رسالة رد مفتوحة إلى الجلادين والضحايا.
13-03-2010, 12:09 PM
رسالة رد مفتوحة إلى الجلادين والضحايا.
إلى الذين يتسلطون على رقاب الناس؛ الذين لا يرحمون وينتظرون رحمة الرحمن الرحيم والذين يحسنون صناعة الآلام ويرجون من الله الشفاء. إلى الذين تأخذهم العزة بالإثم ويتمادون في تضييق الدنيا على بني جلدتهم. في الوقت نفسه، أتوجه إلى الحائرين والذين ضاقت بهم الدنيا بما رحبت دون أن ينسوا الله. إليكم جميعا أتوجه بهذا الكلام وعسى أن تفهموا جميعا أن الله وعد باليسر بعد العسر وأكد أن "من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب."
ذات يوم من أيام الله، في بلاد الله، في مدينة البويرة على وجه التحديد، كان الجلاد جالسا مع الجلادين يرتشفون قهوة الراشين وتذكر كبيرهم أحد ضحاياه. سأل من حوله عن الضحية شاهدها تمشي في وقار، وهذه قصة حقيقية، وتقاريرهم تقول عنه أنه على شفا حفرة من الغبن وأنه قريب من حبل الانتحار. نسي الجلاد ومن معه أنهم كانوا يوما يلبسون لباس الضحايا. لم يكن بينهم أحد يملك ناصية الجواب أو ما يشبع فضول سيده، لأنهم بكل بساطة، سفهاء لا يفقهون شؤون الحياة إلا واحدا كان جديد العهد بعالم الجلادين.

في المساء ذاته، ذهب إلى أهله مهموما مثقلا بالرزايا جراء ما سمعه وما رآه. وبينما كان يأكل مما كسبته يداه، تذكر ما قاله سيده الجلاد عن تلك الضحية التي شاهدها تمشي في وقار وكان يعرفها. قال في نفسه:

- "لماذا لا أتصل به شخصيا؟ ماذا يمنعني من سؤاله عن سر بقائه واقفا ثابتا كالنسر رغم الداء والأعداء وهو المعروف بصراحته السافلة؟"

كان أما جهاز الكمبيوتر. فكر في الدخول معه في دردشة افتراضية عن طريق الانترنيت ثم يوجه له السؤال، فكان له ذلك. تبادلا الحديث وطال بهما المقام ولكن الجواب كان مخيبا للظنون لأن الضحية مثل الجلاد، واقع هو أيضا في شراك الرزايا؛ لذلك عميت بصيرته. فلئن كان يحسن الوقوف ويتنعم من الشموخ، فلم يكن يدرك علة ذلك. واتسع النقاش إلى دوائر البحث حتى بلغ حمى أهل الحل والعقد.

سمعت بالحكاية وقرأت للجلادين وللضحايا كما قرأت لمن يهتمون بشؤونهم من الذين يستخدمون عقولهم وينيرون الطريق للضالين الحائرين. وجرني القدر ذات يوم، إلى إحدى المنتديات الافتراضية وكان الحديث يدور حول شعر أبو القاسم الشابي‘ إلى أن استقر بهم المقام عند البيت الذي يقول فيه:

سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء

وامتد النقاش إلى المسائل الدينية والثقافية والنفسية وقد كان جادا ومثمرا. تذكرت خلاله سؤال ذلك الجلاد فحشرته في ثنايا الحديث.

قال أحدهم: "ما هو الحل أمام الحيرة وعندما يكون الإنسان محاطا من كل جانب؟"

قلت: "على الإنسان أن يستعمل ذكاءه وقدراته العقلية."

فقال: "وإذا تعذر الذكاء، فماذا على المرء أن يفعله؟"

قلت: "عليه بالدعاء." قلتها باستخفاف وكنت أدرك أن الدعاء، على أنه مستجاب، في حاجة إلى تدعيم. فتركت النقاش ولكني لم أتوقف عن البحث. هكذا وجدت الجواب جاهزا بين الأوراق في مقدمة ابن خلدون على شكل رسالة مفتوحة للجلاد وللضحية. للعلم فإن الناس جميعا لا يخرجون من أمثال هؤلاء؛ جلادون وضحايا:

قال ابن خلدون: "عندما تضع المسائل الصعبة ذكاءكم في ضلال، ادعوا الله أن يبسط عليكم رحمته... اذهبوا على أمل أن يلهمكم الله كما ألهم بكرمه من سبقكم. إن فعلتم ذلك فسوف تنير الأنوار القدسية سبيلكم."

العيد دوان