علي كافي قرّر الهجوم على مقرات الأفلان إذا لم يطرد مهري
30-01-2018, 05:29 AM


حاوره: محمد مسلم

مسؤول الملف السياسي بجريدة الشروق

في هذا الحوار المطول، يتحدث وزير الصناعة، وزير العلاقات مع البرلمان الأسبق، عضو اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني سابقا وحاليا، محمود خدري، عن علاقته بالأمين العام الأسبق، عبد الحميد مهري، وعن تفاصيل غير منشورة حول ما عرف بـ "المؤامرة العلمية"، التي أطاحت بمهري من رأس الحزب العتيد في جانفي 1996، وكذا ما يشاع عن الدور الذي لعبه قائد الولاية الثالثة التاريخية، علي كافي، الذي قاد المجلس الأعلى للدولة ومنظمة المجاهدين عندما كان مهري أمينا عاما للحزب العتيد، فضلا عن التضييق والضغط اللذين تعرض لهما "الحكيم"، كما يسمى، بعد الإطاحة به من الأمانة العامة لـ "الأفلان"، التي من بينها حرمانه من جواز السفر الدبلوماسي وكذا حرمانه من كفالة علاج زوجته المريضة في الخارج، إضافة إلى خبايا أخرى ستكتشفونها من خلال هذا الحوار.







  • بداية، متى عرفت مهري؟
  • معرفتي الأولى بالأستاذ، أستاذ الأجيال، الراحل سي عبد الحميد مهري، تعود إلى ما بعد المؤتمر السادس لحزب جبهة التحرير الوطني، المنعقد في أواخر نوفمبر 1988. والحقيقة أن علاقتي لم تتوطد به إلا بعد أن انتخبت في أوائل 1991 أمينا لمحافظة الحزب بولاية باتنة.ومنذ ذلك الوقت وأنا على صلة به ولم تنقطع اتصالاتي به إلى حين وفاته رحمه الله، إذ أخبرت بأنه نقل إلى مستشفي عين النعجة العسكري، فزرته قبل أن يغمى عليه وقبل وفاته بنحو أربعة أيام. وقد سألني عن الإخوان يومها. عملت مع الراحل في أصعب الظروف التي عاشها الحزب في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، لأن الجميع كان يحمل مسؤولية تردي أوضاع البلاد للحزب العتيد، أليس كذلك؟ وكيف استطاع الراحل أن يبقي على الحزب على الأقل في ظل الأصوات التي كانت تطالب بوضعه في المتحف؟في اعتقادي أنه لولا لطف الله ثم مجيء الأستاذ مهري على رأس الحزب في تلك الظروف الصعبة، لتم العصف بجبهة التحرير، ذلك أن حوادث أكتوبر 1988 وما بعدها كانت كلها تتميز بالهجمات على "الجبهة"، فكل هموم الجزائر ومصائبها وسلبياتها علقت على مشجبه، فإلى جانب قضية الـ 26 مليار دولار، التي اتهمت فيها جبهة التحرير، بأنها اختلست ودفعت في شكل رشاوى هنا وهناك، أيضا علق على مشجب الحزب كل سيئات النظام والدولة، وحتى الأستاذ مهري علق على هذه الاتهامات بقوله: "لم يبق إلا ثقب الأوزون لينسب إلى حزب جبهة التحرير".
فحزب جبهة التحرير، بعد المؤتمر السادس، قرر أن يخوض غمار إصلاحات اقتصادية مهمة، ولذلك قرر أن يعقد مؤتمرا استثنائيا في 1989 لدراسة ملف الإصلاحات الاقتصادية. وبالفعل، انعقد المؤتمر في أواخر نوفمبر 1989، وتمت دراسة ملف الإصلاحات الاقتصادية، ونوقشت تلك الإصلاحات باستفاضة في دورة اللجنة المركزية في مارس1990.
مهري، قرر تحديث حزب جبهة التحرير الوطني، وذلك عبر إجراء انتخابات ديمقراطية.. وبالفعل، تمت انتخابات مسؤولي القسمات والمحافظات كلها على مستوى الوطن. وبعدئذ وجد الحزب نفسه على أبواب انتخابات محلية، في 12 جوان 1990، فكانت النتيجة فوز حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ بنحو 887 بلدية، في حين فازت جبهة التحرير بـ 454 بلدية. المقارنة بما حصل في ما بعد، لأن النظام الانتخابي في ذلك الوقت يختلف عن النظام الانتخابي الحالي، حصة جبهة التحرير من البلديات كانت معتبرة، لأن الفوز بالبلدية يعني أنك فزت بالأغلبية المطلقة 50 + 1، معنى ذلك أنك تشكل الهيئة التنفيذية وتتداول براحة.. وليس الوضع كما هو الآن، فبفارق صوت واحد تأخذ البلدية، ولست أدري كيف تؤول الأمور خلال المداولات.
إذن، الأستاذ مهري قام بمهامه في تسيير شؤون الحزب بكل همة وجدية وكفاءة بالنظر إلى رصيده في النضال وحنكته السياسية وتجربته الثرية. فالرجل، يشكل مدرسة قائمة بذاتها في السياسة، مدرسة متميزة، كنا في كل دورة تعقدها اللجنة المركزية، لا يخلو جدول أعمالها من نقطة تتعلق بدراسة الوضعية العامة للبلاد، وتحت هذه النقطة تدرس اللجنة المركزية كل شؤون البلاد وليس شؤون الحزب فقط. سي عبد الحميد، وأمام كل الأزمات التي كانت تعيشها البلاد، وإزاء الهجمات التي كانت توجه إلى الجبهة، كان يرد على هجمات مناوئي الحزب، فطرح عليهم مقترحا مفاده أنه مستعد لتشكيل لجنة حيادية من الخبراء لدراسة تجربة الجزائر في التسيير منذ الاستقلال، وكان يقول إنه مستعد لقبول نتائجها مهما كانت، أما أن يقيّم من هب ودب مسيرة الجزائر والحزب فهذا لا أقبله. كما كان ينادي ويقول إن من بإمكانه وضع حزب جبهة التحرير في المتحف هو الشعب، عبر صناديق شفافة.

هل صدرت مطالب بإقالة مهري من قيادة الحزب بعد خسارة الانتخابات المحلية؟
لا، لم تسجل مطالب من هذا القبيل.. لكن دعني أكمل وسأعود إلى سؤالك لاحقا.
كان هناك تذمر، لكن تذمر عام. ثم من يرغب أو يتطلع إلى الإطاحة بمهري ويقود الحزب، مع "غول الفيس"، من كان يجرؤ. كان يقول عندما يعاقب الشعب الحزب بمنحه صفرا في الانتخابات، عندها تؤول جبهة التحرير إلى المتحف تلقائيا. وسي عبد الحميد معروف بنظرية أن دور جبهة التحرير لم يكتمل ورسالتها لم تنته. كان يقول إن جبهة التحرير سطرت في بيان أول نوفمبر أهدافا أساسية من بينها تحرير البلاد، والهدف الثاني بناء دولة اجتماعية ديمقراطية في إطار المبادئ الإسلامية، ونسبيا تم بناء الدولة ولو أنه ليس بالمواصفات التي وضعها بيان أول نوفمبر، غير أن الهدف الأخير الذي كان يدافع عنه مهري ولم يتحقق إلى حين وفاته، هو تحرير الشمال الإفريقي في إطاره الطبيعي والإسلامي، هذا الأمر لم نقطع من أجله أشواطا معتبرة وظل يعمل من أجل ذلك إلى حين وفاته.
ثم إن الراحل كان يعتقد أنه من الأخطاء التي ارتكبناها وارتكبها الحزب بعد الاستقلال، هي ما تعلق بتعبئة وتجنيد كل المواطنين كافة، بمختلف توجهاتهم وإيديولوجياتهم، ويقول إن جبهة التحرير سعت ونجحت في تجنيد كل الطاقات الوطنية، على اختلاف مناهجهما ومشاربهما، من أجل طرد الاحتلال الفرنسي. كان يقول من الواجب في إطار بعث الدولة الجزائرية، أن نستمر في نفس النهج، عدم الاستغناء عن الجزائريين وإشراكهم في البناء والتشييد. عندما تحولت جبهة التحرير في المؤتمر الثالث سنة 1964، كان حزبا طلائعيا، فتم إقصاء الكثير من الجزائريين، وهذا ربما في نظر مهري يشكل تعثرا في مسيرة التنمية الشاملة.

بعد نكسة الانتخابات المحلية، جاءت نكسة أخرى هي الانتخابات التشريعية التي جرت في عام 1991، كيف تعاطى معها الراحل مهري؟
لعلك لاحظت، أنه خلال وجود مهري على رأس الحزب، كان قاموس الحياة السياسية في الجزائر غنيا وكثير الثراء، فمهري أبدع وأطلق عدة مصطلحات سياسية، أغلبها غاب اليوم، ولكن مصطلحاته السياسية كانت تتوافق مع المرحلة التي كانت تعيشها البلاد. سي عبد الحميد كان كل همه وشغله الشاغل، أن القضايا الحزبية بالنسبة إلى مهري، مقارنة بما كانت تعيشه البلاد من مخاطر أمنية وسياسية، كان لا يعطيها الكثير من الأهمية، كان شغل مهري الشاغل، هو الأزمة التي كانت تعصف بالبلاد، وكان يصفها بقوله إنها "أزمة عميقة متعددة الأبعاد، أخلاقية واجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية وأمنية"، وكان يقول إن جبهة التحرير لا تستطيع وحدها حل هذه الأزمة متعددة الأبعاد، وكان ينادي بإشراك جميع الأطراف السياسية لحلها، وكان يقول لو أن جبهة التحرير تمكنت من الحصول على كل أصوات الجزائريين، فلا يمكنها أن تقود البلاد لوحدها، لأن مشاكل البلاد أقوى من قدراتها.
مهري هو الذي أبدع مصطلح الحوار العميق دون إقصاء ولا تهميش. مهري في بداية التعددية وأمام الهيجان والفوران والفوضى وتحميل جبهة التحرير كل المساوئ.. كان دائما يرد: كفانا من التبشير بالخطاب الكارثي وتسويد كل شيء، ويدعو إلى إشاعة خطاب الأمل. فالراحل محمد بوضياف سبق أن قال إن مكان جبهة التحرير هو المتحف، فعندما سئل مهري عن كلام بوضياف، رد: "بوضياف هو أبو جبهة التحرير، وهو من مؤسسيها الرئيسيين، ولكن ليس من حق الأب أن يئد أبناءه".
إن الراحل مهري كان يحرص على الدوام على استقلال جبهة التحرير وتحررها من تدخل السلطة التنفيذية في قرارات الحزب، فهو يعتبر الانفصال الحقيقي للحزب عن الحكومة بدأ عندما بادر ضباط الجيش الوطني الشعبي، الأعضاء في اللجنة المركزية، بالاستقالة من الحزب، فأوضح أن جبهة التحرير وجدت نفسها خارج السلطة رغما عنها بفعل الاستقالة التلقائية لضباط الجيش.

بالإضافة إلى استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله من الحزب؟
إن استقالة الرئيس الشاذلي رحمه الله كانت من رئاسة الجبهة ولم تكن استقالة من الحزب، وتلك الاستقالة كانت من منطلق حرصه على ترقية التعددية الحزبية والممارسة الديمقراطية.

كيف كانت علاقة مهري بالرئيس الراحل الشاذلي؟
لم أعلم بأن الرجل اصطدم في يوم من الأيام بالرئيس الشاذلي.. وربما اختلفا في وجهات النظر تجاه بعض القضايا، ومن أهم المشاكل التي واجهها سي عبد الحميد، كان مشكل تجريد الحزب من ممتلكاته، وإدماج موظفي الحزب البالغ عددهم نحو 13 ألف موظف، وبالتنسيق مع الحكومة، أدمج هؤلاء في مؤسسات الدولة، لكن ظل المشكل الكبير هو تجريد الحزب من ممتلكاته، وقد وقع بعض التعسف في هذا الإطار.

ومن اتخذ هذا القرار، قرار تجريد الحزب من ممتلكاته؟
القرار اتخذ بعد مجيء الراحل محمد بوضياف لقيادة المجلس الأعلى للدولة، وطبق بالأساس في عهد بلعيد عبد السلام، عندما كان رئيس الحكومة، ووزير داخليته محمد حردي رحمه الله.

الآن، الحزب أصبح بعيدا عن السلطة.. أقصد عهد مهري؟
الحزب، فك بالفعل ارتباطه بالسلطة.. كانت هناك انتخابات تشريعية مبرمجة في جوان 1991 في ظل حكومة مولود حمروش، هذا الأخير الذي كان عضوا في المكتب السياسي، وحكومته كانت قريبة جدا من الحزب، لكن بعد استقالة حمروش من الحكومة ومجيء سيد أحمد غزالي على رأسها، انتهت العلاقة تماما، وخاضت الجبهة الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991، وهي بعيدة كل البعد عن السلطة وكانت تعامل كغيرها من الأحزاب.

متى كان أول اصطدام بين مهري والسلطة؟
إن شخصية سي عبد الحميد لم تكن صدامية، فمهري رجل عملاق في السياسة، والصدام وما شابهه لم يكن لا من صفات ولا من شيم ولا من أخلاق الراحل. فأحيانا وبعد مجيء زروال رئيسا للدولة وبعدها رئيسا للجمهورية، كان الإخوة في اللجنة المركزية يعيبون على الراحل تصلبه في بعض المواقف وكانوا يقولون بأن الرئيس زروال مجاهد وعضو سابق في اللجنة المركزية، وكان الراحل يرد عليهم بأن زروال صديق شخصي وليس بيننا إلا الخير، ولكن في السياسة الأمور لا تقيم بالعواطف وإنما تقيم بالممارسة والأفعال، وأكره ما يكرهه مهري هو ازدواجية الخطاب.
ثقل سي عبد الحميد كان محوريا، فقد كان الشيخ عبد الله جاب الله يحتكم إليه، ولويزة حنون تلتجئ إليه، وآيت أحمد يتشاور معه، والأمر نفسه بالنسبة إلى الرئيس بن بلة رحمه الله.. كان هناك ستة أو سبعة أحزاب، لا يبرمون أمرا إلا بعد استشارة سي عبد الحميد. كان كل هم الراحل وجهده إيجاد حلول للأزمة التي كانت تعصف بالبلاد، وباستمرار كان يدعو إلى الحوار مع السلطة، وكان يحث على إنهاء الأزمة، إلى أن جاءت قضية ما يعرف بـ "سانت إيجيديو".

وهذه القضية، جاءت بعد أن فشلت كل محاولات الحوار بين السلطة والمعارضة؟
بعد رفض السلطة للحوار مع الأحزاب، جاء اجتماع "سانت إيجيديو"، وأنت تعلم أن هذا الاجتماع وقع على مرحلتين، الأولى كانت في نوفمبر 1994، والتوقيع كان في جانفي 1995، الأولى شارك فيها نور الدين بوكروح (حزب التجديد)، والراحل محفوظ نحناح، ومهري وجاب الله وبن بلة وآيت أحمد وحنون وأحمد بن محمد وعلي يحيى عبد النور وأنور هدام.
بعد التوقيع على العقد الوطني في أواخر جانفي 1995، أعربت السلطة على لسان وزير الخارجية آنذاك، أحمد عطاف، عن موقفها وقالت إن ما وقع في روما "لا حدث"، وخرجت "المسيرات العفوية"، وكانت حملة وهجمة ما بعدها هجمة، وصلت حد وصف الموقعين على اتفاق سانت إيجيديو بالخيانة.. والغريب في الأمر، أن من وقعوا على ذلك الاتفاق، هم مهري وبن بلة وآيت أحمد، وهؤلاء هم رموز الثورة وعظماؤها، ومن بين ما كان يتردد في الساحة، هو أن المشاركين في قمة روما، خونة واجتمعوا في كنيسة، ذهبوا لمعالجة قضية وطنية تحت سقف كنيسة، فأجاب سي عبد الحميد، قائلا إن الصلاة من روما جائزة، كما عبر ذات مرة عن المسيرات العفوية: "أولئك المجندون في المسيرات العفوية، يقولون: "روما ولا هوما".
انعقدت اللجنة المركزية في أواخر سبتمبر 1995 وخلالها تم التطرق إلى قضية سانت إيجيديو، فأوضح سي عبد الحميد الأسباب التي دفعته إلى المشاركة في اجتماع روما، كما واجه أعضاء المكتب السياسي كلهم، فقال إني ما ذهبت إلى روما إلا بعد استشارتكم وموافقتكم كلكم، فلم يجرؤ أحد منهم على تكذيبه، وكان هذا في الدورة التي انعقدت بفندق الأوراسي.
وفي تلك الدورة اتخذ قرار يتضمن بترك الحرية للمناضلين في التصويت على من يشاؤون في انتخابات رئاسة الجمهورية (1995)، وبعد أن انفض اجتماع الدورة، عقد ندوة صحفية في فندق الجزائر، وقال إن ترك الحرية للمناضلين في التصويت على من يشاؤون، يعني عدة أشياء، منها المقاطعة، الانتخابات بالورقة البيضاء، الانتخاب الإيجابي. خطاب سي عبد الحميد لم يكن خطابا أجوف، الكلام الذي لا معنى له لا يصدر عن فمه.
وفي نوفمبر 1995، جرت الانتخابات الرئاسية، وفاز الرئيس زروال، وهنا بدأ التحضير للإطاحة بالأستاذ مهري.

من كان يقود هذه العملية، هل هو الرئيس زروال شخصيا، أم جهات أخرى؟
للأمانة، لم أكن على علم بمسعى أي من أطراف السلطة للإطاحة بالأستاذ مهري، ولم يتصل بي أي أحد لهذا السبب، خلاف ما يقول الكثير من أعضاء اللجنة المركزية، الذين يزعمون أن المخابرات (دي آر آس) اتصلت بهم لتحريضهم على الإطاحة بمهري.

ألم تشعر بأي ضغط من أجل ذلك؟
أنا لم أشعر بأي شكل من أشكال الضغوط إطلاقا. هذا للتاريخ.

تقصد؛ لا أنت ولا أقاربك أو في وظيفتك أو...؟
لعل من الأسباب التي قد تكون وراء عدم الاتصال بي، هو أنني لم أكن موظفا، بل كنت أمارس مهنة حرة وهي المحاماة.

وربما كان هذا من الأسباب التي جعلتك متحررا من أي ضغط، لأن من يمارس السياسة يجب أن يكون مستقلا ماليا ووظيفيا؟
نعم. لكن هناك من كان إطارا في الدولة ولم يتصل به. هناك عناصر لم يتصل بهم أحد. لكن هناك إطارات أخرى قالوا إنه تم الاتصال بهم من قبل الأمن العسكري..
سي عبد الحميد مهري أطيح به يوم 17 جانفي 1996، عن طريق عريضة، وقع عليها 122 عضو من أعضاء اللجنة المركزية، التي كانت تضم نحو 257 عضو، بمن فيهم من توفوا. العريضة طالبت بإدراج نقطة نظامية في جدول الأعمال، وبلغة "الأفلان" أن إدراج نقطة نظامية يعني إمكانية سحب الثقة من الأمين العام للحزب أو أي مسؤول آخر في هياكل الحزب، كما يعني تجديد الهياكل.. الدورة انعقدت في فندق الجزائر، غير أن مشكلة برزت إلى الواجهة، وهي أن عددا من أعضاء اللجنة المركزية تغيبوا أكثر من ثلاث مرات متتالية، ثم جاؤوا فجأة للمشاركة في هذه الدورة، والقانون الداخلي يقول إن من يتغيب ثلاث مرات عن دورة اللجنة المركزية، يحال على لجنة الانضباط، وهي تقرر إما البراءة أو العقاب بالإقصاء، لكن هؤلاء لم يعرضوا على لجنة الانضباط، والحال أن هؤلاء لم يعرضوا على اللجنة.

وماذا كان موقفكم أنتم من مشاركة هؤلاء؟
اللافت في هؤلاء، هو أنهم كلهم إطارات في الدولة، أمناء عامون ورؤساء دوائر ومديرون.. ووجدناهم كلهم مجندين للمشاركة، فقام أنصار مهري بمنعهم من حضور الدورة، فوقعت مشادة منذ الصبيحة بين الطرفين واستمرت إلى غاية الثانية زوالا.. أردنا منعهم، لكنهم ردوا بأنهم لم يحالوا على لجنة الانضباط ولم تسلط عقوبات تأديبية ضدهم. كان ردهم فيه شيء من الوجاهة من الناحية القانونية. كان من المفروض أن يحالوا على لجنة الانضباط. لكن مجيئهم دفعة واحدة وبحماس أثار الريبة. وبعد الأخذ والرد، تم السماح لهم بإذن من مهري.

إذن، كان بإمكانكم منعهم من المشاركة في الدورة؟

نعم، ولو تطلب الأمر عدم انعقاد الدورة.. لكن مهري لم يكن يفكر وفق هذا المنطق. كان رجل سياسة من الطراز العالي.. ولكن مناصريه هم من وقف في وجه هؤلاء.
تم تشكيل مكتب الدورة بعد افتتاحها. تقدم عضو اللجنة المركزية برطال لعبيدي، وقرأ لائحة تتضمن إدراج نقطة نظامية، مشفوعة يتوقيعات 122 عضو، ولما انتهى من القراءة، أحال الكلمة إلى عضو اللجنة المركزية الآخر، مصطفى بوعلاق، لقراءة أسماء الموقعين على العريضة، ولما انتهى، رفع أحد الحضور يده وقال: أنا سمعت اسمي ولم أوقع، ثم تبعه آخر وقال أنا وقعت ولم أجد اسمي.

أما زلت تذكر الاسمين؟
الأول، أعتقد أنه حسان كحلوش، وزير صناعة سابق، أما الثاني، فهو من سوق اهراس، لكنني نسيت اسمه..
بعدها، تدخل سي عبد الحميد، وقال: أعتبر نفسي أقلت ولم أستقل. وتدبروا من يسير أشغالكم غدا، ونزل من المنصة.

لماذا قال هذا والأشغال لم تنطلق، كما أن لديه هامش مناورة؟
كانت لديه هوامش مناورة كثيرة.. ولكن هذا ما سمعناه منه.

ألأنه تفاجأ بوجود أسماء كان يعتبرها ثقة لديه؟
لا أدري.. ولكن الراجح هو هذا. ربما قراءة الأسماء كشفت له مفاجآت على مستوى بعض الأشخاص يعتبرون مقربين منه جدا ومحل ثقة، لعله صدم ببعض الأسماء.

هل كان رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش من بين الموقعين؟

حمروش لم يوقع، وهذا للتاريخ، لكن الخفايا الله يعلم بها.

طبعا أشيع يومها تحمس وجوه معروفة للإطاحة بمهري، على شاكلة كل من الوزير الأسبق، عبد الرحمن بلعياط، وعبد القادر حجار.. أليس كذلك؟
بالفعل، بلعياط كان عضو اللجنة المركزية ولعب دورا محوريا في معارضة مهري، لكن حجار لم يكن عضو لجنة مركزية، ومع ذلك لعب دورا خارج القاعة، فقد كان حاضرا في بهو الفندق، بصفته إطارا في الدولة (سفيرا).

وهل كانت علاقة حجار بمهري علاقة غير طيبة؟
لم أكن على دراية بالموضوع.
السؤال الذي لم يطرح، هو لماذا قال مهري إنه أقيل ولم يستقل ورمى المنشفة، بالرغم من أنه كان يمكنه فعل الكثير؟ كان يمكنه ترتيب إدراج النقطة المطلوبة في آخر جدول أعمال الدورة، ويشرع في جدول أعماله حسب الترتيب. وقد تأخذ النقطة الأولى مثلا، المتمثلة في مناقشة الوضع العام في البلاد، يوما كاملا، ثم النقطة الثانية، وعندما يصل إلى النقطة النظامية يقرر أن يجري التصويت على سحب الثقة. وأنا متأكد من أنه إذا ما تم الاحتكام إلى الصندوق فسيفوز سي عبد الحميد من دون عناء. لكنه لم يقرر الذهاب إلى الصندوق وقرر الانسحاب.

لا شك في أن انسحابه شكل صدمة بالنسبة إلى مناصريه.. أليس كذلك؟
نحن لم نفهم شيئا. ليس من السهولة والبساطة أن تفهم سي عبد الحميد. إذن، افترقنا وفي الصباح حضر سي عبد الحميد كغيره من أعضاء اللجنة المركزية، ووقعت مشادة أخرى، لأنه كانت هناك محاولة لتغيير مكتب الدورة، الذي تم التصويت عليه في اليوم الأول منها، وهذا يعتبر مخالفا للقانون، واستمر المكتب في عمله بطريقة عادية، وتم انتخاب الدكتور بوعلام بن حمودة بفارق 7 أصوات، وكان حمروش منافسا له، وعند الفرز وجدت نحو 4 أوراق بيضاء.

وعلى من صوت مهري برأيكم؟
من الصعوبة بمكان معرفة على من صوت مهري، وربما وضع الورقة بيضاء.

هناك من يقول إن مهري استاء كثيرا من حمروش وهو الذي كان يعتبر من المقربين عنده؟
لم نلمح على وجه مهري استياء، ومن الصعوبة بمكان أن تلمس غضبا على وجه الرجل.

هل اتصل بك أطراف من أجل التصويت لحمروش أو لبوعلام بن حمودة؟
لقد تبين في ما بعد أن أعضاء اللجنة المركزية تم تقسيمهم إلى ثلاثة أصناف: المضادين لمهري، والموالين له أو الميؤوس منهم، والمترددين. وقد تركز العمل على الفئة الثالثة، لأن الميؤوس منهم كان موقفهم واضحا، في حين إن الموالين أمرهم معروف، وأنا شخصيا لم يتصل بي أحد، لأنهم يعرفون موقفي الداعم لمهري.

وماذا عما أشيع عن الغرفة رقم 40 بالفندق، التي كان يستدعى إليها من كانت لهم ملفات لابتزازهم من أجل التصويت لطرح الثقة عن مهري؟
هذا مجرد كلام لا أساس له من الصحة.. وقيل إن بها أرقاما سرية ومخابرات وما إلى ذلك.. كلام غير صحيح.

ولمَ كان دور حجار محوريا في الإطاحة بمهري؟
طبعا، حجار نفسه لم يكن يخفي هذا الأمر إلى غاية اليوم.

لكن لم حجار دون غيره؟
لا أدري.. لكن تبين في ما بعد أن الضالعين في الإطاحة بمهري، يقولون إن هدفنا هو إنقاذ الحزب من التلاشي والاندثار، والرواية، نقلا عن عضو في اللجنة المركزية، قد توفي رحمه الله، جاء وأخبر هؤلاء الإخوان بأن هناك مؤامرة تحاك ضد جبهة التحرير الوطني.

أنت تتحدث عن سبب التحرك للإطاحة بمهري؟
نعم.. وكان ذلك في أواخر 1995.. قلت مؤامرة تحاك، يشاع أن وراءها العقيد بالولاية التاريخية الثانية، علي كافي، ومفادها أن هذا الأخير يدبر هجوما على مقرات الحزب يوم عيد النصر الموافق لـ 19 مارس 1996، ويقود هذا الهجوم المباغت، المجاهدون الذين كانوا مسلحين في إطار الدفاع الذاتي، والهدف هو استرداد الحزب من شاغليه. ويقولون أيضا إنه لما تم الاتصال بالعقيد عمار بن عودة، الذي كان يشغل عميد مصف الاستحقاق، وقد أكد هذه الإشاعات.

يومها علي كافي كان قد غادر المجلس الأعلى للدولة وأصبح أمينا عاما لمنظمة المجاهدين؟
نعم، علي كافي كان قد غادر رئاسة المجلس الأعلى للدولة وأصبح أمينا عاما لمنظمة المجاهدين. إذن، علي كافي كان متحررا من أي صفة رسمية، وكان يقول إن جبهة التحرير ملك للمجاهدين، ومن حقهم استرجاعها في أي وقت شاؤوا. ويؤكد أصحاب هذه الرواية أن بن عودة اتصل بعلي كافي وأراد لقاءه، فرد علي كافي بأنه في طريقه إلى مقر مصف الاستحقاق، ولما التقى بهؤلاء أكد لهم موقفه ولما سألوه: هل قرارك هذا سببه مهري أم لأمر آخر، أم إنك ماض فيه حتى ولو أبعد مهري، فرد بقوله إن الأمر مرتبط بمهري فقط، فطلب المدبرون للإطاحة بمهري وهم حجار وبلعياط وعبد الله الحاج ومحمد عليوي.. من كافي إعطاءهم فرصة للقيام بما يجب، تفاديا لتنفيذ كافي تهديده..
إذن، تبريرهم وإلى غاية اليوم هو حماية الحزب. لكن السؤال الذي يطرح، ماذا كان سيكون موقف الدولة لو وقع هجوم المجاهدين، لأن دور الدولة هو حماية الأحزاب ومقراتها؟ هذا هو السؤال الذي لم يستطع أي ممن طرح عليهم الإجابة عنه.
السؤال الآخر، لو لم يتم الإطاحة بمهري، هل كان سيقع هجوم المجاهدين على مقرات الحزب، وما موقف الرئيس اليامين زروال آنذاك.

هناك من يقول إنه كان هناك خلاف بين زروال ومهري، وبالتالي كان على مهري ترك الحزب، لأن زروال أصبح منتخبا ورئيسا للجمهورية؟
هذا مجرد كلام يمكن أن يصدر عن أي إنسان، لكن يبدو أن له محلا من الإعراب. فهل يمكن أن يستقيم الأمر ورئيس الجمهورية غير منسجم مع الأمين العام لحزب بحجم جبهة التحرير الوطني.. هذا الكلام قيل أيضا، تقوله أجنحة في السلطة وفي الحزب، لكن الإخوان الذين باشروا عملية الإطاحة بمهري، لا تزال روايتهم الوحيدة هي تهديد كافي باسم المجاهدين، الهجوم على مقرات الحزب والاستيلاء عليها يوم 19 مارس 1996.
إذن، يبقى عليكم، أنتم الصحفيين، مهمة البحث في جدية تهديد كافي للحزب، وهل بإمكان كافي تجنيد المجاهدين والتجرؤ بالهجوم على مقرات الحزب العتيد؟

هل هناك خلاف تاريخي بين مهري وعلي كافي؟
لا أعتقد، ربما هناك خلاف ظرفي فقط. ربما لمواقف الحزب من المجلس الأعلى للدولة، فمهري لم يعترف يوما بهذا المجلس الذي كان يرأسه علي كافي، وكان يعتبره سلطة فعليه لا دستورية.

بعدها تعرض لمضايقات، وصلت حد حرمانه من جواز السفر الدبلوماسي؟
لقد حز ذلك في نفسه كثيرا، فرغم توفره على شروط الاستفادة من جواز السفر الدبلوماسي، إلا أنه سحب منه ولم يُرجع إليه إلا بعد وصول الرئيس بوتفليقة إلى سدة الحكم. كما حز في نفس مهري حرمانه من كفالة علاج زوجته المريضة بالخارج. وقد اضطر إلى تأجير داره، والسكن عند أخته، من أجل توفير بعض المال لعلاج زوجته.