آباء أبرياء
25-02-2007, 09:39 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

آباء أبرياء

جلسنا ذات مساء نمارس الفرجة التيلفزيونية كأسرة لا تملك من وسائل الترفيه الرخيصة المتيسرة ، بعد يوم طويل من العراك ، فى طلب الرزق خارج البيت ، سوى هذا " الصندوق " الذى يبث صورا لا طعم لها فى الغالب . وبحكم أنها هى من تقرر خيارات الفرجة ، شأنها فى ذلك معظم مراهقى هذا الزمان ، فلقد توقفت ابنتى ذات الثلاثة عشر عاما عند أغنية " أجنبية " بثتها احدى فضائياتنا " الجليلة " لمراهقتين أهاجتا جمهور المسرح الذى تمايل على ايقاع صوتيهما وجسديهما . لم أتمعن فى كلمات الأغنية ، التى كانت معجونة من ضوضاء وصخب .

كنت حائرة فى تفسير حركات الصبيتين ، التى بدأت بالنسبة الى " مشبوهة " ، وحين أعربت عن حيرتى علنا ، ملتمسة تفسيرا لما أراه ، أجابنى زوجى الذى يفترض أنه جمع خبرة حياتية لا بأس بها ، أن المغنيتين طفلتان ، مراهقتان ، صديقتان على الأرجح ، وأن الحماسة أو " نشوة " الأغنية أخذتهما ما جعلهما تتوددان لبعضهما على هذا النحو . فما كان من صغيرتنا الا أن نظرت الى أبيها " هازئة " مستخفة قبل أن تقول : معقول يا بابا ؟ ألا تعرفهما هاتان ثنائى فرقة " تاتو " .. أنهما شاذتان .

قفز الأب من على الكنبة مرعوبا وسألها : من قال ذلك ؟ ثم هل تعرفين ماذا يعنى أنهما شاذتان يا " مفعوصة " ؟ لم أكن أقل رعبا من زوجى حيث أغلقت جهاز التليفزيون معتقدة بذلك أننى أغلق الباب فى وجهه معرفة " غير مرغوبة " .

نظرت الينا ابنة الثلاثة عشر عاما ، بدهشة ، كما لو كانت تتأمل " مغفلين " أو تائهين ، قدما من حقبة تاريخية مندثرة . وبلا مبالاة ، سردت علينا تاريخا موجزا للفرقة .. انهما ثنائى روسى تغنيان باللغة الانجليزية ، واحدة تدعى لينا والأخرى جوليا ، لم تتما عامهما الثامن عشر .

أنهما شاذتان ولانهما كذلك اشتهرتا وأضافة باستهزاء : اذا أردت معرفة المزيد عنهما يا بابا العزيز ، عليك بالانترنت . ولم تنسى أن تعبر عن امتعاضها من اغلاق التلفيزيون محتجة قبل أن تغادر الغرفة .

ثم لو سمحت أنا " مش مفعوصة " .

فى الحقيقة أن أطفالنا ليسو مفاعيص كما يحلوا لنا أن نعتقد . انهم يتعلمون بسرعة ويلتقطون المستجدات بسرعة ، ويكبرون وينضجون ويدركون الحياة ، أسرع مما كبرنا نحن ، ونضجنا وأدركنا الحياة .

لم يعودوا تلك الكائنات البريئة التى تتعامل مع ما يقوله الآباء فقط باعتبارها الحكمة المطلقة ، غير القابلة للدحض . لقد باتوا يشككون فى قدراتنا الاستيعابية ، يسفهون آراءنا ، يختبرون معارفنا ، التى تتخلف يوميا عن معارفهم ، فنسقط فى الاختبار بمقاييسهم . قد نحبسهم ، نعزلهم عن الآخر ، على أمل ألا يفهموا ما لا يجب أن يفهم " على الاقل فى اللحظة الراهنة " لكن الآخرات لهم لا محالة . واذا اعتقدنا أنهم لا يفهمون ، وأننا نستطيع أن نضحك عليهم ونلقنهم تفاسير ساذجة للكون من حولهم كما ضحك علينا آباؤنا فنحن اذا أكبر واهمين .

يوم التحق ابنى الأصغر فى أول يوم دراسى له وكان فى السادسة من عمره حظرته من مغبة التشاقى قلت له ان العصفورة ستراقبه وستخبرنى بكل شئ يقوم به حينها نظر الى ضاحكا : لكن العصفورة لا تتكلم يا ماما .

ملتقى الفكر المستنير