بحث/ تاريخية علم المصطلح نشأته عند العرب والغرب
09-04-2020, 07:29 AM
الفصل الأول تاريخية علم المصطلح
المبحث الأول: تعريف المصطلح وتاريخ نشأته

1.1 تعريف المصطلح: لغة واصطلاحا

لغة :
نجد في المعاجم مادة ( ص ل ح) صلح الذي ترجع إليه لفظة مصطلح، أي ما يدل على الاصلاح الشيء وصلوحه بمعنى أنَّه مناسب ونافع، صَلَحَ الشيء كان مناسبا أو نافعا، ويقال هذا الشيء يصلح لك[1]
وفي لسان العرب ( الصلح تصالح القوم بينهم والصُّلح السلم وقد اصطلحوا وصالحوا واصّالحوا مشددة الصاد قلبوا التاء صادا وأدغموها في الصاد بمعنى واحد أي اتفقوا وتوافقوا [2].
الصلاح ضد الفساد تقول: صَلَحَ الشيء يصلح صلوحًا، قال الفراء وحكى أصحابنا صَلُح أيضا بالضّم وهذا الشيء يصلُحُ لك أي هو من بابتِك، الصِلاح بكسر الصاد المصالحة والاسم الصُلح يذكر ويؤنث، وقد اصطلحا وتصالحا واصَّالحا أيضا مشددة الصاد، والإصلاح نقيض الافساد.
المصلحة واحدة المصالح والاستصلاح نقيض الإفساد[3].
وعلى كل “المدلول اللغوي لهذه المادة هو التصالح والتوافق فكأن الناس اختلفوا عند ظهور للمدلول الجديد”[4]
إذا كان هذا المصطلح في أصل الكلمة الصُلح فما بال هذا أن صار الاختلاف والصراع فيه شديد.
اصطلاحا:
عرفه الجرجاني: الاصطلاح عبارة عن اتفاق قوم على تسمية شيء باسم ما ينقل موضعه الأول وإخراج اللَّفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما.
وهذه المناسبة لا تكون دائما في المصطلحات لذا يقال “لا مشاحات في الاصطلاح” إذا كانت لا توجد مناسبة بين الكلمة والمصطلح.
وقيل الاصطلاح: اتفاق طائفة على وضع لفظ إزاء المعنى.
وقيل الاصطلاح: إخراج الشيء عن المعنى الغوي إلى معنى آخر لبيان المراد.
وقيل لفظ معين بين قوم معينين[5].
وعرفه صاحب تاج العروس والاصطلاح اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص[6].
ا لُمصطَلَحُ كلمة أو عبارة قصيرة لها معنى محدد مُتَّفقٌ عليه[7].
وقال الشاهد بوشيخي: المصطلح عنوان المفهوم، والمفهوم أساس الرؤية والرؤية نظارة الإبصار التي تريك الأشياء كما هي [8].
ويقولون لكل علم لغته أي مصطلحاته.
هو “اللفظ المختار لدلالة على شيء معلوم لتمييز به معا سواه”[9].
أمافيلبر: الذي قال ” المصطلح هو الرمز اللغوي لمفهوم واحد[10]“.
هذا المفهوم فيه كثير من الدقة وإذ هو جوهر المصطلح الدال اللفظ والمدلول المعنى.
وعرفه أيضا: عبارة عن بناء عقلي، فكري، مشتق من شيء معين فهو بإيجاز الصورة الذهنية لشيء معين موجود في العالم الخارجي أو الداخلي (…) ولكي نبّلغ هذا البناء العقلي، المفهوم في اتصالاتنا، يتم تعيين رمز له ليدل عليه”[11].
حسب التعريفات هو في عمومه يدل على اتفاق طائفة مخصوصة على رمز مخصوص بمفهوم مخصوص في مجال مخصوص.
من حيث الوصف المصطلح هو حصيلة اقتران رمز لغوي بمفهوم.
ولمسايرة تعريف المصطلح أكثر نبين.
الكلمة

لفظ
دال

معنى
مدلول

المصطلح


لفظة /عبارة /رمز
ما يكتسبه المصطلح من تسمية تدل عليه وتكون لباسا له

المفهوم
هو جُمْلَة المحتويات المعرفية والخصوصيات والتصورات التي يدل عليها

اللغة

كلمات

المصطلحات

المعنى العام بين عموم المتكلمين

اصطلاح خاص بين فئة خاصة من الناس


ومما يُنتبه إليه
المصطلح العبارة: هو مجموع كلمات تدل على التعبير الاصطلاحي لا تدل عليه لفظة من ألفاظه مستقلة عن هذا التركيب، مثل حقوق الإنسان، حرية التعبير، حرية المرأة، هيئة الأمم المتحدة، وغيرها، لو فُكِكَت هذه العبارات دلت على مفاهيم أو معاني غير التي عليها في التركيب، أو قد تنتقل من المجال الاصطلاحي إلى كلمات عامة.
وأيضا إذا كان المصطلح بمثابة الدال فإنَّ المفهوم بمثابة المدلول[12]“.
وأصل المصطلح له معنيان: فإذا أريد بالمصطلح الكلمة المفردة فهو يعني المفهوم، والمعنى اللغوي الذي منه جاء المفهوم الاصطلاحي وأخذ وكان سبب في رَفعِ اللفظة إلى درجة المصطلح.
أما إذا أريد بالمصطلح مجموع الألفاظ الاصطلاحية لتخصص ما فأصل المصطلح إذْ ذاك ميدان الاستعمال[13]“.
وكذلك في المصطلح أنّها ألفاظ فهي تحمل من المعاني ما تحمله في الايطار اللغوي العام ولكناه تفرغ منه اذا رفعت الى درجة المصطلحات.
2.1 المصطلح أم اصطلاح
في هذا الباب تكلم كثير من اهتموا بالمصطلح وعن تحديد هذه الألفاظ المتعلقة به، وحسب التعريف المعاجم وتتبع حركة اللفظة وتطورها عبر الحقب الزمنية نجد أنَّه أُستعمل كلا من اللفظتين اصطلاح ومصطلح وأنَّهما مترادفتان في اللغة العربيّة، ولكن بعضهم يعتبر لفظ مصطلح غير فصيح، هذا حسب ما ذكره عبد العلي الوديغري في الرّد على من زعم أنَّ لفظة مصطلح غير فصيح تحت عنوان كلمة المصطلح بين الخطأ والصواب حيث قال فيها إنّ.
  • لفظة مصطلح لم يرد عند أسلافنا القدماء ولم يستخدموه ولكنّهم استخدموا لفظ اصطلاح بدلا منه.
  • وأنّه لم يرد في القواميس الغربية القديمة ولم يدخل قواميسنا الحديثة إلاّ منتصف هذا القرن.
  • وأنّها من الأخطاء الشائعة التي لا يصح استعمالها.
فقام بالرّد عليه ومن جملة هذا الكلام، أنّ لفظة المصطلح موجودة لدى القدماء وقد استعملها كمال الدين عبد الرزاق ت(720هـ أو 730هـ) في مقدمة كتابه اصطلاحات الصوفية ….وأيضا استعملها ابن خلدون في تفسير الذوق مصطلح أهل البيان[14] ثم ذكر جملة من العلماء الذين استعملوا هذا للفظ ليدل أنَّه فصيح وصحيح بجملته.
3.1 خصائص المصطلح
باعتبار أنَّ المصطلحات هي ألفاظ (كلمات) ولكن دخلت إلى الحقل الاصطلاحي بمفاهيم اكتسبت به خصائص نذكر منها.
  • المصطلحات ليست ألفاظ فقط، وإنَّما هي مابين رموز كالذي يستعمله المحققين وأهل الحديث إلى عبارات (جملة) وضابطها أنَّها لا تدل على المفهوم كله وإنَّما لخاصية من خصائص هذا المفهوم مثل الشرف هو المكان العالي والشرفة مكان عالي مطل من البناية والشريف منزلة الإنسان في قومه كلها دلت على العلو.
  • للمصطلح الواحد مفهوم واحد في التخصص(العلم) الواحد ولا يصح تعدد مفاهيم في نفس العلم لهذا المصطلح.
  • المصطلحات يختلف مفهومها باختلاف المجال المستعملة فيه مثلا (الحديث) عن المحدثين له مفهوم وعند أهل اللغة له مفهوم وأهل التاريخ والسير له مفهوم وتسمى هذه المصطلحات بـ (المصطلحات الرحالة ) هي المصطلحات التي تحافظ على تركيبتها وبنائها الصوتية (لفظَا) لكن تتغير دلالاتها (مفهوماَ) حسب تعدد الاختصاص والعلم.
  • ليس كل المصطلحات أصلها ألفاظ (كلمات) لمعاني وإنّما منها ما يُولَدُ مصطلحا كتسميات الأجهزة ثم تسير سير الألفاظ إذا شاعت بين الناس.
  • الكلمة تعرف بانتشارها بين المتكلمين عامتا وليست لفئة خاصة والمصطلح ينحصر في تداوله وفي مفهومه لفئة معينة.
  • المصطلحات يبحث عنها في المعاجم الخاصة لأهل الاختصاص خلاف الألفاظ يبحث عنها في المعاجم العامة.
  • المصطلحات لها مفهوم ثابت لا يتغير ولكن قد يُنسأ وتُنسأ معه اللفظة* أيضا أي أنّها تُسَاير الزمن والواقع والعلم التي نشأت فيه.
  • المصطلحات لها حَقلٌ مفهومي والكلمات لها حقل دلالي.
4.1 تاريخ علم المصطلح
قبل أنْ نتكلم عن تاريخ علم المصطلح نبين تاريخ استعمال المصطلح كمادة من حيث هي، فإذا قلبنا صفحات التاريخ وتتبعنا حركة المصطلحات وجدنا أنَّ الحركة المصطلح قامت مبكرا جدا، كانت مصاحبة لنشاط الإنساني في الحياة المدنية والحضارية، فبوجود الإنسان على هذه البسيطة وقدرته على التفكير وكثرة البحث والاكتشاف تفسيرًا لما حوله صاحب هذا كله حركة ونشاط على مستوى المصطلح، فبتعقد العلوم وانتشارها وكثرة الاختصاصات فيها التصق هذا بالمصطلح، فعرف من النشاط المكثف ماساهم في ظهوره بقوه.
كان هذا لِمَا في المصطلح من تقريب المفاهيم وإيراده المراد الدقيق لهذه المفاهيم، ولِمَا فيه من اختصار، فكانت من الألفاظ أنْ ألبِست هذا الباس إمَّا لمناسبة أو لغير مناسبة، وكل هذه الأحقَاب التي قام فيها المصطلح لم يؤخذ على محمل علم مستقل، ولم يقف على تسمية واحدة في وصفه.
كان ظهور علم المصطلح من حيث هو، لو نظرنا إلى من ألفوا فيه أو لنقل اهتموا به قديما، نجد جملتا من الأسماء تناولت المصطلح تحت تسميات مختلفة، وأنَّ هذه التسمية (المصطلح أو اصطلاح) ظهرت حديثا بهذا المفهوم، وإلاَّ فلفظة اصطلاح بَادِئًا بِبِدء لم يعرفها العرب حسب التعريف السابق للمعاجم القديمة بهذا المفهوم الحديث.
ولادة تسمية علم المصطلح وذكر ألقابه
بمجيء الإسلام وتوسع رقعته وانتشار علم والكتابة وضرورة المسلمين الملحة التي دفع بِهَا الإسلام إلى تدوين كل ما يتعلق بالشرع، فظهر من هذه الحركة علم الحديث الذي عرف بـ (علم المصطلح) بمفهوم حسبما يبينه طارق بن عوض الله (ولكن كان علم المصطلح ليس “علم الحديث ” بالجملة وإنّما غايته أن يكون جزءا من علم الحديث أو هو شيء من متعلقاته التي تتعلق به[15]” يعني أنَّه استعمل أهل الحديث هذه التسمية لأنّه علم اهتم باصطلاحات أهل الحديث، من تعريف وتبيين وإيضاح لما كانوا اصطلحوا عليه من ألفاظ في هذا العلم.
هذه ولادة تسمية علم المصطلح ولكن هذا الظهور لم يحصل به التزاوج بمفهومه الحديث، تجد أنَّه خلال هذه المرحلة كان الاهتمام بالمصطلحات وبوصفها بسيمات تنوعت واختلفت باختلاف الأزمنة والعلماء والباحثين فيها.
نجد أول من اهتم بعلم المصطلح حسبما ذكره بكر أبو زيد في تتبعه وعني بشرح الألفاظ الشرعية وإعطاء دراسة عنها هو كتاب الزينة أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 322هـ
كما نجد دراسات مختلفة منها
الحدود جابر ابن حيان متوفى سنة 200هـ رسالة في المصطلحات الكيمائية والطبية ومراده بالحدود جمع حد هو المصطلح.
الزينة في الكلمات الإسلامية العربية أبي حاتم الرازي م 322هـ.
الألفاظ المستعملة في المنطق الفارابي م 339هـ.
مفاتيح العلوم الخوارزمي م 387هـ.
الصاحبي ابن فارس 395هـ حيث عقد باب وسماه بالأسباب الإسلامية وهذا باب ومراده بالأسباب الإسلامية أي المصطلحات.
السامي في الأسامي الميداني م 531هـ.
مصطلحات الصوفية لابن عرب الحاتمي م 638هـ.
التعريفات للجرجاني م 816هـ.
وكتب القدماء على اختلاف تصنيفها جُلها كان فيها اهتمام بشرح لهذه المصطلحات، وبيان مفاهيمها وتتبع الألفاظ وأصلها ومردِها، وليست دراسة بمفهوم علم المصطلح الذي هو عليه اليوم من اجتماع جملة من النظريات والعلوم حوله في دراسة اللفظة الواحد.
وكتاب الإحكام لابن حزم وأيضا الإحكام للآمدي بهذا يُعلم أنَّ من اهتموا به أيضا من اشتغل بأصول الفقه كان لهم جانب من الاهتمام بالمصطلحات ودراستها إمّا.
  • من جهة الألفاظ التي درجوا عليها نجد في وصفهم وتسمياتهم للمصطلح.
  • أو من جهة وصفهم وبيانهم للألفاظ الشرعية ودلالاتها.
وتوالت البحوث والدراسات المختلفة لهذا الجانب اللغوي للألفاظ مثل
ابن خلدون في مقدمته 707هـ .
لكن هذا العالم إنَّما تكلم عن القضية بعينها وهذا ما تجده وتراه من بداية كلامه في المقدمة، حيث نبه على أمرين في تكلم عن العمران ( الحضارة ) وما يتصل به حين بين الفساد الذي انتشر فيها وما ظهر في زمانه من
  1. فساد اللغة من جهة النحو والعُجمَة عموما التي دخلت إلى اللغة العربية.
  2. فساد المعاني المتعلقة بالألفاظ بهذا فهو تكلم عن قضية قَلْب المفاهيم والمعاني للألفاظ في عصره، حيث نبه على أثر هذا وخطورته في المجتمعات لأنّه يعلم أنّ اللغة هي الهوية بالنسبة إلى العمران، وأنَّه رَأَى الفساد يَطَالُهَا ليمتد إلى باقي العلوم لأنَّ اللغة هي أساس الفكر[16]“.
ومن المهمات أيضا التي حدثت في الأمة الإسلامية في زمن من مضى، ما كان من حركة الترجمة الشديدة والقوية التي نشأة، فتم من خلالها أنْ ضُخَ كَم هائل من المصطلحات، بهذا نجد أنّ علماء المسلمون عُنوا كثيرا بالألفاظ وتعريفاتها، و بالمصطلحات ومفاهيمها، وقدموا الكثير في تحديدها، فنجد ابن فارس يقول (لكل لفظ اسمان لُغوي وصِناعيٌّ) ويقصد بالصناعي الاصطلاحي[17]“.
وعلم المصطلح كما قال البعض هو علم قديم في غايته وموضوعه و حديث في مناهجه ووسائله.
وبعد هذه المواطئات والمواضعات من
  • الأسباب الإسلامية
  • الحدود
  • التعريفات
  • الأسامي
  • الألفاظ
  • مفاتيح العلوم
  • المصطلحات وغيرها.
زاد الاهتمام به شيئا فشيئا، وبتطور العلوم وكثرة الاختصاصات وتنوعها وتشعبها جاءت من هناك ضرورة ملحة إلى انشاء علم يخدم هذه الألفاظ، الذي اكتسب اسمه منها، فكان اسم على مسمى للاعتناء بهذا الزخم الكبير من الألفاظ والمصطلحات ومفاهيمها وضبطها تحت اختصاصات أهلها، فأنشئ ما عرف بعلم المصطلح بعد فراغ مسها بسبب الاستدمار الذي أَدْخَلَ الفساد من جهة المصطلح إلى الأمّة.
هذا بجملته واختصاره كان عند العرب
5.1 عند الغرب
عُرف الاهتمام بالمصطلح قديما في الغرب من لَدُن اليونان والفلاسفة ومن اشتغلوا بالمنطق عندهم قديما، نجد أنّهم اعتنوا بهذا أيضا فِيمَا وَقَفَ عليه أفلاطون وسقراط وأرسطو وغيرهم على السفسطائيين إلاّ من جهة لما استخدموه من ألفاظ اصطلحوا عليها في غير ما أريد بها، أَوْجَدُوا مصطلحات كانت حسبهم سبب في تغير تَوجه النّاس وسلوكهم منها ما جاء في كتاب “أفلاطون”، الذي نَاظَرَ فيه سقراط زعيم ومعلم السفسطائيين (بروتاجوراس) حول (الفضيلة) فقد اختلف معه في مفهومها[18].
وأيضا في كتاب السياسيات، حيث يَظهر موقف أرسطو ما كان من محاربته للسفسطائيين وما كانوا عليه من قلب للألفاظ، فيقول ” لا تعد الخطابة فنا وإنّها لا تنفع شيئا إذ تحاول مزج الحق بالباطل وتزييف الحقائق وإبراز البهتان بثوب الحقيقة[19]“، وكذلك ما ذكره أبو زهرة عن سقراط “أنَّه وجد السوفسطائيين قد اتخذوا من اللعب بالألفاظ طريقا لحل أخلاق الشباب الأثيني وإفساد اعتقاده والعبث بكل ما هو فاضل لديه ولذا كان أول ما دعا إليه سقراط تعيين المعاني الدالة عليها الألفاظ حتى لا يتخذ المفسدون من بريق اللفظ ما يفسد الاستدلال والتفكير”[20].
ويروون عن أفلاطون أنَّه كان يقول ((لتلاميذه لنتكلم اليونانية)) والقصد التكلم بها على وجه يكون معه لكل لفظة يتفوه بها إلى المتكلم مفهوما واضحا في ذهنه[21].
وبمرور مرحلة العصور المظلمة والكنسية وببزوغ عصر النهضة الصناعية، تجد أيضا أنَّهم انتبهوا مبكرا لهذا واهتموا به في النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي على يد المفكر الألماني كريستيان كوتفريد شوتز((1832-1747، ولكنه لم يحض بالتسمية إلاّ مع المفكر الإنجليزي ويليام ( 1887 )، حيث عرَّف مصطحات التاريخ الطبيعي بأنّها” نسق المصطلحات المستعملة في وصف موضوعات التاريخ الطبيعي “[22]
وكان أيضا من جهة اللسانيات العامة أنَّ قدمت فوائد كثيرة جدا للبحث اللغوي من حيث المنهجية ومن حيث إثرَاؤُه بمفاهيم المصطلحات الجديدة، التي أثمرت وأتت أكلها في كثير من فروع المعرفة ولاسيما من حيث الإجراء التطبيقي، وما كان من نتائج ذلك أنَّ تفرع عنها علم جديد هو اللسانيات التطبيقية “la linguistique appliquée ” وببزوغ فجر هذا العلم احتل فيه علم المصطلح “la terminologie ” مكان الصدارة بوصفه علما تطبيقيا إلى جانب فروع علمية* أخرى[23]، وأيضا ما كان من مؤسس اللسانيات أنَّ دسوسير(F.desaussure) (ت 1916) حينما أقدم على تحديد موضوعات اللسانيات في إطار مشروعه الرامي إلى بناء هذا العلم، انطلق من الفروق القائمة بين الأزواج من الثنائية الضدية التي تمثل سجلا اصطلاحيا محددا للحصن المعرفي للمنهج البنيوي[24].
هنا يُلْحَظ أنَّ اللسانيين في بحثهم الأَوَل بَحَثُوا بَحثَ علم المصطلح أو قريب منه، ولكن هذا لم يَستمر معهم، فبتعدد اختصاصات اللسانية وتطور مناهجها ونظرياتها اتجهت غير اتجاه علم المصطلح التي عليه اليوم، ولكن علم المصطلح في تأسيسه استفاد كثيرا من اللسانيات وارتكز عليها، فزاد الاهتمام في مجاله فألفوا واعتنوا به وعقدت معاهد ولقاءات من خلال ما تجده مكتوبا في هذه الحقبة، وكانوا سباقين إلى تأسيس هذا العلم في العصر الحديث بما هو عليه من نظريات وقواعد وغيرها مما اختص به، حيث كان “لنمساوي يوجين فوستر( 1898/1977م ) في وضع أساس النظرية العامة للمصطلحية وتطويرها ومن ثم تبلور علم المصطلح الذي يسمى[25]Terminologie(fr) Terminology (En)
ولو نظرنا إلى اللفظة بين لغاتهم من جهة النطق والتركيب الصوتي تجد تقاربا كبيرا في اللغات بينهم في الإنجليزية term، وفي الألمانية term، وفي الفرنسيةterme ، وفي الإيطاليةtermine ، وفي الإسبانيةtermino ، وفي البرتغالية termin، هذه الكلمات المشتركة في اللغات الأوربية “عَدَّهَ بعض الباحثين عندهم مثالا طيبا للعالمية في داخل الحضارة الأوربية[26]“، وهي تُعبر على الحد الزمني المكاني أو على الشَرْط وهي دلالات ترجع إلى الأصلين اليوناني واللاتيني، وفي الاستخدام الحالي تدل على أي كلمة أو تركيب يعبر عن مفهوم
علم المصطلح علم جديد النشأة، “شهد القرن العشرون مولده، على الرغم من أنَّ توليد المصطلحات ذاتها بدأ منذ أنْ شرع الإنسان باستعمال اللغة أداة تواصل[27]
فهم اعتنوا بهذا كثيرا ومبكرا في العصر الحديث قَبْلَنَا، فكان الباب الذي دُخِلْنَا منه من قِبَلِهم.
بعد هذا كله كانت ولادة علم المصطلح كعلم ذو اختصاص وقوعد ونظريات وأسس.
[1]مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مادة (ص ل ح )

[2]ابن منظور، لسان العرب، مادة (ص ل ح)

[3]اسماعيل ابن حماد الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصِحاح العربية، مادة (ص ل ح )

[4] ممدوح محمد خسارة، علم المصطلح وطرائق وضع المصطلحات في العربية، دار الفكر، ط1، 2008م، ص13

[5] الشريف علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، المطبعة الخيرية المنشأة بجمالية، مصر، 1306هـ ، ط1، ص13

[6]السيد محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جوهر القاموس، مادة (ص ل ح)

[7]مركز البحوث التطوير الدولي (IDRC)، إحداث التغيير بتوطين المعلوماتية دليل لتوطين البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر friedel wolff، ترجمة خالد حسني، 2011، ص 28

[8]الشاهد بوشيخي، نحو التصور الحضاري الشامل للمسألة المصطلحية، مجلة التسامح، العدد 4، ص 113

[9]بكر أبو زيد، المواضعة في الاصطلاح على خلاف الشريعة وأفصح اللغة دراسة ونقد، مطابع دار الهلال الاوفست، ط،1 ص 35

[10] 50 Felber, Standardization of Terminology, Vienna1985, p17
نقلا من، هدى بوليفة، ترجمة المصطلح الطبي كتاب الألم المزمن لرتشارد توماس ترجمة ج.ب الخوري نموذجا، جامعة قسنطينة،2007 ، ص 45

[11]المصدر السابق، ص45

[12]بشير إبرير، علم المصطلح وأثره في بناء المعرفة وممارسة البحث في اللغة والأدب، مجلة التواصل، جامعة باجي مختار، عنابة، العدد 25 مارس 2010، ص08

[13]الهيثم زعفان، المصطلحات الوافدة وأثرها على الهوية الاسلامية مع الاشارة التحليلة لأبرز المصطلحات الحقيبة العولمية، مركز الرسالة لدراسات والبحوث الإنسانية، مصر، 2007، ط1، ص20

[14]مكتب التنسيق التعريب، مجلة لسان العرب ، الرباط، مطبعة النجاح الجديدة، العدد 48، ص 10

* يعني أن يُترك مفهوم اللفظة لهذا الاستعمال الاصطلاحي وليس ترك معنى الأصلي للكلمة في اللغة

[15]طارق بن عوض الله بن محمد، اصلاح الاصطلاح، مكتبة التوعية الاسلامية للتحقيق والنشر، 1429هـ/2008م، ط1،ص13

[16]ينظر، عبد الرحمنِ بْن محمد ابن خلدون، المقدمة، تحقيق مصطفى الشيخ مصطفى، ط1، ص17-ص59

[17] أحمد ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة، المكتبة السلفية، القاهرة، 1910م، ص44

[18]أفلاطون، أفلاطون في السفسطائيين والتربية، ترجمة وتقديم عزت قرني، دار قباء لطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2001، ط، ص11

[19]أرسطو، السياسيات، اللجنة الدولية لترجمة الروائع الانسانية (الأونسكو)، بيروت، 1957م، ط، ص 11

[20] محمد أبو زهرة، مقارنة الأديان، دار الفكرالعربي، القاهرة،2007، طبعة جديدة، ص77

[21]الشاهد بوشيخي، مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيين للجاحظ، دار القلم للنشر والتوزيع، ط2، ص9

[22]أعضاء شبكة تعريب العلوم الصحية، علم المصطلح لطلبة العلوم الصحية والطبية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط ومعهد الدراسات المصطلحية، فاس، ، 2005 ، ص4

*يقصد العلوم اللغوية الأخرى كعلم الدلالة والمعاني والمعجميات …وغيرها من العلوم التي ارتكز عليها

[23]بشير ابرير، علم المصطلح وممارسة البحث في اللغة والادب، مجلة المخبر؛ أبحاث في اللغة والأدب الجزائري، جامعة باجي مختار عنابة، ص01

[24]ينظر، زهيرة قروي، المصطلحات الصوتية والنحوية عند البصريين في القرنين الثاني والثالث هجري، جامعة قسنطينة، 2007، ص3-4

[25]عامر الزّناتي الجابري، إشكالية ترجمة المصطلح مصطلح الصالة بين العربية والعبرية نموذج، مجلة البحوث والدرسات القرانية، العدد 9، ص338

[26]هشام خالدي، صناعة المصطلح الصوتي في اللسان العربي الحديث، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دط، ص79

[27]علي القاسمي، العلاقة بين علم المصطلح ونظرية الترجمة، ص 132نقلا من، مجلة التعريب، محرم (ديسمبر) 2012، العدد43، ص121