قيمة الوقت في الإسلام
03-04-2010, 12:35 PM
خطب الشيخ محمد حسان
الوقت هو الحياة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[آل عمران:102]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداًيُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً[الأحزاب:70-71]
أما بعد
فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة فى النار .
تقبل علينا اختبارات آخر العام فترفع البيوت حالة الطوارئ إلى أقصى درجة !!
فإذا ما أنهى أبناؤنا الاختبارات عادت البيوت مرة أخرى إلى حالة من الفراغ
والارتخاء قاتلة !!
وترى قليلا من البيوت هي التي تعرف قدر الوقت وقيمة العمر فإذا ما أقبلت الأجازة الصيفية استغلوا هذا الوقت استغلالا طيبا لأبنائهم فيما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة فأحببت مع إقبال الإجازة الصيفية علينا أن أذكَّر نفسي وآبائي وإخواني بقيمة الوقت وشرف الزمان لذا فإن لقاءنا اليوم مع حضراتكم بعنوان :
(( الوقت هو الحياة ))
فى العناصر التالية :
أولاً : قيمة الوقت .
ثانياً : عوائق الاستفادة من الوقت .
ثالثاً : كيف يطول عمرك.
وأخيراً : رسالة إلى القتلة .
فأعيروني القلوب والأسماع والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب .
أولا : الوقت هو الحياة
وقته وشرف زمانه فلا يضيع ساعة واحدة من عمره إلا فى خير للدنيا
أو للآخرة .
فالوقت من أعظم نعم الله ، قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً
[الفرقان : 62]
من قرآنه .
فقال جل وعلا : وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى
[الليل:1 – 2]
[الفجر: 1-2]
فالوقت هو العمر .. هو الحياة
العاقل هو الذى يدرك شرف زمانه وقدر وقته ولا تراه فى ساعة من عمره إلا منشغلاً إما بعمل نافع للدنيا وإما بعمل نافع للآخرة .
وها هو نبينا يعلمنا أن الإنسان سيسأل عن ساعات عمره وعن أيام عمره كما فى الحديث الصحيح الذي رواه الترمذى عن أبى برذة الأسلمى رضى الله عنه : أن رسول الله قال :
لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن جسمه فيما أبلاه
وفى لفظ : ((وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه))(1)
وها هم سلفنا رضوان الله عليهم يعلمون كيف يكون الحرص على الوقت .
فها هو عبد الله بن مسعود رضى الله عنه يقول : ما ندمت على شئ كندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلى ولم يزد فيه عملي .
ولله در القائل : إذا مر بي يومٌ ولم أقتبس هدىً .. ولم أستفد علماً فما ذاك
من عمري .
ويزداد الأمر خطرا إذا علمنا أن من أهم خصائص الوقت أنه يمر مر السحاب ويجرى جرى الرياح ، الأيام تمر والأشهر تجرى وراءها تسحب معها السنين وتمر خلفها الأعمار وتطوى حياة جيل بعد جيل .
وبين يدي الملك الجليل سيعلم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم وضيعوا أوقاتهم وأعمارهم سيعلمون وكأنهم ما لبثوا في هذه الدنيا إلا ساعة :
قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
[المؤمنون 118:113]
أيها الخيار : الوقت هو أغلى وأثمن رؤوس الأموال ومع ذلك فأننا نرى كثيراً من إخواننا يقتلون الوقت قتل بل ولا يقفون على أخطر العوائق التي تحول بينهم وبين الاستفادة من أوقاتهم وأعمارهم وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء :
((عوائق الاستفادة من الوقت))
والهوى ملك ظلوم غشوم جهول يهوى بصاحبه إلى الشر في الدنيا والهلاك في الآخرة.
يقول ابن عباس : ما ذكر الله الهوى في موضع من كتابه إلا وذمه قال تعالى :
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ
[الجاثـية:23]
يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ
[ص:26]
[الكهف: 28]
وفى الحديث الذي رواة البزار والبيهقى والحاكم والحديث حسن بمجموع طرقه من حديث أنس أن النبي قال :
((ثلاث مهلكات وثلاث منجيات ، أما الثلاث المهلكات : فشح مطاع وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه ، وأما الثلاث المنجيات : فخشية الله في السر والعلانية والقصد في الفقر والغنى والعدل في الغضب والرضا )) (1)
هذا هو طريق الهلاك وهذا هو طريق النجاة .
فلو انقاد الإنسان لهواه زين له جلسة الفارغين وجلسة البطالين وزين لهم تحلل المتحللين من أوامر رب العالمين .
ترى المسلم يقضى الساعات الطويلة على مقهى أو يقضى جُلَّ الليل أمام المسلسلات والأفلام وإن سألت واحداً ما السبب ؟!!
يقول لك : أضيع الوقت !!!
هو لا يدرى أنه يقتل نفسه لأن الإنسان مجموع أيام فإن إنقضى يوم من أيامه إستقبل به الآخرة وأستدبر به الدنيا .
كما كان لقمان يقول لولده : أي بنى إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا إستدبرت الدنيا وإستقبلت الآخرة فأنت إلى دار تقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها .
فيا أيها المسلم : إن وقتك هو الحياة .. إن وقتك هو العمر .. فلا تضيع ساعة من عمرك إلا وأنت في خير للدنيا أو في خير للآخرة .
فالهوى من أخطر العوائق التي ستصرف العبد عن استثمار وقته فيما يرضى الله
جل وعلا .
العائق الثاني : طول الأمل
جميل أن تحمل أملا في قلبك لتعمر الكون .. فالإنسان مفطور على حب الحياة ولا ينكر ذلك إلا جاهل بالقرآن والسنة .
جميل أن أعيش في الدنيا وأن أحمل الأمل في قلبي .
أن أُعَمِّر بيتاً لأولادي وأن أصل إلى أعلى المناصب وأرقى الدرجات .
وأن أحصل الملايين من الأموال من الحلال الطيب .
هذا شئ جميل لكن الخطر أن يحول طول الأمل بينك وبين طاعة الله جل وعلا !!
فطول الأمل مع قتل الوقت وتضييع العمل مصيبة كبيرة ومرض عضال إن أصاب الانسان شغله عن طاعة الكبير المتعال وفتنه بالدنيا وأنساه الآخرة .
وفى لحظة يرى نفسه بين عسكر الموتى بين يدي الله جل وعلا يتمنى الرجعة فيقال له:كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا[المؤمنون: 100]
إحذر طول الأمل ، أن يحول بينك وبين طاعة الله سبحانه، وأن يمنيك بكلمة سوف تفعل وسوف تفعل وسوف تفعل .
ولقد حذر النبي من طول الأمل فقال لابن عمر كما فى صحيح البخاري رقم (6413) : ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) .
وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء .
هذا هو الفهم الحقيقي للأمل قال تعالى :
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
[الحجر:3]
وروى عن علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه انه قال :
اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً وأعمل لأخرتك كأنك تموت غداً .
طول الأمل يمنيك وفى زيارة لي في أمريكا لفت نظري رجل مسلم عربي جار للمسجد ولكنه ما دخل المسجد مرة !!!
قالوا لقد مَنَّ الله عليه بالأموال ، ذكروه بالله ما تذكَّر !!! حذَّروه من النار فما خاف النار !!! ذكَّروه بكلام النبى المختار فما تحرك قلبه !!! : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ
[الأعراف :179]
قال : يا شيخ أعدك إن عدت إلى بلدي بعد ما أحصل من المال ما أريد أن أبنى لله مسجداً وأن أعكف فيه ولن أفارقه !!!
قلت له : أعطني هذه الفرصة لأوقع لك هذا العقد بهذه الصورة بينك وبين
ملك الموت !!!
هل ضمنت يا مسكين أن تعود إلى بلدك ؟ !!
قال : أشهد الله ثم أشهدك أنني إذا أصيبت بحالة إعياء وحالة صداع أضع ورقة الدولار من فئة المائة على رأسي فيطير الصداع والألم في الحال .
قلت : أنت عبد للدولار وأنت عبد للدرهم والدينار كما قال النبي المختار : ((تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس وأنتكس وإذا شيك فلا إنتقش )) (1)
العائق الثالث : الفراغ
وآه من الفراغ على شبابنا وأخواتنا !! آه من الفراغ وخطره !!
والفراغ نعمة من آجل النعم ونحن لاندرى !!
روى البخاري من حديث ابن عباس أنه قال : ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)) (2).
قال الحافظ ابن حجر : فمن استغل صحته وفراغه في طاعة الله فهو المغبوط ومن استغل صحته وفراغه في معصية الله فهو المغبون .
والفراغ أنواع : الفراغ القلبي ، والفراغ النفسي ، والفراغ العقلي .
الفراغ القلبي :
أن يفرغ القلب من الإيمان !! وهو أخطر أنواع الفراغ على الإطلاق .
إذا فرغ القلب من الإيمان فصاحب هذا القلب ميت وإن تحرك بين الأحياء فالقلب وعاء الإيمان كما قال المصطفى في حديث النعمان الذي رواه الشيخان وفيه :
((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب )) (3).
القلب هو الملك والأعضاء جنوده ورعاياه فأن طاب الملك طاب الجنود ورعاياه وإذا خبث الملك خبثت الجنود والرعايا .
فإن عمر القلب بالإيمان ما شعر الإنسان أبداً بالفراغ لأنه في كل لحظة سيتلذذ
بالأنس بالله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : مساكين والله أهل الدنيا خرجوا من الدنيا ولم يتذوقوا أطعم وأحلى ما فيها .
قيل : وما أطعم ما فيها ؟!
قال : ذكر الله والأنس بلقائه .
وفى الحديث الذي رواه أبو نعيم والديلمى وصححه الألباني من حديث عَلىّ أن الحبيب النبي قال :
(( مامن القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر فبينا القمر مضيء إذ علته سحابة ، فأظلم فإذا تجلت عنه أضاء)) (1) .
فكذلك نور الأيمان في القلب إن حجب نور الإيمان بسحائب الظلم والذنوب والمعاصي فتر الإنسان عن طاعة الله .
وفراغ القلب من الإيمان سيعرض القلب لكل أنواع الفتن لأن الفتن تعرض على القلوب كما قال والحديث رواه مسلم من حديث حذيفة قال المصطفى ((تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عودا فأي قلب أٌشْرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين قلب أسود مُرْبَادَّا كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه وقلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض )) (2).
فالقلب وعاء الإيمان ومحط الفتن فإذا فرغ القلب من الإيمان تعرض الإنسان لكل فتنة وتشربها في قلبه .
وعلاج الفراغ القلبي بزيادة الإيمان إذ أن الإيمان يزيد وينقص ، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والذلات .
يقول عبد الله بن مسعود : تفقد قلبك فى ثلاثة مواطن عند سماع القرآن وفى مجالس الذكر والعلم وفى وقت الخلوة بينك وبين ربك ، فأن لم تجد قلبك فى هذه المواطن فابحث عن قلبك فانه لا قلب لك !!
فإن القلب يمرض والإنسان لا يدرى وإن القلب يموت والإنسان لا يدرى.
إن الإنسان إذا مرض قلبه بمرض من الأمراض العضوية أسرعنا إلى الأطباء وهذه فطرة لكن القلب قد يمرض بالشهوات وقد يموت بالمعاصي والملذات وصاحبه لا يدرى على الإطلاق !!!
يقول المصطفى كما في الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى :
مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت(1).
فالذاكر لله حي وإن حبست منه الأعضاء والغافل عن ذكر الله ميت وإن تحرك
بين الأحياء !!
وخذوا هذه الوصفة البليغة من سفيان الثوري لرجل مرض قلبه ذهب إليه
فقال : يا سفيان لقد ابتليت بمرض قلبي فصف لي دواء .
فقال سفيان : عليك بعروق الإخلاص وورق الصبر وعصير التواضع ضع هذا كله فى إناء التقوى وصب عليه ماء الخشية وأوقد عليه نار الحزن على المعصية وصفَّه بمصفاة المراقبة وتناوله بكف الصدق واشربه من كأس الاستغفار وتمضمض بالورع وابعد عن الحرص والطمع يشفى مرض قلبك بإذن الله .
أسأل الله أن يعيننا على هذا الدواء الناجح النافع .
والفراغ النفسي : النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل إن لم تفطمها بالطاعات قادتك إلى المعاصي والذلات .
النفس أمارة : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي
[يوسف:53]
إذا لم يجد الشاب عملاً يقوم به ورأى نفسه في فراغ انشغل بالمعاصي .. انشغل بالفتن والشهوات .. انشغل بالأفلام والمبارايات والمسلسلات .. انشغل بالمجلات الخليعة الجنسية الماجنة .. وبقراءة القصص التي تحول الزهاد العباد إلى فساق فجَّار !!!
والنفسُ إن ألجمتها بلجام الطاعة انقادت .
لأن الله جل وعلا قد زكى النفس ودلَّها على الطريقين فقال : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا
[الشمس:7-9]
[النازعـات: 37-41]
وصنف قهرته نفسه وانتصرت عليه نفسه وغلبته وقادته إلى كل شر فى الدنيا وإلى الهلاك فى الآخرة أسأل الله أن يحفظنا وإياكم من نفوسنا الأمارة بالسوء إنه ولى ذلك والقادر عليه .
والفراغ العقلي : حياته دمار وآخرته بوار بدليل تصايح أهل النار وهم فى النار بين يدى الواحد القهار يتصايحون أنهم كانوا لا يحملون عقولاً لا يعقلون بها .
قال الله جل وعلا عن هؤلاء : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي
أَصْحَابِ السَّعِيرِ
[الملك:10]
حينما ذهبنا لزيارة إخواننا وأخواتنا في مستشفى الأمراض العقلية ودخلنا عنبرا للنساء ورأينا النساء بين أيدينا وقد أعطاهن الله كمال الخلق وفجأة اقتربت منا فتاة فى الثانية والعشرين من عمرها ثم بعد ذلك رأينا هذه الفتاة قد أخذت جانبا فى العنبر وتجردت من كل ثيابها كما ولدتها أمها فخرجنا وقلت لإخواني يومها : أشهد الله ثم أشهدكم إنني ما عرفت قدر نعمة العقل إلا في هذه اللحظة .
(( العائق الرابع : الفتن ))
وفتن الشبهات .
ولا عون لك لتستفيد من وقتك وسط هذه الفتن إلا إذا استعنت بالله جل وعلا وحرصت على مجالس الخير وعلى مجالس العلم .
أسأل الله أن يحفظني ، وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه ولى
ذلك ومولاه.
ثالثاً : كيف يطول عمرك ؟!
إن استطاع .
ولكن الموت يختطف الشاب في ريعان شبابه !!
ويختطف الفتى المدلل الوحيد من بين أهله !!
ويختطف العروسة ليلة عرسها !!
ويختطف الحاكم القوى الموهوب من بين حرسه وجنوده !!
فالأيام محسوبة والآجال معدودة وما دام الموت هو نهاية الحياة فإن العمر
حينئذ قصير .
فالأيام تمر والأشهر تجرى والسنين تولى والعمر ينقضي !!
فما دام الموت هو آخر المطاف فالعمر إذن قصير ولم يستطع العلم بل ولن يستطيع أن يرد الشيخوخة إلى شباب أو أن يحول بين الإنسان وبين الموت .
ومع ذلك قد يستطيع الإنسان أن يطيل عمره !! كيف ؟!
اعلم أيها الأخ الكريم أن العمر الحقيقي للإنسان لا يقاس بسنواته التي قضاها من يوم ولادته إلى يوم وفاته وإنما العمر الحقيقي للإنسان يقاس بقدر ما قدم الإنسان في سنوات عمره من عظائم الأمور وجلائل الأعمال الخيرات الصالحات الطيبات .
هذا هو عمرك الحقيقي يقاس بعمل الخيرات وبالطاعات .
فكم من عمر طالت آماده وقلت خيراته !!
وكم عمر قلَّت آماده وكثرت خيراته !!
إن العمر الحقيقي يقاس بالأعمال والطاعات لا يقاس بالسنوات انظر إلى نبى الله نوح قضى ألف سنة إلا خمسين عاما فى الدعوة إلى الله وقدر الله جل وعلا ألا يؤمن معه
إلا قليل .
وانظر إلى عمر المصطفى محمد كم عاش وكم عدد سنوات دعوته ؟ تزيد عن العشرين قليلاً جداً ومع ذلك قدر الله له في هذا العمر القليل أن يقيم للإسلام دولة من فتات متناثر فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء استطاع أن يرد الناس في صحراء تموج بالكفر موجا إلى الله العلي الأعلى جل وعلا .
وهذا هو صديق الأمة الأكبر في مدة ولايته التي لا تزيد على سنتين ونصف حَوَّلَ المحن التي أصابت الأمة إلى منح .
في سنتين ونصف قضى على فتنة الردة !!
في سنتين ونصف أنفذ بعث أسامة !!
في سنتين ونصف جمع القرآن الكريم وَرَدَّ الأمة إلى منهج النبي الكريم !!
وهذا فاروق الأمة عمر فى عشر سنوات وستة أشهر هذه الفترة القليلة التى لا تساوى أى شئ في حساب الزمن يقدم عمر لدنيا الناس كافة قدوة لا تبلى بل ولن تبلى إنها قدوة تتمثل في حاكم بركت الدنيا كلها على عتبة داره وهى مثقلة بالغنائم والأموال والكنوز والطيبات فقام عمر ليسرحها سراحاً جميلاً .
إنه عمر الذي أرهب الملوك والحكام وتحت قدميه جاءت مفاتيح أعظم الإمبراطوريات ، إمبراطورية فارس ، وإمبراطورية الروم ، وانتصر الإسلام فى عهد عمر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ورفرفت راية الإسلام على فرنسا وعلى روسيا في عشر سنوات وستة أشهر إنها بركة الأعمار إنها الأعمار الطويلة المزكاة المباركة من الله .
وهذا معاذ بن جبل شاب من شباب الأمة معاذ بن جبل شاب أسلم في الثامنة عشر من عمره وتوفى في الثالثة والثلاثين من عمره .
في هذه السنوات القليلة في عشر سنوات أو يزيد قليلا استطاع معاذ أن يسطر على جبين الزمان وعلى صفحات التاريخ والأيام هذا المجد وهذه العظمة وهذا
الخلود حتى قال له المصطفى يوما : ((يامعاذ والله إنى لأحبك)) (1)
وهذا هو عمر بن عبد العزيز شاب فى ريعان الشباب فى ولاية استمرت سنتين ونصف استطاع أن يضع يده على الداء الذى استشرى فى أمة الحبيب محمد ونجح فى أن يستل جرثومته بيد بيضاء نقية وأن يعيد البشرية عوداً حميداً وكأنها تعيش فى زمن الوحى حتى خرج المنادى يقول من كان عليه دين فسداد دينه من بيت مال المسلمين .
وهذا الشبل من ذاك الأسد سدَّ عمر بن عبد العزيز الديون وبقيت البركة باركة فى بيت المال فخرج المنادى يقول من أراد من شباب المسلمين أن يتزوج فزواجه من بيت مال المسلمين فزوج الشباب وبقيت البركة باركة فى بيت المال .
فخرج المنادى للمرة الثالثة وهى أعجب ليقول أيها الناس من أراد حج بيت الله وهو لا يستطيع فحج بيت الله على نفقة بيت مال المسلمين وخرج من أراد الحج وبقيت البركة باركة فى بيت المال .
فى مائة سنة فعل هذا ؟! فى ألف سنة ؟! لا والله فى سنتين ونصف . ألم أقل لكم بأن العمر يطول بجلائل الأعمال وعظائم البطولات .
فيأيها المسلم أطل عمرك بعمل الخيرات وعمل الطاعات ، كما قال المصطفى
فى الحديث الذى رواه أحمد وغيره وهو حديث صحيح .
((اغتنم خمساً قبل خمس ، حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك )) (1)
اغتنم هذه الغنائم ولا تضيع عمرك ولا تضيع ساعات وقتك فإن العمر يولى وغدا سترى نفسك بين يدى الله .
وأخيراً أوجه رسالة إلى القتلة بل شر القتلة فمن هم ؟!!
نتعرف عليهم بعد جلسة الاستراحة وأقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم .
الخطبة الثانية :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . اللهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهدبه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد : فيا أيها الأحبة الكرام
(( رسالة الى القتلة ))
الحياة تضييعاً .
يا من تضيع الوقت : أنت تضيع عمرك وتضيع حياتك وتنتحر انتحاراً بطيئاً وأنت
لا تدرى .
بل ولا يذكرك أحد بهذه الجريمة الشنعاء التى ترتكبها فى حق نفسك .
تسأل لماذا ؟
يقول : أضيع الوقت !!
بل ورب الكعبة رأيت بعيني على عرفات في يوم عرفة رأيت الناس بلباس الإحرام قد جلسوا على ( الشيشة ) ورأيت بعضهم يجلس على السٌّلَّم والثعبان ورأيت بعضهم يلعب (الكوتشينة) فتعجبت واقتربت منهم وقلت يا أخي اتق الله أنت بلباس الإحرام في يوم عرفة جئت لتطهر من كل ذنب ولترفع إلى الملك أكف الضراعة وأراك على هذا
اللهو والعبث !!
والله لقد رد علىّ جلهم وقالوا : يا شيخ اليوم طويل هانحن نضيع الوقت!!
تضيع وقت عرفات ؟!
تضيع وقت الطاعات ؟!
تضيع وقتاً يتنزل فيه رب الأرض والسموات ليباهى الملائكة بعباده الذين ذهبوا إليه شعساً غبراً يطلبون رضوانه ومغفرته ؟! .
أيها القاتل لوقتك بل لعمرك بل لحياتك !!
والله الذى لا إله غيره ستندم يوم لا ينفع الندم وستأتى عليك ساعة ستعرف فيها قدر الساعة .. وسيأتى عليك زمن تعرف فيه قدر الزمن .. وسيأتى عليك وقت تعرف فيه قدر الوقت !!
إذا نمت على فراش الموت ستتمنى من الله أن تعود إلى الدنيا ساعة واحدة لتعمل فيها صالحاً لله جل وعلا .
اللهم استرنا فوق الأرض استرنا تحت الأرض واسترنا يوم العرض .
أيها الحبيب الكريم اعرف قدر وقتك وشرف زمانك وحقيقة عمرك وحقيقة ساعات أيامك فعد الليلة إلى الله .
البدار .. البدار .. قبل فوات الأعمار واسمع إلى العزيز الغفار وهو ينادى عليك ويقول:قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[الزمر:53]
. . . . . . الدعاء .
(1)رواه الترمذى رقم (2419) فى صفة القيامة ،باب رقم (1) ، وقال الترمذى : هذا حديث حسن صحيح وصححه شيخنا الألبانى فى صحيح الجامع (7300)
(1)حسنه شيخنا الألباني في الصحيحة رقم (1802) وفى صحيح الجامع(3045) وقال رواه الطبرانى فى الأوسط عن إبن عمر.
(1)أخرجه البخاري (2887) في الجهاد والسير باب الحراسة فى الغزو فى سبيل الله.
(2)رواة البخاري رقم(6412) فى الرقاق فى فاتحته الترمذى رقم(2305) فى الزهد فى فاتحته .
(3)رواة البخاري رقم (52) في الإيمان ، باب فضل من إستبرأ لدينه ، وفى البيوع ، باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات ، ومسلم رقم (1599) في المساقاة ، باب أخذ الحلال وترك الشبهات وأبو داود رقم (3329, 3330) في البيوع ، باب في اجتناب الشبهات ، الترمذى رقم(1205) في البيوع ، باب ما جاء في ترك الشبهات ، والنسائي (7/241) في البيوع ، باب اجتناب الشبهات في الكسب .
(1)حسنة شيخنا الألبانى فى صحيح الجامع رقم (5682) والصحيحة رقم (2268) .
(2)رواه مسلم رقم (144) فى الايمان ، باب بيان أن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريباً.
(1)رواه البخارى رقم (6407) فى الدعوات ، باب فضل ذكر الله عز وجل ، ومسلم رقم (779) فى صلاة المسافرين ، باب استحباب النافلة فى بيته .
(1)رواه أبو داود رقم (1522) فى الصلاة باب الاستغفار ، والنسائى (3/53) فى السهو باب نوع آخر من الدعاء وصححه شيخنا الألباتى فى صحيح الجامع (7969)
(1)صححه شيخنا الألبانى فى صحيح جامع (1077) وقال رواه الحاكم والبيهقى فى شعب الايمان عن ابن عباس وأخرجه أحمد فى الزهد وأبى نعيم فى الحلية .
قيمة الوقت في الإسلام ـ لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة :
الأستاذ علاء :
أيها السادة المشاهدون سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، يسعدنا أن نكون بمعية فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين أهلاً وسهلاً سيدي الأستاذ .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ علاء جزاك الله خيراً .
الوقت و أهميته :
الأستاذ علاء :
سيدي تبينا في الحلقة الماضية مسألة الوقت في حقيقته ، حقيقة الزمن ، وأيضاً مفهوم الزمن في القرآن الكريم وما جاء من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وخاصة في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ، وتحدثنا في خصائص الزمن ، سرعة الانقضاء وفي عدم العودة إلى غير رجعه ولا يمكن أن يعوض ، متى يعرف الإنسان قيمة الوقت بعد انقضائه والكيس الذي يعرف قيمة الوقت وهو يعيشه وهو بين ظهرانيه ، وتبين خطر الوقت بالتسويف ، هذه علته ، استهلاك رخيص ، ومن عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت .
الآن نقف عند مسألة هامة هنالك يشاع بين الناس أن الإنسان إذا وصل الرحم وإذا قدم العمل الصالح فإن عمره يطول ، ورد في الأثر استناداً إلى ذلك :
(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )) .
[ متفق عليه عن أنس بن مالك]
عمر الإنسان لا يزيد و لا ينقص :
الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، أستاذ علاء جزاك الله خيراً ، الحقيقة العمر لا يطول ، لكل إنسان أجل لا يزيد ولا ينقص :
﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) ﴾
(سورة النحل)
حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :
لذلك الله عز وجل خالق السماوات والأرض أقسم بعمر النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
( سورة الحجر ) .
((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ )) .
[ متفق عليه عن سهل بن سعد] .
[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ] .
[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ] .
بطولة الإنسان لا في مدة عمره بل في العمل الصالح الذي يحويه هذا العمر :
بعد قليل نتحدث عن الأعمال وقيمتها ، لكن العبرة أن العمر الزمني من دون عمل صالح تافه جداً ، حياة الإنسان لا معنى لها بل حياة رتيبة وهو رقم سهل جداً ، هو رقم من مليارات الأرقام التي لا تعني شيئاً ، وفي إنسان رقم صعب ، إنسان شيء مذكور ، إنسان كبير عند الله وعند الناس ، فالبطولة لا أن نفرح أن نعيش سنوات تزيد ، الإمام الشافعي عاش أقل من خمسين سنة ، النووي أقل من خمسين ، في علماء كبار عاشوا أقل من أربعين سنة وتركوا آثاراً لا تنتهي إلى يوم القيامة ، فالبطولة لا في مدة العمر بل في العمل الصالح الذي يحويه هذا العمر ، هذه النقطة الأولى ، فأي دعاء لبعضنا بعضاً بطول العمر المقصود منه الدعاء بعمل صالح ثمين جداً يغني هذا العمر ، هذا هو المعنى لكن في السنة الشريفة إشارة إلى أن طول العمر يعد عملاً طيباً :
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ )) .
[ الترمذي عن عبد الله بن بُسر]
لا خسارة مع الطاعة ولا ربح مع المعصية :
إنسان يعيش عمراً مديداً أنا أذكر أحد علماء دمشق وصل إلى الثامنة والتسعين وكان منتصب القامة ، وكان حاد البصر ، وكانت أسنانه في فمه ، وكان مرهف السمع وذاكرته قوية ، أخوانه وطلابه يعجبون أشد العجب منه كان إذا رأى شاباً يقول له أنت كنت تلميذي يا بني وكان أبوك تلميذي وكان جدك تلميذي ، سئل مرة عن هذه الصحة التي منحه الله إياها ؟ قال يا بني : حفظناها في لصغر فحفظها الله علينا في الكبر .
والله التقيت مع إنسان قال لي : أنا عمري ست وتسعون سنة، والد صديقي في العيد فجلس معي وحدثني قال لي بالتعبير العامي قال : يا عم أنا عمري ست وتسعون سنة عملنا البارحة تحليل كامل دم وبول فلم يظهر شيئاً ، كله طبيعي ، ست وتسعون سنة ، علق على هذا قال والله بكل عمري ما أكلت قرشاً حراماً ولا أعرف حرام النساء .
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ )) .
[ الترمذي عن عبد الله بن بُسر]
بطولة الإنسان لا في شبابه بل في خريف عمره :
العوام لهم كلمة التقوى أقوى ، طاعة الله ، والبطولة أستاذ علاء لا في شباب الإنسان ، الشباب كله في حيوية ونشاط ، في خريف العمر فبين أن يرد الإنسان إلى أرذل العمر و بين أن ينحى جانباً ؟ يهمل ، يصاب بالخرف ، يعيد القصة مئة مرة ، يصبح حشرياً عبئاً على من حوله ، لا يحتمل ، تعليقاته لاذعة جداً ، وبين أن يكون الإنسان في أعلى درجة من الفهم والحيوية والذكاء والمحبة وهو في عمر مديد ، أنا أقول يتفاوت الناس لا في شبابهم بل في خريف عمرهم وبقدر طاعة الله في الشباب يكون خريف العمر .
والله مرة زرت عالماً في حلب والله كأنه ملك في مملكة ، بالستة والتسعين حوله أولاده حوله إخوانه مشرق الوجه طليق اللسان ذاكرته قوية ، شيء رائع جداً فبطولتنا لا في شبابنا بل في خريف عمرنا ، والإنسان خريف عمره يحدده كيف أمضى شبابه فإذا أمضى شبابه في طاعة الله متعه الله بصحته ، لذلك من الدعاء الدقيق جداً : ومتعنا الله بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا .
الأستاذ علاء :
سيدي العمر لا يطول ولا يقصر وإنما يملأ بعمل غني يجعله عظيماً ، هل نستطيع التعبير أنه لا يزيد طول العمر وإنما يتسع مجاله عرضانياً بالعمل الصالح ؟
الدكتور راتب :
نعم ، في غناه بالعمل الصالح .
الأستاذ علاء :
يحضرني في هذا الموضوع من يدعو على أطفاله أو يدعو على نفسه بالموت .
من أدب الإنسان مع الله تعالى ألا يدعو على نفسه أو على غيره :
الدكتور راتب :
كلام فارغ ، لكن منهي عنه ، لا يجوز أن يدعو الإنسان على نفسه وأولاده وأهله ، يسأل الإنسان ربه العافية :
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي )) .
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ، وفي سنده ضعف ]
الأستاذ علاء :
سيدي العمر لا يزيد ولا ينقص إنما هناك هدف ثابت ليسعى المتحرك إليه وهو الإنسان .
على كل إنسان أن يعيش عمراً مفعماً بالطاعات ليلقى الله و هو عنه راض :
الدكتور راتب :
كل مخلوق يموت ولا يبقَ إلا ذو العزة والجبروت .
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها مــحمول
***
(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به )) .
[ أخرجه الشيرازي والبيهقي ، عن سهل بن سعد البيهقي عن جابر ] .
الأستاذ علاء :
سيدي من هنا العطاء العمل الخير حتى يكون خيراً هل يحكم إيقاعه الزمن ؟ يجب أن يقترن بالزمن ؟
الزمن وعاء العمل :
الدكتور راتب :
طبعاً يعني الزمن وعاء العمل ، ما في عمل بلا زمن ، عفواً أي حدث له مكان وله زمان ، له مكان هو مسرح الحدث وله زمان مظلة الحدث ، وأي حدث يقع في الأرض له زمان وله مكان ، فالزمن وعاء العمل من دون زمن ما في عمل ، لذلك الزمن أصبح هو حقيقة الإنسان ، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه .
ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا بن آدم أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
أستاذ علاء في دعاء للنبي الكريم حينما يستيقظ :
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ )) .
[الترمذي عن أبي هريرة ]
سمح لي أن أعيش يوماً جديداً وكأنه كان في موت وأنا أعرف أناس كثيرين ناموا فلم يستيقظوا ، فالإنسان إذا فتح عينيه وصحا من نومه ووقف معنى سمح الله له أن يعيش يوماً جديداً :
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ )) .
[الترمذي عن أبي هريرة ]
(( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا )) .
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
الأستاذ علاء :
سيدي هنالك عمل يقبل في زمن ولا يقبل خارج هذا الزمن .
إن لله عملاً بالليل لا يقبله في النهار وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله في الليل :
:
الدكتور راتب :
العبادات شيء رائع جداً ، الصلاة لها وقت فإذا دخل وقتها نصلي ولا تقبل إلا في وقتها :
﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) ﴾
( سورة النساء ) .
حينما جاء سفير عامل عمر بن الخطاب على أذربيجان وصل المدينة في الليل ، فكره أن يطرق باب أمير المؤمنين فتوجه إلى المسجد ، فسمع رجلاً يبكي ويصلي ويقول ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها ؟ ولعل القصة أن سيدنا عمر كان في ظاهر المدينة يتجول فرأى قافلة أراد أن يحرسها في الليل ؛ سمع بكاء طفل فنبه أمه فبكى ثانية نبه أمه فبكى ، فغضب كان عصبي المزاج قال أرضعيه ، قالت ما شأنك بنا ، من أنت ؟ إني أفطمه ، قال ولما ؟ قالت لأن عمر لا يعطي العطاء إلا بعد الفطام (التعويض العائلي) ، تروي الروايات أنه ضرب جبهته وقال ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين ، وصلى الفجر في أصحابه لم يفهم أصحابه قراءته من شدة بكائه ، يبدو في هذه الليلة كان يناجي ربه ويقول : ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها ؟ سأله من أنت يرحمك الله بعد أن انتهى من صلاته ؟ قال أنا عمر ، قال يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟ قال : أنا إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي .
الأستاذ علاء :
فهم لا يوجد له وعاء ليستوعبه ، فهم كبير ، فهم سبق الزمان وسبق كل أصحاب النظريات في منتهى الدقة ، في منتهى التعبير ، كيف يكون التعامل مع الزمن في فعل الخير ؟ الآن سيدي الزمن وعاء العمل كما العقل وعاء الفكر ، عند أهل الفلاسفة عندما يقولون بأن العقل هو وعاء الفكر ، هنا الزمن وعاء العمل ، هو الذي يحتوي العمل لصالحه واستغلاله ، نبسط في هذه المسألة كيف يكون الزمن وعاءً للعمل ؟
العلاقة الوثيقة بين العمل و الزمن :
الدكتور راتب :
كيف أستطيع أن أعمل ؟ إما في النهار أو في الليل ، الآية الكريمة :
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) ﴾
( سورة يونس ) .
﴿ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ ﴾
( سورة يونس الآية : 25 )
العاقل من استغل كل ثانية في عمره :
لذلك :
﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (133) ﴾
( سورة آل عمران ) .
الأستاذ علاء :
كمن فاته أن يقدم امتحاناً في وقته فلا يستطيع أن يعود ، فات وقته .
الدكتور راتب :
لو أن طالباً ما درس ما قدم امتحاناً ، طلب من وزير التربية أن يعمل له استثناء شيء مضحك ، لذلك قال صاحب الحكم العطائية : رب عمر اتسعت آماده وقلّت أمداده ، عمر مديد بعمل تافه ، وربّ عمر قليلة آماده كثيرة أمداده ، ومن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من المِنن ما لا يدخل تحت دائرة العبارة ولا تلحقه ومضة الإشارة .
أحد العلماء جمعوا كتبه وقسموها على أيام حياته ، مؤلف في اليوم تسعين صفحة نحن لا نقدر أن نقرأها ، أحياناً الله عز وجل يضع البركة في العمر ، والبركة أنا مؤمن بها أشد الإيمان . البركة في العمر في اتساع عرضاني أما الأمد محدود .
الأستاذ علاء :
سيدي متى تستمر الحياة بعد الموت ، العمل الذي يمتد إلى ما بعد الموت كيف يكون هذا وقد انقطع عمر الإنسان عند الهدف الثابت ؟ الله جعل أجله في هذا اليوم وانتهى ، هل هناك استمرار للعمل ؟
العمل العظيم هو العمل الذي اتسعت رقعته فشملت أعداداً كبيرة من البشر :
الدكتور راتب :
نعم هناك أعمال تستمر بعد الموت ، بشكل مبسط جداً في إنسان ترك آثاراً طيبة جداً ، ولعلهم تركوا محاضرات وهذه تلقى في كل الإذاعات بعد موتهم ، وهناك من تركوا أشياء أخرى تلقى بعد موتهم ، فكلاهما يدفع ثمن ما بعد الموت ، لكن قبل أن نصل إلى هذا الموضوع الدقيق ، العمل يوزن ، يوزن أحياناً باتساع رقعته ، إنسان عمله معلق بأسرته فقط جيد لكن في إنسان بعائلته الكبيرة ، في إنسان بمدينته ، في إنسان ببلدته ، في إنسان بمجتمعه ، فكلما اتسعت رقعة العمل كان العمل عظيماً ، أنت تذهب إلى الصين ترى في إسلام ، تذهب إلى شمال إفريقيا ، إلى أوربا ، أمريكا ، هذا الإنسان الذي عاش ثلاث وعشرين سنة في الدعوة وانتقل إلى رحمة الله ما الآثار التي تركها النبي عليه الصلاة والسلام؟ فكلما اتسعت رقعة العمل فشملت أعداداً كبيرة من البشر حتى دخلت فيه الأمم والشعوب كان العمل أعظم ، وكلما امتد أمد العمل حتى توارثته الأجيال عن الأجيال كان العمل عظيم .
الأستاذ علاء :
الرقعة الجغرافية ، ثم البعد الزمني .
من مقاييس قيمة العمل أن يكون واسع الرقعة ممتد الأمد عميق الأثر :
الدكتور راتب :
الآن كلما تغلغل في أعماق النفس ، مثلاً شخص أودع عند إنسان عشرين مليون قصة جاءتني على ورق ، هذا الإنسان يبدو أنه بخيل أعطى المبلغ لصديقه كي يشغله بالتجارة ومات بحادث ، ما في إيصال وما في أي إثبات من تلقاء نفسه توجه إلى الورثة وقدم لهم المبلغ ، لو ما كان إيمانه عميقاً جداً لا أحد يسأله إطلاقاً ، ليس مداناً في الأرض لكنه يخاف الواحد الديان .
سيدنا ابن عمر :بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ؟ قال له الراعي : ليست لي ، قال : قل لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب ، يقول الراعي : ليست لي ، يقول له : خذ ثمنها ، يقول له الراعي : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟
لا يكفي أن يكون الإسلام ظاهرياً ، يوجد إسلام عميق جداً ، حينما يكون العمل واسع الرقعة ممتد الأمد عميق الأثر يكون عملاً عظيماً من هنا ، هذه بعض مقاييس قيمة العمل ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلامكل أمته من بعده في صحيفته :
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (120) ﴾
( سورة النحل )
الأستاذ علاء :
سيدي أن يستمر العمل لما بعد الموت .
على كل إنسان أما أن يؤلف الكتب أو يؤلف القلوب :
الدكتور راتب :
في أعمال تنتهي بانتهائها ، أطعمت إنساناً فشبع بعد أربع ساعات جاع مرة ثانية الإطعام انتهى ، كسوته ثوباً بعد حين بلي الثوب ، في أعمال تنتهي بوقت محدد ، لكن لو شخص ترك مؤلفاً عظيماً وطبع مئات الطبعات بعد وفاته ، مرة ألقيت خطبة استعنت بتفسير للإمام القرطبي ترك أثراً بليغاً جداً ، فأنا سبحان الله تأثرت تأثراً بالغاً ، هذا الإنسان مات قبل ألف سنة ، وأنا استعنت بكتابه لإلقاء خطبة تركت أثراً بالناس كبيراًَ ، معنى هذا أن أثره استمر ألف سنة .
لذلك إما أن تؤلف الكتب وإما أن تؤلف القلوب ، تأليف القلوب أعمق أثراً وأقصر أمداً ، بينما تأليف الكتب أقل أثراً وأطول أمدا ً، في علماء كبار من هم لولا كتبهم ؟ هم في حياتهم كان لهم أتباع لكن هؤلاء انقضوا ، الأتباع تنتهي هذه التبعية بموتهم ، أما كتبهم جعلت لهم أثراً خالداً ، إذاً الإنسان :
(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ)) .
[ مسلم عن أبي هريرة ]
في تعليق لطيف جداً : الويل ثم الويل ثم الويل لمن ليس له عمل ينقطع ، هذا الذي له عمل ينقطع عند الموت ، أما الويل لمن ليس له عمل ، عاش على أنقاض الناس ، بنى مجده على أنقاض الناس ، بنى غناه على إفقار الناس ، كما نرى فيما يجري في العالم ، بنى أمنه على إخافة الناس ، بنى عزه على إذلال الناس ، هؤلاء الذين يفعلون هذا ليس لهم عمل ينقطع لهم جرائم تنقطع لذلك النبي عليه الصلاة والسلام: مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ :
(( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟ قَالَ : الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ )) .
[ متفق عليه عن أبي قتادة]
هذا الذي هدم سبعين ألف بيت في غزة ولم يمت حتى الآن ، يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ .
الويل لمن ليس له عمل ينقطع ، (( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) .
[ صحيح عند ابن خزيمة]
الإنسان يسلم بالاستقامة لكن لا يسعد إلا بالبذل و العطاء :
مفطور على حب وجوده ، وعلى حب سلامة وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، حب سلامة الوجود يكون بطاعة الله وطاعة الله عز وجل سلبية يقول لك أنا ما أكذب ، ما ، ما أغتاب ، ما غش ، أنت بالاستقامة تحقق السلامة ، سلامة وجودك أساسها الاستقامة ، أما كمال الوجود بالبذل بالعطاء ، ماذا قدمت من مالك ؟ ماذا قدمت من علمك ؟ ماذا قدمت من خبرتك ؟ ماذا قدمت من جهدك ؟ أنت بالاستقامة تسلم ولكن لا تسعد إلا بالبذل والعطاء لذلك قال تعالى :
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾
( سورة الكهف )
(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) .
[ صحيح عند ابن خزيمة]
بطولة الإنسان أن تستمر أعماله بعد موته :
في حديث فيه تفصيلات لطيفة ، إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته ، علم علمه أو ولد صالح تركه أو مصحف ورثه أو مسجد بناه أو بيت لابن السبيل أو نهر أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته
الأستاذ علاء :
نعيد الحديث سيدي .
الدكتور راتب :
(( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره ، أو ولداً صالحاً تركه ، أو مسجداً بناه ، أو بيتاً لابن السبيل بناه ، أو نهراً كراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته ، تلحقه من بعد موته )).
[إسناده حسن لغيره ورد في صحيح ابن خزيمة في باب فضائل بناء السوق]
الأستاذ علاء :
ومن هنا تستمر الحياة بعد الموت .
كمال الإنسان لا يكون إلا بالعمل الصالح :
الدكتور راتب :
الإنسان يحب وجوده ، وسلامة وجوده بالاستقامة ، وكمال وجوده بالعمل الصالح ، واستمرار وجوده بصدقة جارية تستمر بعده .
الأستاذ علاء :
لذلك بهذا الفهم الدقيق للوقت والزمن ، وكيف نتعامل مع الوقت والزمن ؟ وكيف نفهم خصائص الوقت والزمن بالسرعة وعدم العودة وبآفات الزمن بالتسويف ، وأننا سوف نعمل هذا العمل غداً ، وكيف نخطط للزمن ونستثمر الزمن استثماراً إيمانياً عقلياً لكي نفوز ونسعد بهذا الفهم ؟ وبما تقدمه لنا إن شاء الله في الحلقات القادمة .
الدكتور راتب :
سوف نتحدث عن إدارة الوقت .
خاتمة وتوديع :
الأستاذ علاء :
وهو من أهم القضايا ، تتمايز الأمم والشعوب بإدارة الوقت وبفهم إدارة الوقت ، وإذا أدرنا الوقت إدارة حقيقية أدرنا مواردنا إدارة حقيقية ، وكان عيشنا على الأرض يحمل المعنى السامي ويحمل ما فيه كل القرب من الله عز وجل .
لا يسعني في نهاية هذه الحلقة إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة على كل ما قدم وشرح ، وإن شاء الله نتمم موضوعنا في حلقات قادمة .







