سيد " وزعموا أن سيد قطب رحمه الله كتب وقال:
"ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن"
ففتش الخلّص من الذين ينشدون أمانة العلم عن مصدرها في كتبِ ومقالات سيد قطب فلم يجدوا لها وجودًا، ولا وقعوا على أثرٍ لها.
وحتى لا استرسل في الحديث قد يُملّ ويُضجر، أسوق ما قاله سيد قطب عن الوطن والأرض ومفهموم الانتماء.
ففي كتابه/ "معالم في الطريق" يتكلم عن ذلك باسهاب ويقول:
" بهذه النصاعة الكاملة ، وبهذا الجزم القاطع جاء الإسلام . . جاء يرفع الإنسان ويخلصه من وشائج الأرض والطين ، ومن وشائج
اللحم والدم ء وهي من وشائج الأرض والطين ء فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله ، فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على اساس
الارتباط في الله ، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوا في " الأمة المسلمة " في " دار الإسلام " ، ولا قرابة للمسلم إلا تلك
التي تنبثق من العقيدة في الله ، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله . . .
ليست قرابة المسلم أباه وأمه وأخاه وزوجه وعشيرته ، ما لم تنعقد الآصرة الأولى في الخالق ، فتتصل من ثم بالرحم :
{ يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا آثيرا ونساء واتقوا الله الذي
[ تساءلون به والأرحام } [النساء : 1]"
ويواصل سيد قائلاً:
" ولا يمنع هذا من مصاحبة الوالدين بالمعروف مع اختلاف العقيدة ما لم يقفا في الصف المعادي للجبهة المسلمة ، فعندئذ لا صلة
ولا مصاحبة ، وعبد الله بن عبد الله بن أبي يعطينا المثل في جلاء :
روى ابن جرير بسنده عن ابن زياد ، قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد الله بن ابي ، قال : (( ألا ترى ما
يقول أبوك ؟ )) قال : ما يقول أبي ؟ بأبي أنت وأمي ، قال : (( يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الاذل )) ، فقال : فقد صدق
والله يا رسول الله ، أنت والله الأعز وهو الاذل ، أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله وأن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد ابر بوالده مني
، ولئن آان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لآتيهما به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا )) . . فلما قدما المدينة قام عبد الله
بن عبد الله بن أبي على بابها بالسيف لأبيه ، قال : أنت القائل " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل ؟ أما والله لتعرفن العزة
لك أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لا يأويك ظلها ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله ، فقال : يا للخزرج ! ابني يمنعني بيتي
! يا للخزرج ابني يمنعني بيتي ! فقال : والله لا يأويه إلا بإذن منه ، فاجتمع إليه رجال فكلموه ، فقال : والله لا يدخلن إلا بإذن من الله
ورسوله ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه ، فقال : (( اذهبوا إليه فقولوا له : خله ومسكنه )) ، فأتوه ، فقال : أما وقد جاء أمر
النبي صلى الله عليه وسلم فنعم . . .
فإذا انعقدت آصرة العقيدة فالمؤمنون آلهم إخوة ، ولو لم يجمعهم نسب ولا صهر : { إنما المؤمنون إخوة } . . على سبيل القصر
والتوآيد :
{ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } [الأنفال : 72]
وهي ولاية تتجاوز الجيل الواحد إلى الأجيال المتعاقبة ، وتربط أول هذه الأمة بآخرها ، وآخرها بأولها ، برباط الحب والمودة
والولاء والتعاطف المكين:
{ والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم
ولو آان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } [الحشر : 9-10]
ثم يواصل سيد قطب عن الأعمال التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين عمل المؤاخاة بين الصحابة رضي عنهم وأصبح المعيار الذي يوصف به الأفراد هو معيار الإسلام الذي يتقدم على رابطة العنصرية القبلية، وبذلك اضمحلت عصبية الجنس، وعصبية الأرض."
ثم يقول:
"حينئذ اتصلت وشيجة العقيدة بين المهاجرين والأنصار ، فإذا هم أهل وإخوة ،
واتصلت الوشيجة بين المسلمين العرب وإخوانهم : صهيب الرومي ، وبلال الحبشي ، وسلمان الفارسي ، وتوارت عصبية القبيلة ،
وعصبية الجنس ، وعصبية الأرض ، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( دعوها فإنها منتنة )) . . وقال لهم : (( ليس منا من
دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية )) . . فانتهى أمر هذا النتن . . نتن عصبية النسب . .
وماتت هذه النعرة . . نعرة الجنس ، واختفت تلك اللوثة . . لوثة القوم ، واستروح البشر أرج الآفاق العليا ، بعيدا عن نتن اللحم والدم ،
ولوثة الطين والأرض . . منذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض ، إنما عاد وطنه هو " دار الإسلام " الدار التي تسيطر عليها
عقيدته وتحكم فيها شريعة الله وحدها ، الدار التي يأوي إليها ويدافع عنها ، ويستشهد لحمايتها ومد رقعتها . . وهي " دار الإسلام " لكل من يدين بالإسلام عقيدة ويرتضي شريعته شريعة ، وآذلك لكل من يرتضي شريعة الإسلام نظاما ء ولو لم يكن مسلما ء آاصحاب الديانات.
الكتابية الذين يعيشون في " دار الإسلام " . . والأرض التي لا يهيمن فيها الإسلام ولا تحكم فيها شريعته هي " دار الحرب " بالقياس إلى
المسلم ، وإلى الذمي المعاهد آذلك . . يحاربها المسلم ولو آان فيها مولده ، وفيها قرابته من النسب وصهره ، وفيها أمواله ومنافعه .
وآذلك حارب محمد صلى الله عليه وسلم مكة وهي مسقط رأسه ، وفيها عشيرته وأهله ، وفيها داره ودور صحابته وأموالهم التي ترآوها ، فلم تصبح دار إسلام له ولأمته إلا حين دانت للإسلام وطبقت فيها شريعته."
ويَخلص سيد قطب رحمه الله بحديثه إلى خلاصةٍ رائعة إذ يقول:
" هذا هو الإسلام . . هذا هو وحده . . فالإسلام ليس آلمة تقال باللسان ، ولا ميلادا في أرض عليها لافتة إسلامية وعنوان إسلامي !
ولا وراثة مولد في بيت ابواه مسلمان .
[ { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }[النساء: 65
هذا هو وحده الإسلام ، وهذه وحدها دار الإسلام . . لا الأرض ولا الجنس ولا النسب والا الصهر ولا القبلية ولا العشيرة .
لقد أطلق الإسلام البشر من اللصوق بالطين لبيتطلعوا إلى السماء ، وأطلقهم من قيد الدم . . قيد البهيمة . . ليرتفعوا في عليين .
وطن المسلم الذي يحن إليه ويدافع عنه ليس قطعة أرض ، وجنسية المسلم التي يعرف بها ليست جنسية حكم ، وعشيرة المسلم
التي يأوي إليها ويدفع عنها ليست قرابة دم ، وراية المسلم التي يعتز بها ويستشهد تحتها ليست راية قوم ، وانتصار المسلم الذي يهفوا
إليه ويشكر الله عليه ليس غلبة جيش ، إنما هو آما قال الله عنه :
{ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه آان توابا }[سورة النصر]
إنه النصر تحت راية العقيدة دون سائر الرايات ، والجهاد لنصرة دين الله وشريعته لا لأي هدف من الأهداف ، والذياد عن " دار
الإسلام " بشروطها تلك لا أية دار ، والتجرد بعد هذا آله لله ، لا لمغنم ولا لسمعة ولا حمية لأرض أو قوم ، أو ذود عن أهل أو ولد إلا
لحمايتهم من الفتنة عن دين الله :
عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل
رياء ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : (( من قاتل لتكون آلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )) . . .
وفي هذا وحده تكون الشهادة لا في اية حرب لأي هدف غير هذا الهدف الواحد . . لله . .
وآل ارض تحارب المسلم في عقيدته ، وتصده عن دينه ، وتعطل عمل شريعته ، فهي " دار حرب " ولو آان فيها أهله وعشيرته
وقومه وماله وتجارته . . وآل أرض تقوم فيها عقيدته وتعمل فيها شريعته ، فهي " دار إسلام " ولو لم يكن فيها أهل ولا عشيرة ولا قوم
ولا تجارة .
الوطن : دار تحكمها عقيدة ومنهاج حياة وشريعة من الله . . هذا هو معنى الوطن اللائق ب " الإنسان " . والجنسية : عقيدة
ومنهاج حياة ، وهذه هي الآصرة اللائقة بالآدميين ."
هذا ما قال به الشهيد/ سيد قطب عن مفهموم الوطن والأرض والانتماء.
ومن أراد أن ينقد الرجل عليه أن يكون أمينًا فيما ينقل عنه.
وليس تلفيق الأكاذيب، أو بتر أقوال وإسقاطها وذلك للمغالطة لحاجة في النفس، أو لحطام دنيوي زائل.
فرحم الله سيدا
آمين












.gif)


