عين جالوت 25 رمضان بقيادة السلطان المظفر سيف الدين قطز رحمه الله
26-09-2007, 10:49 AM
بسم الله الرحمان الرحيم


إن معركة عين جالوت وانتصار المسلمين العظيم فيها كانت بمثابة المصاف النهائي للتتار والمغول كقوة غاشمة استطاعت أن تُخضع كل القوى في حينه لسلطانها، فجعل الله سبحانه وتعالى هذه المعركة ونتيجتها نقطة الحسم في إنهاء عربدة المغول ووحشيتهم ضد المسلمين بعد أن فعلوا ما فعلوه مما تشيب له الولدان على طول بلاد المسلمين وعرضها من سفك للدماء وهتك للأعراض وتدمير لمقدرات المسلمين بما لم يشهده تاريخ المسلمين إلاّ على أيدي الكفرة الأمريكان في هذا الزمان، تعاونا مع عملائهم وأذنابهم ، ومن يطِّلع على المسلمين وحالهم أيام التتار، لا يكاد يلمس الفرق بين حال الأمة في تلك الحقبة وبين حالها في هذه الأيام، وخاصة بعد الهجمة الأمريكية الشرسة على الأمة الإسلامية حديثاً.
وقبل الحديث عن تفاصيل معركة عين جالوت نلقي الضوء على ملابسات وأحداث جرت أحيانا على أيدي وبأيدي الكفار أنفسهم تارة، وعلى أيدي وبأيدي المسلمين الذين نصرهم الله تارة أخرى لنأخذ من ذلك العِبر.
- فالذي نصر الله المسلمين على يديه، وهو الظفر سيف الدين قطز، واسمه الحقيقي (محمود بن ممدود ) والذي كان قد أسره التتار واسترقوه مع من استرقوهم وباعوهم في سوق الرقيق في دمشق، وللعلم، فإن التتار هم الذين أطلقوا عليه اسم قطز، إهانة له واحتقاراً، حيث كانت تعني هذه الكلمة بلسان التتر– الكلب الشرس - .
- لقد كانت نهاية التتار على يد من باعوه وتنقل من سوق إلى سوق، حيث اشتراه أحد الأيوبيين وباعه لآخرين حتى وصل لعزّ الدين أيبك رحمه الله في مصر، الذي قرَّبه منه حيث أصبح قائدا من قواده، وياسبحان الله، أوقع الله مكره بالكفار التتر ببيع وشراء هذا (العبد المملوك) وهم لايشعرون!!.
- لقد نشأ الظفر سيف الدين قطز على الحميّة الإسلامية، محبا للدين معظماً له، وهو ممن شاهد بنفسه وعاش ما فعله التتار بأمته حيث كان صغيراً حين أسره.
- لقد أصبح ( محمود بن ممدود ) قائداً للمسلمين في مصر، باستلامه القيادة بعد عزل (نور الدين علي) الذي لم يصلح للقيادة حينها لصغر سنه، ولم يكن عنده الحكم والوصول إليه غاية، فكان عليه القيام بكثير من الأعمال المهمة في الوقت الذي كانت فيه الأوضاع السياسية في مصر غير مستقرة بل ومشتعلة ، والتتار يتهيؤون لغزو ما تبقى من بلاد الشام ومصر.

فعمد رحمه الله إلى خطواتٍ حكيمة لابد منها:
1- العمل على استقرار الوضع الداخلي المشتعل في مصر وجمع كلمة المسلمين، فخاطب الناس عموماً، وكبار العلماء والأمراء خصوصا بوصفهم محركين للشعب، أن يجتمعوا على كلمة الإسلام، وأنه لن يعتلي الحكم بعد عزل من عزله إلا لتوحيد المسلمين والتهيؤ للجهاد المعطل وضرورة حشد الطاقات له.
2- أصدر قراراً بالعفو العام عن المماليك البحرية، وذلك في خطوة لقطع الطريق على كل من لا يريد الوحدة على أساس الجهاد، وقد أدى هذا الأمر لحصوله على القدرات والكفاءات العالية بسبب زيادة عدد القادة الخبراء من المماليك البحرية، مثل ركن الدين بيبرس، المتمرس على قتال الصليبيين، فأصبح جيش المسلمين في مصر خالي من الضغائن فيما بين المماليك أنفسهم.
3- وسّع دائرة الوحدة، بالاتصال مع جيرانه الأمراء المخالفين له بتوجههم السياسي من الأيوبيين، مثل أمير دمشق وحلب، وخاطبهم بأخوة الإسلام والتوحد، مقدمة لجهاد التتار، فمنهم من استجاب ومنهم من رفض.
4- استغل هذا القائد الفذ صفات النبل والإيمان عند أهل مصر وتعظيمهم للعلماء وللجهاد، وخاطبهم محمّلا لهم المسؤولية في الاستجابة للعلماء الداعين للجهاد والتهيؤ للأمر الجلل.

وقد بدأ (هولاكو) قائد التتار يرسل التهديدات مع رسله إلى مصر، ومن يطَّلِع على هذه الرسائل بما فيها من احتقار للمسلمين وقائدهم قطز، يتذكر من الأمور ما أرسلته وترسله أمريكا – رأس الكفر في هذا الزمان – تهديداً وتخويفا للمسلمين من مواجهتها، كما كان يتضح أن كتبة هذه الرسائل هم من أذنابه ممن اشتراهم وقرَّبهم إليه من أبناء المسلمين العملاء، كما تفعل أمريكا اليوم من تهديد للمسلمين (بالمسلمين).
وعلى إثر هذه الرسائل، وبعد مشاورات بين قائد المسلمين وأمرائه، تَقرَّرَ الخروج لملاقاة التتار قبل قدومهم.

بدأت جيوش المسلمين تخرج من مصر بأساليب عسكرية حكيمة متقنة باتجاه الشام، فالتقت دفعة أولى من الجيش المسلم مع حامية التتار في غزة، فأوقعت بها الهزيمة، وفرّت هذه الحامية من وجه المسلمين ظانّةً أن هذه الفرقة هي كل جيش المسلمين، فلمست مقدمة جيش المسلمين إمكانية هزيمة التتار(super power) فعلياً، وسارت جيوش المسلمين إلى أن تم اختيار سهل عين جالوت كساحة للنزال.
وبدأ تحريض الجيوش الإسلامية وإعدادها وتهيئتها لأرضاء الله والتقرب إليه بفريضة الجهاد المعطل.
وبدأت قوات التتار (المارينز) بالوصول بقيادة (كتبغا) النصراني، بفرقته المشهورة بالصلف والغرور والشراسة وحب سفك الدماء إلى سهل عين جالوت.

* وقبل الموقعة ، ثارت حمية أهل فلسطين الذين لطالما التحفوا بالذل بسكوتهم على أمرائهم ذوي الاتفاقيات المهينة مع الصليبيين والتتار حيث لم تصدق أعينهم أن أحدا يجرؤ على مواجهة التتار ( هُبل العصر آنذاك ) ، وتجمعت أعدادهم الغفيرة مكبرة مهللة حول سهل عين جالوت يشاهدون مالا أعينهم رأت.

وقبل الموقعة ، جاء رجل من أهل الشام يطلب مقابلة قائد الجيوش الإسلامية ( صارم الدين أيبك ) وهو ممن أسرهم التتار في غزو بلاد الشام ، وعمل خائنا معهم يخدمهم في تسلطهم على المسلمين، وقد جاء معهم إلى موقعة عين جالوت، ولكنه وفي آخر لحظة، وبعد أن رأى جيوش المسلمين مستعدة لقتال التتار بعد عصور الذل والهوان، قرر أن يخدم المسلمين ويترك ولاءه للتتار، فأرسل إلى جيش المسلمين بثلاثة أمور غاية في الأهمية :
- أن جيش التتار ليس على قوته المعهودة، وأن القسم الأكبر من التتار قد انسحب إلى تبريز بعد وصول خبر وفاة - منكوخان – فالجيش الذي يقابل المسلمين ليس هو الجيش الذي دخل الشام، فلا تخافوهم.
- أن ميمنة الجيش التتري أقوى من ميسرته، وعلى المسلمين تقوية الميسرة التي تقابل ميمنة التتار.
- أن الأشرف الأيوبي وهو أحد أمراء الشام العملاء للتتار، يخطط لخذل التتار والانسحاب من المعركة نُصرة للمسلمين.
وقد درس قطز وقواده هذه المعلومات واحتملوا خطأها فأخذوا احتياطهم.
وفي الليلة التي تسبق المعركة الحاسمة، قضى المسلمون ليلة الخامس والعشرين من رمضان وهي من ليالي الوتر، بالقيام والدعاء والتهليل والتسبيح .
وبعد الفجر بدأت قوات المسلمين تنزل لساحة المعركة بصورة عجيبة لمنازلة أعتى قوة أرعبت البشرية مما أذهل قائد التتار الذي لم يعهد على المسلمين (غير الذل والصَّغار).
وكان قد خطط قطز حركات الجيش بضربات للطبول كرموز تعني للفرق العسكرية تحركاتها، وأعمى الله بصيرة (كتبغا) قائد التتار، فظن أن أول دفعة من جيش المسلمين نزلت ساحة المعركة هي كل الجيش، فنزل بكامل قوته، فما كان من القائد قطز رحمه الله إلا أن اصطنع انسحاباً وهمياً بقدرة فائقة، فتبعهم التتار بكاملهم إلى سهل عين جالوت، وحينها أعطى رحمه الله أوامره للجيوش المختبئة خلف تلال سهل عين جالوت، فأطبق عليهم بجيوشه، وبدأت المعركة تحتدم فطارت الأشلاء وسالت الدماء وتجمدت العقلية التترية عن التفكير إلا بالهروب بعد عناء شديد إلى سهل بيسان، فلحق بهم المسلمون واشتد القتل والقتال على المسلمين، ونزل حينها قطز رحمه الله بنفسه يستصرخ المسلمين - وا إسلاماه - حتى أعاد المسلمون الإطباق على التتار، واستطاع أحد الأمراء المسلمين الذين انضموا إلى قطز من قتل (كتبغا)، وحسمت المعركة لصالح المسلمين، وانتهى الأمر بإبادة جيش التتار.

ومما يفترض البعض تعظيماً للتتار المهزومين أسبابا لهزيمتهم كالقول بأن:
• استخباراتهم كانت ضعيفة.
• سوء تقديراتهم العسكرية .
• ظروف المعركة المكانية.
إلى آخره من الافتراضات التي لا تلتقي بحال مع حنكة وعلم التتار وقدراتهم، ولكنه مكر الله سبحانه وتعالى واستدراجه لطواغيت الأرض انتقاما منهم ونُصرةً لأوليائه سبحانه الذين أخذوا بأسباب نصره فنصرهم ومكّن لهم وأذل أعداءهم .
ونحن في هذا الشهر الفضيل نسأل الله سبحانه التمكين والاستخلاف بإقامة الخلافة وطرد الكفار وأذنابهم كما طُرِد التتار المجرمين من قبلهم وما ذلك على الله بعزيز.
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً).




في امان الله