تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > منتدى العلوم والمعارف > منتدى النقاش العلمي والفكري

> " محاضرات الإسكندرية " لأدونيس..نحو تجذير أسئلة التحديث بقلم الكاتب أحمد دلباني

 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية جلول رفيق
جلول رفيق
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • الدولة : الوطن العربي
  • العمر : 39
  • المشاركات : 1,289
  • معدل تقييم المستوى :

    20

  • جلول رفيق is on a distinguished road
الصورة الرمزية جلول رفيق
جلول رفيق
عضو متميز
" محاضرات الإسكندرية " لأدونيس..نحو تجذير أسئلة التحديث بقلم الكاتب أحمد دلباني
25-09-2009, 10:02 AM
" محاضرات الإسكندرية " لأدونيس..نحو تجذير أسئلة التحديث
بقلم : أحمد دلباني

هذا المقال قراءة في كتاب، أتناول فيه بالعرص والتحليل أهم ما ورد في الإصدار الأخير للشاعر والمفكر العربي الكبير أدونيس الصادر قبل أشهر عن دار التكوين في دمشق والذي حمل عنوان " محاضرات الإسكندرية". إن هذه المحاضرات الأدونيسية تحاول تجذير أسئلة تحديث الثقافة العربية انطلاقا من هواجس أدونيس السابقة في افتتاح قارة النقد والانقذاف في أسئلة الراهن الحضاري من منظور ضرورة الولوج في الحداثة بوصفها زمنا ثقافيا مختلفا يقوم على الإبداعية وغياب المرجعية الماضوية. هكذا نلاحظ هنا أن أدونيس يعمق أكثر أسئلته السابقة محاولا الانفتاح على الراهن العربي المنتكس وعلى قضايا قراءة النص الديني من منظور مختلف وقضايا الإبداع والهوية في عالم لا يكف أبدا عن التحول...إلخ


**يواصل الشاعر والمفكر العربي الكبير أدونيس في مؤلفه الأخير " محاضرات الإسكندرية " ( دار التكوين – دمشق 2008)، طرح الأسئلة التي شكلت مدار اهتماماته الفكرية والنقدية لأكثر من أربعين عاما. إن هذا المؤلف الذي هو في الأصل محاضرات أربع ألقاها أدونيس في مكتبة الإسكندرية أواخر عام 2006، يشكل مناسبة سانحة لمراجعة أهم النقاشات التي شغلت الأنتلجنسيا العربية والمبدعين العرب في النصف الثاني من القرن المنصرم وما زالت تتمتع بنوع من الراهنية؛ فقد استعاد فيه الكاتب مجمل الأسئلة التي مثلت التحديات المطروحة أمام الوعي العربي إبداعيا وثقافيا وحضاريا، وحاول فيه أن يشدد على ضرورة التنطح لمشكلات تحديث العقل والوعي والانفتاح على قضايا الإبداع والهوية برحابة نظر تحتضن اللحظة الحضارية الراهنة وتحاورها.

إن هذه المحاضرات، برأينا، تشكل مرافعات من أجل التأسيس لشروط جديدة يمكن أن تفتح أفقا لوعي الذات وإعادة تناول الهوية في أفق الصيرورة والإبداع والابتكار لا في الميل إلى الانغلاق والثبات الذي تغذيه ظروف الانتكاس؛ وتحاول أن تستكشف دروبا جديدة لقراءة الذات الإبداعية العربية من زاوية تخليص التراث من التناول الرسمي السكولاستيكي السائد تمهيدا لوعي الإبداع بما هو انقذاف في مجهول العالم وبحث دائم عن بكارة اللغة خارج علاقاتها القديمة المكرسة في ظل ثقافة قامت – جوهريا – على واحدية الرؤية في جوانبها الدينية والسياسية بالأخص. إننا نلاحظ – في كل ذلك – نفس المنظور الذي قامت عليه الأدونيسية منذ إطلالتها على مسرح الثقافة العربية قبل نصف قرن تقريبا، وهو المنظور الحضاري الشامل الذي لا يكف عن النبش نقديا في جذور الثقافة العربية السائدة ومضمراتها ومسبقاتها التي جعلت منها قلعة تتحصن بالماضوية وبالمعيارية والمرجعيات المتعالية في مواجهة صخب التاريخ. إن هذا النقد بالتالي، على ما نرى، نقد ثقافي في جوهره، لايعزل مشكلات الكتابة الإبداعية عن مشكلات تحديث العقل والنظر، ولا يعزلها عن الموقف العام من العالم والتاريخ.

-----------------

في المحاضرة الأولى المخصصة للحديث عن إنجازه الفكري الأهم، أي "الثابت والمتحول "، تناول أدونيس جملة من تطلعاته النقدية /الفكرية الراهنة التي لم يتح له أن يتناولها قبل أكثر من ثلاثين عاما عندما ظهرت الطبعة الأولى من الكتاب المذكور. لقد رأى المؤلف أنه لو أتيح له أن يكتب هذا الإنجاز الفكري من جديد، لكان ركز على انشغالات ثقافية ونقدية ترتبط بالراهن العربي والإسلامي، مثل قضايا التراث في علاقاتها بحاضر العرب، وقضايا قراءة النص القرآني التي لم تنفتح على أبعاد أمهات المشكلات الثقافية والوجودية والأسئلة الكيانية التي افتتحها نص الوحي، وبقيت تراوح داخل دائرة التأسيس الفقهي/الشرعي لهذا الوحي؛ وكذلك أسئلة تمفصل الديني والسياسي منذ نشوء الدولة العربية الأولى على الدين مفهوما على أنه مسوغ للاضطهاد واستبعاد المختلف والمعارض. يشير هذا الأمر، بالطبع، إلى ضرورة الانفتاح على الراهن الذي تهيمن عليه الظاهرة الدينية في أكثر أشكالها أصولية وتطرفا وانغلاقا.

لقد أراد أدونيس أن ينبه، في كل ذلك، إلى تاريخ من الغياب ومن اللامفكر فيه وسم ثقافتنا منذ القديم في شكلها العالم المهيمن ثقافيا والرسمي السائد سياسيا، وهو غياب العقل معرفيا وغياب الذاتية والحرية إبداعيا وسوسيولوجيا وسياسيا، ما يفسره قيام النظام المعرفي العربي على الفقه الذي يمثل المرجعية وآلية القياس الماضوية من جهة، وقيامه على الواحدية التي تضمر استبعادا للآخر والمختلف من جهة أخرى. من هنا، نفهم كلامه عن نهاية التاريخ كما يفهمه، أي " نهاية العرب " كتاريخ وكثقافة سائدة لم تعد على موعد مع حركية التاريخ لأنها لا تمثل حضورا إبداعيا أو قدرة استشرافية لمصير الإنسان ومستقبله. إنها ثقافة كبح المغامرة الفكرية وتجريم صبوات العقل. إن هذه النبرة الأبوكاليبتيكية عند أدونيس تقوم على ضرورة التبشير بالموت التاريخي ومواجهة الواقع والمصير بنوع من الوعي النقدي الذي لا يركن إلى الدونكيشوتية ولا يروم إنتاج وهم الفروسية في عالم تجاوزها كليا، وإنما يحاول توسل طرق الخلاص في الخروج من سلطان الأب الرمزي/ الثقافي بوصفه جذرا تقوم عليه ذاكرة شائخة وتقوم عليه الثقافة العربية المستنفدة بأشكالها السائدة اليوم؛ يقول: " في ظني أن جوهر الأزمة العربية يكمن في أن العرب يرفضون الخروج من ذاكرتهم، يرفضون أن يعترفوا بأن التاريخ ينتهي، وبأن تاريخهم الذي يصرون على الإقامة فيه، انتهى، وتستحيل العودة إليه"(ص 29). إن هذا الأمر يكشف، بالتالي، عن وعي يعيش أزمته الخاصة إزاء نهايته بوصفه تاريخا، ويحاول أن يبتكر أوهاما يرمم بها ما تفصح عنه الفاجعة. من هنا، رأى أدونيس أن العربي " يصالح أباه "(ص 28) عوض أن يخرج عنه ويتمرد عليه؛ إنه يصالح تاريخه ويعيش في كنف الماضي ويرفع الصلوات ويقدم القرابين للحكايات التأسيسية. إن الماضي عند العربي سند أنطولوجي وسماء تضيء عتمة التاريخ الذي أفلت من الذات المهزومة وأصبح يصنع بعيدا عنها؛ وهذا بالذات ما يفسر الحضور الطاغي لهاجس " الهوية " و"الأصالة " في الخطاب العربي / الإسلامي الراهن. إنه حضور باثولوجي لا يرقى إلى مستوى الأسئلة الحضارية الملحة المرتبطة بالحاضر وبالتحديات المطروحة في هذه اللحظة العولمية. هذا ما جعله يذكر بأنه كان دائم الاعتقاد " أن الهوية الثقافية يجب أن ينظر إليها بوصفها مشروعا "(ص 10)، مدشنا عهد نقد جذري لثقافة الثبات والأصول مفهومة على أنها أقانيم تعلو على التاريخ الذي أنتجها، من أجل أن ينبه إلى صيرورة الهوية وإلى كونها حركية دائمة وجدلا لا ينتهي مع الواقع والآخر والتاريخ. إن تحرير الهوية من مفهوماتها الإيديولوجية الأصولية الحالية يعني تحرير القدر التاريخي للإنسان العربي من مخاوف مستقبل لن يكون إلا محاولات دائمة لتحيين الماضي بما يضمن هيمنة السلطة الثقافية الإيديولوجية الحالية. هذا يعني، بالتالي، أن أدونيس يرى في الثقافة العربية السائدة وفي الوعي الإسلامي الأصولي الراهن أشكالا من الحصار يجب رفعها وتخطيها بطاقة النقد الجذري الذي يستطيع فضح ألاعيب الخطاب السائد في انغلاقه وتشرنقه بعيدا عن فتوحات الأنسنة الحديثة، وفي ركونه إلى آليات التكفير وأساليب الإدانة القروسطية.

لا يمكن اقتحام أسوار الثقافة القائمة على نص تأسيسي إلا بخلخلة العلاقات بين هذا النص والسلطة الثقافية/الإيديولوجية والسياسية التي قامت عليه. من هنا، رأى أدونيس أنه لو أتيح له اليوم أن يكتب مشروعه من جديد لتناول، في ما يروم تناوله، النص القرآني من زاوية مختلفة تفكك علاقته بمؤسسة الحقيقة التي أصبحت - مع مجيء الكتابة والسلطة المركزية - وليدة التعاطي مع النص المكتوب وهجرت عالم المشافهة، ما يعني كونها دخلت عالم تأويلات تخضع لشروط ثقافية وإيديولوجية ووجهات نظر أصبحت، شيئا فشيئا، تعبر عن علاقات القوة والهيمنة في المجتمع العربي/الإسلامي. إن انتقال الوحي – بعبارة أخرى- من المشافهة إلى الكتابة مثل حدثا ثقافيا كانت له نتائجه العظيمة على صعيد النظر إلى الحقيقة والعلاقة معها؛ إذ أصبح كل العالم الرمزي المفتوح الذي أسس له الدين " سجين الكتابة التي يحرسها، ويسهر على تأويلها صاحب السياسة السائدة " ( ص 17-18). هذا ما يفسر كيف أن الصراع السياسي/الإيديولوجي اتخذ صورة نزاع على تأويل النص التأسيسي وشكل نزاع على حقيقة الوحي. من هنا، يرى أدونيس أن المخرج من هذه الممارسات الإقصائية العنفية هو " أن يكون النص المكتوب مفتوحا للعقول والآراء مهما اختلفت "(ص 18)، وهذا، بالطبع، لا يكون إلا بالخروج من مفهوم واحدية الحقيقة التي أسس لها تراث قائم على اغتصاب المعنى من فضاء التعدد والنسبية، ولا يكون إلا بفتح المجال أمام مغامرة العقل في اكتناه ليل المعنى والدخول إلى النص بمعزل عن محاولات إنتاج المعنى الذي يبرر القوة.

-----------------

يتناول أدونيس، كذلك، في هذه المحاضرة والمحاضرة التي تليها - والمكرسة للحديث عن عمله على جمع ما يمكن أن يمثل " ديوان الشعر العربي " من منظوره الخاص - مسألة علاقة الدين بالشعر العربي والإبداع الفني بعامة، ملاحظا أن هذا التأثير ظل شاحبا من حيث أنه لم يفتح أفقا لإغناء فضاء التجربة الشعرية العربية أو تدشين عهد حساسية جديدة فيها. يعرف الجميع، بالطبع، أن أدونيس كان يرى دائما أن الوحي استبعد الشعر من دائرة قول الحقيقة، وجعله يدور كجرم صغير في فلك العقيدة الدينية؛ وهذا الأمر أبطل دور الشعر بوصفه مراسلات مع العالم والوجود وليل الحياة ليجعل منه أداة ذات وظيفة لا تخرج عن محددات الأمر والنهي التي كرسها الدين الجديد. من هنا نفهم ضعف الشعر العربي في العهود الإسلامية الأولى. ماذا يعني ذلك؟ يعتقد أدونيس أن عالم الشعر - بوصفه ممارسة إبداعية - هو عالم الذاتية التي ألغاها الدين واستبعدها من مجال قول الحقيقة معرفيا؛ وهو أيضا عالم المجاز وعالم الخلخلة التي تطال بنية اللغة الموروثة المعبرة عن العلاقات في عالم ثابت يناقض كليا هواجس الشعر في أنسنة العالم والسفر في ليل الوجود وطفولة الأشياء؛ إذ أن عالم الثقافة العربية الذي وسمها، قديما وحديثا،هو عالم مغلق يمكن أن نتبين ملامحه بوصفه نظاما معرفيا قام على المسبق وعلى جاهزية المعنى دينيا وإيديولوجيا. هذا ما جعل أدونيس يخوض ما سماه " معركة الذاتية والوجود" (ص42)، بمعنى الذهاب عميقا في محاولات تخليص الذات من معتقل الانتماء وسجن الهوية الجاهزة الذي يسلبها الطاقة على الإفصاح وعلى اقتراف مغامرة الإبداع وسؤال الكينونة الحرة.

-----------------

يحسن بنا أن نتوقف هنا، قليلا، عند أهم ملاحظات أدونيس التي تضمنتها تأملاته في المحاضرات التي نحن بصدد الحديث عنها. إن أدونيس- كما هو معروف – لا يكف عن تناول قضايا الإبداع والشعر بوصفها قضايا لا يستنفدها التناول النقدي المدرسي / النصوصي، وهذا لأنها قضايا تقوم على قاعدة ثقافية وحضارية يجب تفكيكها وفهمها بالحفر في الجذور بحثا عن الأنساغ التي تغذيها وتبقيها سلطة ونظاما معرفيا يأسر آلية إنتاج المعنى. هذا ما بوسعه أن يكشف لنا عن أزمة الثقافة العربية السائدة بعامة، وأزمة الإبداع الشعري العربي بخاصة. من هنا، يقدم المؤلف – برأينا- تأملاته بوصفها نقدا ثقافيا شاملا يروم تحرير المعنى في الثقافة العربية من محبس النظام المعرفي القائم على الوحدانية في كل تجلياتها.

إن انتقال الوحي من المشافهة إلى الكتابة، كما يرى أدونيس، اعتقل الحقيقة داخل الكتابة، ما جعله يلاحظ أن الكتابة ماتت " بوصفها سؤالا حرا عن الحقيقة "(ص 56) أي أصبحت قبرا للمعنى وغلقا لباب الاجتهاد الفكري خارج المسبقات. لقد تم حرمان السؤال من حق المواطنة في مدينة الفكر وحلت محله اليقينيات والمسلمات بما هي تأسيس لأفق سيميائي ناجز ومغلق. هذا ما جعل الثقافة الوحدانية في كل تجلياتها وممارساتها التاريخية تخنق السؤال والبحث وتطمس الإنسان باسم الحقيقة ذاتها مفهومة على أنها تأويل يدعي احتكار المعنى النهائي للعالم الرمزي/ المتعالي والغني الذي أسس له الوحي. لم تعد الألوهية سؤالا وبحثا وسفرا في مفاوز المطلق بل حدا للفكر ونهاية للمغامرة وتشريعا لاستقباح المساءلة. لقد تم إنتاج منظومات الإخضاع والنبذ والإقصاء في الفضاء المتوسطي انطلاقا من آليات ترسيخ الوحدانية فكرا وممارسة باسم الوحي والحقيقة المتعالية؛ وبهذا لم يعن الفكر في ظل التصور الوحداني بقضية قدر انشغاله بالهوية؛ " فالهوية نتاج الثقافة الوحدانية – الواحدية، ثقافة التمركز حول الذات، ونبذ الآخر " يقول أدونيس(ص 57). لقد أسست الوحدانية – بهذا المعنى - لثقافة المطابقة مع الأصل لا لثقافة الاختلاف، وأسست لمنظومات الاستبعاد لا للانفتاح على الآخر وعلى المجهول، لأنها ظلت ثقافة الانحياز إلى التعالي والمسبق واحتكار المعنى بعيدا عن السؤال والبحث وبعيدا عن محاورة الآخر واحتضان العالم في صيرورته. هذا ما جعل الوحدانية، في نظر أدونيس، رؤية تضمر في ذاتها خللا يجعل منها منظومة معرفية وقيمية مغلقة تستبعد السؤال من حقوق الفعالية الفكرية الإنسانية، وتؤسس للنبذ ومركزية الذات.

في مقابل ذلك، ظل الشعر بوصفه طاقة كشف وإبداع، يمثل الانحياز إلى ما يناقض ثقافة الوحدانية بذهابه عميقا في إيقاظ السر ومحاورة إمكانات اللغة والانفتاح على سؤال الكينونة بمعزل عن المسبق. لقد كان الشعر- في كل ذلك - انسلاخا من نظام المعرفة القائم على التعالي وانقذافا في أغوار المعنى بوصفه بحثا لا ينتهي في عالم لا ينتهي؛ وهكذا " ازدادت الكتابة حنينا لأرضيتها "(ص 16) يقول أدونيس. هذا يعني أن الشعر في جوهره، مثل أبعاد السفر الدائم في بكارة المعنى ومثل ارتباطا بعالم الصيرورة والتغير، ما يكشف عنه انفتاحه على الدخيلاء وعلى وشوشات الجسد، واحتضانه للتاريخ والأرض، أي إقامته في زمن يناقض زمن الوحي. إن بيت الشعر، بهذا المعنى، هو الإنسان والزمنية : أي الإنسان متطلعا إلى نجمة المعنى في ليل العالم، والزمنية بوصفها مسرح صيرورة الوجود خارج مومياء المطلق. هذا ما جعل أدونيس يعتقد أن مشكلات الشعر العميقة في الثقافة العربية تفترض الوعي بقاعدته الثقافية / الحضارية وبمشكلات هذه الثقافة المرتبطة بتاريخها وبنظامها المعرفي السائد الذي كرسته رؤية وحدانية تسجن الإنسان " داخل أسوار كثيرة ومتنوعة من المسلمات واليقينيات والمطلقات"(ص 60)؛ ما يعني أنه لا مخرج لفاعليات الإنسان العربي الإبداعية إلا بالبدء بتحطيم هذه الأسوار واقتراف السفر من جديد في ليل المعنى.

من هنا، رأى أدونيس – وهو يكتب تاريخا جديدا للفاعلية الإبداعية الشعرية العربية – أن الشعر ليس ما أورثته السلطة الإيديولوجية من متون وما كرسته من ذائقة وتوجهات، وإنما هو لهب الظمأ الأبدي إلى الامتلاء الوجودي، وهو أشعة الهوامش التي خرجت من شقوق قلعة التراث الرسمي في صورة صعلكة بهية عصية على الترويض، احتضنت سؤال الكينونة وانفتحت على همهمات الجسد وعيد الأرض والقلق المرتبط بالزمنية وعبثية الوجود؛ أي هو ما نجده عند امرئ القيس وطرفة وأبي نواس والمتنبي والمعري تمثيلا لا حصرا. نجد في كل ذلك انتصارا للذاتية وانفلاتا للمعنى من الجاهزية واسترجاعا لحقوق الشعر الأصيلة في البحث والسؤال بوصفه هاجسا وفاعلية إبداعية جمالية / فكرية بالدرجة الأولى، وليس مجرد أداة ينيط بها الجاهز الإيديولوجي وظيفة التبشير.

الشعر، بهذا المعنى، ممارسة إبداعية إنسانية لم يخمد لهبها رغم محاولات تدجينها من طرف النظام المعرفي الذي تأسس على المسبقات والمطلقات التي تلغي شرعية السؤال وتدين مغامرة العقل وتجعل البحث لاغيا. إنه نظام معرفي قائم بذاته، بما هو سفر في أقاليم الذات والوجود، وبما هو مساءلة للغة ذاتها ولنظام المعنى القائم على فكرة العالم الثابت والنهائي. الشعر فكر يتوسل سبل المسارة مع العالم والدخيلاء، ويحاول استقصاء إمكانات المجاز على تأسيس مراسلات جديدة مع العالم وخلق زمن مضاء بالإنسان. هذا ما جعل أدونيس يعتقد أن التأريخ الفعلي لحركية الثقافة العربية الفعلية يجب أن يقوم على اعتبار أن "الوجه الأكثر عمقا للصراع داخل الثقافة العربية تمثل في الصراع بين الدين والشعر، أو على نحو أكثر دقة، بين البنية المعرفية الدينية والبنية المعرفية الشعرية "(ص 75).

لقد تم استبعاد الشعر من دائرة قول الحقيقة ومن مجال الكشف المعرفي بفعل تدخل الدين بوصفه نظاما معرفيا احتكر مجال المطلق وحدد معايير القيم جميعها. لقد ألغى الدين بوصفه كذلك - على ما يرى أدونيس - مجهولات العالم، وأسس لرؤية جاهزة تقوم على التسليم والإيمان لا على القلق والتساؤل والبحث، وهي الرؤية التي وسمت الثقافة العربية - الإسلامية في شكلها المؤسسي الذي ساد تاريخيا. إن هذا الأمر جعل الشعر – بوصفه مغامرة وكشفا - مطرودا من جنة النظام المعرفي الديني، لأنه ظل يمثل طاقة هدم تربك ما استقر من قيم وحساسيات، وظل طوفانا يهدد عالم الحكمة الإيديولوجية / الدينية بالغرق في سديم العالم وقد أصبح متاهة تغري بالسفر والمغامرة من جديد من أجل البحث عن أمومة كونية تلغي المسافة بين الذات والعالم وتعيد النظر في نظام الأشياء. يشير هذا الأمر، بمعنى ما، إلى أنه " كما خص أفلاطون الفلسفة، دون غيرها، بقول الحقيقة، خص الإسلام الوحي الديني، دون غيره بهذا القول "(ص 71). هذا ما يدعو أدونيس إلى تجاوزه من أجل التأسيس لثقافة العقل والنقد والمغامرة الكيانية، ومن أجل فتح آفاق التحرر أمام الإنسان العربي وتدشين عهد الإبداع الفعلي بوصفه خروجا كليا من زمن المسبقات.

إن الشعر، بهذا المعنى، كتابة تقول زمنها المختلف المغاير، وتفصح عن انسلاخ معلن عن ثقافة المعايير الجاهزة لأنها ثقافة ميلاد الهوية المتحولة التي تخرج من رماد السائد طائرا ضوئيا يستعيد صبواته إلى الأعالي. إن الشعر فاعلية أولى في الخروج عن الأصول المقررة بوصفها سلطة لإلغاء الذات وتجريم العقل والإبداع؛ وبالتالي " أن يكتب الشاعر نفسه، هو أن يخرج من سلطة الأب، لا بوصفه شخصا، بل بوصفه ثقافة " يقول أدونيس. من هنا فالتحرر " من جميع الإكراهات الدينية والاجتماعية والسياسية شرط أولي لكتابة الشعر، وشرط أولي لكي تسير هذه الكتابة في طريق الإفصاح الحقيقي عن الهوية "(ص 106). لماذا؟ لأن الهوية ليست معطى ناجزا يحدده الانتماء الذي تقرره السلطة السياسية أو الدينية أوسلطة التقاليد التاريخية، وإنما هي " مشروع مفتوح، إبداع متواصل في أفق مفتوح "(ص 95). هذا كله يشير بجلاء إلى أن مشروع أدونيس الثقافي والإبداعي يتأسس على النقد مفهوما على أنه نقد ثقافي شامل. فمن جهة أولى، يرى أنه من الضروري أن يستعيد الإبداع الشعري العربي حقوق المواطنة في مدينة الفكر بوصفه كشفا معرفيا ومساءلة تواجه مجهول الذات والعالم لا مجرد ناقل للتعاليم والأفكار الجاهزة؛ ومن جهة أخرى، يرى أنه من الملح تفكيك البنية المعرفية الدينية التي أسرت المعنى في المسبق، من أجل التأسيس لبعد المجهول في مغامرة اكتناه العالم، وجعل هويتنا صيرورة دائمة وانبجاسا من ينابيع المستقبل لا وجها محفورا في معبد الماضي. علينا التأسيس لثقافة البدايات بعد تفكيك ثقافة النهايات: هكذا تكلم أدونيس.

----------------

أحمد دلباني /بسكرة 2009
"الإرهاب أن نرى الذل والظلم أمامنا ولا نحرك ساكنا
أن نرى العدالة تحطم أمامنا ولا ننهض ثائرين في وجه
وحوش الدولة"

لا مُكحلةلا سيف مسلـول *** ثائر من غير ســــــلاح
بالكلمة يصنع أسطــــول *** قبطان فالشّعر مـــــلاّح
مالمرّ يسقيك معســــــول *** حكيم في لمعاني جرّاح
هذاك (رفيق جــــــلول) *** شاعر من الـــزّاب لاح
للشاعر أبو أسامة 19/09/2009 سيدي عقبة

http://montada.echoroukonline.com/sh...721#post604721
  • ملف العضو
  • معلومات
تأمل عقل
مشرف سابق
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2009
  • الدولة : الجزائر
  • المشاركات : 1,869
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • تأمل عقل will become famous soon enough
تأمل عقل
مشرف سابق
رد: " محاضرات الإسكندرية " لأدونيس..نحو تجذير أسئلة التحديث بقلم الكاتب أحمد دل
25-09-2009, 05:01 PM
يقول: " في ظني أن جوهر الأزمة العربية يكمن في أن العرب يرفضون الخروج من ذاكرتهم، يرفضون أن يعترفوا بأن التاريخ ينتهي، وبأن تاريخهم الذي يصرون على الإقامة فيه، انتهى، وتستحيل العودة إليه"(ص 2أن المخرج من هذه الممارسات الإقصائية العنفية هو " أن يكون النص المكتوب مفتوحا للعقول والآراء مهما اختلفت "(ص 18)، وهذا، بالطبع، لا يكون إلا بالخروج من مفهوم واحدية الحقيقة التي أسس لها تراث قائم على اغتصاب المعنى من فضاء التعدد والنسبية، ولا يكون إلا بفتح المجال أمام مغامرة العقل في اكتناه ليل المعنى والدخول إلى النص بمعزل عن محاولات إنتاج المعنى الذي يبرر القوة. مفاتيح مهمة لفتح أي صندوق مغلق في المعرقة,والبحث عن الحقيقة الموضوعية أو صناعتها,وإن كان أدونيس يريد ثورة جذرية في تفكير العرب ,كما حدث في عقل الإنسان الغربي في عصر التنوير.لذا من التعميم غير المنطقي إصدار هذا الحكم:إن انتقال الوحي من المشافهة إلى الكتابة، كما يرى أدونيس، اعتقل الحقيقة داخل الكتابة، ما جعله يلاحظ أن الكتابة ماتت " بوصفها سؤالا حرا عن الحقيقة "(ص 56) أي أصبحت قبرا للمعنى وغلقا لباب الاجتهاد الفكري خارج المسبقات
الكتابة مرحلة حضارية وليست سجن المعني,وكل التراث الإنساني لم يحافظ بعضه على بعض مافيه من حقائق إلا بفضل الكتابة,الوحي الذي بدأ ب:(إقرأ)وحي في مستوى أرقى فالقراءة تكون للمكتوب ,وظهور الكتابة وتطورها معالم التحضر لكل مجتمع.فالتحرر " من جميع الإكراهات الدينية والاجتماعية والسياسية شرط أولي لكتابة الشعر، وشرط أولي لكي تسير هذه الكتابة في طريق الإفصاح الحقيقي عن الهوية "(ص 106). لماذا؟ لأن الهوية ليست معطى ناجزا يحدده الانتماء الذي تقرره السلطة السياسية أو الدينية أوسلطة التقاليد التاريخية، وإنما هي " مشروع مفتوح، إبداع متواصل في أفق مفتوح "(ص 95).اي الهوية مشروع مستقبل (عدم) فالمرجعية التي يعتمدها الإنسان المعاصر هي المستقبل ,بينما مرجعية الإنسان العربي هي الماضي والتراث...وشتان بين من يصنع هويته ,ومن يجد هويته جاهزة ,مثل اللباس الذي يحضر للطفل قبل الولادة,تفكير أدونيس متميز بعصرنته وحداثته المفرطة ,بأمل قسر كل قيد,نقد كل تصور,تحرير العقل من اي وصاية ,فالعربي أسير نفسه التي وضعها تحت رحمة تاريخ يعتقد انه افضل زمان,ويامل عودته ,وهذا مايتنا قض مع تيار الزمان الذي يجري في تيار من الماضي للمستقبل ,وكل نظرة للماضي تأخر في السيل مع الزمان.
مفكر من النوع النادر في المجتمعات العربية,ينبغي للجميع قراءة افكاره ,دون احكام مسيقة ,والنقد يكون بعد ذلك.
وشكرا لك على تقديمك للموضوع.
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 04:09 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى