هكذا تحتال "مافيا العقار" على المواطنين وتنهب الملايير!
18-02-2018, 02:17 PM


تحقيق: رضا ملاح

صحافي بالقسم الوطني لجريدة الشروق

"..بيع قطعة أرض بعقد ودفتر عقاري صالحة للبناء بضواحي العاصمة وبسعر لا يتجاوز 90 مليونا لـ100 متر مربع"، "وعاء عقاري، غاز، كهرباء وقنوات المياه بسعر جد مغر".. هي ملصقات نصادفها في الشوارع والأماكن العمومية عبر عديد الولايات، وحتى على مواقع الانترنت، تشكل إحدى قنوات السوق السوداء لإجراء مختلف المعاملات العقارية المستحوذة على حوالي 90 بالمائة من سوق العقار.. الاحتيال على الزبائن بمنطق "القانون لا يحمي المغفلين"، مجمعات سكانية وبنايات وأوعية عقارية منتشرة ببلديات العاصمة وولايات أخرى، دون عقود ملكية ولا دفتر عقاري وبعضها يشيد على أراض ذات طابع فلاحي.. وفي كل هذا تبقى الوزارات المعنية بالملف تلعب دور المتفرج.
رغم أن القانون 08-15 المؤرخ في 20 جويلية 2008 المتعلق بالتسوية العقارية جاء بهدف وضع حد نهائي لمشكل البناء الفوضوي دون رخصة وعدم احترام مخطط العمران، غير أن قانون السوق السوداء للمعاملات العقارية يقول عكس ذلك تماما ويفرض منطقه، إذ توجد عشرات المناطق ببلديات العاصمة تخضع لسيطرة "مافيا" و"بزناسية" العقار لا تعرف في قاموس تعاملاتها القوانين الخاصة بالتحويلات العقارية وقواعد العمران والتعمير.
ويكون ضحية هذه المعاملات غالبا أشخاص طال بهم حلم الظفر بمنزل عائلي فيقعون ضحية إغراءات السعر المنخفض وصفقة تجرى بما يعرف مكاتب الأعمال.. هذه المحطات وتفاصيل أخرى اكتشفتها "الشروق" من خلال هذا التحقيق الميداني الذي تناول ظاهرة فوضى العقار الذي بات يغرق في سوق سوداء أمام أعين السلطات.

ملصقات وإعلانات للاحتيال على الزبائن بالسوق السوداء
بدايتنا لتقصي حقيقة التحويلات العقارية التي تحدث غالبا خارج القنوات الرسمية، كانت بأخذ عينة من الملصقات الملصقة بالشوارع والإعلانات على صفحات الانترنت، بغرض الاتصال بالأرقام المدوّنة عليها على أساس أننا زبون نبحث عن قطعة أرض لبناء مسكن عائلي.
في بادئ الأمر، يظهر السعر الذي يحمله الإعلان مغريا مقارنة مع السعر الحقيقي للعقار بالعاصمة وضواحيها، حتى لأولئك الذين لم يكونوا يبحثون عن قطعة أرض، غير أنه وبمجرد الاتصال بالوسيط أو صاحب الوعاء يصطدم الزبون بالمفارقات بين ما هو موجود في إعلان أو ملصق البيع وبين ما هو موجود على أرض الواقع، وهكذا وقع عشرات المواطنين ضحية احتيال مقنع.

من 80 إلى 200 مليون والدفتر العقاري يتحول إلى عقد عرفي
اتصلنا بأحد المعلنين على الانترنت، يبيع أوعية عقارية بشرق العاصمة وضواحيها، حيث حدد سعر الآر الواحد بـ80 مليونا مع إمكانية البيع بالتقسيط، مع إشارته لتوفر عقد ودفتر عقاري، غير أننا لما اتصلنا به، تغيرت المعطيات رأسا على عقب، وفي أول استفسار عن سعر القطعة الأرضية بدفتر عقاري فكان الجواب 200 مليون للآر، وماذا عن 80 مليونا المذكورة في إعلانكم؟ فرد علينا أنها سعر قطعة بدون عقد ودفتر (عقد عرفي).
أقنعنا صاحب الإعلان أن المبلغ الذي بحوزتنا يتناسب والقطعة ذات مبلغ 80 مليونا، لنشرع بالحديث معه عن الإجراءات القانونية لاستخراج رخصة البناء وتسوية وضعية الوعاء، ليسترسل مباشرة في محاولة إقناعنا بأن الأمر لا يتطلب إلا إجراءات بسيطة، والانتظار لمدة ليست بالطويلة لإتمام إجراءات التسوية واستخراج رخصة البناء والشروع بعدها مباشرة في عملية البناء، فسألناه كيف ذلك؟ فأجاب: الكل هنا يشتري بعقد عرفي ويسوي وضعيته دون أي مشاكل.
اتصلنا بوسيط آخر، وجدنا رقمه على إحدى الملصقات بالشارع، للاستفسار عن مكان وسعر القطعة، فكانت الإجابة بضواحي الكاليتوس شرق العاصمة، وبسعر يتراوح ما بين 2.5 إلى 3 ملايين للمتر المربع الواحد، وأنه لا يتوفر على عقد أو دفتر عقاري، البيع يكون عن طريق العقد العرفي، وألح علينا على ضرورة تحديد موعد لإطلاعنا على جميع الأوعية العقارية قبل المفاوضة حول السعر والوثائق.. وأكد لنا أن استخراج الرخصة وتسوية وضعية الوعاء لا يتطلب إلا إجراءات جد بسيطة على مستوى البلدية.

ملايير مقابل عقارات وفيلات دون وثيقة أو رخصة بناء
وبغرض التأكد من صحة مما حاول إقناعنا به عديد "بزناسية" العقار الذين اتصلنا بهم، كانت وجهتنا الميدانية الأولى نحو بلدية الكاليتوس شرق العاصمة، بعد أن اتصلنا برقم أحد الوسطاء انتقينا رقمه من إحدى الملصقات وجدناها بشارع حسيبة بن بوعلي وسط العاصمة، وبمجرد الحديث معه عن مكان وسعر العقار والوثائق، طلب منا تحديد موعد للحديث عن موضوع قطعة الأرض التي نريد أن نشتريها بعد رؤيتها ميدانيا، وفعلا حدث ذلك، حيث اقترح علينا المعني عدة قطع أراض تراوحت أسعارها ما بين 2 مليون إلى غاية 4 ملايين للمتر المربع الواحدبدون عقد رسمي أو دفتر عقاري.
وبعد التشاور مع "المصور" و"السائق"، أبدينا تخوفا من العقد العرفي "Papier timbré"، ليشرع صاحبنا في إقناعنا بقوله: "عشرات الزبائن يقتنون أوعية عقارية بهذا الشكل، إجراءات التسوية جد بسيطة وسهلة والمكان هنا لا يحتاج أصلا أن يستخرج صاحبه رخصة البناء، لأن ما ترونه من بنايات منجزة وقيد الإنجاز لا يحوز أصحابها الرخصة، فهل ستقدم السلطات على تهديمها جميعها.. لا، مستحيل"، حيث أراد المعني أن يؤكد لنا بأنه "لا وجود لحسيب أو رقيب"(..)، وفعلا تأكدنا أن عشرات المواطنين اقتنوا أوعية عقارية بهذا الشكل كلفتهم أزيد من مليار سنيتم وشرعوا في تشييد بنايتهم من دون رخص بناء أو تسوية وثائق القطعة.

تلاعب وتزوير تاريخ المعاملة بمكتب أعمال
وبعد أن اقتنع الوسيط أننا متخوفون من العقد العرفي، اقترح علينا أن يبيعنا قطعة مع التلاعب بتاريخ البيع في إجراء المعاملة العقارية، حتى يسهل علينا عملية إيداع ملف التسوية على أساس أن الوعاء العقاري نملكه منذ فترة طويلة، أي تكون التسوية بأثر رجعي، ولم نقتنه حديثا حتى لا تجد مصالح البناء والتعمير حججا مقنعة لعدم تسوية الملف حسب ما ينص عليه القانون 08-15، وهي إحدى الحيل التي تخضع لها المعاملات العقارية في السوق السوداء.

مصلحة البناء تحذر.. هكذا بيعت أوعية فلاحية بالملايير
مباشرة بعد إنهائنا عملية المفاوضة مع الذي يلقب نفسه بوسيط عقاري خاص، توجهنا نحو مصلحة التعمير والبناء ببلدية الكاليتوس، قدمنا أنفسنا على أننا زبائن بصدد شراء قطعة أرض بعقد عرفي، للاستفسار عن الإجراءات الإدارية المعمول بها في هذه الحالات لتسوية وضعية قطعة الأرض واستخراج رخصة البناء، فتم تحذيرنا من أن نقع في فخ احتيال، وأكدوا لنا أنه خلال الأسبوع المنقضي، اكتشف أحد المواطنين أنه وقع ضحية احتيال بقيمة مليار ونصف مليار سنتيم، بعدما اقتنى وعاء بدون دفتر عقاري وفي "الشيوع"، ناهيك عن طبيعة الأرض الفلاحية، وهي حالات كثيرة تتكرر مع عدة زبائن.
وذكر العون الذي تحدثنا معه بذات المصلحة، أنه قبل شراء وعاء بعقد عرفي يجب التأكد جيدا من جميع تفاصيل الوثائق، خاصة ما يعرف عرفيا بـ"العقد الكبير"، على اعتبار أن بعض العقارات غير قابلة للتسوية... فيتبخر حلم الزبون.. لا المال ولا قطعة الأرض.

رئيس الفدرالية الوطنية للوكالات العقارية.. عبد الحكيم عويدات:
90 % من المعاملات في السوق السوداء.. والقانون لا يحمي المغفلين

يرى رئيس النقابة الوطنية للوكالات العقارية، أن مكاتب الأعمال التي تجرى فيها المعاملات العقارية ليست لها أي صفة قانونية، وأن ما يقدمون به أنفسهم على أنهم متعاملون خواص، ما هو إلا "بزنسة" وتحايل على القانون، وأوضح أن تعديل تاريخ إجراء أي معاملة عقارية يعد تزويرا يعاقب عليه القانون.
وألقى عويدات في تصريح إلى "الشروق"، اللوم على الزبائن الذين باتوا يلجؤون إلى السوق الموازية، سواء للشراء أم الإيجار أم حتى البيع، بدلا من التعامل في قنوات الرسمية، وغالبا ما يقعون ضحايا احتيال، وهنا يدخل منطق "القانون لا يحمي المغفلين"، لأن التعامل مع مكتب أعمال وبعقد عرفي، معاملات ليست لها أي صفة قانونية، وأوضح أن ظاهرة "البزنسة" والتعامل بالعقود العرفية والاحتيال على الزبائن انتشر حتى ببلديات العاصمة، كالكاليتوس، وبراقي، وبرج البحري، وسيدي موسى، والرغاية، في وقت تشير فيه آخر الإحصائيات إلى أن نسبة المعاملات العقارية في السوق السوداء بلغت 90 بالمائة.
وواصل المتحدث بأنه حتى بعض الوكالات العقارية أصبحت تحت رحمة "بزناسية" العقار الذين يفرضون منطقهم في الميدان، مضيفا أن التعامل عبر القنوات غير الرسمية وبعقود عرفية يوقع عشرات المواطنين ضحية احتيال لعدم وجود أي وثيقة رسمية تثبت انتقال الملكية، فضلا عن المشاكل التي يغرق فيها الزبون كطبيعة الوعاء الفلاحي وغير المطابق لشروط التعمير.
ويرى المصدر أن انتشار ظاهرة "البزنسة" والاحتيال سببه غياب الرقابة والمحاسبة من قبل مصالح وزارة المالية وكذا غياب إرادة سياسية لاسترجاع الأموال الضخمة بالسوق السوداء، إذ يصعب حاليا معرفة عدد المعاملات العقارية والأموال التي يستقطبها سوق العقار سنويا.
وأضاف عويدات أن المعاملات العقارية غير القانونية، تنتهي أحيانا بأروقة المحاكم وتصل إلى حد "التقاتل" بين الأشخاص، وأعطى مثالا عن زبائن اشتروا أوعية عقارية وشيدوا عليها منازل، ليجدوا في الأخير أنهم لا يملكون أي وثيقة رسمية تثبت ملكيتهم للعقار وما شيد عليه، داعيا الجهات الرسمية، وفي مقدمتها مصالح وزارة المالية، إلى تحمل مسؤوليتها الكاملة في مجال تطهير ملف العقار، لاسيما أن "البزنسة" في العقار ارتفعت إلى 90 بالمائة في السوق السوداء.

رئيس المجمع الوطني للخبراء والمهندسين المعماريين عبد الحميد بوداود:
العقار أفلت من يد الإدارة.. والقانون 08/15 لم يحقق النتائج المرجوة

ألقى رئيس المجمع الوطني للخبراء والمهندسين المعماريين، عبد الحميد بوداود، اللوم على السلطات الرسمية، بدءا بمصالح التعمير على مستوى بلديات الوطن، التي لا تؤدي مهامها على أكمل وجه، لاسيما في ما يتعلق برخص البناء، إذ إن إلزام كل شخص يريد أن ينجز مشروعا، الحصول على الرخصة، سيقضي على المعاملات الفوضوية وبيع عقارات بوثائق عرفية وفي الشيوع والاحتيال على المواطنين.
وتساءل بوداود في حديثه إلى "الشروق": أين دور السلطات والوزارات المعنية بملف العقار والعمران كوزارة المالية، الفلاحة، السكن، الداخلية، من كل الفوضى التي يغرق فيها العقار، الذي بات يخضع لقوانين البزنسة، وذكر أن القانون 08-15 وتمديد الآجال في كل مرة يوحي بأن الحكومة لا تريد طي الملف ومعالجة الاختلال، على اعتبار وجود مجمعات سكنية بأكملها بالعاصمة من دون تسوية لا من حيث مطابقة البناية ولا الوثائق الخاصة بقطعة الأرض.
فيما اعتبر المتحدث أن الإجراءات الثقيلة الخاصة بالتسوية على مستوى مصالح مديريات مسح الأراضي من أجل الحصول على الدفتر العقاري، سبب آخر للفوضى التي يعرفها سوق العقار في الجزائر.

مختص في القانون العقاري.. المحامي جمال برباشي:
العقد العرفي.. دعوى قضائية باطلة في أول جلسة
وفي نظر القانون، يقول المحامي جمال برباشي، المختص في القسم العقاري، إن عقد البيع العرفي ليس له أي حجية أو صفة قانونية، بمعنى أن المعاملة العقارية التي أجريت لدى وكالة عقارية أو ما يعرف بمكتب الأعمال دون المرور على موثق، وكأنه لم تجر أي معاملة، إذ يمكن أن يحتال صاحب العقار الأصلي على زبونه متى شاء، وهذا الأخير ليس له أي صيغة قانونية يمكن أن يثبت بها ملكيته للعقار الذي اشتراه بعقد بيع عرفي إلا في حالات استثنائية. وأوضح المتحدث أن جل المحامين يرفضون الخوض في ملفات من هذا النوع، فكثير من المواطنين يقعون ضحايا احتيال ونصب، لجهلهم للقانون أو تعمدهم، وفي هذا الشق يتوجهون إلى محام لرفع دعوى قضائية لاسترداد حقوقهم، غير أن المحامي وبمجرد اطلاعه على الملف سيدرك أنه سيخوض معركة قضائية يخسرها من أول جلسة، وذلك لغياب وثائق رسمية في المعاملة العقارية للموكل الذي وقع ضحية احتيال ونصب.
وذكر المصدر أنه باستثناء الموثقين، لا يسمح قانونا لأي متعامل آخر إجراء أي معاملة عقارية، وأشار إلى أن صدور القانون الذي يمنع شراء أو بيع وعاء عقاري في الشيوع، سبب في انتشار ظاهرة إجراء معاملات عقارية لدى مكاتب الأعمال والوكالات العقارية، بالإضافة إلى التهرب الضريبي، على اعتبار أن قيمة المعاملة العقارية التي تجرى لدى الموثق يذهب جزء منها إلى خزينة الدولة.