رد: صورة الآخر.. العربي ناظرا ومنظورا إليه
28-08-2010, 12:17 PM
الفصل الحادي والأربعون: الرفض المتبادل بين الطوائف اللبنانية: صورة الأنا والآخر في الحرب الأهلية (1975ـ 1990) ..
تقديم: مسعود ضاهر .. أستاذ في الجامعة اللبنانية ـ بيروت
(الصفحات من 683ـ 698 من الكتاب)
أولاً: تحديد حقل الدراسة والمنهج النظري
أثارت الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ 1990) اهتمام عدد كبير من الباحثين، من جنسيات مختلفة، لدرجة أن ما نُشِر عنها في مختلف اللغات العالمية من دراسات علمية يحتاج توثيقه الى أكثر من مجلد ضخم. فالمسألة اللبنانية هي، في جوهرها، تختزل مشكلات تعيشها المجتمعات المتعددة القوميات العرقية، والمذاهب الطائفية، والأحزاب العقائدية، والنزعات الإقليمية، والصراعات الدولية ذات التوجه الأيديولوجي الليبرالي أو الشمولي وغيرها.
لقد سادت في لبنان مقولات (العيش المشترك) و (الطوائف المتعايشة على أرض واحدة)، و (لبنان واحد لا لبنانان) و (الميثاق الوطني بين الطوائف اللبنانية) وغيرها طوال العقود التي أعقبت الاستقلال السياسي للبنان عام 1943، وحتى اندلاع الحرب الأهلية فيه عام 1975. ونتج من ذلك أن سنوات الاستقرار هذه، جعلت من لبنان واحة للديمقراطية التي تصبو إليها جميع الدول العربية المجاورة له، كما أن مرحلة البحبوحة الاقتصادية والازدهار الثقافي والإعلامي والفني أعطت لبنان دوراً متميزاً في محيطه العربي ما زال اللبنانيون يكافحون اليوم لإعادة إحياء جانبٍ منه بعد توقف الحرب الأهلية.
والوجه الآخر للمسألة اللبنانية أن الحرب الأهلية قد أفرزت مقولات مناقضة للمقولات التي كانت سائدة إبان مرحلة السلم الأهلي والاستقرار السياسي. فتحول السلام الى حرب أهلية، والاستقرار الى تهجير وتقتيل متبادلين بين الطوائف والمذاهب في مختلف المناطق اللبنانية، وتحول الحوار السياسي بين الأحزاب والتنظيمات الى حوار بالمدافع وبمختلف الأسلحة المدمرة.
ومع انهيار الدولة المركزية في الحرب الأهلية انهارت قواها العسكرية وتحولت الى قوى محايدة تكتفي بالحصول على رواتب لأفرادها في مطلع كل شهر، في حين يشارك كثيرٌ منهم في الصراعات الدموية الى جانب المليشيات المسلحة، أو الى جانب القوى العسكرية الإقليمية النظامية التي سيطرت على أجزاء واسعة من لبنان بدعوة من الحكومة اللبنانية أو بدون دعوة.
واستناداً الى الملاحظات المنهجية السابقة، فإن الدراسة ليست تأريخاً للحرب الأهلية اللبنانية ولا تسعى لتحليل أسبابها، ولا تريد أن تتطرق الى التدخلات الإقليمية، فليس صحيحاً القول أن الحرب الأهلية اللبنانية كانت تعبيراً عن حروب الآخرين على أرضه طالما أن بنية المجتمع اللبناني هي بنية مفككة، والدراسة تعني بالتأشير على هذا التفكك من خلال دراسة الآخر للمكونات اللبنانية.
ثانياً: صورة الأنا والآخر أو الرفض المضمر زمن السلم الأهلي
إن غالبية الدراسات العلمية التي تناولت تحليل تاريخ لبنان الحديث والمعاصر تكاد تجمع على تعاقب النزاعات الدموية بين طوائفه وبين زعماء الطوائف في صراعهم المستمر على التفرد بالسلطة داخل تلك الطوائف.
دلالة ذلك أن البنية المجتمعية في لبنان، من حيث هي بنية فسيفسائية من الطوائف المتعايشة على أرض واحدة، قابلة للانفجار في حال توفر القوى الداخلية والإقليمية الساعية إليه. أما إذا كانت الظروف غير ملائمة فإن الطوائف اللبنانية قابلة للتعايش بسلام فيما بينها على قاعدة اقتسام السلطة في ما بين الزعماء الأكثر نفوذاً فيها.
ونتج من ذلك أن البنية الاجتماعية في لبنان مؤهلة للسلم والحرب بدرجة متساوية. وسنحاول تلخيص البحوث الكثيرة (التي قدمها لبنانيون وغير لبنانيين) في توصيف الحالة اللبنانية:
ـ إن المجتمع اللبناني، من حيث هو مجتمع لسبع عشرة طائفة دينية ـ أضيفت إليها مؤخراً طائفتان جديدتان ـ قابل للتفجير نظراً لصعوبة قيام دولة مركزية فيه ترضي كل زعماء الطوائف أو تساوي في ما بينها بالحقوق والواجبات.
ـ إن لبنان يضم، بالإضافة الى هذا الحشد الكبير من المذاهب الطائفية، أكثر من سبع قوميات عرقية ينقسم بعضها الى طوائف مذهبية كالأرمن، والأكراد، والشركس، والسريان، والكلدان، والآشوريين، والأتراك ... وقد بلغ تعداد النواب والوزراء الأرمن مؤخراً في لبنان ما يوازي عدد نواب طوائف عريقة فيه كالدروز أو غيرهم.
ـ إن الضابط الأساسي للنزاع السياسي في مرحلة (1943ـ1975) هو الميثاق الوطني الذي تأسس على قاعدة التحالف (الماروني ـ السني) في قيادة دولة لبنان المستقلة. مع ذلك، لم تخل هذه المرحلة من صراعات عنيفة، أبرزها (الثورة البيضاء) التي أسقطت الرئيس (بشارة الخوري) عام 1952، والثورة الشعبية التي منعت الرئيس (كميل شمعون) من تجديد ولايته عام 1958، والمحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1961ـ 1962، والصدامات الدموية بين الجيش اللبناني وقوى اليسار المتحالفة مع الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1973.
ـ إن اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 كان بمثابة تكثيف للنزاعات الداخلية اللبنانية التي كانت تلقى الدعم الكافي من القوى الإقليمية. فبعد أحداث أيلول في الأردن، تحول نشاط المقاومة الفلسطينية الى لبنان بعد حصول المقاومة على اتفاق القاهرة عام 1969 الذي أباح لها استخدام أجزاء واسعة من جنوب لبنان كمركز لعملياتها العسكرية. وشكل ذلك الاتفاق منطلقاً للقوى اللبنانية الرافضة له كي تتحول الى ميليشيات مسلحة ورافق ذلك تسلح الطوائف الأخرى.
مصطلح اللبننة الذي دخل القاموس الدولي
يشير هذا المصطلح الى إمكانية تحول التعايش السلمي في المجتمعات التعددية الى نزاعات دموية وحرب أهلية مدمرة [ ممكن أن تنسحب تلك الحالة على محاولات تطبيقها في النموذج العراقي]. ومن أبرز الشروط الضرورية لهذا التحول:
1ـ وجود دولة مركزية هشة، وضعيفة، وغير قادرة على حماية نفسها من التفكك والانهيار تحت وطأة التناقضات الداخلية.
2ـ قيام الدولة المركزية على أسس غير ثابتة، وبالتالي الاحتكام الى الأعراف والمواثيق الشفوية والتحالفات المرحلية بين الزعماء السياسيين وعدم السعي الجديد الى بناء دولة القانون، والمؤسسات الدستورية، والنظم العصرية التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون النظر الى انتماءاتهم الدينية والسياسية والأيديولوجية والعرقية وغيرها.
3ـ إن النزاعات الداخلية في المجتمعات التعددية التي يتم التحذير منها على أساس (اللبننة) هي النزاعات التي تُدار من قِبل أطراف إقليمية مجاورة أو قوى خارجية ذات مشروع سياسي واضح المعالم في المنطقة. فهي إذن ليست نزاعات لذاتها أو لصالح الزعماء المحليين الذين يشاركون فيها، بل إن التجارب التي شهدتها الحرب الأهلية اللبنانية قد دلت على إمكانية التخلص من هذا الزعيم الطائفي أو ذاك من جانب القوى الإقليمية التي أوصلته الى القمة.
ثالثاً: رفض الآخر في الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ 1990)
في حرب دامت أكثر من 15 سنة وتداخلت فيها الأسباب الداخلية بالعوامل الإقليمية والدولية التي ساعدت على تطويل أمدها وتعميق النزاعات فيها، من الصعب جداً تحديد أولوية تلك الأسباب لتجعل منها أساسا علميا للتفسير.
لقد ظهر منهجان في تحليل أسباب الحرب: المنهج الاقتصادي والمنهج النفسي والاجتماعي. والمنهج الاقتصادي يُعيد أصحابه أسباب الحرب الأهلية الى أن المهجرين من القرى والمناطق التي تعرضت الى القصف الصهيوني في جنوب لبنان، قد نزحوا الى ضواحي المدن وبالذات (بيروت) طلباً للأمن والعمل والعلم، وشكلوا (حزام بؤس)، ترافق مع ظهور وانتشار الأفكار الديمقراطية والليبرالية والاشتراكية، وتزايد معه الميول الى إقامة مناطق خاصة بالطائفة والقومية وغيرها، وكان الحراك يبدو وكأنه ينبع من طبقات مسحوقة فلاحية أو فقيرة.
لكن دعاة المنهج النفسي والاجتماعي يؤشرون الى ما يلي:
1ـ إن الطوائف أو المذاهب تشكل وحدات ثقافية ذات امتداد تاريخي قديم ودور مميز في المجتمع اللبناني. وبالتالي، فلهذه الطوائف الحق في إقامة مجتمعها (الخاص) بها وإدارة شؤونها الداخلية عبر (زعمائها) دون تدخل من زعماء الطوائف الأخرى.
2ـ تقاليد وعادات وثقافة كل طائفة، التي تتزاوج فيما بينها، يكرس تكتلها.
3ـ إن ميليشيات كل الطوائف هي بمثابة جيوش لكانتونات تُستخدم عندما تحس بتهديد أمن الطائفة.
4ـ لهشاشة الدولة المركزية التي لا مركزية فيها سوى الاسم، فإن الصراعات الداخلية داخل الطائفة كانت ضحاياه أكثر من صراعاته مع الطوائف الأخرى. فقد خسر (الموارنة) و (الشيعة) من صراعاتهم الداخلية خسائر أكثر بكثير من تلك التي خسروها مع أطراف أخرى.
5ـ تظهر مع ذلك شعارات يطرحها اللبنانيون مجتمعون (لبنان للبنانيين) على غرار مصر للمصريين والجزائر للجزائريين، وهذا الشعار له مدلولاته في نواح معينة.
خاتمة:
لا بد من القول إن النظام السياسي اللبناني المبني على توازنات طوائفية مرحلية وهشة هو، بطبيعته، مولد للأزمات. وإذا كانت الأزمات تعبر عن نفسها بصيغ الاحتجاج، والإحباط، والدعوة الى رفع الغبن، والرغبة في المشاركة الفاعلة في مرحلة السلم، فإن مرحلة الحرب عرت المكبوت الطائفي وفجرت الغرائز الدفينة.
إن لبنان بحاجة الى نظام جديد يستند الى قراءة معمقة لأحداث الماضي واستخراج الدروس والعبر منها. والدولة القادرة على صهر اللبنانيين في بوتقة الوحدة الوطنية .
تقديم: مسعود ضاهر .. أستاذ في الجامعة اللبنانية ـ بيروت
(الصفحات من 683ـ 698 من الكتاب)
أولاً: تحديد حقل الدراسة والمنهج النظري
أثارت الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ 1990) اهتمام عدد كبير من الباحثين، من جنسيات مختلفة، لدرجة أن ما نُشِر عنها في مختلف اللغات العالمية من دراسات علمية يحتاج توثيقه الى أكثر من مجلد ضخم. فالمسألة اللبنانية هي، في جوهرها، تختزل مشكلات تعيشها المجتمعات المتعددة القوميات العرقية، والمذاهب الطائفية، والأحزاب العقائدية، والنزعات الإقليمية، والصراعات الدولية ذات التوجه الأيديولوجي الليبرالي أو الشمولي وغيرها.
لقد سادت في لبنان مقولات (العيش المشترك) و (الطوائف المتعايشة على أرض واحدة)، و (لبنان واحد لا لبنانان) و (الميثاق الوطني بين الطوائف اللبنانية) وغيرها طوال العقود التي أعقبت الاستقلال السياسي للبنان عام 1943، وحتى اندلاع الحرب الأهلية فيه عام 1975. ونتج من ذلك أن سنوات الاستقرار هذه، جعلت من لبنان واحة للديمقراطية التي تصبو إليها جميع الدول العربية المجاورة له، كما أن مرحلة البحبوحة الاقتصادية والازدهار الثقافي والإعلامي والفني أعطت لبنان دوراً متميزاً في محيطه العربي ما زال اللبنانيون يكافحون اليوم لإعادة إحياء جانبٍ منه بعد توقف الحرب الأهلية.
والوجه الآخر للمسألة اللبنانية أن الحرب الأهلية قد أفرزت مقولات مناقضة للمقولات التي كانت سائدة إبان مرحلة السلم الأهلي والاستقرار السياسي. فتحول السلام الى حرب أهلية، والاستقرار الى تهجير وتقتيل متبادلين بين الطوائف والمذاهب في مختلف المناطق اللبنانية، وتحول الحوار السياسي بين الأحزاب والتنظيمات الى حوار بالمدافع وبمختلف الأسلحة المدمرة.
ومع انهيار الدولة المركزية في الحرب الأهلية انهارت قواها العسكرية وتحولت الى قوى محايدة تكتفي بالحصول على رواتب لأفرادها في مطلع كل شهر، في حين يشارك كثيرٌ منهم في الصراعات الدموية الى جانب المليشيات المسلحة، أو الى جانب القوى العسكرية الإقليمية النظامية التي سيطرت على أجزاء واسعة من لبنان بدعوة من الحكومة اللبنانية أو بدون دعوة.
واستناداً الى الملاحظات المنهجية السابقة، فإن الدراسة ليست تأريخاً للحرب الأهلية اللبنانية ولا تسعى لتحليل أسبابها، ولا تريد أن تتطرق الى التدخلات الإقليمية، فليس صحيحاً القول أن الحرب الأهلية اللبنانية كانت تعبيراً عن حروب الآخرين على أرضه طالما أن بنية المجتمع اللبناني هي بنية مفككة، والدراسة تعني بالتأشير على هذا التفكك من خلال دراسة الآخر للمكونات اللبنانية.
ثانياً: صورة الأنا والآخر أو الرفض المضمر زمن السلم الأهلي
إن غالبية الدراسات العلمية التي تناولت تحليل تاريخ لبنان الحديث والمعاصر تكاد تجمع على تعاقب النزاعات الدموية بين طوائفه وبين زعماء الطوائف في صراعهم المستمر على التفرد بالسلطة داخل تلك الطوائف.
دلالة ذلك أن البنية المجتمعية في لبنان، من حيث هي بنية فسيفسائية من الطوائف المتعايشة على أرض واحدة، قابلة للانفجار في حال توفر القوى الداخلية والإقليمية الساعية إليه. أما إذا كانت الظروف غير ملائمة فإن الطوائف اللبنانية قابلة للتعايش بسلام فيما بينها على قاعدة اقتسام السلطة في ما بين الزعماء الأكثر نفوذاً فيها.
ونتج من ذلك أن البنية الاجتماعية في لبنان مؤهلة للسلم والحرب بدرجة متساوية. وسنحاول تلخيص البحوث الكثيرة (التي قدمها لبنانيون وغير لبنانيين) في توصيف الحالة اللبنانية:
ـ إن المجتمع اللبناني، من حيث هو مجتمع لسبع عشرة طائفة دينية ـ أضيفت إليها مؤخراً طائفتان جديدتان ـ قابل للتفجير نظراً لصعوبة قيام دولة مركزية فيه ترضي كل زعماء الطوائف أو تساوي في ما بينها بالحقوق والواجبات.
ـ إن لبنان يضم، بالإضافة الى هذا الحشد الكبير من المذاهب الطائفية، أكثر من سبع قوميات عرقية ينقسم بعضها الى طوائف مذهبية كالأرمن، والأكراد، والشركس، والسريان، والكلدان، والآشوريين، والأتراك ... وقد بلغ تعداد النواب والوزراء الأرمن مؤخراً في لبنان ما يوازي عدد نواب طوائف عريقة فيه كالدروز أو غيرهم.
ـ إن الضابط الأساسي للنزاع السياسي في مرحلة (1943ـ1975) هو الميثاق الوطني الذي تأسس على قاعدة التحالف (الماروني ـ السني) في قيادة دولة لبنان المستقلة. مع ذلك، لم تخل هذه المرحلة من صراعات عنيفة، أبرزها (الثورة البيضاء) التي أسقطت الرئيس (بشارة الخوري) عام 1952، والثورة الشعبية التي منعت الرئيس (كميل شمعون) من تجديد ولايته عام 1958، والمحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1961ـ 1962، والصدامات الدموية بين الجيش اللبناني وقوى اليسار المتحالفة مع الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1973.
ـ إن اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 كان بمثابة تكثيف للنزاعات الداخلية اللبنانية التي كانت تلقى الدعم الكافي من القوى الإقليمية. فبعد أحداث أيلول في الأردن، تحول نشاط المقاومة الفلسطينية الى لبنان بعد حصول المقاومة على اتفاق القاهرة عام 1969 الذي أباح لها استخدام أجزاء واسعة من جنوب لبنان كمركز لعملياتها العسكرية. وشكل ذلك الاتفاق منطلقاً للقوى اللبنانية الرافضة له كي تتحول الى ميليشيات مسلحة ورافق ذلك تسلح الطوائف الأخرى.
مصطلح اللبننة الذي دخل القاموس الدولي
يشير هذا المصطلح الى إمكانية تحول التعايش السلمي في المجتمعات التعددية الى نزاعات دموية وحرب أهلية مدمرة [ ممكن أن تنسحب تلك الحالة على محاولات تطبيقها في النموذج العراقي]. ومن أبرز الشروط الضرورية لهذا التحول:
1ـ وجود دولة مركزية هشة، وضعيفة، وغير قادرة على حماية نفسها من التفكك والانهيار تحت وطأة التناقضات الداخلية.
2ـ قيام الدولة المركزية على أسس غير ثابتة، وبالتالي الاحتكام الى الأعراف والمواثيق الشفوية والتحالفات المرحلية بين الزعماء السياسيين وعدم السعي الجديد الى بناء دولة القانون، والمؤسسات الدستورية، والنظم العصرية التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون النظر الى انتماءاتهم الدينية والسياسية والأيديولوجية والعرقية وغيرها.
3ـ إن النزاعات الداخلية في المجتمعات التعددية التي يتم التحذير منها على أساس (اللبننة) هي النزاعات التي تُدار من قِبل أطراف إقليمية مجاورة أو قوى خارجية ذات مشروع سياسي واضح المعالم في المنطقة. فهي إذن ليست نزاعات لذاتها أو لصالح الزعماء المحليين الذين يشاركون فيها، بل إن التجارب التي شهدتها الحرب الأهلية اللبنانية قد دلت على إمكانية التخلص من هذا الزعيم الطائفي أو ذاك من جانب القوى الإقليمية التي أوصلته الى القمة.
ثالثاً: رفض الآخر في الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ 1990)
في حرب دامت أكثر من 15 سنة وتداخلت فيها الأسباب الداخلية بالعوامل الإقليمية والدولية التي ساعدت على تطويل أمدها وتعميق النزاعات فيها، من الصعب جداً تحديد أولوية تلك الأسباب لتجعل منها أساسا علميا للتفسير.
لقد ظهر منهجان في تحليل أسباب الحرب: المنهج الاقتصادي والمنهج النفسي والاجتماعي. والمنهج الاقتصادي يُعيد أصحابه أسباب الحرب الأهلية الى أن المهجرين من القرى والمناطق التي تعرضت الى القصف الصهيوني في جنوب لبنان، قد نزحوا الى ضواحي المدن وبالذات (بيروت) طلباً للأمن والعمل والعلم، وشكلوا (حزام بؤس)، ترافق مع ظهور وانتشار الأفكار الديمقراطية والليبرالية والاشتراكية، وتزايد معه الميول الى إقامة مناطق خاصة بالطائفة والقومية وغيرها، وكان الحراك يبدو وكأنه ينبع من طبقات مسحوقة فلاحية أو فقيرة.
لكن دعاة المنهج النفسي والاجتماعي يؤشرون الى ما يلي:
1ـ إن الطوائف أو المذاهب تشكل وحدات ثقافية ذات امتداد تاريخي قديم ودور مميز في المجتمع اللبناني. وبالتالي، فلهذه الطوائف الحق في إقامة مجتمعها (الخاص) بها وإدارة شؤونها الداخلية عبر (زعمائها) دون تدخل من زعماء الطوائف الأخرى.
2ـ تقاليد وعادات وثقافة كل طائفة، التي تتزاوج فيما بينها، يكرس تكتلها.
3ـ إن ميليشيات كل الطوائف هي بمثابة جيوش لكانتونات تُستخدم عندما تحس بتهديد أمن الطائفة.
4ـ لهشاشة الدولة المركزية التي لا مركزية فيها سوى الاسم، فإن الصراعات الداخلية داخل الطائفة كانت ضحاياه أكثر من صراعاته مع الطوائف الأخرى. فقد خسر (الموارنة) و (الشيعة) من صراعاتهم الداخلية خسائر أكثر بكثير من تلك التي خسروها مع أطراف أخرى.
5ـ تظهر مع ذلك شعارات يطرحها اللبنانيون مجتمعون (لبنان للبنانيين) على غرار مصر للمصريين والجزائر للجزائريين، وهذا الشعار له مدلولاته في نواح معينة.
خاتمة:
لا بد من القول إن النظام السياسي اللبناني المبني على توازنات طوائفية مرحلية وهشة هو، بطبيعته، مولد للأزمات. وإذا كانت الأزمات تعبر عن نفسها بصيغ الاحتجاج، والإحباط، والدعوة الى رفع الغبن، والرغبة في المشاركة الفاعلة في مرحلة السلم، فإن مرحلة الحرب عرت المكبوت الطائفي وفجرت الغرائز الدفينة.
إن لبنان بحاجة الى نظام جديد يستند الى قراءة معمقة لأحداث الماضي واستخراج الدروس والعبر منها. والدولة القادرة على صهر اللبنانيين في بوتقة الوحدة الوطنية .







