القدر اقوى
26-03-2019, 01:18 PM
عبثت الايام بحياة سي سعيد، الرجل العجوز، لكنه لا يزال الى اخر رمق يقاوم بكل ضراوة مصاريف المعيشة و قسوة ظروف الحياة التي انهالت على رأسه و على اسرته الصغيرة و هو في عز شيخوخته و لا يتقاضى فيها الا معاشا ضئيلا لا يكاد يكفي حتى للأكل و الدواء..

نعم... فزوجته الأولى كانت عاقرا لكنه لم يشأ ان يطلقها او يتزوج عليها بامرأة أخرى اذ كان الرجل وفيا لها راضيا بما كتبه الله له و مسلما بالقضاء و القدر حتى اتى امر الله بقبض روحها و هي راضية كل الرضى عن زوجها العطوف الذي كان نعم الزوج و الرفيق في السراء كما في الضراء...
لكن الحياة تستمر، و سي سعيد الذي بلغ سنه مشارف الستين او يزيد تزوج مرة أخرى من بنت الأربعين الا قليلا...نعم لقد تزوج سي سعيد و انجبت له زوجته الجديدة بعد كل تلك السنين العجاف بدل الطفل ثلاثة اطفال حتى ان احد أصدقائه القدامى عندما سمع بالخبر و البشرى السارة قام وزغرد مثل النساء فرحا و غبطة بتلك النعمة التي حازها صديقه سي سعيد فضلا من الله و رزقا عظيما.

قام سي سعيد بتربية صغاره و تعليمهم حتى بلغوا الجامعة و ها هو ذا اول العنقود ابنه الأكبر هشام ينال بكل جدارة و استحقاق الشهادة الجامعية بدرجة مشرفة و يأتي مسرورا يزف الخبر السعيد لامه و ابيه و تسود البيت أجواء من الفرحة العارمة في أمسية جميلة حتى ان وجهي والديه اشرقا بالبهجة و الحبور كلآلئ انارا البيت السعيد و الدنيا في الخارج كلها ظلماء..

و من غياهب تلك الظلماء، جاءهم زائر في الليل و ها هو ذا عند عتبة الباب يطلب ان يوافيه سي سعيد فهو يحتاجه في امر مهم للغاية...من يكون هذا الرجل يا ترى؟ و ما هذا الامر المهم الذي سيخبر به السي سعيد؟

اكتشفت عائلة سي سعيد انه لم يكن سوى عمران صاحب الدكان و لكن ما الذي يريده صاحب الدكان هذا و ما هذا الامر الجلل الذي جاء على اثره الى بيتنا في هذه الساعة المتأخرة؟
-اسمع يا...سعيد جئت استعيد نقودي منك و اعلم بأنني منذ اليوم لن امنحك شيئا من دكاني حتى تقوم بتسديد كل ما عليك من ديون متراكمة...
-ارجوك...اخفض صوتك قليلا حتى لا يسمعك اهل بيتي رجاءا... و ليكن ذلك، سأسدد ديني عندما أقوم بقبض معاشي في المرة القادمة فقد سددت هذه المرة بدل الايجار و الكهرباء و لن استطيع موافاتك الا بالقسط القليل من نقودك.
-لن امهلك أكثر من الشهر القادم...لا تقل لي انني لم احذرك!


كان عمران هذا ضخم الجثة، لا تكاد تعرف انه ينتمي الى صنف البشر عند النظر اليه من بعيد او حتى من قريب، كأنه كرة كبيرة من اللحم ملفوفة بقطعة من القماش تدب فوق الأرض و لكنه بالرغم من كل ذلك و حركته البطيئة جدا كان يسيطر على دواليب القرار في قريته الصغيرة فهو يملك الدكان الوحيد هناك و يصدر احكامه كما يشاء فقد ضربت الفاقة بكل قوتها على اهل القرية و هو يملك كل السلطة و أي سلطة انها سلطة الطعام و ان سولت لك نفسك ان لا تتبع تعليماته في كل شاردة وواردة فالويل كل الويل لك فقد تجد نفسك تتضور جوعا انت و صغارك فقد سبق له و ان وبخ احدهم لمجرد انه شاهد ابنه يرتدي حذاء جديدا و في نفس الوقت هو مدين له ببضع الدراهم!... اذ كان الأولى به ان يسدد الدين الذي عليه و ليس ابتياع حذاء جديد لابنه! لقد جن جنونه في ذلك اليوم و لا يريد السي سعيد ان يحدث معه ذلك ايضا.

سمع هشام كل ما دار من حديث بين ابيه و عمران في تلك الليلة الليلاء رغم ان والده حاول إخفاء الامر عن عائلته، و اعتصر قلبه الما بما يمر به والده العجوز الذي تجاوز سنه الثمانين سنة و لم يرحمه صاحب الدكان و الم اخر فظيع هد قلبه الصغير و هو عدم استطاعته فعل أي شيء لمساعدة والده فقد تخرج لتوه من الجامعة و سيمر وقت طويل ربما قبل ان يجد الوظيفة التي تلائمه فيرفع الغبن و الحرمان الذي تتخبط فيه عائلته.

و ها قد اتخذ هشام قراره و الدموع تنهمر من عينيه׃
-غدا سأخرج الى الحقول للعمل في الفلاحة فانا لم اعد احتمل الظروف التي نمر بها و سأساعدك يا والدي

كان هشام يظن بأن والده سيفرح بالأمر و يشجعه على الاقدام على فعلته تلك و يبارك تصرفه الصائب لكن كل ذلك لم يحدث فقد احمر وجه السي سعيد و انفجر في وجه ابنه و كله غضب...
-ماذا قلت يا ولد؟ هكذا اذن فأنت تريد ان تتوجه الى الحقول كي تساعدني...ومن طلب مساعدتك اصلا؟ هل هذا هو حلمك الكبير الذي ستحققه بعد قضاءك لكل تلك السنين في الدراسة؟ و انا الذي قضيت كل تلك الفترة اتجرع فيها الألم و المعاناة حتى اوصلك الى ما انت عليه ؟ و الان تقول انك ستغدو فلاحا مثلي؟ لو لم تكن متعلما فلا بأس بذلك و لكنك حزت لتوك الشهادة و لن ارضى بان تدمر كل ما بنيته بيدي هاتين...اريدك يا ابني ان ترفع راس ابيك عاليا بعد ان تمرغ دهرا في التراب...اريدك يا ابني بأن تتحدى كل العالم و تواجه كل الصعاب و تزيل كل المطبات التي قد تعترض طريقك و تظهر له بأن ابن الفلاح يمكنه أيضا ان يحقق النجاح الباهر له و لبلاده مثل الاخرين و ربما اكثر و لما لا؟...ذلك هو قدرك و هو اقوى مما يمكرون
-و لكن يا أبي...
-لا أريد أن أسمع منك كلمة واحدة اخرى و هاك مني هذه الألف دينار حتى تتوجه في صباح الغد الى المدينة و تبحث عن عمل لك هناك

بعدما قضى ليلته في أرق كبير، ها هو ذا هشام يتوجه صوب المدينة لتحسس أخبار وظائف جديدة قد يحالفه الحظ وينال احداها.
و هو في غمرة البحث عن الوظيفة و تحقيق حلمه المنشود، سمع بالصدفة من أحدهم ان هناك مسابقة للتوظيف قد اعلنوا عنها في وزارة الخارجية قبل ايام قليلة فهم يحتجون كاتبا في السفارة الجزائرية في أمريكا...نعم سيقيمون مسابقة بأكملها لأجل قبول كاتب واحد فقط!
-عاد هشام الى البيت خائبا منكسر الخاطر على عدم تحقيقه لأي شيء يذكر بعد توجهه الى العاصمة و صرفه للألف دينار هكذا هباء منثورا فهو كان يظن ان المسابقة ستختار العشرات من المتقدمين لها و ليس مجرد شخص واحد فقط! انه لمن سابع المستحيلات أن ينال هشام ذلك المنصب الرفيع فقد افترض أنه حتى و ان كان اذكاهم جميعا و اجتاز المسابقة بسلام فربما قد يتدخل أحدهم من الذين يملكون نفوذا كبيرا و يضع قريبه مكان هشام في قائمة الناجحين في الامتحان! اجل هكذا بكل بساطة! هذا دون أدنى شك فنحن لا نعيش في عالم مثالي مثلما علمونا في مدرجات الجامعة هناك...نعم العالم خارجا لا يرحم بتاتا.

لكن المفاجأة الكبيرة التي لم يكن يتوقعها هشام هو موقف والده عندما علم بأمر تلك المسابقة...
-يا بني... أريدك أن تصغي الى والدك وبأن لا تلتفت ابدا الى أراء الاخرين التي سوف تهدم حياتك و لن تنفعك في شيء مطلقا...يا بني قد يقولون بانك لست اهلا بالذهاب الى أمريكا او العمل في السفارة فأنت مجرد ابن قرية معزولة مرمية في تلك الجبال وسط الادغال و ستبقى هناك الى أن تصبح عجوزا و تموت في الأخير...لا لن يحدث ذلك لك...سوف تتقدم الى ذلك الامتحان و ستنال المنصب بإذن الله.... صحيح ربما هم يعرفون وزيرا ربما او جنرالا او مدير شركة كبيرة قد يتوسط لهم ولكن هل تعلم يا ابني من يعرفك انت؟ نعم انه الله....الله يعرفك شخصيا و باسمك أيضا فهو خالقك و يعرفك اكثر من نفسك و ان كتب لك شيئا فلن يستطيع كل العالم ان يمنعك من تحقيقه و من الوصول الى هدفك و لو فعلوا الافاعيل...


بكى هشام لحظتها بكل حرقة و انهمرت من عيونه دموع غزيرة دافئة و تأثر كثيرا بكلام أبيه و الحنان الدافق الكبير الذي غمر به ابنه و الصادر من اعماق قلبه و قال له׃ شكرا يا أبي...
و لم يستطع التلفظ بعدها بأي كلمة اخرى...

و لما أتى اليوم الموعود، يوم المسابقة المشهود، ركب هشام الحافلة و نسائم الصباح الأولى تلج من النافذة المفتوحة قليلا ليستنشق قليلا من عبقها و رطوبتها العذبة و هو يستذكر تلك اللحظات الجميلة التي أمضاها برفقة والده سابقا عندما كلمه عن أحلامه و تمنياته لولده بالنجاح و بأن يصبح فخر عائلته...

وصل أخيرا الى قاعة الامتحان، كانت مكتظة عن اخرها والزحام شديد داخلها تكاد تختنق فلم يعد هناك مجال لتسرب الهواء العليل الى داخلها فهي تحمل في جوفها الفا من المتقدمين لاجتياز الامتحان و ربما يكونون قد فاقوا الالفين او اكثر من يدري؟ و لأجل ماذا؟ كلهم هناك من أجل الظفر بمنصب يتيم واحد فقط! يا للهول هل حقا سيتمكن هشام من انتزاع المنصب الرفيع مع كل هؤلاء؟! انه ضرب من الخيال...

في مكان اخر و من خلف الستار كان هناك شخص ذو نفوذ كبير يوصي بأن يغنم ابنه ذلك المنصب فهو كسول و غبي جدا و لا يمكنه النجاح في تلك المسابقة حتما...

-ألو... ألو...يرد عليه أحد القائمين على المسابقة...أعطني اسم ابنك فقط ولا تقلق ابدا فأنا سأقوم بالباقي يا سيدي و سيغدو ابنك هناك في أمريكا يمرح في ملاهيها كما يشاء!
-شكرا...وأبلغني فورا عند خروج النتيجة ريثما أجهز لابني جواز السفر حتى نسرع في عميلة انتقاله الى أمريكا.

و هشام من جانبه أيضا عاد الى البيت و كله رضى بما قدمه في المسابقة فلو أنصفوه حقا سيكون أول المتوجين و سينال المنصب حتما فهو يعلم ما قدمه في ورقة الامتحان فقد كانت تصب كل الأسئلة في صالحه و عرف كيف يجيب عليها بطريقة ماهرة و رهيبة...و بدأت بعدها رحلة الترقب و الانتظار فبعد عشرة أيام ستظهر النتائج الحاسمة و سيظهر اسم سعيد الحظ الذي سيسافر للعمل في السفارة هناك في أمريكا...

وأخيرا خرجت القائمة الى العلن و هاتف القائم عليها ذلك المدير النافذ بأن اسم ابنه فيها، لكن المدير فاجئه بما لا يخطر على بال فالذي خرج في القائمة لا يكون ابنه فتاريخ الميلاد الذي ظهر مع الاسم لا يخصه بل يخص شخصا اخر يحمل نفس الاسم و اللقب لكنهم لا يعرفون بعضهم! يا للعجب من أين أتى هشام الاخر هذا؟ و يا لحظه الكبير! بل يا للصدفة اللعينة!
-والان ما العمل؟ هل تستطيع أن تساعد ابني يا رجل؟ و هل بإمكانك ان تجد لنا حلا يخلصنا من هذه الورطة و المصيبة الكبيرة؟
-للأسف يا سيدي...ابدا...ابدا...فقد خرج اسم ذلك الشخص الذي يتشابه في اسمه مع ابنك في الأوراق الرسمية وسلطتي لا تسمح لي بتغيير أي حرف منها...قدر الله و ما شاء فعل...اعدك بانني في المرة القادمة لن يفوتني امر تاريخ الميلاد بل سأدقق أيضا حتى في اسم ابيه و امه أيضا حتى لا اخطئ في حق ابنك مرة أخرى...اعذرني يا سيدي

و لكن من هذا الفائز صاحب الحظ الكبير يا ترى؟ ...نعم...كان ذلك الفائز هشام ابن سي السعيد...كان قدره...
عاد الى البيت بالخبر السعيد بعدما سمعت كل القرية بإنجاز شبلهم العظيم الذي رفع رأس أبيه عاليا شامخا بعد قهر السنين...

بكى كل البيت... أمه وأبوه واخوته...بل حتى ان تلك القطة الصغيرة قد أحست ان شيئا ما قد طرأ على بيت عمي السعيد وأخذت تنظر إليهم في ذهول...
وعند فراغهم من كل ذلك، مسح سي سعيد دموعه وقال لابنه׃ ألم اقل لك يا ابني بأن القدر اقوى...