تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية وائل (جمال)
وائل (جمال)
مشرف سابق
  • تاريخ التسجيل : 23-12-2011
  • المشاركات : 6,134

  • القصة الشعبية 2 

  • معدل تقييم المستوى :

    15

  • وائل (جمال) will become famous soon enoughوائل (جمال) will become famous soon enough
الصورة الرمزية وائل (جمال)
وائل (جمال)
مشرف سابق
الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.الجزأ الأول
16-11-2013, 12:47 PM
مقدمة 􀂾
يعتبر الفتح الإسلامي لبلاد المغرب نتيجة حتمية اقتضتها طبيعة الحركة الإسلامية التي كانت تهدف
إلى نشر الدين الإسلامي، وتصفية الإمبراطورية البيزنطية المعادية للإسلام، خصوصا وأن بلاد
المغرب في ذلك الوقت كانت ولاية من الولايات التابعة لها.
ويفهم من أراء المؤرخين المعاصرين سواء كانوا عربا أو غير عرب أن سياسة الفتح الإسلامي التي
قامت بها الخلافة الأموية في المغرب هدفت إلى الاستيلاء على الإمبراطورية البيزنطية من الناحية
الغربية إضافة إلى نشر الإسلام طبعا إلى جانب الحملات العربية التي سادت منطقة الشام وآسيا
الصغرى من ناحية الشرق حتى يتمكن المسلمون من تطويق القسطنطينية و بالتالي الاستيلاء عليها.
1 أوضاع المغرب قبيل الفتح
الأوضاع السياسية،الاجتماعية و الدينية : لقد انتهى العصر القديم بتصدع الإمبراطورية الرومانية
تحت ضربات الجرمان. وكانت بلاد المغرب هدفا لأطماع الوندال ثم البيزنطيين ، غير أن هؤلاء
الغزاة لم يحتلوا القطر كله وإنما اقتصرت سيطرتهم على شمال تونس، وسواحل الجزائر، ومنطقة
طنجة، فاتسعت رقعة المناطق المستقلة وعظم نفوذها من قبائل البربر، خاصة في المغرب الأوسط
والأقصى وفى العصر الوسيط، كون سكان المنطقة مجموعات مبعثرة، إنعدمت بينهم الوحدة
السياسية، فكانت إفريقيا (تونس) تمثل أغنى المناطق وأكثرها سكانا وعمرانا، وأرقاها حضارة، إلا أن
أغلب المزارع الكبرى، كانت ملكا لبقايا الرومان،وكان الأهالي المغاربة يعملون في تلك المزارع ولا
ينالون حقوقهم.
أما الفلاحون المغاربة،فلم تكن لهم أراضي واسعة،ثم إنهم اثقلوا بالضرائب المتنوعة، وفيما يخص
المناطق المستقلة فإنها كانت تحت سلطة مختلف القبائل القاطنة بها والمتنافسة على امتلاكها من
البدو.
وفي مجال الحياة الدينية،فيبدو أن المسيحية كانت منتشرة في المدن، وخصوصا في إفريقيا (تونس)
وبين العجم والأفارقة، بينما اليهودية متواجدة في البوادي وبعض المدن، غير أن الديانة المحلية
القديمة، المتمثلة في أصول وثنية متأثرة بديانات الفينييين وغيرهم من شعوب حوض البحرالأبيض
المتوسط، فإنها كانت لا تزال منتشرة بين الاهالي.
وقد أدى انقسام المسيحيين بالمغرب إلى كاثوليك ودونا تبين إلى قيام حروب دينية بينهم ورسوخ
العداوة بين الطائفتين، ومما زاد اليوناننين حقدا على الكنيسة الكاثوليكية أن هذه الأخيرة تحالفت مع الحكام والأغنياء، وساهمت مع هؤلاء في اضطهاد الضعفاء والفقراء من الطوائف المنافسة لها –
ومطاردتهم. وهكذا فإن الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية بالمغرب كانت عند ظهور الإسلام
تمتاز بتأزم مزمن، وتمزق للوحدة القديمة، نتيجة ما منيت به البلاد من تسلط وثروتها الطبيعية.
غير أن هذه الأوضاع عرفت تحولا جذريا حينما تعرضت هذه المنطقة إلى الفتح الإسلامي قد دخلت
مرحلة جديدة من تاريخها وحضارتها.
2-الفتوحات الإسلامية
قبل التطرق إلى سير عملية الفتح في بلاد المغرب لابد من التعرض إلى دوافع الفتح وموقف المغاربة
منه.
أ- دوافع لفتح الإسلامي
- نشر الدين الإسلامي.
- التصدي للإمبراطورية البيزنطية.
- حماية ظهر الإسلام بمصر ومد رقعة الدولة الإسلامية إلى حدود أمنة.
- تقوية صف المسلمين بمؤمنين جدد.
-توسيع رقعة الدولة الإسلامية.
-إضافة موارد جديدة لبيت مال المسلمين.
ب- موقف المغاربة من الفتح الإسلامي
استغرقت عملية الفتح لبلاد المغرب مدة طويلة حوالي 70 سنة ويعزى ذلك إلى:
أ - توقف عملية الفتح بسبب الفتنة.
ب - موقف المغاربة السلبي من الفتح في البداية (المقاومة الأمازيغية للفاتحين) قاوم الأمازيغ الفاتحين
مقاومة شديدة لم تعترضهم في أي بلد فتحوه وهذا قبل أن يفهموا الإسلام،ولما فهموه اعتنقوه وتوثقت
الأخوة بينهم وبين الفاتحين، وشاركوا في فتح الأندلس.
ج- مراحل الفتح الإسلامي
مرت الفتوحات في المغرب بمرحلتين:
أ- المرحلة الاستكشافية : (الاستطلاعية) وتندرج ضمن هذه المرحلة الحملات الآتية :
-1 حملة عمرو ابن العاص ( 23 ه 614 م) بدأت الفتوحات للمغرب بعد فتح مصر مباشرة بقيادة
عمر ابن العاص ووالي مصر وفاتحها،إذ قام هذه القائد بفتح برقة وطرابلس سنة 23 ه لتامين حدود
مصر الغربية من خطر البيزنطيين الذين كانوا يحكمون المغرب ،يث خشي من محاولة البيزنطيين
استعادة مصر. وتشير الروايات العربية إلى أن عمرو ابن العاص أراد التوغل فيما وراء طرابلس
بعد استيلائه عليها حيث استأذن الخليفةعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في ذلك ولكن الخليفة رفض
أن يجيبه ومنعه من تنفيذه وهذه الرواية إن صحت فإنها تدل على أن الخليفة عمر كان يخشى على
جيوش المسلمين من أن تنسحب وتتبعثر في هذه المناطق الشاسعة وهي لم تزل بعد في حاجة إلى
توطيد نفوذها وسلطانها في البلاد التي فتحتها واستقرت فيها حديثا كالشام ومصر.
-2 حملة عبد الله بن سعد بن ابي السرح : ( 27 ه 647 م ) بعد وفاة عمر بن الخطاب سنة 24 ه
جاء الخليفة عثمان ابن عفان (ض) الذي قرر استئناف فتح بلاد المغرب، فأرسل سنة 27 للهجرة
أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد والي مصر على رأس حملة قوية اجتاز بها طرابلس واستولى
على سفن الروم (البيزنطيين) التي كانت راسية على الشاطئ هناك، ثم واصل سيره إلى أفريقيا
(تونس) إلى أن التقى بجيوش البيزنطيين في موقعة سبيطلة سنة 27 ه وكان جريجوريوس حاكم
إفريقيا هو الذي يقود جيوش البيزنطيين. انتصر المسلمون في هذه الموقعة انتصارا حاسما وقتل
جرجير (كما يسميه العرب) على يد عبد الله ابن الزبير، الذي ترجح إليه الرواية الإسلامية الفضل في هذا الانتصار، على أن عبد الله بن سعد لم يستطع الاستمرار طويلا في عمليته العسكرية بالمغرب، إذ
اضطر إلى العودة إلى مصر لمحاربة أهل النوبة الذين هددوا مصر من الجنوب، لذلك عقد معاهدة
مع البيزنطيين، التزم فيها بإخلاء إفريقيا مقابل جزية سنوية كبيرة يدفعها البيزنطيون.
...............................يتبع
[IMG][/IMG]
  • ملف العضو
  • معلومات
بانوح الأمازيغي
عضو مبتدئ
  • تاريخ التسجيل : 14-09-2014
  • المشاركات : 14
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • بانوح الأمازيغي is on a distinguished road
بانوح الأمازيغي
عضو مبتدئ
رد: الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.الجزأ الأول
25-02-2015, 02:46 PM
لغزو العربي للشمال الإفريقي ... الغزوة الأولى 27 للهجرة
هي فاتحة الغزوات الإسلامية تجاه الشمال الإفريقي ، الذي كان يعرف ب (إفريقية)، وكانت عاصمة إقليمها تعرف ب(سُبَيطلة ) [1]،التي كانت مقرا لحاكم البزنطيين ( جرجير ) ، ووددت فتح صفحة هذه الغزوة باعتبارها مفتاح لما لحقها من الفعل الغزوي ، ولكونها كانت بمشاركة عظيمة للصحابة الكبار الذين أوفدهم الخليفة عثمان خصيصا للمشاركة ، وكان بينهم سبعة ممن يلقبون بعبد الله ، فلهذا اتخذت هذ ه الغزوة إسم غزوة العبادلة .
واعتمدت على مصادر ومراجع إسلامية ، سأحاول من خلالها ، استنتاج الغايات الجامحة التي كانت وراء فعل التوسع العربي الإسلامي غربا ، والظروف المؤثرة فيه ، وتحديد معالم موقف الأهالي الأمازيغ الذين كانوا بين فكي الرحى البزنطية والإسلامية ، ومعرفة مدى نجاح المسلمين في احترام تشريعات الجهاد وأوامرها خاصة وأن الكثير من مشاركيها هم من الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم .
**عبد الله بن سعد بن أبي سرح يتولى ولاية مصر :
هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث ، كان أخا لعثمان بن عفان من الرضاعة ، و كاتبا للوحي ، أهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دمه لدس أرتكبه في كتابة الوحي ، أنزل الله فيه الآية 93 من سورة الأنعام [ 2] وهرب مرتدا، توسط له أخوه عثمان ، فعفى عنه الرسول الأكرم [3] ، تولى بيت خراج مصر في عهد ولاية عمرو بن العاص ، وأدار إنقلابا سياسيا عليه ، وولاه عثمان على مصر سنة 25 للهجرة. لمدة تسع سنين (25/34)،
في سنة 27 للهجرة وبعد تشاور مؤكد بين الصحابة في المدينة في أمر الغزو، أمره الخليفة الثالث عثمان بغزو إفريقية مقابل خمس الخمس من خمس الغنيمة نفلا له دون غيره من المسلمين ،[4] بعد أن زوده بجيش جمع للأمر خصيصا شارك فيه بعض من الصحابة ومعهم العبادلة السبع [5]، وسبق للعرب المسلمين في عهد ولاية عمرو بن العاص إخضاع جهات أنطابلس (برقة) اللواتية ، وصالحهم نظير جزية يؤدونها إليه ، وهي دينار على كل حالم[6] وصل عدها ثلاثة عشر ألف دينار جزية ، وإذا لم يقدروا على دفعها فليبيعوا ما أحبوا من أبنائهم في تسديدها ، [7] ، وكان أمازيغ ليبيا ملتزمين بدفع أقساط الجزية إذا جاء وقتها ، يرسلونها للفسطاط دون الحاجة لجابي خراج ، وهو ما يرمز إلى اتقاء الخطر ولو ببيع الولدان وفلذات الأكباد .
** عقبة بن نافع الفهري في استفزازه للأمازيغ وأهالي النوبة :
وقد كان عقبة بن نافع الفهري يومها قائدا لسرية كلف بتمشيط المناطق الداخلية الصحراوية في ليبيا ، ويروي ابن عبد الحكم في فتوحه ، دمويته وعنفه ضد أهالي فزان وزويلة وواحات الصحراء بشساعتها ، فقد جذع أذن ملك ودان بعد معاهدته ، وقال له عقبة حتى لا تحارب العرب مرة أخرى كلما تحسست أذنك ، ورغم إجابة ملك وأهالي (جرمة) للإسلام ، إلا أنه عقبة أمشاه راجلا حتى بصق الدم ، فقال لماذا فعلت بي هذا وانا أتيتك طائعا ، فرد عقبة حتى إذا ذكرته لم تحارب العرب ؟ ، وقطع إصبع ملك( كوار) قائلا له إذا نظرت لأصبعك لم تحارب العرب ، كما هاجم مدينة ( خاور) ليلا ودخلها واستباحها لجنده ، قتلا وترويعا وسبيا [8] وسار عقبة في عهد ولاية عبد الله بن سعد لغزو النوبة ، فتصدى لهم النوبيون رميا بالنشاب، وهم بارعون في ذلك ، فأصابوا جند الإسلام بأضرار بالغة بفقإ العيون وإصابة الأجساد،وممن أصيبوا وفقد إحدى عينيه معاوية بن حديج، وهم معرفون ( برماة الحدق) ، ومن غرائب غزو عقبة للنوبة قول أحد الصحابة فيما أورده البلاذري ( إن هؤلاء لا يصلح معهم غير الصلح ، ان سلبهم لقليل ، وإن نكاثيهم لسديدة)[9] وبمقاومتهم فرضوا على المسلمين صلحا يتم بموجبه أن لا يغزو أحد الآخر ، ويؤدي أهل النوبة سبيا منهم كعبيد ، مقابل تقديم العرب لهم قمحا وأرزا وعدسا في كل حول ، وبفضل هذه الهدنة تحسنت العلائق وانفتحت البلاد على المسلمين سلما ، وانتشر الإسلام بلا سيف ، بطيئا زمـنيا ، لكنه متجذرا في النفوس والقلوب، وأنتج ذلك فطاحل علماء نوبيين منهم الإمام( الليث بن سعد) الذي قال عنه الشافعي بأنه أفقه من مالك ، وهو الذي رفض منصب القضاء في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور ، تلك مزية ٌ نسجلها للأسلوب السلمي في ايصال الإسلام للآخرين .
** غزو إفريقية... ومعركة سُبيطلة :
تقدم الجيش العربي ، وما انضم إليه من جند المسلمين في الفسطاط ومصر كلها ، والذي بلغ تعداده عشرون ألف جندي بين الفرسان والمشاة ، تحت أمرة عبد الله بن سعد بن أبي سرح ،الذي يسعى إلى كسب المجد الذي يزيد من هيبته ويعزز من مكانته[10]خرج في مقدمة الجيش صوب إفريقية ، وانظم إليه عقبة فيمن كان معه عند أنطابلس ( برقة ) ، ثم مروا بطرابلس وقتلوا أسرى مركب كان راسيا بها ، وفشلوا في اقتحام المدينة لحصانتها ، وتركوها ، وواصلو السير أماما نحو قابس ، فلم يحاولوا إخضاعها لحصانتها ، وكانت الخطة تشير إلى عدم استنفاذ القوة قبل التصادم مع قوة جرجير( جريجوريوس ، جرجيس ) الذي كان متحصنا بسُبيطلة، واضطر أخيرا للخروج منها لملاقاة الغزاة ، وقد كان في عدته مائة وعشرين ألف مقاتل ،ويبدوا أن هذا العدد الضخم ناتج عن تجمع للروم والأمازيغ والموالين لهما من الحصون القريبة ، وخاف عبد الله بن سعد أن يلقي العرب في مهلكة ،أرسل رسله إلى جرجير يدعوه إلى خصال ثلاثة : ( الإسلام ، الجزية ، القتال) ورفض جريجوريوس تلك الخصال ، وتمنع عن ملاقاة العرب المسلمين في معركة فاصلة فتدور عليه الدائرة كما وقع في الشام ومصر والعراق وبرقة ، لذا كانت تجري مناوشات بين الخصمين دون حسم، وتخمرت في فكر الصحابي عبد الله بن الزبير فكرة أفصح بها لأميره ، تتلخص في مباغتة الروم بعد نهاية المناوشات ، ويكون التعب قد أخذ منهم مأخذا عظيما[11] واخترق عبد الله بن الزبير - ومن معه من الجند الممتازين والذين أختيروا وأعدوا مسبقا للمهمة - صفوف الروم في هجمة كاسحة مفاجئة لموقع البطريق جرجير ، وتمكنوا من قتله ، ( وكان الذي ولي قتله فيما يزعمون عبد الله بن الزبير ) [12]وفُصل رأسه ووضعه على رمح طيف به لبعث الخنوع والفشل في نفوس المقاومين ، وبمقتل الملك جرجير انهزم الروم ومن معهم من الأمازيغ هزيمة نكراء ، وحاولوا الهروب نحو سبيطلة وسبقتهم خيالة العرب إلى باب الحصن ، وأذرعوا فيهم قتلا ، وتقدم جيش المسلمين فحاصروا المدينة حصارا محكما ، وتمكنوا من دخولها عنوة ، وغنموا ما فيها .
ولم ينته الأمر هاهُنا ، بل أراد الأمير عبد الله بن سعد استثمار هذا الإنتصار ( فبث جيوشه في البلاد فبلغت قفصة ، فسبوا وغنموا ، وسير عسكرا إلى حصن الأجم وقد احتمى به أهل البلاد ، فحاصره وفتحه على الأمان) [13]. وتناهى إلى سمعه أنباء تشير إلى قيام حشودات في الجهات الشمالية تقصده ، فخاف من الهزمة معها ، خاصة وأنه فقد الكثير من مقدرته الحربية في سبيطلة ، زيادة عن رغبته الجامحة في العودة إلى مركز ولايته في الفسطاط التي طال غيابه عنها لخمس عشرة شهرا ، ومحاولة إسكات التذمرات الناشئة فيها نتيجة السياسة المنحازة لذوي القربى للخليفة عثمان بن عفان ،ونقل ما جمع من من المغانم الكثيرة المجمعة ، كل تلك العوامل ساعدت فيما يبدوا رجوع الغزاة إلى مصر دون استقرار واستعمار ، فهي في ظاهرها تبدوا وكأنها غزوة تأديبية بُعدها مادي أكثر مما هو روحي .
** وللغنائم وقع في نفوس الغزاة العرب .
يذكر البلاذري في فتوحه بأن عبيد الله بن سعد بن أبي سرح ( بث سراياه ففرقها على البلاد ، فأصابو غنائم كثيرة واستاقوا من المواشي ما قدروا عليه ، فلما رأى ذلك عظماء إفريقية من البربر ، اجتمعوا فطلبوا إلى عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ( ثلاث مائة قنطار من الذهب) ، على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم ، كما صالح البطريق المحلي على [ ألفي ألف دينار وخمس مائة ألف دينار]، ورجع إلى مصر ولم يول على إفريقيا أحدا .)[14) ،ونظرا لكثرة الأحمال وتعدد الأسلاب وتنوعها بما أفاء الله عليه ، فقد اضطر إلى مراسلة نائبه على مصر عقبة بن عامر الجهني ( يأمره بأن يرسل إليه بطرابلس مراكب في البحر لتحمل غنائم المسلمين ، وسار هو وجيشه إلى طرابس حيث وافته بها [15] ، ويذكر ابن الأثير أن سهم الفارس من الغنيمة بلغ ثلاثة آلاف دينار( مثقال) ، وسهم الراجل ألف دينار ( مثقال)[16]وهو ما يساوي (14 كلغ من الذهب للفارس ، وما يقارب 5 كلغ للراجل) ، وذاك ما حفز هرقل القسطنطينية الذي ( أرسل بطريقا إلى إفريقية ، وأمره أن يأخُذ من الأمازيغ مثلما أخذ العرب المسلمون فأبوا عليه)[17].
**قراءات ..و مفارقات تحتاج إلى وزن وتقدير :
**وأنا أسجل هذه الحقائق المستقاة من منابعها ومصادرها ، أصيبت بخيبة أمل من الفاعلين ، وارتأيت أن تكون من قول المؤرخين العرب المسلمين أنفسهم، حتى تُقام الحجة على الذين يرون قدسية الغزاة وعدلهم، وتحريرهم للأمم التي بلغوها بحد السيف ، ولا غرو أن الأخطاء إنسانية بالأمس واليوم ، غير أن التمادي في الخطأ بتبريره وإيجاد المخارج له عن طريق تأ ويل مالا يؤول ، هو إصرارعلى الخطأ مصداقا لقوله تعالى( َلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ، إِن تُرِيدُ إِلا أَن تَكُونَ َجبَّاراً فِي الْأَرْضِ ، وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ )[18] [القصص :الآية 9.].
** آيات الجهاد في عمومها ترسخ قيم جهاد الدفاع ، والإسلام في روحه نابذ ٌ للإعتداء والتهجم على الآخرين، فآياته المكية تصدح بحب الآخر والتسامح معه ، حتى آياته المدنية أولت تأويلا فاسدا ، لأنها نزلت لعلاج قضايا آنية وقعت بعد صلح الحديبية ، ولا يعقل أن يكون لله سبحانه وتعالى بوجهين وجه رحيم، ووجه سقيم ،لعل في عقول بشَرنا البَدوي عوزٌ يحتاج إلى تفعيل لما هو أفيد للإنسانية بلا إكراه وتعد على حرياتها الشخصية الخاصة.
** أن يتولى السلطة رجل صحابي مثل عبد الله بن سعد وأمثاله ، الذين لهم سوابق خطيرة ضد الإسلام، في التدليس ، وصياغة أحاديث الآحاد ، و تفضيل الدنيا ، والمحسوبية التي خلقت نقمة عارمة أدت لثورة أودت بحياة الخليفة الثالث عثمان، على يد الصحابة أنفسهم وبجوار ضريح رسولنا الأكرم في المدينة ، يعد ضربا من ضروب هدم الذات ، وهي تعبير صادق عن مقولة ( على نفسها جنت براقش ).
** سرايا عقبة بن نافع الفهري في بلاد فزان وواحاتها وصحرائها ، وماذكره ابن الحكم من تجاوزات اقترفها، تظهر الوجه الحقيقي الأموي العربي ، الذي حرص منذ البداية على إرساء قدسية عربية ، أكثر من قدسية الإسلام ، ويتضح ذلك في إسراره على ركوع الموالي للعرب وباسم الإسلام، أي جعل العربي هو الجار ، والإسلام هو المجرور ، العربي فرس ، والإسلام عربة ، لهذل تكرر تعبيره ( حتى لا تحارب العرب ؟) .
** أعجبني موقف النوبيين( رُماة الحدق )الذين قهروا الغزاة العرب ، وعلموهم كيف يكون نشر الإسلام بالطرق السلمية لا الحربية ، وحبذا لو استفاد المسلمون من التجربة وعمموها في المناطق التي يريدون ايصال كلمة الحق إليها ،ولكن للأسف كل التوسعات الآتية كانت دموية، وتركت جروحا لم تندمل رغم مرور القرون .
** إسقاط ُ السلطة الزمنية للروم في سبيطلة بقتل جرجير ، و إنهاء الحرب لصالح العرب ، كفيل بالجلوس مع أهالي البلد لمحاورتهم ، وتوضيح منشدهم من الغزو ، وتعليمهم أهداف هذا الدين عن طريق بث الدعاة والأئمة بين جموعهم وبطرق سلمية ، تزيل غشاوة الحدث وجبروته ، غير أن ما وقع هو ملاحقة الأهالي وترويعهم وسبي نسائهم والإستيلاء على ممتلكاتهم ، دون وجود مبرر وجيه لذلك ، وهو ما أجبر الخلقُ على جمع ما ذكر من الذهب أعلاه ، وتسليمه لقائد الحملة لاستبعاد خطرهم عن البلاد ، وهنا يتساءل المرْء عن حسن سجية ، لماذا لم يرفض الصحابي عبد الله بن سعد هذه الغنيمة ؟ ،ولماذا لم يتدخل الصحابة الذين رافقوه للنهي عن منكر ظاهر بقولهم ما جئنا لجمع الذهب ؟ وإنما جئنا لنبلغكم رسالة الرحمن؟ ، وهو ما فعله يوسف ابن تاشفين الأمازيغي ، عند هزمه للقوط في الزلاقة ، قيل له خذ نصيبك من الغنيمة ، فتمنع قائلا ، جئنا لنصرة الإسلام ،ولم نأتي لمغنم دنيوي نصيبه، وذاك ما فعله طارق بن زياد ، وكان سببا في اختلافه مع قائده موسى بن نصير الذي اراد أخذ الغنيمة لنفسه والتباهي بها عند الخلفاء .
**الفُرس الساسان، هم أكثر الأمم تفهما لطبائع العرب البدوية لقربهم منهم، ومخالطتهم قبل الإسلام ، فقد الفرس الإسلام ، وما قبلوا الإذعان لمثل هذا الطغيان العربي ، وقد قبلوا تعاليم الإسلام الروحية والإنسانية ، لكنهم رفضوا ما زعمه العرب من تفوق عرقي ، ورفضوا أن يكونوا مصدر رخاء لغيرهم ، فأسموهم الشعوبية ؟
خلاصة .
حملة الصحابي عبد الله بن سعد ابن أبي سرح نحو إفريقية ، هي بداية تراجيدية لأول لقاء بين أمتين ، فلم يوفق المسلمون في الإبانة عن وجهم الحليم الرحيم ، بقدر ما أبانوا وجههم الدموي الرجيم ، وأظهرت بأن الغنيمة ، والسبي ، والإستيلاء على الزروع ، هي دوافع قوية لخروج العرب من ربعهم الخالي، نحو أراضي الخصب والنماء في مصر، وفزان، وطرابلس، و إفريقية ، وأظهرت للعالمين أن الغزاة لا يهمهم الإسلام ، قدر ما يهمهم المغنم المحصل الذي نقلوه بحرا لضخامته إلى مركز الولاية بمصر؟؟ .

**الهوامش **************************

[1]سُبَيْطِلَة:( بضم أوله وفتح ثانيه وياءٍ مثناة من تحت وطاءٍ مكسورة ولام، مدينة من مُدُن إفريقية وهي كما يزعمون مدينة جرجير الملك الرومي وبينها وبين القيروان سبعون ميلاً) أنظر ياقوت الحموي ، معجم البلدان ن مادة سبيطلة .
[2]( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ). [الأنعام : 93.].
[3] الواقدي ، المغازي ، ص 346 .
[4] شرح النهج لابن الحديد ج1 ص 67 .
[5]عبد الله بن سعد بن ابي سرح،عبد الله بن الزبير بن العوام،عبد الله بن العباس بن عبد المطلب،عبد الله بن مسعود،عبد الله بن جعفر،عبد الله بن عمرو بن العاص،عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[6] ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب ... ، ج1 ص 8.
[7] أنظر ابن عبد الحكم ، فتوح افريقية والأندلس ، ص 34، . والبلاذري ، فتوح البلدان ، وابن الأثير في الكامل ، .
[8] ابن عبد الحكم ، فتوح مصر و المغرب ، تحقيق عبد المنعم عامر ، القاهرة 2001.
[9] البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 332.
[10] عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وآثرهم في الأندلس ص 29.
[11]ابن ألأثير ، الكامل في التاريخ ، ج10، ص 43.
[12] ابن عبد الحكم ، فتوح مصر والمغرب ن ص 42.
[13] ابن ألأثير ، الكامل في التاريخ، ج3 ص44.
[14] البلاذري ، فتوح البلدان، ص 92.
[15] المالكي ، ، ص 10.
[16] ابن الأثير ، الكامل في التاريخ، ص 484.[ المثقال = 4.7 غرام من الذهب تقريبا ،= 14100غرام أي ما يزيدعن 14 كيلوا غرام من الذهب الخالص للفارس الواحد،وما يقارب 5 كلغ من الذهب الخالص للراجل .].
[17] ابن الأثير، المرجع السابق .
[18] سورة القصص ، الآية 19
  • ملف العضو
  • معلومات
بانوح الأمازيغي
عضو مبتدئ
  • تاريخ التسجيل : 14-09-2014
  • المشاركات : 14
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • بانوح الأمازيغي is on a distinguished road
بانوح الأمازيغي
عضو مبتدئ
رد: الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.الجزأ الأول
25-02-2015, 02:48 PM
الغزو العربي للشمال الإفريقي . الغزوة الثالثة 50 هجري
بانصراف الغزاة عن الديار الإفريقية بعزل معاوية بن حديج الأعور ، صدر أمر من الخليفة بتعيين عقبة بن نافع الفهري أميرا على غزو جديد ، وعُهد إليه مهمة السير غربا عل رأس جيش جديد قوامه عشرة آلاف تمرس على القتال والقتل منذ تواجده في برقة وطرابلس من صحراء ليبيا ، ولعل في الغزو المتجدد استراتيجية جديدة في قتال الكفار ، خاصة وأن الخليفة معاوية بن أبي سفيان نبه قادة جنده أن الخير ليس فيما تركوه وراءهم ، وإنما الخير كله فيما سيجدونه أمامهم من بسيط الأرض في بلاد الأمازيغ .

** من هو عقبة بن نافع :

تذكر المراجع أنه عقبة بن نافع الفهري(1ق.هج/63 هج) بن عبد القيس الفهري الأموي ، من قبيلة عنزة من بني ربيعة بن عدنان ، ولد قبل الهجرة ،وله قرابة مع عمرو بن العاص من جهة الأم ( ابن خالته ) ، وقد عرف في التاريخ الإسلامي بفاتح إفريقية ، وتولى أمر غزوها مرتين ، مرة أولى في عهد الخليفة معاوية بين 50و55 للهجرة ، وثانية في عهد يزيد بن معاوية بين سنتي 62 و 64 للهجرة ، وسنتناول في هذا المبحث إمارته الأولى التي دامت خمس سنوات .

**سوابق طافحة بالتعدي ... وباسم الإسلام ؟؟

ظهرت مواهب الرجل القتاليه في غزو النوبة ، التي رجع منها ميؤسا ، لشدة المقاومة لتي أبداها (رماة الحدق) الذين عوروا بنبالهم المُحكمة التسديد الكثير من الجند الغازي وأصابوهم بالعور ، ومنهم معاوية بن حديج ، ولاه ابن خالته عمرو بن العاص مهمة غزو بلاد أنطابلس ( برقة ) ثم طرابلس بغرض حماية الحدود الغربية للدولة الإسلامية ، وكان له فيها صولات وجولات أشار إليها ابن عبد الحكم في فتوحه :

*قدم ( عقبة بن نافع) ودان فافتتحها ، وأخذ ملكهم فجدع أذنه فقال : لماذا فعلت هذا بي ، وقد عاهدتني ؟ ،فقال عقبة : فعلت هذا بك أدبا لك ، فإذا مسست أذنك ذكرته ، فلم تحارب العرب . (هكذا) .

ومن ودان سار إلى (جرمة) وهي مدينة فزان العظمى ، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوا ، .... وخرج ملكهم يريد عقبة ، وأرسل عقبة خيلا حالت بين ملكهم وبين موكبه ، فأمشوه راجلا حتى أتى عقبة وقد لغب ( التعب والإعياء) ، وكان ناعما ، فجعل يبصق الدم ، فقال له : لم فعلت هذا وقد أتيتك طائعا ؟ فقال عقبة : إذا ذكرته لم تحارب العرب .وفرض عليهم ثلاثمائة عبد وستين عبدا ، ووجه عقبة الرجل من يومه ذلك إلى الشرق .

..... فمضى عقبة فاتحا فوصل قصور ( كوار) فافتتحها حتى وصل أقصاها وفيه ملكُها ، فأخذه وقطع إصبَعه ، فقال لمَا فعلتَ هذا بي ، قال أدبا لك ، إذا أنت نظرت إلى إصبعك لم تحارب العرب . وفرض عليهم ثلاثمائة عبدا وستين عبدا .

ثم رجع إلى خاور( فشل في حصارها سابقا)، من غير طريقه التي كان أقبل منها، فلم يشعروا به حتى طرقهم ليلا ، فوجدهم مطمئنين قد تمهدوا في أسرابهم ، فاستباح ما في المدينة من ذرياتهم وأموالهم ، وقتل مقاتلهم.[1]

وبخضوع تلك الجهات بتقديمها فروض الولا ء للغزاة ، بعد مصالحتهم على جزية يؤدونها ( وهي دينار على كل حالم)[2] ، كانوا يؤدونها إذا جاء وقتها بانتظام دون الحاجة إلى جابي خراج[3] ،وإذا عجزوا عن دفعها فليبيعوا ما أحبوا من أبنائهم ونسائهم لتسديدها ، [4].

وما قيل على لسان هؤلاء المؤرخين يشير إلى نزوع عقبة بن نافع لأسلوب جهاد الطلب ، وهو ما ساهم في ترويضه على القتل ، وأكسبه مراسا في اخضاع الأمازيغ عن طريق الإكراه والترهيب .

*** عقبة يغزو إفريقية.... من جديد ؟ :

ساح عقبة بن نافع بجيشه المشكل من فرقته المرابطة ببرقة وسرت ، مضافا إليها المدد الذي أرسله معاوية إليه المقدر (بعشرة آلاف فارس) ، مع جماعة من أمازيغ قبيلة لواتة الذين حسن إسلامهم ، مرفوقا بأربعة من القادة المشهورين وهم بسر بن أبي أرطأة الفهري ، شريك بن سمي المرادي، عمر بن علي القرشي ، وزهير بن قيس البلوبي، فسار غربا .( وجانب الطريق الأعظم وأخذ إلى أرض مزانة ، فافتتح قصرا بها ،ثم مضى إلى ( صفر ) فافتتح قلاعها وقصورها ، ثم بَعث خيلا إلى غدامس ، فلما انصرفت إليه خيله سار إلى قفصة فافتتحها ، وافتتح قصطيلية [5]، ولم يكن أهل افريقية يتوقعون مجيء العرب إذ ذاك ، فلم يتخذوا الحذر ، ولم يلجأوا إلى حصونهم كما عهدناهم في الغزوات السابقة ، فدَهَمهُم عُقبة وأصاب منهم كثيرا ، فافتتحها ووضع السيف حتى أفنى بها من النصارى[6]وتلك إشارات كافية توضح أن التوسع سياسي أكثر منه ديني ، لأن الدين لا يُؤتى أكله بالسبل العنيفة الجارحة ، وإنما بأسلوب المسايسة والملاينة ، والقدوة والعدل والرحمة ، والمؤرخون لم يشيروا إلى مبلغ مجاهدة الكلمة والقدوة والمثل ، بقدر ما أشاروا إلى أساليب الترويع ، وقطع الرؤوس، وتمزيق الأسر وتفقيرها (ووضع فيهم السيف حتى أفنى الخلق ؟) ، فلا أثر للتمهيدات الطويلة التي ينغرس فيها الإسلام بين الأهالي عن طواعية وفهم وتبصر وبصيرة ، حتى أن الإختيارات الثلاث ( إسلام ، جزية ، حرب ) التي يشاع أنها عادلة ،يبدوا أنها مجحفة وبلا معنى ، في حق من لا يعرفون شيئا عن هذا الدين ، فكيف يقبلون بعقيدة يجهلونها ، والمثل يقول من جهل شيئا عاداه ، وحتى الجزية هي نوع من أنواع الإكراه والإذلال ، وكثيرا ما يتخلصُ منها الذمي بإشهاره الإسلام تقية ، تهربا من القتل والتصغير(قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ،وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ ،وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ، حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [7].

*** عقبة يؤسس القيروان .

كانت فكرة الإستقرار تراود الغزاة منذ غزوة معاوية بن حديح الذي اتخذ من موقع[القرن] مقرا له إلى حين ، وبتأليب من الخليفة نفسه الذي يرى المكان بمنظور سياسي نفعي أكثرمما هو ديني ، وقد أدرك عقبة بن نافع أن ثبات الإسلام في إفريقية يتطلب إنشاء قاعدة عربية إسلامية ( يكون بها عسكر المسلمين العرب، وأهلهم وأموالهم ، ليأمنوا من ثورة تكون من أهل البلاد [8]، ويُفهم من هذا رغبة ٌ في تحقيق نواة الإستيطان العربي بتبريرات إسلامية ، وهو ما يُظهر مدى التداخل بين نية العقيدة ، ونية السياسة ، فنية العقيدة هدفها زيادة عدد المسلمين ، ونية السياسة هي إبادة أمة أو الإستحواذ عليها وعلى مقدراتها بجعلها تابعة ، برسم سياسة نشر العربان أكثر مما هي نشر الإسلام ،ويُمكن أن نتوقع وجود تجمعات عربية قامت ببناء دورها ، تماما كما فعلوا سابقا في الفسطاط ، فاختطت كل عشيرة حيها الخاص حول الجامع ، واتخذت الكثير من الساحات والطرق أسماء هذه العشائر، مثل رحبة القرشيين ، ورحبة الأنصار ، ورحبة بني دراج ، ودرب الهذلي ، وحارة يحصب ، فقد سبق للفنيقيين تأسيس قرطاجة (تونس)وتنافحوا مع الأمازيغ وأنتجوا دولة قوية كانت مناوئة عتيدة لأقوى دولة في العصر القديم ، لكن بالسبل السلمية لا الدموية ، وقد برر عقبة بناءة لمدينة القيروان قائلا: ( إن إفريقية إذا دخلها [ إمام] أجابوه إلى الإسلام ، فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عز الإسلام إلى آخر الدهر [9]وهذا اعتراف ضمني أن الإيمان الصحيح لن يتأتى بالسبل القسرية ، وإنما بجهاد آخر قد لا يكون للعرب فيه نفع مادي ، كالجهاد التعليمي والدعوي ، وإعطاء القدوة بالفعل والتطبيق وليس بالقول ، فإفريقية لم يدخلها [إمام] وإنما دخلها قادة جند قساة غلاظ شداد، لا يصلحون لنشر الإسلام بقدر ما يصلحون لتنفيذ أجندة سياسية متفق عليها في دمشق ، ( وكانت القيروان في بداية نشأتها قاعدة حربية ، ومركزا توجه منه الغزوات على جبال أوراس المواجهة) [10]، ويذكر ابن الأثير عرضا أن عقبة أثناء عمارته للمدينة ( يبعث السرايا فتغير وتنهب ، ودخل كثير من البربر في الإسلام ، واتسعت خطة المسلمين ، وقوي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان ، وآمنوا واطمأنوا على المقام ، فثبت الإسلام فيها) ،(وزعموا أن القيروان رابعة الثلاثة ، مكة، والمدينة، وبيت المقدس)[11].

*** القيروان ... وما أحاط بها من أساطير .

المتتبع لرويات بناء القيروان يستشف منها البعد المخيالي ، ويكتشف فيه مدى المزج بين الحقيقة والخيال في بناء أسطورة سهلة التصديق من ذوي العقول الساذجة الذين تغذوا بالفكر الباطني والجبري ، ليسهل قيدههم وقيادتهم ، بالرغم من أن الإسلام محرض على إعمال العقل الذي ورد ذكره في القرآن في 49 آية باللفظ ،وما يقارب 300 آية مرادفة لمعناه ..

فمناداة عقبة للوحوش للرحيل وإخلاء المكان ، وما أحاط به من زيادة ونقصان بين الرواة، هو موضوع استهجان لدى الدارسين كحسين مؤنس [12] الذي وصف الخبر وأحاطه بنوع من الباطنية المتصوفة ، كما أن سعد زغلول يذكر (عندما تلتهم النيران بعض الغابات ، فتتفزع حيواناتها ، وقد يفر بعضها وهو مشتعل ، فيتسبب في زيادة الرقعة المنكوبة بالحريق ، وهذا ما نظنه تفسيرا مقبولا لأصل الأسطورة [13]. وكيف لعقبة الخوف من إحراق بهائم الغابة ، وسيفه البتار حصد الآلاف من بني البشر ، منذ أن وطأت قدماه بلاد الأمازيغ ، أم أن آية (... وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[14] معطلة غير عاملة .

وباختلاف المسلمين على تحديد اتجاه قبلة جامع القيروان ، نزل وحي في منام عقبة مفاده أن يأخذ لواءً، يرشقهُ حيث ينتهي التكبير الذي لا يسمعه إلا هو ، وأحيطت الحادثة بقدسية تشبه كثيرا قصص الأساطير ، ناهيك عن انبجاس الماء تحت قدمي فرس عقبة ، وكثير من الكرامات ، التي لا شك أن محمد ابن تومرت قد قلد بعضها في رسم معالم غيبية لشخصيته المهدوية ، ويبدوا أن انشغال عقبة في بناء القيروان وتعميرها لمدة خمس سنوات أفرزا شُحا في الموارد والغنائم ، وهو ما تنبه إليه معاوية بتوجيه من مسلمة بن مخلد الأنصاري ،الذي كان يطمح ضم المغرب ومصر في ولا ية واحدة ، وقد يكون لإشاعة الخوف من استقلال عقبة بإفريقية دورٌ في عزله عام 55 للهجرة ، وإسناد شؤونها لوالى مصرمسلمة بن مخلد الأنصاري لحين من الدهر .

خلاصة :

إن غزوة عقبة بن نافع التي أداها باقتدار ، والتي خط من خلالها مستقبل المكان العربي الإسلامي ببنائه القيروان ، القيروان الذي أصبح مركزا عسكريا في تحقيق التوسع وانجاز الغارات على الجوار ، قد يكون فيه معنيان ، معنى توسع اقليمي مغنمي دنيوي ، وآخر عقدي ظهر خافتا كامنا يحمله المؤمنون الصادقون ، الذين لا تهمهم بهارج الدنيا ، قدر اهتمامهم بإيصال الدين السمح بوجهه الطهور المليح ، وذاك ما نلمسه في شخصية أخرى قادمة إن شاء الله .

الهوامش*****************

[1]ابن عبد الحكم ، فتوح مصر والمغرب ، ص264.

[2].ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب ... ، ج1 ص 8.

[3]. أنظر ابن عبد الحكم ، فتوح افريقية والأندلس ، ص 34، . والبلاذري ، فتوح البلدان ، وابن الأثير في الكامل

[4] البلاذري. فتوح البلدان ، ص233 .(عليكم ان تبيعوا أبناءكم ونساءكم فيما عليكم من الجزية ).

[5] ابن عبد الحكم ، فتوح المغرب .ص 64.

[6] النويري ، نهاية الإرب ص 68.

[7] سورة التوبة ، الآية 29.

[8] ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج3 ص 231.

[9] ابن عذارى المراكشي ، البيان ... ج1 ، ص 19.

[10] حسين مؤنس ، فجر الأندلس ، ص 39.

[11] الدباغ ، معالم الإيمان ، ج1 ص 8.

[12] حسين مؤنس ، فتح العرب للمغرب ، ص 136.

[13] سعد زغلول عبد الحميد ، فتح العرب للمغرب بين الحقيقة التاريخية والأسطورة الشعبية ، ص20.

[14] آخر الآية 151 ، من سورة الأنعام .

 

 

 
  • ملف العضو
  • معلومات
بانوح الأمازيغي
عضو مبتدئ
  • تاريخ التسجيل : 14-09-2014
  • المشاركات : 14
  • معدل تقييم المستوى :

    0

  • بانوح الأمازيغي is on a distinguished road
بانوح الأمازيغي
عضو مبتدئ
رد: الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.الجزأ الأول
25-02-2015, 02:51 PM
الغزو العربي للشمال الإفريقي . الغزوة الرابعة 55 هجري
كثيرمن العظماء طَمس ذكرُهم الزمن وتناسهم ، لأنهم لا يملكون سندا عنصريا ، يروج لفعلهم ولو أنهم قاموا بجلائل الأعمال ، ومن هؤلاء الذين يكاد الزمن ينساهم ، وإذا ذكروا فيذكرون من باب أنهم خلفية للحدث والحديث ، أو يذكرون كتبع لغيرهم جُحدا لجهدهم ، فالمؤرخ العربي يمارس غالبا سياسة الكيل بمكيالين ، وسياسة الإنتقاء بأبشع المظاهر ، فهو يمد الخبر ويقصره ، يفيض في الحوادث أو يبترها ، مسايرة لرغبات أولياء الأمر وإن زاغوا وتجبروا ، وهو الإخفاء الذي طال شخصية أبو المهاجر دينار ، الذي لا يردُ إلا مقرونا بعقبة بن نافع الفهري ؟

** من هو أبو المهاجر دينار ..؟؟؟.

لم نعثر على كبير أثر حول أرومة الرجل ، ولا شخصيته ، فقد أغفلته كتب التراجم لأنه ليس بصاحب ولا تابع ولا عربي ، كل ما في الأمر أنه مولى ( أعجمي ) ،عاش في فترة الفتنة الكبرى ، وما لحقها من انقسام مريع في صفوف المسلمين بين تابع للخليفة علي بن أبي طالب وناقم عليه ، ويبدوا أنه كان من جملة الدائرين في فلك الناقمين ، وفلك أوليائهم المخلصين ، أتباع معاوية وكل الدائرين حوله .

فأبو المهاجر دينار هو مولى ( مسلمة بن مخلد الأنصاري ) الذي جمع ولاية المغرب ومصر في ولا ية واحدة ، وهو الذي أقنع الخليفة معاوية بتنحية عقبة الفهري لأسباب مسكوت عنها، وجعل المهاجر دينار محلهُ أميرا على إفريقية والمغرب كله لذكائه وفطنته ، ( وأنه صبر علينا في غير ولاية ، ولا كبير ميل ، فنحن نحب أن نكافيه )[1] ،وامتدت إمارته لها لسبع سنين كاملة (من 55إلى 62 هجرية)، وهو أقل فاتحي إفريقية ذكرا وأيسرهم لفتا لانتباه المؤرخين ، رغم ضخامة الجهد وخطورته، حسب رأي المؤرخ حسين مؤنس . ويذكر ابن الأثير( استعمل مسلمة على إفريقية مولى له يقال له أبو المهاجر، فقدم إفريقية ، وأساء عزل عقبة واستخف به ) [2] وقد بالغ المؤرخون في استنكار العزل ، والإستخفاف بعقبة ، ولعل لوالي مصر دور في توجيه أميره للفعل ، لسابقة بينهما لا نعلمُها ، كل ما في الأمر أن أبا المهاجر طبق أوامر ولي نعمته دون الخوض في أسبابها .

*** غزوة أبا المهاجر دينار.. وتأسيس ( تيكروان).

وصل أبو المهاجر دينار قادما من مصر ، على رأس جيش لانعرف عن عدده وعدته شيئا ، وقد يكون سكوت المؤرخين عن ذلك مرده وجود نسبة كبيرة من جيشه من غير العرب ، وبوصوله أساء عزل عقبة وسجنه ، لعل في ذلك شيء من تعليمات مسلمة مخلد الأنصاري الذي أنكر الأمر ، المهم أن سراح عقبة أُطلق بعد تدخل الخليفة معاوية في الأمر ، وغادر القيروان باتجداه دمشق مرورا بمصر ، ويذكر المؤرخون أن أبا المهاجر كره النزول بقيروان عقبة ، فبنى لجنده مدينة جديدة بالقرب منه ، باسم امازيغي قح سماها ( تيكيروان ) قد يكون الغرض منها اكتساب الشهرة والمجد ،أو تأويلات من قبيل خوفه من تمرد عرب القيروان ضده ، ولا يعقل تصديق أمر إخلاء القيروان ، أوإخلائها وتدميرها خاصة وأن المالكي يؤكد بقوله ( قد عاد وسكن القيروان بعد رجوعه من حملته على تلمسان[3].فكل ما كان يريده هو احترام الإنسان والمكان ، بتسميته القيروان ب ( تيكيروان)، وبإدراكة أن الغاية هي الإنسان الأمازيغي الذي هو المبتغى في نشر الإسلام .

.. أبو المهاجر دينار ...أول الداخلين للمغرب الأوسط ( الجزائر).

**كثيرمن القبائل الأمازيغية هجرت قراها نتيجة المد العربي ، وتأسيس القيروان زمن عقبة ، واتخذوا منطقة أوراس ملاذا آمنا لهم ولأسرهم ، وتجمع ثان للبرانس بين تيهرت ووهران ،الذين تكتلوا تحت أمرة ملكهم وزعيمهم آكسل( كسيلة) القائد المسيحي القوي لقبائل ( أوربة )[4]، ولا يستبعد أن تكون العلاقة بينهم وبين البزنطيين قائمة على المصاهرة ،و المصالحة وتبادل المنافع خاصة وأن البزنطيين هم أكثر المشترين للبضائع الأمازيغية ، وكان المهاجر دينار على علم بالأمر ، وسرعان ما قاد غزوا مركزا باتجاه تلمسان ، وكان في ذلك ( أول أمير مسلم ، وطئت خيلة المغرب الأوسط )في خطة استبعدت التصادم مع المدن الواقعة في خط سيره ، لعله يريد في ذلك اقتصاد الجهد والوقت ، والإحتفاظ على مقدرات الجيش ، وببلوغه تلمسان ، اصطدم بقوة كسيلة الأوربي ، دون إفصاح المصادر عن طبيعة المعركة وسيرها وصيرورتها ، كل ما ذُكر هو استسلام آكسل ، واعتناقه للإسلام بعد أن عومل معاملة حسنة من قبل المهاجر دينار ، وقد رافقه في طريق العودة إلى القيروان ،ويكون قد شاركه في غزواته اللاحقة ، ولم تفصح المصادر عن أساليب المهاجر في جلب أنصار جدد للإسلام سلما ، وقد يكون للصلح العادل ، و المعاملة القدوة ،دورهما في استمالة كسيلة وقبائل البرانس للإسلام ، وبأعداد لم يكن المؤرخ العربي يتوقعها ، وهو مدرك حقا لأهمية التعاون الأمازيغي العربي في إرساء سفينة عقيدة الإسلام في الشمال الإفريقي[5] ، وهي الغاية التي سعى إلى ترجمتها عن طريق إنشاء جيش أمازيغي مسلم على نطاق واسع ، وهي السياسة التي تنبه إليها قادة الغزوات المتأخرة، مثل موسى بن نصير الذي جند جيشا أمازيغيا بقيادة امازيغية زاد تعدادها عن الأثني عشرة ألفا ، كُلف فيما بعد بغزو الأندلس في بداية العشرية الأخيرة من القرن الأول الهجري ، وهو ما يتوافق مع ما ذكره المالكي بقوله ..( ثم أن أبا المهاجر صالح بربر إفريقية ، وفيهم كسيلة ، (الأوربي)، وأحسن إليه ، وصالح عجم إفريقية ،وخرج بجيوشه نحو الغرب ، ففتح كل ما مر عليه ، حتى انتهى إلى العيون المعروفة بأبي المهاجر نحو تلمسان ، ولم يستخلف على القيروان أحدا ، ولم يبق بها إلا شيوخ ونساء، ثم رجع إليها وقام بها [6].

** ثم اففتح أبو المهاجر المذكور مدينة ( ميلة الجزائرية) وكانت إقامته فيها وبضواحيها من بلاد كتامة نحوا من سنتين[7] وأسس بها ثاني مساجد الإسلام بها بعد جامع عقبة بالقيروان ، والذي لا زال قائما لحد الآن يطلق عليه محليا اسم مسجد ( سيدي غانم) ، ويبدو أنه بني على أنقاض كنيسة وهو ما عرضه لحفريات نتيجتها عبث الإستعمار الفرنسي بأجزائه ومكوناته ،ولا شك أن دور المهاجر دينار كبير في استمالة قبائل كتامة الصنهاجية للإسلام دون خدوش ولا إراقة دماء ، كما هاجم و حاصر قرطاجة عام 59 للهجرة ، وأرسل قائده حنش الصنعاني لغزو جزيرة شريك ، الواقعة بين مدينتي تونس وسوسة ، واستمر في الحصار والقتال حتى عقدوا معه صلحا أخلوا بموجبه جزيرة ( شريك) للمسلمين ، مقابل رفع الحصار على قرطاجة[8] ويتضح أن هذه السياسة الجديدة التي انتهجها أبو المهاجر دينار لم يستسغها الخليفة الجديد ( يزيد بن معاوية ) لطول حصار قرطاج دون احتلالها ، واستهجان أساليب اللين التي استعملها في جلب إسلام الأمازيغ عن طرق المؤلفة قلوبهم ، واختفاء المنافع التي تعودت عليها دار الخلافة من تحف المغرب وسبيها ومغنمها وفيئها ، وهي أمور سهلت التخلي عن أبي المهاجر دينار الذي فقد سندا قويا بعزل مسلمة بن مخلد الأنصاري عن ولاية مصر والمغرب ، وبذلك عادت أجندة القوة والجبروت في التعامل مع الأمازيغ من جديد ، وعادت ريمة لعادتها القديمة .

** في إمارة أبا المهاجر دينار ....عبرة.

المتتبع لما أورده المؤرخون رغم شحه ، يكتشف أن أبا المهاجر دينار عرف كيف يتعامل مع أجدادنا الأمازيغ ، وأدرك أن العنف والإرهاب ليسا سبيلا

صحيحا لنشر الإسلام،وأثبت ذلك في دنيا الواقع ، ووضحت سياسته أن السيف لا يجدي نفعا في العمل الدعوي وجلب الناس للمعتقد ، وقد برهن عن ذلك في استمالته للآكسل ومن وراءه من قبائل البرانس ، وبفضله انتشر الإسلام في ربوع المغرب الأوسط سلميا ، فلم تشر كتب التاريخ لتجاوزات تذكر ، فلا سبي ، ولا غنائم جائرة ، ولا قتل عمدي للفارين كما وقع في الغزو السابق ، وهو الذي كان ناصحا أمينا لخلفه وخصمه عقبة بن نافع الذي وضعه رهن القيد وبالحديد ، عندما لا حظ تجاوزاته وعنفه وعنصريته ضد آكسل المسلم ألأمازيغي مثله ، قائلا له :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألف جبابرة العرب ، وأنت تعمد إلى رجل جبار في قوله ، في دار عزه ، قريب بالشرك فتفسد قلبه )[9].

*** كلمات يجب أن تقال :

* وأنا أبحث عن أفعال الرجل وخصوصياته وأخطائه ، تبين لي أن أبا المهاجر دينار يُعد صفوة لمن سبقوه من الغزاة المسلمين ، فهو لم يلتجيء للقوة إلا عند الحاجة ، وأدرك بحدسه و قوة شكيمته ، وايمانه العميق أن ما يكتسب بالسياسة والليونة واحترام الآخر، أفضل بكثير مما يؤتى عن طريق القتل والترويع والسبي والإحتقار الذي طال الموالي العجم ، ولا غرو أن أعجميته وملا حظاته وتجربته الحياتية ، هي التي وفرت له هذا الفهم المتسامح، والعجيب أن ذكرهُ قل ، وأن اسمه أفلَ ، ولا يذكره العربانُ إلا عرضًا ومن منطلق تقديس غاز سبقه ولحقه ،هو عقبة بن نافع الفهري ،فلا ندري للأمر تفسيرا ، وقد يكون لعجمة الأول وعروبة الثاني دور في ذلك ، أو أن السياسة التي انتهجها أفرزت عيوب خصمه ، وأبانت مبلغ الخطأ الذي وقع فيه عقبة تعاملا مع المسلمين الجدد، الذي يحتاج الى دراية ومقدرة على الضم والجلب ، وليس التنفير والطرد ،مصداقا لقوله تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ،وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ،فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ،وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ، إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [10].

* فلو كان الميزان هو نشر الإسلام، وأن الغاية هي ايصال الإيمان لقلوب الأمازيغ ، لما كانت الحاجة لجبش عرمرم ، ولا لغزوات متتالية تأتي على الأخضر واليابس ، تبيد العرق ، وتقطع النسل ، وتستبدل أرومة أمازيغية ، بأخرى عربية وافدة ، كان الأجدى هو انتهاج سياسة كالتي انتهجها المهاجر دينار في نشر الإسلام عن طريق الإقناع والحوار ، غير ان سياسته لم تكن لتعجب الخلافة في دمشق ، فهم يرون قيمة إفريقية ، من قيمة ما تدره عليهم من نعيم الخيرات ، وكثير من الجواري الحسان ، والعسل المصفى ، وسخال الضان العسلية الألوان ، فلا يهمهم دخول أو خروج الأمازيغ من الإسلام ، بل قل أن بقاءهم على الكفر هو أنفع لأن حربهم ، والسبي منهم ، يكون مستباحا ومشروعا .

* لو كنت قادرا على قلب الميزان ، لنصبت تمثالين واحد لأبي المهاجر دينار ، وآخر للآكسل الشهيد ، واحللتهما محل صنم عقبة بن نافع ببطحاء بسكرة الذي اقامه العربان ومن سايرهم من ذوي السلطان ، لأن الأولان خدما الإسلام واحدثا لحمة حب بين المسلمين جميعهم دون عنصرية ، والثاني كان جبارا يسعى الى ترجمة جبروت الدولة الأموية العضوض في دنيا الواقع وعلى أرض سكانها مسلمون قبل غزوه .

* بعض من ذوينا أصابه العمي البصري ، واتلاف كلي لبصيرته ، فأصبح يرى الدنيء مقدسا ، والمقدس دنيئا ، فسارع الخُطى في تقديساته ، وأنشأ مزارا لعقبة في سيدي عقبة ، بعد مرور أزيد من خمسة قرون عن وفاته ، على شاكلة ما فعلوه في المغرب ، بتكوين ضريحين لأدريس الأكبر ، والأصغر ،بعد مرور قرون عن وفاتهما ، وهو ما يظهر الطابع الاستحواذي وبعث الفتنة ، والغريب أن ما يحاربونه في الحجاز من تهديم القبور وطمس معالمها ، واعتبار زيارة قبر الرسول من المنكرات ، والتفكير حتى في إزاله معلمه من المدينه ، فهو مباح عندنا ،ومستساغ، فقد أقاموا ضريحا للمعتمد بن عباد في( أغمات) واعتبروه مظلوما لأنه شاعر رومانسي وعربي ؟ ، وأقاموا تمثالا لعقبة في بسكرة ، ليذكرونا بالدماء التي أسالها غدقا ،والتجاوزات التي اقترفها ، في تحقيق المطامح السياسة لا الدينية لدولة الأمويين ، لأن الدين داسوه برقاعهم النتنة ، بقتالهم لآل البيت وهجوماتهم المتكررة على الحرمين المكي والمدني ، والذين لم يرتدعوا بقول الرحمن:

َ(لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ،إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ ،وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)[11]

الخلاصة :

قد يصف البعض ما قلناه تحاملا على مقدسات ،وما هو كذلك ، لأن تقديرنا هو أن الأفعال المقترفة لا قدسية فيها ، فهي توزن بميزان الخير والشر ، وبرآى عقلية لا نقلية ، و بمنظور تاريخي لا ديني ، فالمهم هو الوصول الى الحقائق وتفسيرها وفك رموزها وطلاسمها ورؤيتها بالطريقة التي وقعت ، وبنظرات محلية ، وبعيوننا لا بعيون غيرنا ، وليس بالطريقة التي يريد البعض أن تقع بعد أن صبغوها بألوان زائفة ، وأحاطوها بقدسية منافقة، ولا عيب في تشريح الأخطاء ، وإنما العيب أن نبقى نفكر بطريقة الأولين رغم ما نلاحظه من عوز في الطرح والسرد والطمس المقصود ، لكل فعل يساعد على محاربة التوهمات الزائفة المغروسة في عقولنا الباطنة ، ويظفي إلى غاية ، ندرك من خلالها الفروق الجوهرية بين المجد الحقيقي والمجد المزيف ،أي ما يعرف بالفرق بين المجد والممجد .

الهوامش*********************

[1]ابن عبد الحكم ، فتوح مصر والمغرب ، ص 197.

[2] ابن الأثير ، أسد الغابة ...ج3 ص، 184.

[3] المالكي ج1 ص21. معالم الإيمان ج1 ص46.

[4] ابن خلدون ، ج6 ، ص 216.

[5]المرجع السابق ، ص 297.

[6]المالكي ، رياض النفوس ، ص 7.

[7]أبو المحاسن ، النجوم الزاهرة ، ج1، ص 157.

[8] نفس المصدر ، ص،152.

[9]ابن خلدون ، العبر ... ج6 ص146.

[10] سورة آل عمران ، الاية 159.

[11] سورة العنكبوت ،الآية 46 .
  • ملف العضو
  • معلومات
ج.الطيب
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 25-11-2008
  • المشاركات : 91
  • معدل تقييم المستوى :

    11

  • ج.الطيب is on a distinguished road
ج.الطيب
عضو نشيط
رد: الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.الجزأ الأول
25-02-2015, 04:09 PM
تحياتي
من حقك ان تطرح كغيرك ما تؤمن من خزعبلات تاريخية0
بمعنى ...أنك كمن يفسر الماء بالماء...
لكن من المعيب أن تقتحم موضوع الزميل ...( عزو)
كان لك أن تفتح موضوعا آخر لطرح ما يرضي عنصريتك أنت الآخر
أرجو تقبل رأي
  • ملف العضو
  • معلومات
تأمل عقل
مشرف سابق
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2009
  • الدولة : الجزائر
  • المشاركات : 1,871
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • تأمل عقل will become famous soon enough
تأمل عقل
مشرف سابق
رد: الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.الجزأ الأول
03-05-2015, 01:11 PM
سواء سميته فتحا او غزوا فهو تاريخ انتهى ومرت عليه قرون وقرون،،،،ولكن للأسف لازلنا نتهم كل من يخالفنا الرأي بمالايليق بالحوار البناء,,,فعملية دخول الإسلام الى شمال افريقيا لم يكون بالتي هي أحسن دائما بل كانت الحروب والحروب ،وعندما تجد في شمال افريقيا الآن يطرح مشكل الأمازيغية لغة رسمية في الجزائر بين معارض ومدعم،وكذا من يحمل لواء التمييز اللغوي ببعد عنصري...كل ذلك من آثار عدم المصالحة مع التاريخ وعدم ذكر التاريخ كما وقع ،بل نقدم التاريخ حسب مواقفنا الآن وافتراضاتنا.دائما النقاش للأفكار
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم


الساعة الآن 11:38 AM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى