أصول الجدل و المناظرة في الكتاب و السنة
08-08-2009, 11:12 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذا قبس من كتاب
أصول الجدل و المناظرة في الكتاب و السنة
للشيخ الدكتور
حمد بن ابراهيم العثمان
حفظه الله تعالى

هدية شهر رمضان المبارك للإخوة رواد هذا القسم عسى الله أن ينفعنا بها


بسم الله الرحمن الرحيم

حري بمن قصد المناظرة أن يتأدب بأداب أهل العلم عموما ، و أداب المختلفين و المتناظرين خصوصا ، يلزم أمر الله في محاجة غيره ومعاملة مخالفه بما يقتضيه الشرع طاعة لله ، وحتى يحصل مقصوده من معرفة الحق و إظهاره ولزومه ، وتحقيق المجادلة بالتي هي أحسن .
و إليك بيان بعض ماينبغي أن يتأدب به المتناظرون .

1
حسن القصد

الإخلاص شرط في جميع الأعمال ، فلابد أن يقصد من المناظرة وجه الله ، وطلب الحق ، و النصيحة للمسلمين .
قال الإمام الشافعي ( ماناظرت أحدا إلا على النصيحة )
قال الحافظ بن رجب معلقا على قول الشافعي ( لأن تناظرهم كان لظهور أمر الله ورسوله ، لا لظهور أنفسهم و الإنتصار لها )

2
استظهار مذهب المخالف قبل المناظرة

قال الشيخ يحي العمراني ( وكما قيل من لم يطلع على دلائل خصمه لم يقدر على قطعه و قصمه )

3
مراعاة قدر المناظرة

الناس طبقات في العلم ،فينبغي على المناظر أن لا يلتزم حالة واحدة مع كل من يناظره ، فيميز بين العالم ومن دونه ، وبين المتحري للحق و المتعنت ، وبين السني و البدعي ، وبين المناظر و المتطفل .
قال إمام الحرمين الجويني ( وعليك بالمحافظة على قدرك وقدر خصمك و إنزال كل أحد في وجه كلامك درجته ومنزلته ، فتميز بين النظير ة المسترشد ، وبين الإستاذ ، ومن يصلح لك .
ولا تناظر النظير مناظرة المبتدىء و المسترشد ، ولا تناظر أستاذينك مناظرة الأكفاء و النظراء ، بل تناظر كلا على حقه ، وتحفظ كلا على رتبته )

4
المجادلة بالحسنى

أمرنا الله عز وجل بالمجادلة بالحسنى ، قال تعالى ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنى و جادلهم بالتي هي أحسن ) .

5
استعمال السمت الحسن
السمت الحسن و الوقار محمود استعماله شرعا بكل حال ، وهو حيلة المؤمن وزينته ، وهو سبب لتأييد الله ، وميل الناس إلى جهته .

6
الإعراض عن مجالس الهيبة

هيبة العالم أو السلطان تحمل البعض على ترك الإعتراض أو إيراد السؤال أو حتى التجرؤ على التخطئة .
قال إمام الحرمين الجويني ( و إياك و الكلام في مجالس الخوف و الهيبة فإنك عند ذلك في حراسة الروح على شغل من حراسة المذهب و نصرة الدين )

7
عدم التهاون مع المخالف

التهاون مع المخالف قد يؤدي إلى عدم الجحد في القيام بالحجة ، وهذا يفعله البعض إذا ناظره صغير أو غير نحرير ، فيقطعه من حيث اعتقد ضمان ظهوره عليه .
قال إمام الحرمين الجويني ( و إياك واستسغار من تناظره و الإستهزاء به كائنا من كان ، لأن خصمك كان من المفترض عليك في الدين مناظرته فهو نظيرك ، لا يجمل بك إلا مناظرة النظير للنظير . )

8
عدم الإفراط في التوقي من الخصم

كما لا ينبغي للمناظر التهاون مع خصمه ، كذلك لاينبغي له الإفراط في الإحتياط حتى لا يستولي عليه الخذلان فينقطع .
قال الإمام الشافعي ( رأس التوقي ترك الإفراط في التوقي )

9
الإتفاق على الأسس

المتناظران لابد أن يرجعا في المسألة التي اختلفا فيها إلى كليات ليتم تحرير المسألة المختلف فيها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( فإن الجدل إنما يشترط فيه أن يسلم الخصم للمقدمات )

10
ترك الإلتفات إلى الحاضرين

الإلتفات إلى الحاضرين يشوش الذهن ، فينقطع استجماع الذهن ، وربما يكون ذلك سببا في ذعف القيام بالحجة .
قال إمام الحرمين الجويني ( التقرب إلى الله سبحانه يجب أن يكون بحيث يمنعك عن الإلتفات إلى الحاضرين خالفوك أم وافقوك فإنه سبحانه عند ذلك يكفيك المهم ، ويعينك في تقوية ذهنك وتصفية فهمك و إمداد خواطرك ة الكشف عن الحق على لسانك )

11
اعتدال المزاج

ينبغي للمناظر أن لايناظر غيره مع عدم اعتدال طبعه و مزجه ، كأن يكون في حالة جوع أو عطش ، لئلا يتصور خلاف الحق مع تشويش الذهن .
قال العلامة ابن القيم ( ومعلوم ان الرأي لا يتحقق إلا مع اعتدال المزاج )

12
تجنب الغضب و الضجر

الغضب يذهب بلب المناظر ، بل من الناس من يشتد غضبه حتى يغلق عليه فلا يدري ماذا يخرج من رأسه .
قال أبو بكر الطرطوشي ( الغضب عند المناظرة منساة للحجة )

13
تفحص الكلام قبل إرساله

ينبغي على المناظر أن يدقق في الكلام الذي يريد أن يلقيه على مناظره ، فيتفهم معانيه ويثبت في ذلك غاية التثبت من غير استعجال قبل إرساله ، ويتفحص الكلام ومدى مطابقته للمسألة المتناظر فيها ، ومايرد عليه من اللوازم ، وما قد تلزمه به الحجة أو يثبت به تناقضه .

14
إنصاف مناظرك

المناظرة لا تنفع إلا مع الإنصاف ، فالظلم يمنع من الاستماع و النظر و التفحص لكلام المناظر ، ولاينصر الحق بمثل هذه الطريقة .
و الإنصاف دليل على حسن القصد وتلمس القصد وطلبه ولو على لسان مخالفك .
قال البقاعي ( من العادة الجارية السكون إلى الإنصاف ، و الرجوع إلى الحق و الإعتراف )

15
مراعاة كلام المناظر

ينبغي على المناظر أن يتأمل كلام مناظره ويحسن الإنصات إليه ، ويتدبر غاية التدبر ، حتى يدرك أدلة مخالفه وحججه ومدارك قوله ، ويبين له بذلك فساد كلامه إن كانت مقولته خاطئة ، أو صواب كلامه إن كانت مقولته حقا .
قال أبو الوليد الباجي ( ويحسن الاستماع إلى كلامه ، فأنه ربما بان له في كلامه مارآه له على فساده ؛ فيكون له عونا على نظره )

16
ترك المداخلة و المصادرة

إذا شرع الطرفان في المنتاظرة ، وبدأ أحد الطرفين بذكر حججه ، فالواجب على الآخر الإنصات وعدم المداخلة على المتكلم حتى يأتي على آخر كلامه .
قال أبو الوليد الباجي ( لايداخله في نوبته ويصبر له حتى يفرغ من كلامه ، فإن المداخلة تذهب بالفائدة وتدعو إلى الوحشة )

17
الحرص على ود الصاحب

المناظرة تهيج دواعي الغضب ، وقد تفسد ذات البين لأن في العبد طغيان للعلو ، ولذلك ترى العقلاء يتدفعونها مع أصحابهم و أصدقائهم .
قال يونس الصدفي ( ما رأيت أعقل من الشافعي ، ناظرته في يوما في مسألة ثم افترقنا ، فإخذ بيدي ثم قال : باأبا موسى ، ألا يستقيم أن نكون إخوانا و إن لم نتفق في المسألة )

18
الحذر من الشناعة على المخالف

البعض يسلم هذه الطريقة المذمومة حيلة إة إيهاما للحضور ببطلان حجج مناظره ، فتراه لايذكر بطلان حججه بالإدلة و البيان ، و إنما يعول على التهويل و السجع ، و اللغط و الخصام .
قال الباجي ( التشنيع عليه في جداله ، فإن ذلك يفعله الضعفاء ومن لا إنصاف عنده )

19
بين المؤاخذة المسامحة

قال إمام الحرمين الجويني ( ولا تسامح الخصم إلا في موضع يعلم يقينا ان المسامحة فيه لا تضرك ، لانه طالما قيل : المسامحة في المتاظرة شؤم )

20
الإعراض عن العجب

مقصود المناظرة طلب الحق ، وهداية الخلق إليه ، ومن فسد قصده يطلبها للمفاخرة و المباهاة ، وفي العبد طغيان العلو ، و المناظرة تحرك دواعي المخيلة و العجب .

21
الاحتراز في السؤال

سؤال المخالف لايخلو إما أن يكون استرشادا ، و إما أن يكون استدراجا للخصم .
قال الباجي ( وينبغي للسائل ان يحترز في سؤاله عن كلام تلزمه به الحجة في أثناء المناظرة ، فكثيرا مايطلق السائل سؤاله ثم يرجع عما أطلق قيقبح به )

هذا ونسأل الواحد الأحد أن يوفقنا لكثير مما ذكرنا ، و أن نلتزم بصفة العلماء في الجدل و المناظرة .
و الله المستعان



م ن ق و ل

حين تموت الأسود ترقص الكلاب على أجسادها
لكن تبقى الأسود أسوداً و تبقى الكلاب كلاباً


أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ فَإنِّـي إلى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَـلُ

فَقَدْ حُمَّتِ الحَاجَاتُ وَاللَّيْـلُ مُقْمِـرٌ وَشُـدَّتْ لِطِيّـاتٍ مَطَايَـا وَأرْحُلُ