وجهة النظر الإسلامية حول السريالية
20-03-2018, 12:24 PM
وجهة النظر الإسلامية حول السريالية
قحطان بيرقدار

الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:


السُّريالية: مذهب أدبي فني فكري أراد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية، وزعم أنَّ فوق هذا الواقع أو بعده واقعاً آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعاً، وهو واقع اللاوعي أو اللاشعور، الواقع المكبوت في داخل النفس البشرية، وأنه يجب تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوته وتسجيله في الأدب والفن.


تسعىالسُّرياليةإلى إدخال علاقات جديدة ومضامين غير مستقاة من الواقع التقليدي في الأعمال الأدبية، وهذه المضامين تستمد من الأحلام؛ سواء في اليقظة أو في الحلم، ومن تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق السبب والنتيجة، ومن هواجس عالم الوعي واللاوعي على السواء، بحيث تتجسد هذه الأحلام والخواطر والهواجس المجردة في أعمال أدبية.

وهكذا تُعَدُّ السُّريالية اتجاهاً يهدف إلى إبراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامه بالتأليف.

لقد نشأت السريالية في أعقاب الحرب العالمية الأولى نزعةً جارفةً للتحلل من القيم الأخلاقية وتحرير الغرائز والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وامتدت هذه النزعة إلى الفن والأدب مما أدى إلى ظهور السريالية في فرنسا عام 1924م التي بدأت بالسريالية النفسية، ثم دخلت مجالات الأدب والاجتماع والاقتصاد والفن.

تعتمدالسرياليةاعتماداً كلياً على الأمور غير الواقعية: مثل الأحلام والأخيلة، وهي تدعو إلى الكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، والبعيدة عن رقابة العقل، بدعوى أن الكلمات في اللاوعي لا تمارس دور الشرطي في رقابته على الأفكار، ولهذا تنطلق هذه الأفكار نشيطة جديدة.

كما تهملالسرياليةالمعتقدات والأديان والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع، وتُرَكِّزُ على الجانب السياسي والبحث عن برنامج وضعي مادي ومحسوس يصلح لتطوير المفاهيم الاجتماعية، لذلك تودد السرياليون للحزب الشيوعي، وبذلوا جهوداً كبيرة من أجل توسيع مجال تطبيق الماديةالجدليةالماركسية.

كما يؤمن السرياليون بالثورة لتغيير حياة الناس، وتشكيل مجتمع ثوري بدلاً من المجتمع القائم، وقد شملت ثورتهم ثورة على اللغة التقليدية، وإحداث لغة جديدة، كما تزيَّت السريالية بأزياء مختلفة، فتارة تظهر كمجموعة من السحرة، وتارة تبدو كعصابة من قطاع الطرق، وتظهر تارة أخرى كأعضاء في خلية ثورية، فهي حركة سرية هدفها: تقويض الوضع الراهن، ويعد الغموض في التعبير الأدبي أو الفني في مجال الرسم، هدفاً ثابتاً للسرياليين.

تأثرت السريالية بآراء (فرويد) عالم النفس اليهودي في تحليله للنفس الإنسانية، وخاصة تلك التي تتحدث عن اللاشعور والأحلام والكبت ودعوته إلى تحرير الغرائز الإنسانية والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وإشباع الغرائز والرغبات إشباعاً حراً حتى لا يصاب الإنسان بالأمراض النفسية كما يدَّعي!!؟.
وهذه الآراء تتلاءم مع دعوتهم إلى التحللالأخلاقي في المجتمع البشري.

وكذلك تأثرت السريالية بالفكر الماركسي الشيوعي ودعوته إلى الثورة لتغيير المجتمع، واستخدام العنف في سبيل ذلك، وبظهور المزاج الثوري حلت الفوضى السياسية والصراع الكامل محل النظام والانسجام.

وقد تأثرت السريالية أيضاً بحركة سبقتها تُدعى (الدادية) التي ولدت في زيورخ بسويسرا سنة 1916م، وهي: حركة فوضوية تكفر بالقيم السائدة والمعتقدات والتقاليد الاجتماعية، وتدعو إلى العودة إلى البداية، ورائد هذه الحركة هو:(تريستان تزارا) الذي يصفه كاتب أوروبي بأنه:"المروِّج للفوضوية الفنية والاجتماعية"، ولذا عَدَّ النقادُ السرياليةَ: وريثةَ الحركةالدادية في أفكارها وتوجهاتها وأسلوبها... وسنتحدث عن الدادية في مقال لاحق، بمشيئة الله.

بدأتالسُّرياليةبمجال النفس البشرية، ثم دخلت مجالات الأدب والفكر والسياسة والاجتماع والفن، ثم اقتحمت بشذوذها الثوري مجال العقيدة الدينية والتقاليد الاجتماعية واللغة، وأثارت جدالاً عنيفاً بين أقصى الكاثوليكية في الغرب وأقصى الشيوعية في الشرق.

وأخذت السريالية في الانكماش والتقوقع بعد ربع قرن من نشوءها، وشعر دعاتها بعجزهم عن تحقيق أي هدف!!؟، وبعقم ثورتهم ضدالقيم والمعتقدات الدينية، وإخفاقهم في إيجاد نصرانية جديدة، تخلص الإنسان من عذابه وضياعه حسب زعمهم!!؟.

وقد تحول عددٌ من السُّورياليين بعد الحرب العالمية الثانية إلى الشيوعية والإلحاد، وجُنَّ بعضهم وأدخل المصحات العقلية والنفسية، وتحول البعض الآخر إلى العبثية في الأدب المعبر عن انعدام المعنى العام وراء السلوك الإنساني في العالم المعاصر!!؟.

أما أفكار السريالية ومبادئها، فقد تبناها مذهب الحداثة الأدبي الفكري، حيث صبت جميع جداول السريالية في مستنقعه الكبير.
وهكذا انتهت السريالية المعبرة عن فقدان الإنسان الغربيالعقيدةالصحيحة، واعتماده على ضلالات (فرويد) الفلسفية والنفسية في اللاشعور والأحلام، هذه الضلالات التي أدت إلى التحلل الأخلاقي وإطلاق الغرائز من عقالها.

إنالسُّرياليةمذهب أدبي فني فكري غير ملتزم بالأديان، يهدف إلى التحلل من واقع الحياة الواعية، والنظر إلى واقع آخر هو واقع اللاوعي أو اللاشعور المكبوت في النفس البشرية، بحيث يتم تسجيل هذا الواقع في الأدب والفن، من خلال الاعتماد الكلي على الأمور غير الواقعية والكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، وإهمالالأديان والمعتقدات والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع، والتركيز على الجانب السياسي وإذكاء الثورة لتغيير حياة الناس وتشكيل مجتمع ثوري بدلاً من المجتمع القائم، وجميع تلك الخصائص والغايات تبرز مدى خطورة مثل هذا المذهب الأدبي على القيمالدينية والأخلاقية.