الكون المستتر في الظلام
02-06-2020, 03:50 PM
تنتشر في السماء مليارات المليارات من النجوم لا نرى منها بالعين المجردة منها سوى النذر اليسير، لكن رصد السماء من خلال المراقب العملاقة المزودة بوسائل التكنولوجيا الحديثة يسمح لنا بالاستمتاع برؤية ملايين الملايين من النجوم التي ترصّع السماء كحبات الياقوت و العقيق و اللؤلؤ و المرجان بألوان بهيجة مختلفة. و في الكون من النجوم ما يفوق حجمه ملايين المرات حجم الشمس، و منها ما يقل حجمه عن حجم الأرض. تتجمع النجوم في مليارات من الجزر الكونية المنتشرة في السماء تسمى بالمجرات و في كل من هذه المجرات مئات المليارات من النجوم, لمعظمها كواكب تدور في مجال جاذبيتها، قد يكون بعض هذه الكواكب مثيلا للأرض، أو على الأقل صالحا للحياة.
لقد تبين منذ عام 1929 أن هذه المجرات تتباعد عن بعضها بشكل مستمر مما يعني أن الكون في توسع وتمدد دائم، وقد توقع العلماء حينها أن يستمر الكون في التوسع ضد جاذبيته الذاتية التي تشده نحو المركز، ثم تعود أجزاؤه لتتهاوى على نفسها من جديد، مثله في ذلك مثل الكرة التي نرميها إلى الأعلى بعيدا عن مركز الأرض فإنها تنطلق مسرعة في البداية، ثم تتناقص سرعتها بالتدريج ثم تنعدم حركتها تماما فتعود لتهوي مسرعة باتجاه مركز الأرض، أو كالنابض المرن الذي يتوتر ويحاول العودة إلى هيئته الأولى كلما ازدادت قوة الشدّ المطبقة عليه، حتى إذا حررناه عاد بسرعة إلى حالته الأولى، لكن ما رآه العلماء مؤخرا هو العكس تماما: إن الأجرام البعيدة يزداد تسارعها كلما كانت أكثر بعدا عن مركز الكون الذي يفترض أن يكون مركز الجاذبية الكونية، و لو تابعنا رصدها إلى حافة الكون المرئي (أي إلى حوالي 13.8 مليار سنة ضوئية) لوجدناها تحلق مبتعدة بسرعة خارقة تكاد تبلغ سرعة الضوء، فما الذي يجري و يدفع هذه المجرات بعيدا بمثل هذه القوة الهائلة؟ لقد وجد علماء القرن الحادي و العشرين أنفسهم بعد كل هذا التطور الهائل في الإمكانيات العلمية والتكنولوجية في حيرة من هذا اللغز، فلا بد من وجود قوة كونية تتفوق على قوة الجاذبية تستطيع أن تدفع المجرات بمثل هذه القوة الخارقة، لقد تعارف العلماء على تسمية هذه القوة بالطاقة المظلمة (Dark Energy) فهي لا تُرى بالعين بل تُدرك بالأثر، و الأغرب من ذلك أن هذه الطاقة تشكل معظم الكون الذي نعرفه، لقد تبين أننا لم نكن نرى من الكون بمراصدنا و مناظيرنا الفلكية، التي تعتمد في رصدها على أعظم تكنولوجيا عرفها التاريخ تطورا، لم نكن نرى أكثر من 4% فقط من الكون، منها 0.4 % مادة نجومية و 3.6% غبار كوني يتوزع في السماء بين النجوم و المجرات، أي أن مجموع ما نراه هو 4% فقط من الكون، أما الطاقة المظلمة، فيعتقد أنها تشكل ما نسبته حوالي 73% من الكون، و قد عُرفت المادة المظلمة ((Dark Matter قبل الطاقة المظلمة ببضع سنوات، و هي مادة لا تتفاعل مع الضوء لتصبح مرئية و تشكل حوالي 23% الباقية من الكون المادي، كما يبين الشكل التالي:


يستتر الكون بكامله تقريبا في الطاقة و المادة المظلمة أما ما يظهر لنا منه فهو النسبة الضئيلة التي يشير لها الخيط البرتقالي الرفيع في الشكل

يعتبر العلماء الطاقة المظلمة إحدى الخصائص المميزة للفضاء الكوني أو السماء، فلا يمكن أن تقل أو تتلاشى مع استمرار الكون في التوسع، بل على العكس فكلما اتسع الكون كلما ازدادت طاقته المظلمة، قد يصعب فهم هذه النتيجة، فالمبدأ الأول للترموديناميك (The first law of Thermodynamics) ينص على مصونية الطاقة، بمعنى أن طاقة أية جملة معزولة تبقى ثابتة لا تفنى و لا تخلق من عدم، فإذا افترضنا أن الكون جملة معزولة فإن طاقة الكون بمجملها يجب أن تبقى ثابتة، صحيح أن هذه الطاقة يمكن أن تنتقل بين مكون و آخر من أجزاء الكون، (بين الشمس و الأرض مثلا) أو أن تتحول من شكل إلى آخر كأن تؤدي قوة الجاذبية إلى دوران الكواكب حول النجوم، أما مجموع أشكال الطاقة في الكون فيجب أن يبقى ثابتا، لكن الواقع يثبت الآن أن الطاقة المظلمة تتزايد باستمرار بدليل زيادة تسارع الأجرام السماوية كلما ازداد تباعدها مما يعني أن الكون ليس منظومة مغلقة على نفسها و أنه ما زال في خلق متزايد مستمر، كما تشير الآية الكريمة التالية إشارة واضحة إلى ذلك: " وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد*ٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ "- الذاريات(47). الأيد: القوّة و القدرة و الشِدّة و الطاقة.
ما هو مستقبل الكون إذا في ضوء هذا الكشف الجديد؟ يقدم المبدأ الثاني للترموديناميك (The second law of Thermodynamics) تفسيرا عن كيفية تغيّر أحداث العالم مستخدما لذلك دلالة يسميها (الإنتروبي) أو الإعتلاج الحراري؛ و هي تعبير عن تغير الأحداث دائما في اتجاه وحيد نحو المستقبل على محور الزمن (Arrow of time)، نقول عن مثل هذا التغير أنه (لا عكوس- Irreversible) أي أن الأحداث لا يمكن أن تجري في اتجاه الماضي؛ بإمكانك مثلا أن تسلق بيضة، لكن لا يمكنك أن تعيد البيضة المسلوقة إلى ما كانت عليه. يتصاحب تغير الإنتروبي بتزايد الفوضى، أو بكلمات أخرى، فإن الطبيعة تميل إلى العشوائية و الفوضى لو تركناها تعمل بدون تدخل خارجي، مثلا: لو حدث زلزال و تناثرت حروف إحدى المطابع على الأرض فلن تتجمع هذه الحروف لتشكل ديوانا أو حتى بيتا من الشعر بكل تأكيد.
يتعلق مدى العشوائية التي تسلكها الأحداث بالخيارات الحرة المتاحة، فعدد الأرقام العشوائية التي تنتج عن رمي حجرين من النرد أقل بكثير من تلك التي تنتج عن رمي خمسة أحجار ... ( تجدر الإشارة إلى أن نتائج المبدأ الثاني للترموديناميك تدحض بوضوح نظرية تطور الأحياء لتشارلز داروين التي تعتبر أن التطور من وحيدات الخلية الدنيا إلى الكائنات العاقلة العليا المعقدة و الأكثر تنظيما قد جرى بطريقة عشوائية، و بالصدفة فقط، مع أن الصدفة لا تؤدي إلى التصميم الذكي المشاهد بكل تأكيد.).
في الشكل التوضيحي التالي نجد أن تغير الأحداث يتحول من النظام (حالة الإنتروبي الأدنى) إلى العشوائية (حالة الإنتروبي الأعلى) مع مرور الزمن، و أن هذا التغير هو حالة تنكّس و تراجع في الخلق يعبر عنها القرآن الكريم بما يخص الإنسان بقوله: " وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ؟؟" ياسين-(68)


تحول الأحداث من النظام إلى الفوضى مع مرور الزمن

يعتبر بعض العلماء أن زيادة الطاقة المظلمة التي تؤدي إلى توسع الكون، هي المسؤولة عن تغير أحداث العالم في اتجاه وحيد على محور الزمن، أو زيادة الإنتروبي، و في سعيهم لإثبات ذلك قام العالمان ألاهفيرديان و غورزاديان A. E. Allahverdyan and V. G. Gurzadyan)) * بإجراء محاكاة على الحاسوب لمعرفة كيفية تغيّر شكل مدارات الكواكب بفعل تنامي الطاقة المظلمة، و ما وجداه كان مثيرًا للفضول، فقد وجدا أن الطاقة المظلمة تدفع الكون إلى الفوضى و العشوائية مع مرور الوقت، مما سيؤدي في المستقبل البعيد جدا إلى انتثار النجوم و الكواكب و تبعثرها و نهاية الكون الذي نعرفه اليوم: " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ..." التكوير(1-2).
هل يمكننا إذا تسجيل الجزء اليسير من الكون المرئي و ما يجري فيه من أحداث كظاهرة تجري من قبل مجهول يحيط به من كل جانب و يقوده إلى نهايته المحتومة، هذا المجهول هو الطاقة المظلمة؟؟ الحقيقة أن هذا ما نعرفه حتى اليوم على الأقل!
__________________________
* Time arrow is influenced by the dark energy, A. E. Allahverdyan and V. G. Gurzadyan, Phys. Rev. E 93, 052125 – Published 13 May 2016
التعديل الأخير تم بواسطة طارق زينة ; 02-06-2020 الساعة 03:54 PM