رد: وقفات مع ذكريات ( ال 100 وقفة الثالثة ) :
13-12-2008, 08:47 PM
250-اليوم رأيتُ التعصبَ شخصا يمشي على رجليه :
رأيتُ وسمعتُ وعاينتُ ثم عانيتُ من تعصب المئات من المتعصبين المتدينين الذين لا يعرفون من الدين إلا " حرام وبدعة " , ولا يعرفون من الدين إلا " سب مئات العلماء والدعاة وتقديس قلة أخرى من العلماء " , قلتُ : عانيتُ من تعصب هؤلاء خلال أكثر من 25 سنة , ورأيتُ خلال هذه الفترة من التعصب أشكالا ومن المتعصبين ألوانا , ولكنني أظن أنني قلما وجدتُ متعصبا مثل الذي صادفتُ اليوم ( 18/10/2008 م ) بعد صلاة العصر مباشرة .
جاءتني امرأة - بصحبة إخوتها الثلاثة – من أجل أن أرقيها لأنها كانت تعاني ومنذ سنتين من كثير من الأعراض , وكانت قد زارت أطباء ورقاة فلم يفيدوها بشيء . وكعادتي من سنوات وسنوات أقَـسِّم وقت الرقية إلى قسمين : نصفه للحديث مع المريض وأهله ثم تقديم النصائح والتوجيهات المناسبة , وأما النصف الباقي من الوقت فأخصصه للرقية إن رأيتُ بأن الأمر يتطلب بالفعل رقية أو رأيتُ أن المصاب متعلق جدا بالرقية . تعاملت مع المريضة كأنها أختي الصغرى ( عمرها 40 سنة , وغير متزوجة ) وتعاملتُ مع أخويها الكبيرين وكأنهما أخوان صغيران لي وتعاملتُ مع أخيها الأصغر ( عمره 20 سنة وهو تلميذ في السنة الثالثة ثانوي , وفاشل في دراسته ) وكأنه ابني . وبعد انتهاء الرقية شكرني الأخوان الكبيران للمريضة وانصرفا , وأما أخو المريضة الأصغر فسألني سؤالا مفاجئا " ما حكم الإسلام في وضع الراقي ليده على ناصية المريضة من فوق الخمار ؟!". وظننته في البداية يسأل ليتعلم فأجبتُـه , ولو علمتُ بأنه يسأل ليُـسمعني ما لا أحب أن أسمع ما كنتُ أجبته بشيء وما كنت دخلتُ معه في أي نقاش . أجبته بجواب مفصل قليلا , ومما قلته له :
ا - أما مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية فمسألة خلافية بين الفقهاء ومن أيام زمان بين مبيح ومحرم ولكل فريق أدلته القوية أو الضعيفة , والله وحده أعلم بالصواب , وإن كنت أنا لا أصافح النساء منذ 1975 م وإلى الآن .
ب - وأما وضع الراقي ليده على ناصية المريضة فيمكن أن يختلف فيه الناس والرقاة والدعاة والفقهاء " هل هو من السنة أم لا ؟! ", ولكن لم يقل أحد من العلماء القدامى أو المعاصرين , المتشددين أو المتساهلين بأن مجرد وضع الراقي ليده على رأس المريضة من فوق الخمار ( وبدون أن يُـمسك برأسها ) حرامٌ . هذا لم يقل به ولو فقيه واحد أبدا .
وكنتُ أظن أن جوابي هذا يكفيه ويُـنهي الحديث بيننا أنا وإياه , ولكنني فوجئتُ بما لم أتوقعه أبدا , فوجئتُ بشاب جاهل ومتعصب ووقح وسيئ الأدب وقليل الحياء و ... أسمعني - وهو وحده - خلال حوالي ربع ساعة ما لم أسمع مثله في حياتي إلا نادرا , أو أسمعني وحده في ربع ساعة ما سمعته مُـفرقا ومن خلال أشخاص خلال سنوات وسنوات .
ملاحظتان :
ا- أنا أعرف أن هذا الشاب لا يمثل كل المتدينين من التيار " ... " , ولكنني أؤكد على أنه وإن لم يوجد مثله إلا القليلون ولكن يوجد من القريبين منه – خاصة عندنا في الجزائر- آلاف أو عشرات الألوف من الشباب المتدين الذي عنده من التعصب ما عنده , وتعصبه له أسباب مختلفة يأتي على رأسها الجهل الفضيع بالدين لأنه لا يمكن أن يأتي تعصب إلا من جهل .
ب- أخبرني أخو هذا الشاب عندما رأى أخاه الصغير يتطاول علي " يا شيخ نحن – أي عائلتنا – نعرف بأن أخانا الصغير متعصب جدا وأنه جاهل , ولكن ما باليد حيلة حاولنا وحاولنا معه ولكن قد يلين الحجر ولكن أخابا أبى أن يلين , فاصبر عليه واحتسب أجرك عند الله يا شيخ ".
قال لي هذا الشاب الكثير الكثير وبطريقة فيها من السخرية والاستهزاء ومن سوء الأدب وقلة الحياء ما فيها , وكان مما قاله لي :
1- " وضع الراقي ليده على رأس المرأة ولو من خلال خمار كثيف لا تصل معه حرارة البدن إلى يد الراقي هو حرام بلا أي شك أو ريب , والأدلة على ذلك من الشرع كثيرة سواء من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس" !!!.
2- " كل من قال بأن ذلك جائز هو جاهل ولا يعرف من الدين شيئا "!!!.
3- " والراقي الذي يضع يده على ناصية المرأة أثناء الرقية – مثلك أنت يا رميته عبد الحميد - جاهلٌ ولا يخاف الله تعالى " !!!.
4- " الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي والشيخ محمد الغزالي و ... , ضالون ومنحرفون ومبتدعة وجاهلون ومائعون ومنحلون وخطرون على الدين , بل خطورتهم على الدين أعظم من خطورة اليهود والنصارى , وهم لا يفهمون من الدين شيئا " !!!. هذا مع أن الرقية الشرعية لأخته وكذا حديثنا لا صلة لكل ذلك بهؤلاء العلماء سواء كانوا محسنين أو مسيئين .
5- " العلماء بن باز والعثيمين والألباني هم وحدهم علماء الدنيا المسلمون الذين يؤخذ منهم العلم والشرع , وأما من عداهم فجهال ليس إلا " !!! .
6- " تمنيتُ أن لا آتيك بأختي لترقيها لأنك ترتكبُ المناكر والمحرمات في رقيتك ولأنك لا تحترم المرأة ولا تقدرها , ولأنك تنتهك حرمات النساء , ولأنك جاهل ولا تخاف الله تعالى , ولكن أخوي فقط هما اللذان أجبراني على الإتيان بها إليك , ولقد ندمتُ الآن أكثر عندما رأيتك ترقي أختي وتضع يدك على ناصيتها . إن ما ارتكبته أنت الآن أمامي منكر كبير ومعصية عظيمة " !!!. هذا مع أنني أصبحتُ ومن سنوات قليلة أقرأ القرآن غالبا على المريضة بدون وضع اليد على ناصيتها , على اعتبار أن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيقين ( ولكنني أؤكد مع ذلك على أن أحدا من العلماء لم يقل بأن ذلك حرام ) .
7- " أنت أكبر مني سنا ( في سن أبي ) ولكنني أفهم الدين أفضل منك بكثير " !!! .
8-" أنتَ – يا رميته - قرأتَ آلاف الكتب الإسلامية طول حياتك , وأما أنا فقرأتُ فقط حوالي مائة كتابا دينيا , ومع ذلك فأنا أفهم الدين أحسن منك بكثير لأنني أقرأ وأفهم ما أقرأ , وأما أنت فتقرأ ولكنك لا تفهم مما تقرأ شيئا " !!!.
9- " أنت تقرأ لكل من هب ودب ممن تسميهم علماء أو دعاة , وأما أنا فأقرأ فقط للعلماء الربانيين , ومنه فالقليل من العلم الذي آخذه أنا أكثر بركة بكثير من الكثير من العلم الذي تأخذه أنت " !!!.
وأثناء النقاش أخذني هذا الشاب الصغير من كتفي وجذبني من طرف معطفي بقوة وبطريقة عنيفة جدا وكأنه يريد أن يضربني , حتى تدخل أحد أخويه الكبيرين وقال له " أبعد يدك عن الأستاذ , هذا عيب وحرام عليك . تأدب يا أخي مع أستاذك وأبيك وإمامك ". فعلَ معي هذا الشابُّ ما فعل وكأنه معلم مع تلميذ كسول أو كأنه أب مع ولد عاق , وقال لي " يا هذا أنا أقول لك بأنك ارتكبت الحرام مع أختي , وأنت تقول لي : هذا ليس بحرام . أنا أتحدث معك بعلم وأما أنت فلا تنطلق فيما تقول إلا من فراغ . هل تفهم ما أقول لك أم لا "؟!!!.
ووالله لولا أنني أرقي لوجه الله أولا وأخيرا , وأنا من القلائل هنا في الجزائر الذين ما أخذوا ولو سنتيما واحدا على الرقية في أي يوم من الأيام - مع أنني رقيتُ في حياتي أكثر من 15 ألفا من الناس- لتوقفتُ عن ممارسة الرقية بسبب سلوك مثل هذا الشاب معي , ولكن مما تعلمناه من ديننا أن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم .
وكذلك أقول " الحمد لله الذي علمنا الإسلام قبل أن نعرف مثل هذا الشاب الجاهل " .
لقد عرفتُ في حياتي الماضية الكثيرَ من المتعصبين ولكن قَـلما رأيتُ متعصبا مثل هذا , وكذلك فإنني تعودتُ على أن أرى أو أسمع أو أقرأ لمتعصبين متدينين جهلة , ولكنني اليوم لم أر متعصبا فحسب ولكنني رأيتُ التعصبَ في حد ذاته يمشي على رجلين , والعياذ بالله تعالى .
نسأل الله أن يرزقنا الصواب والإخلاص والصدق , وأن يجعلنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام , ومن أهل الاعتدال والتوسط والتواضع , وأن يرزقنا الأدب في الحوار والتواضع في التعامل , وأن يجعلنا من أهل الخير , آمين .
يتبع : ...
اللهم اغفر لأهل منتديات الشروق وارحمهم واجعلهم جميعا من أهل الجنة