عفوا ، هل أنت رجل ؟
14-08-2009, 12:48 PM
santعفوا ، هل أنت رجل ؟
الواقع أني لم أقصد بكلمة 'رجل' المعنى العامالمتعارف عليه في الأذهان للرجال الذي هو ضد 'الإناث', ولكن ما قصدته هو معنى آخرللرجولة, معنى يسمح للفتى الصغير الذي لم يبلغ الحلم بعدُ بالانتساب إليه, وقد تعجبإذا علمت أن للفتيات أيضًا الحق الكامل في الانتساب لمفهوم تلك الكلمة, فهل أصابكالعجب حقًا الآن؟
ربما, على كل حال قبل أن نعرج علىالمفهوم الرباني لمعنى الرجولة تعالَ معي لنتعرف على ما تعنيه هذه الكلمة في معجمأغلب شباب أمتنا إلا من رحم الله وهم قليل:
فأكثر الشباب اليوم يعتقدون أن:
1- الرجل هو المدخن:
وهذا المفهوم للأسف الشديد انتشر كثيرًاوترسخ في أذهان العديد من شباب الأمة, بل وأطفالها إذا أردنا أن نكون أكثر تحديدًا, وتتعدد العوامل والوسائل التي تنشر مفهوم أن الطريق إلى الرجولة بالتدخين, ومن هذهالعوامل أن التدخين يعتبر في غالب المجتمعات الإسلامية:
وسيلة لتصريف الضيق والكآبة والتخفيف عن النفس.
وسيلة للإحساس بالذات والنضج وتقليد الكبار.
وسيلةللامتناع عن الغضب الشديد بارتكاب ما يظنه المدخن جريمة فينفس عنها بالتدخين.
كل هذه التصورات المسبقة تتم زراعتها في المجتمع عبروسائل الإعلام حيث ينطلق البطل الذي تنجذب إليه الأبصار للتنفيس عن غضبه إلىالتدخين, ثم يظهر أنه يهدأ بذلك أو يهديه تفكيره وهو يدخن - أي في لحظة تركيزه بفضلالتدخين بالطبع - إلى الحل الذي لا مثيل له, ومن وسائل الاستزراع في العقليات لشبابالأمة وشاباتها ما يتناقله الكبار من هذه المفاهيم فيما بينهم, وما يظهر منهم منسلوكيات تؤكدها وتدعمها.
2- الرجلهو الذكر صاحب الصوت المرتفع:
وهكذا في كل الأمور لا ترى منه إلا صوتًامرتفعًا, فبه تحل المشاكل ويعرف الناس مكانته بعلو صوته, ويخشاه كل من حوله, فتراهلا يتفاهم في أمر إلا ويحسمه بحنجرته لا بعقله, وهو قادر على أن يتغلب علىالجميع.
3- الرجولة انحراف:
لكي تكون رجلاً لا بد أن تكون منحرفًا, فلسانك مثلاً لا يترك مخلوقًا في حاله, وهو كذلك مبدع في ناحية اختراع القذاراتوالإهانات لبني البشر, ويداك لا تسكن مكانها, بل هي أداة بطش مستمرة لا تتوقف عنالعمل والإيذاء, وعينك لا تترك امرأة تعبر إلا وتمر تحت أجهزة استشعارك الدقيقة, وكذا كل جارحة من جوارحه تقوم بدورها في رسم صورة الانحراف للحصول على لقب الرجولةالمستحق عن جدارة.
4- الرجل هوصاحب العلاقات العاطفية [الدون جوان] صائد الفتيات:
الرجل هو صاحب القدرة العالية على الإيقاعبالفتيات في حبائله, الذي لا يباريه أحد في سرعة هذا الإيقاع, وسرعة الحصول على مايريد من الفتاة بدافع وهم الحب والهيام, أو هو الباحث عن الحب العفيف الرومانسيالحالم هو الباحث عن عبارات الحب والذوبان التي تؤكد رجولته من أمثال: 'لا يمكننيالعيش بدونك' , 'أنت الرجل الذي كنت أبحث عنه طول حياتي', 'أنت تملأ خيالي طولالوقت ولا أتوقف عن التفكير فيك', وغير ذلك من العبارات المعسولة 'أي المنقوعة فيالعسل, وهي ليست كذلك على الحقيقة, فمن الواضح أن هذا العسل مستخرج من زهرة الحنظلعلى ما يبدو, إن كان للحنظل زهرة, هذه العبارات المعسولة يهرع إليها الشاب كلماأراد تغذية شعوره الداخلي بالرجولة, وقد تكون الرجولة عند البعض فيما يتعلقبالفتيات في القدرة على الزنا بهن ومواقعتهن والتنافس بين الشباب على ذلك, وهذه لاتختلف كثيرًا عن أيام الجاهلية الأولى وعن صور معيشة المجتمع الغربي في أيامنا هذهفي التسابق والمنافسة على التدني إلى الصورة الحيوانية أي الشباب الأسرع.
5- الرجل هو صاحب المواقفالرجولية وتحمل المسؤولية 'الجدع':
وهو مفهومللرجولة رفيع ومحترم, فالرجل الذي تجده وقت الحاجة وتطلبه في المهمات هو المتحققلمعاني الرجولة, وهو وإن كان مفهومًا يحمل قدرًا من الصحة والصواب ويلتقي معالمفهوم الرباني للرجولة في جزئية تحمل المسؤولية وخلافها, إلا أنه يختلف عنه فيكيفية التعبير عن هذا المفهوم وتطبيقه, بالإضافة إلى أننا نواجه مشكلتين تجاهه فيالواقع هما:
أنه ليس منتشرًا بين شباب الأمة بهذهالدرجة بحيث نتوقع أن المسافة بين مفاهيم الرجولة المنتشرة والمفاهيم السليمة مسافةقريبة يمكن اجتيازها بسهولة, بل المفاهيم الأخرى السابقة هي السائدة حقًا في أغلبمجتمعاتنا الإسلامية.
أن هذا المفهوم لا ضابط له يضبطه, فهو يتغير من مجتمع لآخر ومن وسط لآخر, فلا بد من ضبطه بالمفهوم الرباني للرجولة.
أما الرجال كما عرفهم رب البرية جل وعلا فلهم علاماتأخرى أبلغنا إياها ربنا في كتابه:
قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُيُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌوَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِيَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:36-37]
في هذه الآية يأتي الخبر من الله تعالىأن الرجل هو الذي لا تلهيه تجارته ولا بيعه عن أداء حقوق الله تعالى من ذكر وصلاةوزكاة, ولاحظ معي أن التجارة والبيع من المباحات وليست مما حرمه الله تعالى علىعباده, ولكن هذا لم يكن سببًا لمنع وصف من ألهته المباحات عن أداء واجب الله بأنهانتقص من معنى الرجولة بقدر ما انتقص من الواجب عليه, فما بالنا بمن تلهيهالمحرمات؟ ما بالنا بمن تلهيه المسلسلات والأفلام؟ ما بالنا بمن تلهيه مطاردةالفتيات وملاحقتهم؟ بل ما بالنا بمن تلهيه المباريات؟ هل هذا رجل بالمقياس الرباني؟
وقال تعالى في ملمح آخر من ملامح الرجولة القرآنية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَعَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَابَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب:23]
وهنا يظهرالنص القرآني الرجل على أنه الذي يصدق الله تعالى فيما عاهد الله تعالى عليه, ولكييتضح مفهوم الآية لا بد من ذكر سبب النزول, فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن ثابتقال: 'عمي أنس بن النضر لم يشهد مع النبي صلي الله عليه وسلم يوم بدر, فشق عليه [كان صعبًا عليه] وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه!! والله لئن أراني الله تعالى مشهدًا آخر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين اللهما أصنع! قال: فهاب أن يقول غيرها, فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد, فاستقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال له أنس: يا أبا عمرو واهًا لريح الجنة, إنيلأجده دون أحد!! قال: فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه, قال: فوجد في جسده بضع وثمانونضربة, بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم, فقالت أخته الربيع بنت النضر: فما عرفتأخي إلا ببنانه, قال: فنزلت هذه الآية: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَرِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.. }.
تُرى هل أدركنا الآن معنى الرجولة الحقيقية؟ ومن هم الرجال عند الله تعالى؟ترى أين تقف مفاهيم الرجولة السابقة أمام هذه المفاهيم الربانية, فالرجولة التزامبأمر الله تعالى والعهد الذي يقطعه العبد على نفسه, وبذا يستحق من دفع ثمن هذهالرجولة هذا الجزاء المبارك الذي عقب الله تعالى به على الآية الثانية فقال تعالى: { ... لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواوَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
وعدهم الله تعالى أن يجازيهم عما يفعلون منالخيرات بل ويزيدهم من فضله, فهنيئًا لمن كان هذا مقامه, وبادر أخي الحبيب بالحركةلتحصيل هذا المقام العالي من الشرف وأنت له أهل بإذن اللهتعالى.
مشهدالختام:
وختامًا, هذا مشهد لفتيان حدثان لم يتجاوزاالخامسة عشر من عمرهما, إنهما فتيان خلد الإسلام ذكرهما لأنهما قتلا رأس الكفر فيعهد النبي صلى الله عليه وسلم أبا جهل لعنة الله عليه, أسوقها لأؤكد لك أخي الشابالعزيز أن الرجولة فعل أكثر منها سن تبلغه فنهنئك بالوصول إليه, وها هي:
قال عبد الرحمن بن عوف: '... إني لفي الصف يوم بدر إذالتفت, فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن, فلم آمن بمكانهما, إذ قال ليأحدهما سرًا: يا عم أرني أبا جهل, فقلت: ولم يا ابن أخي ما تصنع به؟ قال: سمعت أنهيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده [ظلي ظله] حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك!! وغمزني الآخر فقال لي مثلها, فلمأنشب أن رأيت أبا جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألانيعنه, قال: فابتدراه فضرباه حتى قتلاه, ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمفقال لهما: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا يا رسول الله, فقال: هل مسحتماسيفيكما؟ قالا: لا, فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فقال: «كلاكما قتله. » [والفتيان هما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذبن عفراء].
لا بد في الختام من العود على بدء أخي الحبيبفعفوًا ... هل أنت رجل؟
والسلام عليكم أخوكم- منير -












