فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم
28-04-2019, 02:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم و الحمد لله رب العالمين والصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله سيدنا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما بعد

ما قَدَّر رسول الله ﷺ حقَّ قَدْرِه إلا ربه عزَّ وجلَّ، فأيَّمَا قَدرٍ أعطيناه ما وَفَّيْناه، فلِعِظَم قدره اشتق له المولى عز وجل صفاتٍ من صفاته: « لقَد جاءَكُم رَسولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُّم حَريصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنينَ رَؤوفٌ رَحيمٌ » [التوبة: 128]
فها هو المولى عز وجل يشهد بعزة وعظمة عبده، ولا تتجلى كينونة هذه العظمة الا في صفتين خلقيتين من صفات خلق النبي ﷺ ، ألا وهما الرأفة والرحمة. فالعبد المؤمن لا ترتفع مكانته ولا تعظُم بحسبٍ او نسبٍ لكن تعظم بعظمة خلُقه فهما متلازمتان متكافئتان إحداهما توجب الأخرى، و لا يوجد من هو أعظم من النبي صلى الله عليه و سلم فلعِظَمِه عَظُم خلُقه كما قال عز وجل « وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ » [القلم:4].

ومن طَبْع الإنسان حب من جانسَه وشابهه وبُغضُ من ضاده و ناقَضَه، فإن عَظُم العبد احب العظماء وبغَض النذلاء، وإن اتقى تعلق بالمتقين ومقت المشركين وإن أمن أحب المؤمنين وبغض الكافرين. فكلما عظم العبد المؤمن و ارتفعت مكانته كلما تعلق و احب المصطفى ﷺ ، وكلما احبه كلما شابهه، وكلما شابهه و تأسى به كلما ازداد حبا و تعظيما له، وكلما ازداد حبا و تعظيما له كلما عظم شانه و ارتفعت مكانته، فهي علاقة تأثيرية دائرية سببية متجددة بلا انتهاء ولا انقطاع.

ولقد بادرنا النبي ﷺ بالمحبة و الأخوة فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ ، فَقَالَ : « السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ … »1 فقد نعتنا النبي ﷺ بإخوانه والأخوة هي أسمى درجات المحبة.

فحَريٌّ على كل مؤمن أن يُحِب كل من بادَرَه بالمحبة فما بالك ان كان المبادِر خير الانام ﷺ ، ومن عِظَم محبته لنا انه استغفر لنا قبل نشأتنا، في صلواته فعن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما رأيتُ مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ طِيبَ النَّفْسِ قلتُ: يا رسولَ اللهِ ادعُ اللهَ لي قال : « اللهمَّ اغفرْ لعائشةَ ما تقدَّم من ذنبِها وما تأخَّرَ وما أسرَّتْ وما أعلنَتْ ، فضحكتْ عائشةُ حتى سقط رأسُها في حِجرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من الضَّحِكِ فقال: أَيَسُرُّكِ دُعائي فقالتْ : ومالي لا يَسُرُّني دُعاؤُكَ فقال : واللهِ إنها لَدَعْوتي لأُمَّتي في كلِّ صلاةٍ »2

فما أعظم رسول الله ﷺ دعوته لنا هي دعوته لاحب الناس اليه عائشة رضي الله عنها. فدعاؤه أمتي أمتي وشفاعته يوم القيامة أمتي أمتي. فحري على كل مؤمن حُبُّ النبي صلى الله عليه و سلم اكثر مما سواه حتى نفسه. فعن عبد الله بن هشام قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال ﷺ « لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال النبي ﷺ الآن يا عمر»3
علَّق الامام الخطابي على هذا الحديث بقوله : حُبُّ الإنسان نفسه طَبْع وحُبُّ الإنسان غيره اختيار بتَوَسُّط الأسباب و ما طلب النبي ﷺ من عمر حُبَّ الطَبْع إذ لا سبيل إلى قلب الطِبَاع عما جُبلت عليه وإنما طلب النبي ﷺ من عمر حب الاختيار بتوسط الأسباب فلما نظر عمر إلى الأسباب ووجد أن المصطفى ﷺ كان سبب نجاته من النار حينئذٍ أقَرَّ و قال لأنت أحب إلي من نفسي يا رسول الله. فلولاه لكان عمر بن الخطاب في النار.

إن المؤمن كيِّسٌ فطن فها هو عمر يضرب لنا خير الأمثلة في فراسة المؤمن وقدرته على تطوير نفسه و مساءلتها وعدم التعصب لها ونقد نفسه نقدا بناءا ومراجعتها كلما اقتضى الامر بغية تزكيتها و السموِّ بها، فواجب علينا وعلى كل مؤمن ان يسائل نفسه مساءلة عمر لنفسه و تربت يداه من خلصت مساءلته لما خلص إليه عمر رضي الله عنه.

بل إنها علامة من علامات كمال الإيمان و شرط واجب لينعم العبدُ بالإيمان وحلاوته ففي الحديث الصحيح يقول ﷺ : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين »4 ، ويقول ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحب إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار »5 .

ولما وصل حبنا للحبيب ﷺ و تعدى كل شيء فأول شيء وجب على المحب فعله هو اظهار محبته لحبيبه و لا خير ولا افضل ولا أبين من الصلاة عليه ﷺ كما قال الله عز وجل »إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا » [الأحزاب: 56]

فالصلاة على النبي ﷺ امر من الله عز وجل و تشبه بملائكته الكرام، ولها فضل عظيم فهي تذهب الهم والحزن وتجلب البركة الرزق. مرضاة لله طاعة للرب. لها أجر عظيم وفضل كبير فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا »6 وعَن أبي هريرة أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قال: « ما من أحد يسلم عليّ إلا رد اللَّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام » 7 وعن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قال: « أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة »8

فالأحاديث في فضل الصلاة على النبي ﷺ كثيرة ترغيبا للمؤمنين فيها لنيل الأجر الكبير والشرف العظيم. فبها ينال العبدُ ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى، وبها يصير أولى وأقرب وأحق الناس بشفاعته ﷺ يوم لا ينفع مال ولابنون الا من أتى الله بقلب سليم، وبها يقضي الله حاجته ويجيب دعوته، يفرج بها الهم و يغفر الذنب وهذا فضل آخر من فضائل الصلاة على النبي ﷺ .

وتستحب الصلاة في مواطن أكثر من اخرى وإن كانت مستحبة في كل الأوقات. نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر: الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأخير. بعد الأذان. عند دخول المسجد والخروج منه. عند الدعاء. يوم الجُمُعة. عند ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم.
ولا يوجد مقدار وعدد معين للصلاة على النبي ﷺ ، ولكن يستحب الإكثار منها و المواظبة عليها، خيرها ما زاد، فضلها ما كَثُر وأحسنها ما دام. ويستحب إقران الصلاة بالسلام على سيدنا محمد ﷺ كأن يقول القائل اللهم صلِّ و سلم على سيدنا محمد. و معناها ما ذكره أبو العالية رحمه الله أنَّ صلاةَ الله على نبيِّه : ثناؤه عليه في الملأ الأعلى و قيل ايضا : إنَّ الصَّلاةَ مِن الله : الرحمة ، ومن الملائكة : الاستغفار ، ومن الآدميين : الدُّعاء9


وهذا باب وجيز و استطراد قصير في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم إن أصبنا فمن الله وإن أخطانا فمن أنفسنا اللهم انفعنا بما علمتنا وزدنا علما و صلِّ اللهم و سلم على سيدنا محمد و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


---------------------------------------------------------------------------------------------------------------

1- وذلك في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ ، فَقَالَ : ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ فَقَالُوا : كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ . فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ : سُحْقًا ، سُحْقًا ) رواه مسلم (249)

2- اخرجه البزَار في " مسنده " (2658-كشف الأستار) وحسَنه الألباني في السلسلة الصحيحة 5/324

3- رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم 6/ 2445 (6257).

4- أخرجه البخاري في "كتاب الإيمان" "باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان" حديث (15)

5- أخرجه مسلم، حديث (43)، وأخرجه البخاري في "كتاب الإيمان" "باب حلاوة الإيمان" حديث (16)

6- رواه مسلم384

7- رَوَاهُ أبُودَاوُدَ بإسناد صحيح 1402

8- رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ 1398

9- قول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
التعديل الأخير تم بواسطة فوزي بن نذير ; 01-05-2019 الساعة 07:59 PM