رد: مكتبتي
05-10-2012, 06:41 PM
سأشفي من ولاة المكر نفسي ... وكان المكر حينهم وحيني ... أطعتهم فلم أرشد وكانوا ... غواة أهلكوا حسبي وزيني ...
قال ثم لم يلبث عمرو بن تبان أسعد أن هلك
قال هشام بن محمد عمرو بن تبع هذا يدعى موثبان لأنه وثب على أخيه حسان بفرضة نعم فقتله قال وفرضة نعم رحبة طوق بن مالك وكانت نعم سرية تبع حسان بن أسعد
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر فملكهم فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم فقال قائل من حمير يذكر ما ضيعت حمير من أمرها وفرقت جماعتها ونفت من خيارها ... تقتل أبناها وتنفي سراتها ... وتبني بأيديهم لها الذل حمير ... تدمر دنياها بطيش حلومها ... وما ضيعت من دينها فهو أكثر ... كذاك القرون قبل ذاك بظلمها ... وإسرافها تأتي الشرور فتخسر ...
وكان لخنيعة ينوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم وكان أمرأ فاسقا يزعمون أنه كان يعمل عمل قوم لوط ثم كان مع الذي بلغ منهم من القتل والبغي إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك أبدا ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده وهم أسفل منه قد أخذ سواكا فجعله في فيه أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلي سبيله فيخرج على حرسه وعلى الناس وقد فضحه حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار أخو حسان وزرعة كان صبيا صغيرا حين أصيب أخوه فشب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل فبعث إليه لخنيعة ينوف ذو شناتر فيفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبله فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به فأخذ سكينا حديدا لطيفا فجعله بين نعله وقدمه ثم انطلق إليه مع رسوله فلما خلا به في مشربته تلك أغلقها عليه وعليه ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكين فطعنه به حتى قتله ثم احتز رأسه فجعله في كوة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده ثم أخذ سواكه ذلك فجعله في فيه ثم خرج على الناس فقالوا له ذو نواس أرطب أم يباس فقال سل نخماس استرطبان ذو نواس استرطبان ذو نواس لا بأس فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال فإذا راس لخنيعة ينوف ذي شناتر في الكوة مقطوع في فيه سواكه قد وضعه ذو نواس فيها فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه فقالوا له ما ينبغي لنا أن يملكنا إلا أنت إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه واستجمعت عليه حمير وقبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير وتهود وتهودت معه حمير وتسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل أهل فضل واستقامة لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبدالله بن الثامر وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ثم إن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين وقع بين أظهرهم يقال له فيميون فحملهم عليه فدانوا به
(1/433)
________________________________________
قال هشام زرعة ذو نواس فلما تهود سمي يوسف وهو الذي خد الأخدود بنجران وقتل النصارى
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس عن وهب بن منبه اليماني أنه حدثهم أن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم قال له فيميون وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة وكان سائحا ينزل القرى لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها وكان لا يأكل إلا من كسب يده وكان بناء يعمل الطين وكان يعظم الأحد فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئا وخرج إلى فلاة من الأرض فصلى بها حتى يمسي وكان في قرية من قرى الشأم يعمل عمله ذلك مستخفيا إذ فطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح فأحبه صالح حبا لم يحبه شيئا كان قبله فكان يتبعه حيث ذهب ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع وقد اتبعه صالح وفيميون لا يدري فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه لا يحب أن يعلم مكانه وقام فيميون يصلي فبينا هو يصلي إذ اقبل نحوه التنين الحية ذات الرؤوس السبعة فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت ورآها صالح ولم يدر ما أصابها فخافها عليه فعيل عوله فصرخ يا فيميون التنين قد أقبل نحوك فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى فرغ وأمسى وانصرف وعرف أنه قد عرف وعرف صالح أنه قد رأى مكانه فكلمه فقال يا فيميون يعلم الله ما أحببت شيئا حبك قط وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت قال ما شئت أمري كما ترى فإن ظننت أنك تقوى عليه فنعم فلزمه صالح وقد كاد أهل القرية أن يفطنوا لشأنه وكان إذا فاجأه العبد به ضر دعا له فشفي وإذا دعي إلى أحد به الضر لم يأته وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير فسأل عن شأن فيميون فقيل له إنه لا يأتي أحدا إذا دعاه ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته وألقى عليه ثوبا ثم جاءه فقال له يا فيميون إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملا فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه فانطلق معه حتى دخل حجرته ثم قال ما تريد أن تعمل في بيتك قال كذا وكذا ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبي ثم قال يا فيميون عبد من عباد الله اصابه ما ترى فادع الله له فقال فيميون حين رأى الصبي اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفه وعافه وامنعه منه فقام الصبي ليس به بأس
وعرف فيميون أنه قد عرف فخرج من القرية واتبعه صالح فبينما هو يمشي في بعض الشأم مر بشجرة عظيمة فناداه منها رجل فقال أفيميون قال نعم قال ما زلت أنتظرك وأقول متى هو جاء حتى سمعت صوتك فعرفت أنك هو لا تبرح حتى تقوم علي فإني ميت الآن قال فمات وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح حتى وطئا بعض أرض العرب فعدي عليهما فاختطفتهما سيارة من بعض العرب فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران وأهل نجران يومئذ على دين العرب تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم لهم عيد كل سنة إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلي النساء ثم خرجوا فعكفوا عليها يوما فابتاع رجل من أشرافهم فيميون وابتاع رجل آخر صالحا فكان فيميون إذا قام من الليل في بيت له أسكنه إياه سيده الذي ابتاعه يصلي استسرج له البيت نورا حتى يصبح من غير مصباح فرأى ذلك سيده فأعجبه ما رأى فسأله عن دينه فأخبره به فقال له فيميون إنما أنتم في باطل
(1/434)
________________________________________
وإن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع لو دعوت عليها الذي أعبد أهلكها وهو الله وحده لا شريك له قال فقال له سيده فافعل فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما كنا عليه قال فقام فيميون فتطهر ثم صلى ركعتين ثم دعا الله عليها فأرسل الله ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه فحملهم على الشريعة من دين عيسى ابن مريم ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كانت النصرانية في أرض العرب
فهذا حديث وهب بن منبه في خبر أهل نجران
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد مولى لبني هاشم عن محمد بن كعب القرظي قال وحدثني محمد بن إسحاق أيضا عن بعض أهل نجران أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ونجران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما أن نزلها فيميون قال ولم يسموه باسمه الذي سماه به وهب بن منبه قالوا رجل نزلها ابتنى خيمة بين نجران وتلك القرية التي بها الساحر فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث الثامر ابنه عبدالله بن الثامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه وقال يا ابن أخي إنك لن تحتمله أخشى ضعفك عنه فلما أبى عليه والثامر أبو عبدالله لا يظن إلا أن ابنه عبدالله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان فلما رأى عبدالله أن صاحبه قد ظن به عنه وتخوف ضعفه فيه عمد إلى قداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا حتى إذا مر بالإسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء فقام إليه فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه فقال له ما هو قال كذا وكذا قال وكيف علمته فأخبره كيف صنع قال فقال يا ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل فجعل عبدالله بن الثامر إذا أتى نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له يا عبدالله أتوحد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء فيقول نعم فيوحد الله ويسلم ويدعو له فيشفى حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران فدعاه فقال له أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك قال لا تقدر على ذلك فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الأرض ليس به بأس وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس فلما غلبه قال عبدالله بن الثامر إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني فوحد الله ذلك الملك وشهد بشهادة عبدالله بن الثامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله فهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران على دين عبدالله بن الثامر وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران
فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن ذلك والله أعلم
(1/435)
________________________________________
قال فسار إليهم ذو نواس بجنده من حمير وقبائل اليمن فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية فخيرهم بين القتل والدخول فيها فاختاروا القتل فخد لهم الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم كل مثلة حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا وأفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان على فرس له فسلك الرمل فأعجزهم
قال وقد سمعت بعض أهل اليمن يقول إن الذي أفلت منهم رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض
قال وأثبت الحديثين عندي الذي حدثني أنه دوس ذو ثعلبان
ثم رجع ذو نواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن
ففي ذي نواس وجنوده تلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثني محمد بن إسحاق قال أنزل الله على رسوله قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إلى قوله بالله العزيز الحميد ( 1 )
يقال كان فيمن قتل ذو نواس عبدالله بن الثامر رئيسهم وإمامهم ويقال عبدالله بن الثامر قتل قبل ذلك قتله ملك كان قبله هو كان أصل ذلك الدين وإنما قتل ذو نواس من كان بعده من أهل دينه
وأما هشام بن محمد فإنه قال لم يزل ملك اليمن متصلا لا يطمع فيه طامع حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنوشروان قال وكان سبب ظهورهم أن ذا نواس الحميري ملك اليمن في ذلك الزمان وكان يهوديا فقدم عليه يهودي يقال له دوس من أهل نجران فأخبره أن أهل نجران قتلوا ابنين له ظلما واستنصره عليهم وأهل نجران نصارى فحمي ذو نواس لليهودية فغزا أهل نجران فأكثر فيهم القتل فخرج رجل من أهل نجران حتى قدم على ملك الحبشة فأعلمه ما ركبوا به وأتاه الإنجيل قد أحرقت النار بعضه فقال له الرجال عندي كثير وليست عندي سفن وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة إلي بسفن أحمل فيها الرجال فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالإنجيل المحرق فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته فوجد عبدالله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده فإذا أخرت يده عنها انثعبت دما وإذا أرسلت يده ردها عليها فأمسك دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره فكتب إليهم عمر أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا
وخرج دوس ذو ثعلبان حين أعجز القوم على وجهه ذلك حتى قدم على قيصر صاحب الروم فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم فقال له قيصر بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنا فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب
(1/436)
________________________________________
إلى بلادك منا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك واستحل منك ومن أهل دينك ما استحل فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه ويأمره بنصره وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم من أهل الحبشة يقال له أرياط وعهد إليه إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم وأخرب ثلث بلادهم واسب ثلث نسائهم وأبنائهم فخرج أرياط ومعه جنوده وفي جنوده أبرهة الأشرم فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان حتى نزلوا بساحل اليمن وسمع بهم ذو نواس فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة فلم يكن له حرب غير أنه ناوش ذو نواس شيئا من قتال ثم انهزموا ودخلها أرياط بجموعه فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى إلى عمرة فأقحمه فيه فكان آخر العهد به ووطئ أرياط اليمن بالحبشة فقتل ثلث رجالها وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها ثم أقام بها قد ضبطها وأذلها فقال قائل من أهل اليمن وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من أمر الحبشة فقال
لا كدوس ولا كأعلاق رحله يعني ما ساق إليهم من الحبشة فهي مثل باليمن إلى اليوم
وقال ذو جدن الحميري وهو يذكر حمير وما دخل عليها من الذل بعد العز الذي كانوا فيه وما هدم من حصون اليمن وكان أرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان حصونا لم يكن في الناس مثلها فقال ... هونك ليس يرد الدمع ما فاتا ... لا تهلكي أسفا في ذكر من ماتا ... أبعد بينون لا عين ولا أثر ... وبعد سلحين يبني الناس أبياتا ...
وقال ذو جدن الحميري في ذلك ... دعيني لا أبالك لن تطيقي ... لحاك الله قد أنزفت ريقي ... لدى عزف القيان إذ انتشينا ... وإذ تسقى من الخمر الرحيق ... وشرب الخمر ليس على عارا ... إذا لم يشكني فيها رفيقي ... فإن الموت لا ينهاه ناه ... ولو شرب الشفاء مع النشوق ... ولا مترهب في أسطوان ... يناطح جدره بيض الأنوق ... وغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه ممسكا في رأس نيق ... بمنهمة وأسفله جروب ... وحر الموحل اللثق الزليق ... مصابيح السليط تلوح فيه ... إذا يمسي كتوماض البروق ... ونخلته التي غرست إليه ... يكاد البسر يهصر بالعذوق ... فأصبح بعد جدته رمادا ... وغير حسنه لهب الحريق ... وأسلم ذو نواس مستميتا ... وحذير قومه ضنك المضيق ...
وقال ابن الذئبة الثقفي وهو يذكر حمير حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم
(1/437)
________________________________________
لعمرك ما للفتى من مفر ... مع الموت يلحقه والكبر ... لعمرك ما للفتى صحرة ... لعمرك ما إن له من وزر ... أبعد قبائل من حمير ... أتوا ذا صباح بذات العبر ... بألب ألوب وحرابة ... كمثل السماء قبيل المطر ... يصم صياحهم المقربات ... وينفون من قاتلوا بالزمر ... سعالى كمثل عديد الترا ... ب ييبس منهم رطاب الشجر ...
وأما هشام بن محمد فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها فخرجوا في ساحل المندب قال فلما سمع بهم ذو نواس كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدا فأبوا وقالوا يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة ثم حملها على عدة من الإبل وخرج حتى لقي جمعهم فقال هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها فلكم المال والأرض واستبقوا الرجال والذرية فقال عظيمهم اكتب بذلك إلىالملك فكتب إلى النجاشي فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم فسار بهم ذو نواس حتى إذا دخل بهم صنعاء قال لعظيمهم وجه ثقات أصحابك في قبض هذه الخزائن ففرق أصحابه في قبضها ودفع إليهم المفاتيح وسبقت كتب ذي نواس إلى كل ناحية أن اذبحوا كل ثور أسود في بلدكم فقتلت الحبشة فلم يبق منهم إلا الشريد وبلغ النجاشي ما كان من ذي نواس فجهز إليه سبعين ألفا عليهم قائدان أحدهما أبرهة الأشرم فلما صاروا إلى صنعاء ورأى ذو نواس ألا طاقة له بهم ركب فرسه واعترض البحر فاقتحمه فكان آخر العهد به
وأقام أبرهة ملكا على صنعاء ومخاليفها ولم يبعث إلى النجاشي بشيء فقيل للنجاشي إنه قد خلع طاعتك ورأى أنه قد استغنى بنفسه فوجه إليه جيشا عليه رجل من أصحابه يقال له أرياط فلما حل بساحته بعث إليه أبرهة أنه يجمعني وإياك البلاد والدين والواجب علي وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممن معي ومعك فإن شئت فبارزني فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له ولم يقتل الحبشة فيما بيننا فرضي بذلك ارياط وأجمع أبرهة على المكر به فاتعدا موضعا يلتقيان فيه وأكمن أبرهة لإرياط عبدا له يقال له أرنجده في وهدة قريب من الموضع الذي التقيا فيه فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمي الأشرم ونهض أرنجدة من الحفرة فزرق أرياط فأنفذه فقتله فقال أبرهة لأرنجده احتكم فقال لا تدخل امرأة اليمن على زوجها حتى يبدأ بي قال لك ذاك فغبر بذلك زمانا ثم إن أهل اليمن عدوا عليه فقتلوه فقال أبرهة قد آن لكم أن تكونوا أحرارا وبلغ النجاشي قتل أرياط فآلى ألا يكون له ناهية دون أن يهريق دم أبرهة ويطأ بلاده وبلغ أبرهة أليته فكتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك قدم علي يريد توهين ملكك وقتل جندك فسألته أن يكف عن قتالي إلى أن أوجه إليك رسولا فإن أمرته بالكف عني وإلا سلمت إليه جميع ما أنا فيه فأبى إلا محاربتي فحاربته فظهرت عليه وإنما سلطاني لك وقد بلغني أنك حلفت ألا تنتهي حتى تهريق دمي وتطأ بلادي وقد بعثت إليك بقارورة من دمي وجراب من تراب أرضي وفي ذلك خروجك من يمينك فاستم أيها الملك يدك عندي فإنما أنا عبدك وعزي عزك فرضي عنه النجاشي وأقره على عمله
(1/438)
________________________________________
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي وكان في جنده حتى تفرقت الحبشة عليهما فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم ثم سار أحدهما إلى الآخر فلما تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا فابرز لي وأبرز لك فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده
فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفتني فاخرج فخرج إليه أبرهة وكان رجلا قصيرا لحيما حادرا وكان ذا دين في النصرانية وخرج إليه أرياط وكان رجلا عظيما طويلا وسيما وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عتودة فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمي أبرهة الأشرم وحمل غلام أبرهة عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن فقال عتودة في قتله أرياط أنا عتودة من فرقة أردة لا أب ولا أم نجده أي يقول قتلك عبده قال فقال الأشرم عند ذلك لعتودة حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته فقال عتودة حكمي إلا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبلة فقال ذلك لك ثم أخرج دية أرياط وكان كل ما صنع أبرهة بغير علم النجاشي ملك الحبشة فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا وقال عدا على أميري فقتله بغير أمري ثم حلف إلا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ثم ملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي وكتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك إلا إني كنت أقوى منه على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس لها وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب من تراب أرض اليمن ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه
فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن اثبت على عملك بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فلما رأى أبرهة أن النجاشي قد رضي عنه وملكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرة بن ذي يزن فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان وأبو ريحانة ذو جدن وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة وبسباسة ابنة أبرهة وهرب منه أبو مرة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عتودة يصنع باليمن ما كان أعطاه من حكمه حينا ثم عدا على عتودة رجل من حمير أو من خثعم فقتله فلما بلغ أبرهة قتله وكان رجلا حليما سيدا شريفا ورعا في دينه من النصرانية قال قد آن لكم يا أهل اليمن أن يكون فيكم رجل حازم يأنف مما يأنف منه الرجال إني والله لو علمت حين حكمته أنه يسأل الذي سأل ما حكمته ولا أنعمته عينا وأيم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل ولا يتبعكم مني في قتله شيء تكرهونه
قال ثم إن أبرهة بنى القيس بصنعاء فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض ثم كتب إلى النجاشي ملك الحبشة إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب
فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النسأة أحد بني فقيم ثم أحد بني
(1/439)
________________________________________
مالك فخرج حتى أتى القيس فقعد فيها ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر بذلك أبرهة فقال من صنع هذا فقيل صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة لما سمع من قولك أصرف إليه حاج العرب فغضب فجاء فقعد فيها أي أنها ليست لذلك بأهل فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه وعند أبرهة رجال من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله منهم محمد بن خزاعي بن حزابة الذكواني ثم السلمي في نفر من قومه معه أخ له يقال له قيس بن خزاعي فبينا هم عنده غشيهم عيد لأبرهة فبعث إليهم فيه بغدائه وكان يأكل الخصي فلما أتى القوم بغدائه قالوا والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيبنا به العرب ما بقينا فقام محمد بن خزاعي فجاء أبرهة قال أيها الملك هذا يوم عيد لنا لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدي فاقل له أبرهة فسنبعث إليكم ما أحببتم فإنما أكرمتكم بغدائي لمنزلتكم مني
ثم إن أبرهة توج محمد بن خزاعي وأمره على مضر وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حج القليس كنيسته التي بناها فسار محمد بن خزاعي حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة وقد بلغ أهل تهامة أمره وما جاء له بعثوا إليه رجلا من هذيل يقال له عروة بن حياض الملاصي فرماه بسهم فقتله وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس فهرب حين قتل أخوه فلحق بأبرهة فأخبره بقتله فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا وحلف ليغزون بني كنانة وليهدمن البيت
وأما هشام بن محمد فإنه قال بنى أبرهة بعد أن رضي عنه النجاشي وأقره على عمله كنيسة صنعاء فبناها بناء معجبا لم ير مثله بالذهب والأصباغ المعجبة وكتب إلى قيصر يعلمه أنه يريد بناء كنيسة بصنعاء يبقى أثرها وذكرها وسأله المعونة له على ذلك فأعانه بالصناع والفسيفساء والرخام وكتب أبرهة إلى النجاشي حين استتم بناؤها إني أريد أن أصرف إليها حاج العرب فلما سمعت بذلك العرب أعظمته وكير عليها فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن فدخل الهيكل فأحدث فيه فغضب أبرهة وأجمع على غزو مكة وهدم البيت فخرج سائرا بالحبشة ومعه الفيل فلقيه ذو نفر الحميري فقاتله فأسره فقال أيها الملك إنما أنا عبدك فاستبقني فإن حياتي خير لك من قتلي فاستبقاه ثم سار فلقيه نفيل بن حبيب الخثعمي فقاتله فهزم أصحابه وأسره فسأله أن يستبقيه ففعل وجعله دليله في أرض العرب
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحبشان فتهيأت وتجهزت وخرج معه بالفيل قال وسمعت العرب بذلك فأعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله وما يريد من هدمه وإخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك وعرض له فقاتله فهزم ذو نفر وأصحابه وأخذ له ذو نفر أسيرا فأتي به فلما أراد قتله قال له ذو نفر أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون كوني معك خيرا لك من قتلي فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيث الخثعمي في قبيلي خثعم شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتي به فلما هم بقتله قال له نفيل أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم
(1/440)
________________________________________
شهران وناهس بالسمع والطاعة فأعفاه وخلى سبيله وخرج به معه يدله على الطريق حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فقال له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذي بمكة يعنون الكعبة ونحن نبعث معك من يدلك فتجاوز عنهم وبعثوا معه أبا رغال فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت العرب قبره فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس
ولما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم وأصاب منها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له سل عن سيد هذا البلد وشريفهم ثم قل له إن الملك يقول لكم إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم البيت فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجى لي بدمائكم فإن لم يرد حربي فأتني به
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبدالمطلب والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم أم كما قال فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا من دفع عنه أو كما قال له فقال له حناطة فانطلق إلى الملك فإنه قد أمرني أن آتيه بك فانطلق معه عبدالمطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا حتى دل عليه وهو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك غناء فيما نزل بنا فقال له ذو نفر وما غناءرجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل لي صديق فسأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك قال حسبي
فبعث ذو نفر إلى أنيس فجاء به فقال يا أنيس إن عبدالمطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت قال أفعل فكلم أنيس أبرهة فقال أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل والوحش في رؤوس الجبال فأذن له عليك فيكلمك بحاجته وأحسن إليه قال فأذن له أبرهة وكان عبدالمطلب رجلا عظيما وسيما جسيما فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه ثم قال لترجمانه قال له حاجتك إلى الملك فقال له ذلك الترجمان فقال عبدالمطلب حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في مائتي بعير قد أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه قال له عبدالمطلب إن أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه قال ما كان ليمنع مني قال انت وذاك اردد إلي إبلي
(1/441)
________________________________________
وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب عبدالمطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة بعمرو بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد بني كنانة وخويلد بن وائلة الهذلي وهو يومئذ سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم والله أعلم
وكان أبرهة قد رد على عبدالمطلب الإبل التي أصاب له فلما انصرفوا عنه انصرف عبدالمطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفا عليهم معرة الجيش ثم قام عبدالمطلب فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده فقال عبدالمطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة ... يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا ... إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أ يخربوا قراكا ...
ثم قال أيضا ... لاهم إن العبد يم ... نع رحله فامنع حلالك ... لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك ... فلئن فعلت فربما ... أولى فأمر ما بدا لك ... ولئن فعلت فإنه ... أمر تتم به فعالك ... جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك ... عمدوا حماك بكيدهم ... جهلاوما رقبوا جلالك ...
وقال أيضا ... وكنت إذا أتى باغ بسلم ... نرجي أن تكون لنا كذلك ... فولوا لم ينالوا غير خزي ... وكان الحين يهلكهم هنالك ... ولم أسمع بأرجس من رجال ... أرادوا العز فانتهكوا حرامك ...
ثم أرسل عبدالمطلب حلقة الباب باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها فلما أصبح أبرهن تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه وكان اسم الفيل محمودا وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه فقال ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد في الجبل وضربوا الفيل ليقوم فأبى وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشأم ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ويسألون عن نفيل بن
(1/442)
________________________________________
حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله به من نقمته ... أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب ...
وقال نفيل أيضا ... ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا ... أتانا قابس منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لدينا ... ردينة لو رأيت ولم تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا ... إذا لعدرتني وحمدت رأيي ... ولم تأسي على ما فات بينا ... حمدت الله إذ عاينت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا ... فكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا ...
فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنملة أنملة كلما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مدة تمث فيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطير فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا عبدالله بن عثمان بن أبي سليمان عن أبيه قال وحدثنا محمد بن عبدالرحمن بن السلماني عن أبيه قال وحدثنا عبدالله بن عمرو بن زهير الكعبي عن أبي مالك الحميري عن عطاء بن يسار قال وحدثنا محمد بن أبي سعيد الثقفي عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال وحدثنا سعيد بن مسلم عن عبدالله بن كثير عن مجاهد عن ابن عباس دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا كان النجاشي قد وجه أرياط أبا صحم في أربعة آلآف إلى اليمن فأداخها وغلب عليها فأعطى الملوك واستذل الفقراء فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه فقتل أرياط وغلب على اليمن ورأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج إلى البيت الحرام فسأل أين يذهب الناس فقالوا يحجون إلى بيت الله بمكة قال مم هو قالوا من حجارة قال فما كسوته قالوا ما يأتي ها هنا من ا لوصائل قال والمسيح لأبنين لكم خيرا منه فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود وحلاه بالذهب والفضة وحفه بالجوهر وجعل له أبوابا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب وفصل بينها بالجوهر وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة وجعل لها حجابا وكان يوقد بالمندل ويلطخ جدره بالمسك فيسوده حتى يغيب الجوهر وأمر الناس فحجوه فحجه كثير من قبائل العرب سنين ومكث فيه رجال يتعبدون ويتألهون ونسكوا له وكان نفيل الخثعمي يؤرض له ما يكره فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحدا يتحرك فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته وجمع جيفا فألقاها فيه فأخبر أبرهة بذلك غضب غضبا شديدا وقال إنما فعلت هذا العرب غضبا لبيتهم لأنقضنه حجرا حجرا وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود وكان فيلا لم ير مثله في الأرض عظما وجسما وقوة فبعث به إليه فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير ونفيل بن حبيب الخثعمي فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب وكان نفيل صديقا لعبد المطلب
(1/443)
________________________________________
فكلمه في إبله فكلم نفيل أبرهة فقال أيها الملك قد أتاك سيد العرب وأفضلهم قدرا وأقدمهم شرفا يحمل على الجياد ويعطي الأموال ويطعم ما هبت الريح فأدخله على أبرهة فقال حاجتك قال ترد علي إبلي فقال ما أرى ما بلغني عنك إلا الغرور وقد ظننت أنك تكلمني في بيتكم الذي هو شرفكم فقال عبدالمطلب اردد علي إبلي ودونك البيت فإن له ربا سيمنعه فأمر برد إبله عليه فلما قبضها قلدها النعال وأشعرها وجعلها هديا وبثها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب رب الحرم وأوفى عبدالمطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي فقال عبدالمطلب ... لا هم إن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك ... لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك ... إن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمر ما بدا لك ...
قال فأقبلت الطير من البحر أبابيل مع كل طير منها ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئا إلا هشمته وإلا نفط ذلك الموضع فكان ذلك أول ما كان الجدري والحصبة والأشجار المرة فأهمدتهم الحجارة وبعث الله سيلا أتيا فذهب بهم فألقاهم في البحر قال
وولى أبرهة ومن بقي معه هرابا فجعل أبرهة يسقط عضوا عضوا وأما محمود قيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا وأما الفيل الآخر فشجع فحصب ويقال كانت ثلاثة عشر فيلا ونزل عبدالمطلب من حراء فأقبل رجلان من الحبشة فقبلا رأسه وقالا أنت كنت أعلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وأنه أول ما رئي بها مرار الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام
قال ابن إسحاق ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنه في الحبشة يكسوم بن أبرهة وبه كان يكنى فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة فنكحوا نساءهم وقتلوا رجالهم واتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب
قال ولما رد الله الحبشة عن مكة فأصابهم ما أصابهم من النقمة عظمت العرب قريشا وقالوا أهل الله قاتل الله عنهم فكفاهم مؤونة عدوهم
قال ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة فلما طال البلاء على أهل اليمن وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقا وأخرجوا الحبشة من اليمن سنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة ملوك أرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة خرج سيف بن ذي يزن الحميري وكان يكنى بأبي مرة حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكا ما هم فيه وطلب إليهم أن يخرجهم عنه ويليهم هو ويبعث إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه ولم يجد عنده شيئا مما يريد فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق فشكا إليه ما هم فيه من البلاء والذل
(1/444)
________________________________________
فقال له النعمان إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم عندي حتى يكون ذلك فأخرج بك معي قال فأقام عنده حتى خرج النعمان إلى كسرى فخرج معه إلى كسرى فلما قدم النعمان على كسرى وفرغ من حاجته ذكر له سيف بن ذي يزن وما قدم له وسأل أن يأذن له عليه ففعل وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل العظيم مضروبا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك كانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك ثم قال أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة فقال كسرى أي الأغربة الحبشة أم السند قال بل الحبشة فجئتك لتنصرني عليهم وتخرجهم عني ويكون ملك بلادي لك فأنت أحب إلينا منهم قال بعدت أرضك من أرضنا وهي أرض قليلة الخير إنما بها الشاء والبعير وذلك مما لا حاجة لنا به فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة
فلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن خرج فجعل ينثر الورق للناس ينهبها الصبيان والعبيد والإماء فلم يلبث ذلك أن دخل على كسرى فقيل له العربي الذي اعطيته ينثر دراهمه للناس ينهبها العبيد والصبيان والإماء فقال كسرى إن لهذا الرجل لشأنا ائتوني به فلما دخل عليه قال عمدت إلي حباء الملك الذي حباك به تنثره للناس قال وما أصنع بالذي أعطاني الملك ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها لما رأى من زهادته فيها إنما جئت الملك ليمنعني من الظلم ويدفع عني الذل فقال له كسرى أقم عندي حتى أنظر في أمرك فأقام عنده
وجمع كسرى مرازبته وأهل الرأي ممن كان يستشيره في أمره فقال ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له فقال قائل منهم أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن هلكوا كان الذي أردت بهم وإن ظهروا على بلاده كان ملكا ازددته إلى ملكك فقال إن هذا الرأي أحصوا لي كم في سجوني من الرجال فحسبوا له فوجدوا في سجونه ثمانمائة رجل فقال انظروا إلى أفضل رجل منهم حسبا وبيتا اجعلوه عليهم فوجدوا أفضلهم حسبا وبيتا وهرز وكان ذا سن فبعثه مع سيف وأمره على أصحابه ثم حملهم في ثماني سفائن في كل سفينة مائة رجل وما يصلحهم في البحر
فخرجوا حتى إذا لججوا في البحر غرقت من السفن سفينتان بما فيهما فخلص إلى ساحل اليمن من أرض عدن ست سفائن فيهن ستمائة رجل فيهم وهرز وسيف بن ذي يزن فلما اطمأنا بأرض اليمن قال وهرز لسيف ما عندك قال ما شئت من رجل عربي وفرس عربي ثم اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظهر جميعا قال وهرز أنصف وأحسنت فجمع إليه سيف من استطاع من قومه وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران ونزل الناس بعضهم إلى بعض بعث وهرز ابنا له كان معه يقال له نوزاذ على جريدة خيل فقال له ناوشهم القتال حتى ننظر كيف قتالهم فخرج إليهم فناوشهم شيئا من قتال ثم تورط في مكان لم يستطع الخروج منه فقتلوه فزاد ذلك وهرز حنقا عليهم وجدا على قتالهم
فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز أروني ملكهم فقالوا ترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه
(1/445)
________________________________________
على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء قال نعم قالوا ذاك ملكهم فقال اتركوه فوقفوا طويلا ثم قال علام هو قالوا قد تحول على الفرس فقال اتركوه فوقفوا طويلا ثم قال علام هو قالوا قد تحول على البغلة قال ابنة الحمار ذل وذل ملكه هل تسمعون أني سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به فقد اصبت الرجل فاحملوا عليهم
ثم أوتر قوسه وكانت فيما زعموا لا يوترها غيره من شدتها ثم أمر بحاجبيه فعصبا له ثم وضع في قوسه نشابة فمغط فيها حتى إذا ملأها أرسلها فصك بها الياقوتة التي بين عينيه فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه وتنكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به وحملت عليهم الفرس وانهزمت الحبشة فقتلوا وهرب شريدهم في كل وجه فأقبل وهرز يريد صنعاء يدخلها حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا اهدموا الباب فهدم باب صنعاء ثم دخلها ناصبا رايته يسار بها بين يديه
فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى إني قد ضبطت لك اليمن وأخرجت من كان بها من الحبشة وبعث إليه بالأموال فكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جزية وخرجا يؤديه إليه في كل عام معلوم يبعث إليه في كل عام وكتب إلى وهرز أن ينصرف إليه فانصرف إليه وهرز وملك سيف بن ذي يزن على اليمن وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن
فهذا ما حدثنا به ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق من أمر حمير والحبشة وملكهم وتوجيه كسرى من وجه لحرب الحبشة باليمن
وأما هشام بن محمد فإنه قال ملك بعد أبرهة يكسوم ثم مسروق قال وهو الذي قتله وهرز في ملك كسرى بن قباذ ونفى الحبشة عن اليمن
قال وكان من حديثه أن أبا مرة الفياض ذا يزن كان من أشراف اليمن وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جدن فولدت له غلاما سماه معد يكرب وكانت ذات جمال فانتزعها الأشرم من أبي مرة فاستنكحها فخرج أبو مرة من اليمن فلحق ببعض ملوك بني المنذر أظنه عمرو بن هند فسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا يعلمه فيه قدره وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه فقال لا تعجل فإن لي عليه في كل سنة وفادة وهذا وقتها فأقام قبله حتى وفد عليه معه فدخل عمرو بن هند على كسرى فذكر له شرف ذي يزن وحاله واستأذن له فدخل فأوسع له عمرو فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه فأقبل عليه فألطفه وأحسن مسألته وقال له ما الأمر الذي نزع بك قال أيها الملك إن السودان قد غلبونا على بلادنا وركبوا منا أمورا شنيعة أجل الملك عن ذكرها فلو أن الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره لكان حقيقا بذلك لفضله وكرمه وتقدمه لسائر الملوك فكيف وقد نزعنا إليه مؤملين له راجين أن يقصم الله عدونا وينصرنا عليهم وينتقم لنا به منهم فإن رأى الملك أن يصدق ظننا ويحقق رجاءنا ويوجه معي جيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه فإنها من أخصب البلدان وأكثرها خيرا وليست كما يلي الملك من بلاد العرب فعل
(1/446)
https://scontent-a-cdg.xx.fbcdn.net/...61&oe=550ADE81
يأتي في آخر الزمــان قوم: حدثــاء الأسنان، سفهاء الأحــلام، يقولون من خير قــول البــرية ، يقتــلون أهل الإسلام ويدعون أهـل الأوثان، كث اللحيـة (غزيرو اللحيــة)، مقصرين الثيــاب، محلقيــن الرؤوس، يحسنون القــيل ويسيئون الفعــل، يدعون إلى كتاب الله وليسوا مــنه في شيء.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين يحملون هذه الصفات:
يقرأون القرآن لا يتجـاوز حنــاجرهم، يمــرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّميَّــة، فأينما لقيـتموهم فاقتــلوهم، فإن قتــلهم أجر لمن قتــلهم يوم القــيامة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: فإن أنـا أدركتهــم لأقتــلنهم قتــل عاد.
مصــادر الحديث:
===========
صحيح بخارى - صحيح مسلم-مسند احمد بن حنبل - السنن الكبرى للنسائى- السنن الكبرى للبيهقى - الجمع بيين الصحيحين بخارى ومسلم - كتاب الأحكام الشرعية الكبرى - سنن أبى داود