وعلى هذا فهل قراءة القرآن الكريم جماعة على طريقة الحزب الراتب والسائدة في الجزائر بدعة ؟
هل شرطا البدعة والضلالة متوفران فيها :
ا- أمّا أنها محدثة ، فلا يناقش في ذلك أحد ، فهي طريقة لم تكن على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال عنها الإمام مالك رضي الله عنه " لا أعرفه عن السلف ".
ب-وأما أنها تناقض نصا في كتاب الله تعالى أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم فالعكس هو الصحيح :
فقد استند من اعتمد على القراءة الجماعية للقرآن الكريم على طريقة " الحزب الراتب" إلى أدلة من النقل والعقل ,
منها :
* الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده " .
**ومنها ما ثبت عن معاوية رضي الله عنه قال "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا ، قال : آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة "
رواه مسلم.
***ومنها ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه " كان يدرس القرآن معه نفر يقرؤون جميعا ".
****ومنها استحسان العلماء الذين عليهم المدار في الفتوى لهذه الطريقة . فقد نقل الإمام أبوالعباس الونشريسي أنه شوهد الإمام ابن عرفة رحمه الله يجمع الثلاثة والأربعة في حزب واحد للتجويد ، وشوهد أبو الحسن البطرني يجمع الثلاثة في القراءة ".
*****ومنها أن القراءة بهذه الكيفية المعهودة عادة حسنة لا تخالف الشرع ، والعادة الحسنة إذا لم تخالف الشرع ولم تناقض أصلا من أصوله فلها اعتبارها ، ولهذا قال العلماء " الثابت بالعرف كالثابت بالنص ".
فهذه الكيفية مما جرى به العمل ، ولايصحّ تغيير هذا العمل إلا إذا صادم وناقض أدلة الشريعة الصريحة .
يشهد على ذلك تصريح الجمّ الغفير من العلماء الأعلام ، من ذلك :
ا- قول عيسى السكتاني " فإذا اتّضح لك توجيه ما جرى به العمل لزم إجراء الأحكام عليه لأن مخالفة ما جرى به العمل فتنة وفساد كبير".
ب- قول أبي إسحاق الشاطبي " والأَولى عندي في كل نازلة يكون فيها لعلماء المذهب قولان ، فيعمل الناس فيها على موافقة أحدهما ، وإن كان مرجوحا في النظر ، أن لا يعرض لهم ، وأن يجروا على أنهم قلّدوه في الزمان الأول وجرى به العمل ، فإنهم إن حملوا على غير ذلك كان في ذلك تشويش للعامة وفتح لأبواب الخصام .
جـ- وقول ابن عبد البر " إذا رأيت الرجل يعمل بالعمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه ".
د - وقول أبي العباس الونشريسي " والاستشهاد بعمل أهل البلد ببعض الأقوال الفقهية دون بعض أمر معروف شهير عند الخاص والعام لا يجهله من له بالطلب أقلّ تلبس ".
وغير هذه النصوص كثيرة في المذهب المالكي وفي غيره من مذاهب الأمصار ، وتستند كلها على أدلة من نصوص الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة . وهي تدل في مجموعها أن ما جرى به العمل في الأمصار له سلطان ولو كان مرجوحا شرط ألا يصادم ويناقض أصلا من أصول الشريعة .
وما قراءة القرآن الكريم على هذه الطريقة المعهودة إلا عمل جارٍ منذ قرون بهذه الديار ، ففيم النزاع ؟
****** ومن أدلتهم أيضا أن هذه الطريقة فيها منافع جمّة ، ومصالح لا تعدّ إذا أحسن القارئ القراءة وتأدب بآدابها ، واحترم الوقوف ، وأحكام الترتيل ، ومخارج الحروف . وإن كان هناك ناس يقرأون القرآن جماعة ولا يقفون عند الحدود الشرعية للقراءة فإن آخرين يقرأونه جماعة ويلتزمون بحدوده إلى حد كبير , ومنه فلا يجوز التعميم أبدا .
والعمل إذا تضافر عليه أهل الأمصار والأعصار ، ولم يرد من الشرع ما يمنعه أو يقرُّه ، فهو من المصالح المرسلة التي تأكدت فيها المصلحة .
وبالجملة فإن الذين أحدثوا طريقة " الحزب الراتب " لحفظ القرآن الكريم واستدامة استحضاره لم يبتدعوا البدعة الضلالة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أحدثوا طريقة علمية تربوية في الحفظ والاستحضار مثلما أحدث عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما طرقا في حفظ الدين .
ولقد نشأ عن هذا الاختيار نظام ديني اجتماعي يعتبر الخروج عنه فتنة وفسادا كبير . ومنه فالذي لا يريد أن يقرأ القرآن جماعة له ذلك وهو حر في اختياره ونيته بإذن الله طيبة , وله إن شاء الله عليها أجر . ولكن الذي يقرأ القرآن جماعة مع تجنب سيئات هذه القراءة أو التقليل منها لا يجوز لومه كذلك ولا الإنكار عليه ولا اتهامه بأنه مبتدع أو اتهامه في نيته , وله على فعله أجر بإذن الله فضلا عن الفوائد الدنيوية والأخروية التي يكسبها بالمداومة على هذا الحزب الراتب لمدة طويلة .
ثم :
قال ابن لبّ " أما قراءة الحزب في الجماعة على العادة فلم يكرهه أحد إلا مالك على عادته في إيثار الاتباع ، وجمهور العلماء المالكية على جوازه واستحبابه , وقد تمسكوا في ذلك بالحديث الصحيح .
وبعض العلماء حملوا المنع على المعلم يغرر في تعليم تلامذته قراءة القرآن ، فإنهم إن قرأوا جماعة لا يعرف الحافظ منهم من غير الحافظ ؛ وبالتالي فإنه لا يفي بحقهم في التعلم في مقابل الأجر الذييتقاضاه . فسّر ذلك القابسي عندما سئل فأجاب " إن اجتماعهم على القراءة بحضرتهيخفي عليه القوي الحفظ من ضعيفه ". فإذا زالت علة الغرر زال الحكمبزوالها بإذن الله تعالى .
لذلك علّق أبو العباس الونشريسي على اشتهار ذلك عن بعض الأعلام بقوله " لكن إنما يقرؤون لله تعالى ، فلا يدركهم هذا الحكم المذكور ، وهذا بعد تسليم جواز الاجتماع على القراءة وهو مذهب الجمهور ، وتعضده الآثار الصحيحة , أي أنهم لا يتقاضون على تعليمهم أجرا ، فلا يلحقهم حكم الكراهة . أما جواز القراءة الجماعية في غير وجه التعليم المأجور فهو مسلَّم كما ترى . وعلى فرض عدم التسليم ، واستصحاب الخلاف ، فقد سبق سوق عبارات الفقهاء الصريحة في أنه " لا إنكار في مورد الخلاف" .
ونضيف عليها قول أبي عبد الله السجلماسي " وإذا كان القول المعمول به راجحا بالعمل ، لم يجز للقاضي ولا المفتي العدول عنه إلى غيره ، وإن كان مشهورا ".
وقول القاضي المجاصي " وخروج القاضي عن عمل بلده ريبة قادحة ، لكن يقتصر من العمل على ما ثبت ، ويسلك المشهور فيما سواه ".
وخلاصة القول أن شروط البدعة غير متوفرة في قراءة القرآن جماعة على طريقة " الحزب الراتب ", بل إنّ الأدلة التي استند إليها معتمدو هذا المنهج من القوة والتنوّع بحيث تنفي كل ريب أو شك في مشروعية الطريقة بإذن الله .
إن أقلّ ما يمكن أن يقال : إنّ قراءة القرآن جماعة بصوت واحد جائزة إن لم تكن مندوبة ومستحبة ، وذلك إذا كانت القراءة صحيحة خالية من اللحن ومن الكبر والرياء ، بحيث يراد منها الحفظ والضبط والمراجعة ، ولا يعتقد فاعل ذلك أنه يقدم على مكروه تقليدا لمالك ، بل يعتقد معنى الحديث النبوي الشريف المتقدم وتقليد من يستحب ذلك ويستحسنه والله أعلم بالصواب .
أما هجر هذه الطريقة ومنعها حتى أمسى بعض الأئمة يؤمون التراويح من المصاحف ، وآخرون يلحنون في القراءة ، ولا يكادون يحفظون من كلام الله إلا قليلا ، بل يعجزون عن الاستشهاد بآي القرآن فخطير خطورة هجر القرآن ذاته .
وإننا نحذر هؤلاء من مثل هذا الغلو ، فإن نسيان القرآن فيه وعيد شديد محتمل . ألم يقل عليه الصلاة والسلام " إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب".
يتبع : ....