تعديل الدستور للمرة الرابعة.. المبررات والمآلات
16-02-2019, 03:09 PM






إذا تقرر مراجعة الدستور قبل نهاية السنة الجارية، كما جاء في رسالة ترشح الرئيس بوتفليقة، فإن الأمر يصبح سابقة، فقد تمت مراجعته أربع مرات في مدة لم تتجاوز العقدين من الزمن، بعديل 2002 و208 و2016. واللافت في كل هذه التعديلات، أنها مرت جميعها على غرفتي البرلمان فقط، وهي مسألة أخذت نصيبها من الانتقاد، لأن في ذلك تغييبا للإرادة الشعبية، وفق ما يراه مختصون، لاسيما أن الأمر يتعلق بالوثيقة الأسمى. هناك تباين في مواقف أطراف المعادلة السياسية، فهناك من هو مع التعديل، ومن وهو ضده، وهناك من هو مع التعديل بشروط. ولكن قبل ذلك، هل تتوفر شروط الدعوة إلى التعديل المرتقب، وعلى رأسها توافق الفرقاء السياسيين حول المسألة، وخاصة في ظل الخصومة الحاصلة بينهم بشأن العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة وملفات أخرى؟ وما هي تداعيات هذا التعديل على مصداقية الدستور؟ وما هي الجوانب التي يتعين مراجعتها؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الإجابة عنها.
إذا تقرر مراجعة الدستور قبل نهاية السنة الجارية، كما جاء في رسالة ترشح الرئيس بوتفليقة، فإن الأمر يصبح سابقة، فقد تمت مراجعته أربع مرات في مدة لم تتجاوز العقدين من الزمن، بعديل 2002 و208 و2016. واللافت في كل هذه التعديلات، أنها مرت جميعها على غرفتي البرلمان فقط، وهي مسألة أخذت نصيبها من الانتقاد، لأن في ذلك تغييبا للإرادة الشعبية، وفق ما يراه مختصون، لاسيما أن الأمر يتعلق بالوثيقة الأسمى. هناك تباين في مواقف أطراف المعادلة السياسية، فهناك من هو مع التعديل، ومن وهو ضده، وهناك من هو مع التعديل بشروط. ولكن قبل ذلك، هل تتوفر شروط الدعوة إلى التعديل المرتقب، وعلى رأسها توافق الفرقاء السياسيين حول المسألة، وخاصة في ظل الخصومة الحاصلة بينهم بشأن العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة وملفات أخرى؟ وما هي تداعيات هذا التعديل على مصداقية الدستور؟ وما هي الجوانب التي يتعين مراجعتها؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الإجابة عنها.
المستهدف في مراجعة الدستور!
على رأس الوعود التي أطلقها الرئيس بوتفليقة المترشح لعهدة خامسة، عقد ندوة وطنية ومراجعة عميقة للدستور، خلال السنة الجارية، وذلك في حال تجاوزه خصومه في الاستحقاق المقبل.
عقد “ندوة وطنية جامعة” كان إلى وقت قريب مطلبا لدى السلطة والمعارضة معا، وهي واحدة من الحالات النادرة التي تقاطعت فيها مطالب الطرفين المتصارعين على مدار سنين، فالمبادرة كانت في البداية (الصائفة المنصرمة) مطلبا رفعه رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، وذلك بعد أن تلقى إشارات من أطراف فاعلة في السلطة، وفق بعض التسريبات.
المبادرة لقيت في البداية صدودا من قبل السلطة ومحيطها، وتجلى ذلك من خلال رفض غالبية أحزاب الموالاة، حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي التعاطي معها، غير أنها لقيت ترحيبا من قبل حزب آخر محسوب على هذا المعسكر، وهو “الحركة الشعبية”، التي يرأسها وزير التجارة الأسبق، عمارة بن يونس.
غير أنه ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية استشعرت السلطة قيمة هذه المبادرة، فأوحت إلى حزب يدور في فلكها، وهو “تجمع أمل الجزائر” (تاج)، الذي يقوده وزير الأشغال العمومية الأسبق، عمار غول، كي يتبنى مبادرة مقري، مثلما أوحت إلى واجهاتها السياسية الأخرى ممثلة في بقية أحزاب الموالاة، كي تتفاعل مع المبادرة بعدما كانت قد تحفظت عليها في البداية.
وبما أن صاحب المبادرة الأصلية يتهم السلطة بإفشال مسعاه، فإنه لا يستبعد أن يتكرر المشهد معكوسا عندما تطرح السلطة مبادرتها، فقد بدأت الانتقادات تأتي تباعا، وقد عبر عن ذلك القيادي ورئيس المجموعة البرلمانية السابق، لحركة مجتمع السلم، عبد الناصر حمدادوش، الذي تحفظ على الندوة التي دعا إليها الرئيس المترشح، لأسباب شكلية لكون الإعلان عنها جاء أحاديا، فضلا عن أسباب موضوعية لكونها لا تلتقي في الكثير من مضامينها وحيثياتها مع المبادرة التي أطلقتها “حمس”.
ويشكل هذا الأمر تحديا لتحقيق التوافق في الندوة المذكورة، لأن عدم انخراط حزب بخلفية وحجم حركة مجتمع السلم في هذا المشروع، يجعله مجروحا من حيث عامل الإجماع، ما قد يفقد القرارات التي تفرزها الندوة، الكثير من مصداقيتها، لاسيما أن الأمر يتعلق بتعديل عميق للدستور، وفق ما جاء في وثيقة ترشح نزيل قصر المرادية.
وبالعودة إلى التعديلات التي أدخلت على الدستور، لاسيما الأخير منه الذي أجري قبل نحو ثلاث سنوات، فإن الأنظار تبقى مشدودة إلى واحدة من أهم المسائل الحساسة، وهي تلك المتعلقة باستحداث منصب نائب الرئيس، في الدستور الجديد.
وتعتبر هذه المسألة قديمة متجددة، وقد طرحت في أكثر من مرة غير أن غياب التوافقات في قمة هرم السلطة، حال دون تجسيدها، وذلك على الرغم من أن الفرصة كانت متاحة في التعديلين الأخيرين (2008 و2016).
ما يعزز هذه الفرضية، هي أن التعديلات التي أدخلت على الدستور في عام 2016، عالجت الكثير من المطالب التي رفعتها المعارضة، لاسيما ما تعلق منها بهامش تحركها في الهيئة التشريعية ومراقبتها لأداء الجهاز التنفيذي، في ظل نظام شبه رئاسي استأثر بصلاحيات النظام الرئاسي، يضاف إلى ذلك الانشغال المتعلق بآلية مراقبة الانتخابات، التي تطالب المعارضة بمراجعة الصلاحيات الممنوحة للهيئة التي يقودها عبد الوهاب دربال، بشكل يمكنها من التنظيم والإشراف على العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، وإخراجها من وصاية وزارة الداخلية التي يبقى دورها محصورا في توفير الدعم اللوجيستي فقط.
كل هذه المقدمات تؤشر على أن التعديل العميق للدستور، قد يستهدف استحداث منصب الرئيس، وهي مسألة تنطوي على قدر كبير من الحساسية، في ظل الاحتقان الحاصل في أروقة السلطة ومحيطها.

القيادي في حركة مجتمع السلم ناصر حمدادوش لـ “الشروق”:
“السلطة ضيعت التوافق قبل الرئاسيات وتجري وراءه بعدها”



كانت هناك ندوة قريبة من التجسيد مطلع العام الجاري غير أنها تأجلت.. هل الندوة التي دعا إليها الرئيس بنفس المواصفات؟
نؤكد أن الندوة التي تحدث عنها الرئيس في رسالته، تختلف عن مبادرة التوافق الوطني التي عرضتها الحركة سابقا، سواء من ناحية الشكل، بالإعلان الأحادي، ومن ناحية المضمون، إذ لا توجد في الرسالة المنشورة باسم الرئيس الأفكار الأساسية والجوهرية التي عرضتها مبادرة الحركة، وأهمّها اللجنة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات، كآلية أساسية من آليات منع التزوير، الذي هو أساس الأزمات السياسية والاقتصادية، الذي ينتج مؤسساتٍ تشريعية ورقابية وحكومية ضعيفة ومعطوبة الشرعية، تكون عرضة للاختراق والابتزاز الخارجي، وفي متناول هيمنة المال السياسي الفاسد على القرار السياسي والاقتصادي للبلاد.
هل تعتقدون أن شروط انعقاد هذه الندوة ستتوفر في ظل التنافر السياسي الحاصل حاليا؟
لقد ضيّعت السلطة فرصة “التوافق الوطني والإصلاحات العميقة” قبل الانتخابات، التي كانت تمثل مخرجا من المأزق الذي يعاني منه الجميع، في مواجهة “مخاطر العهدة الخامسة”، وذلك لعدم مبادرتها بالاتصال مع المعارضة، وكذا الفشل في إقناع مختلف أجنحة الحكم بذلك، ولهشاشة الجبهة الداخلية والخوف من الضغط أو الابتزاز الخارجي، وهو ما يجعل من فرص نجاح تلك الندوة ضئيلة، دون موازين قوى جديدة، تفرزها المنافسة الشريفة وضمان الحدّ الأدنى من مصداقية الرئاسيات القادمة.
في رسالة الترشح، تحدث الرئيس عن مراجعة عميقة للدستور.. هل ترى ذلك مبررًا؟
إن كل تحول ديمقراطي، وكل إصلاحات سياسية عميقة لا معنى لها إن لم تكن هناك تعديلات دستورية شاملة، وهو ما يتطلب الذهاب إلى الشرعية الحقيقية له بالاستفتاء الشّعبي، وليس بمجرد تعديله عن طريق البرلمان المطعون في شرعيته، ولاعتقادنا أنّ الدستور الحالي يكرّس نظامًا سياسيًّا هجينًا، ويخلّ بمبدإ الفصل والتوازن والتكامل بين السلطات، ويفتقد الآليات الرّقابة الحقيقية، وأدوات المساءلة الفعلية، ومعايير الشفافية المطلوبة في تسيير الشّأن العام.
ما هي الجوانب التي ترى أنها لا بد من مراجعتها في التعديل المرتقب للدستور؟
يجب عدم المساس بأبعاد الهوية والثوابت الوطنية، والتأكيد على تعزيز الحقوق والحرّيات الأساسية، والتنصيص على آليات الفصل بين السلطات، وعلى الاستقلالية الفعلية للقضاء، وعلى تجسيد النظام السياسي المتوازن بتقليص صلاحيات الرئيس المضخّمة على حساب الحكومة والبرلمان، والتأكيد على المركز الدستوري للهيئة الوطنية المستقلة للإشراف على- وليس مجرد مراقبة- الانتخابات، وتبنّي نمط اقتصاديّ واضح، لأن جوهر الإصلاحات الحقيقية هو ضمان الاحتكام إلى الإرادة الشعبية بالديمقراطية الفعلية، التي تعطي الشرعية والمصداقية للمؤسسات المنتخبة، بعيدًا عن التزوير والاحتيال الانتخابي، كما نتمنى أن تتوفر الإرادة السياسية العليا الصادقة ومشاركة الجميع من سلطة ومعارضة بما يحقق التوافق.

عضو المكتب السياسي المحل في الأفلان فؤاد سبوتة لـ “الشروق”
ضمانات الرئيس قادرة على جمع الجزائريين إلى طاولة واحدة



تضمنت الرسالة التي وجهها الرئيس بوتفليقة إلى الجزائريين بمناسبة ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، وعدا بتنظيم “ندوة وفاق جامعة” ومراجعة “عميقة” للدستور خلال هذه السنة، في حال فوزه في الرئاسيات المقبلة.. ما تعليقكم؟
يجب الإشارة إلى أن الرئيس بوتفليقة وقبل أن يطرح فكرة مراجعة الدستور، اقترح تنظيم ندوة شاملة لكافة أطياف الأسرة السياسية في الجزائر، بهدف الخروج باقتراحات وتوصيات من شأنها أن تبلور أفكارا وآراء لما يتعين اتخاذه من توجهات في المرحلة المقبلة، وقد تتطلب في ذلك السياق إجراء تعديل على الدستور، وهو أمر يعتبر طبيعيا، إذ إن هذا المقترح يعتبر من صميم صلاحياته باعتباره رئيس الجمهورية، ويبقى ما ستقرره الندوة الموعودة كفيلا بتحقيق ما سبقت الإشارة إليه.

كما تعلمون، الرئيس بوتفليقة عدل الدستور في 2002 من أجل ترسيم الأمازيغية لغة، ثم عاد في عام 2008 إلى تعديله مجددا من أجل فتح العهدات وترقية المشاركة السياسية للمرأة، ثم في 2016، لإعطاء هامش تحرك أوسع للمعارضة في البرلمان.. ثم هناك مقترح لتعديله مجددا هذه السنة، ألا يمس ذلك بمصداقية الدستور الذي يفترض أن يكون قارا؟
لا يمكننا القول إن إعادة النظر في المناسبات التي سبقت الإشارة إليها ستمس بمصداقيته، لأنه إذا تطلب الأمر تعديل بعض بنوده، فمن الواجب الذهاب إلى هذه المسـألة، وأعتقد أن الرئيس بوتفليقة عندما تحدث عن ذلك أخذ بعين الاعتبار كل النقاشات التي هي مطروحة في الساحة السياسية، وبناء عليها تحدث عن إمكانية الذهاب إلى تعديل الدستور، وهذا الأمر يخضع لمتطلبات وطلبات الشركاء السياسيين والنقاش الدائر في الساحة حاليا، وهو أمر من شأنه أن يمنح المبرر لمراجعة دستور 2016.
برأيكم، ما هي الجوانب التي ترى أنها لا بد من مراجعتها في التعديل المرتقب للدستور؟
نحن نقول إن الندوة الوطنية التي ستحضرها مختلف التشكيلات السياسية والفاعلين في المجتمع هي التي سترسم خارطة التعديلات التي ستطرأ على دستور الجمهورية، حيث إن المجال واسع للنقاش والتباحث حول القضايا التي تهم الشأن العام من أجل بلورتها في شكل أفكار يمكن الذهاب بها إلى إجراء تعديل على الدستور، كما أن الحديث عن المواد التي ستتم مراجعتها سابق لأوانه لأن الندوة الوطنية هي التي ستحدد ذلك.

كما هو معلوم، فقد كانت حركة مجتمع السلم قد دعت إلى ندوة للتوافق وكانت قاب قوسين أو أدنى من التجسيد.. ما الذي يختلف عن الندوة التي دعا إليها الرئيس وتلك التي دعا إليها رئيس حركة “حمس” برأيكم؟