من كتاب الحياة في الإسلام والواقع المعيش- الفصل الثالث - العلم في الإسلام-
24-07-2012, 10:51 AM
العلم أساس كل حضارة، فله دور كبير في رقي الأمم وبنائها، لا يقتصر على مرحلة معينة من عمر الإنسان بل طلبه من المهد إلى اللحد، ولا يقتصر على مكان دون آخر بل يطلب ولو في الصين، وهو يحتل مكانة عظيمة في الإسلام، طلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة، والتفرغ له عبادة والبحث عنه جهاد وتعليمه قربة إلى الله سبحانه وتعالى، هو مفتاح الإيمان الصحيح ودليل العمل الصائب والسبيل المؤدي إلى الجنة، به يهدى الضالون ويتفاضل به المهتدون، وهو نور والجهل ظلام(1)، فضل الله سبحانه وتعالى به العلماء على غيرهم من الناس فقال تعالى: ﴿ ... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ﴾( الزمر/9)(2)، فمن يعبد الله سبحانه وتعالى على بصيرة ليس كمن يعبده عن جهالة، لا خير في عبادة جاهل كما يقال.
أول سورة نزلت في القرآن الكريم تنوه بالعلم وتأمر بالقراءة قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْاِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْاَكْرَمُ. الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْاِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾( العلق/1-5)، فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على المكانة المرموقة التي أولاها الإسلام للعلم الذي كرم به الإنسان وشرفه وميز به أبو البرية آدم عليه السلام على الملائكة(3) قال تعالى ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلآء ِان كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾( البقرة/32،31)، والعلم يكون في الأذهان أو في اللسان أو في الكتابة بالبنان، فهو ذهني ولفظي ورسمي(4).
كلما زاد الإنسان علما زادت معرفته بالله ومن ثم يتقوى إيمانه، قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله « إن أولي العلم هم الخبراء بالله، الشائمون لأنوار وجوده، المراقبون لقيامه على خلقه.. »(5).
العلم رديف الإيمان ولا يتناقض معه وذلك بشهادة علماء شرقيين وغربيين منهم الدكتور( ليون ووتي ) الذي نقل عن باستور قوله: « ...، ولو كنت علمت أكثر مما أعلم اليوم، لكان إيماني بالله أشد وأعمق مما هو عليه الآن »(6).
وكتب الدكتور الكيميائي ( وتز ) يقول: « إذا أحسست في حين من الأحيان أن عقيدتي بالله قد تزعزعت وجهت وجهي إلى أكاديمية العلوم لتثبيتها »(7).
ونقل عن الدكتور ( البرت ماكوب ونشستر ) قوله: « ... إن اشتغالي بالعلوم قد دعم إيماني بالله حتى صار اشد قوة وأمتن أساسا مما كان عليه من قبل. ليس من شك أن العلوم تزيد الإنسان تبصرا بقدرة الله وجلاله، وكلما اكتشف الإنسان جديدا في دائرة بحثه ودراسته ازداد إيمانا بالله »(8).
وقال اللورد كيلفن: « إذا فكرت تفكيرا عميقا فإن العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد في وجود الله »(9).
أما العالم المشهور اينشتين فقد قال: « إن الإيمان هو أقوى وأنبل نتائج البحوث العلمية »(10)، وقال أيضا: « ... فالعلم بلا إيمان، يمشي مشية الأعرج والإيمان بلا علم يلتمس تلمس الأعمى »(11).
هذه عينة من العلماء الأوروبيين الذين اعترفوا بأن العلم سبيل إلى تقوية الإيمان بالله، فهي شهادة قوية تفند قول القائلين بأن العلم يتنافى والدين الإسلامي.
تعمدت الاستشهاد بهؤلاء العلماء الغربيين لأن هناك من لا يؤمن إلا بما يأتيه من الغرب أو الشرق، أما ما يأتيه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أو من التابعين أو من الأحاديث النبوية أو ما يحتويه القرآن الكريم فهو بالنسبة إليه ضرب من الخيال، وقد يعتبره من أساطير الأولين!، وكل آت من وراء البحر بالنسبة إليه صحيح ولا يحتاج إلى دليل، فالمغلوب مولع بتقليد غالبه ونحن مغلوبون في كل شيء! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن المستشرقين المنصفين العلامة ( مسمر ) الذي رأى أن بين الإسلام والعلم رابطة قوية وأن الإسلام لم يزدهر ولم ينتشر.. إلا بازدهار العلوم وانتشارها(12).
وذهب ( رينيه ميليه ) إلى أبعد من ذلك فقال: « إن المسلمين جاءوا بمبدأ في البحث جديد، مبدأ يتفرع عن الدين نفسه.. وهو مبدأ التأمل والبحث .. كما جاءوا بمبدأ في البحث جديد يتفرع عن أساس علم الكيمياء، وظهر فيهم كبار الأطباء »(13).
ويؤكد الدكتور( فرنتوونتال ) سبق المسلمين إلى مبدأ البحث والتجربة حين يقول: « إن أعظم نشاط قام به العرب يبدو جليا في حقول المعرفة والاختبار، ضمن دائرة ملاحظاتهم وتجاربهم العلمية فإنهم كانوا يبدون نشاطا واجتهادا عجيبين.. حين يلاحظون، ويمحصون، وحين يرتبون ويجمعون ما تعلموه من التجربة والاختبار »(14).
وقد ألفت المستشرقة الألمانية ( زيغريد هونكة ) كتابا بعنوان ( شمس العرب تسطع على الغرب ) بينت فيه بما فيه الكفاية ما عرفته العلوم من إزدهار يوم كان المسلم مسلما حقا.
بالعلم يزداد الإيمان وبه يتقوى، وبالعلم يخشى اللهَ العلماءُ وبه يتقونه قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْاَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ اَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾( فاطر/28)، فكلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر(15).
والعالم يبقى حيا مذكورا بين الناس وإن فارق الدنيا، أما الجاهل فهو ميت وإن كان يمشي على الأرض، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: « فالعالم بعد وفاته ميت وهو حي بين الناس والجاهل؛ في حياته حي وهو ميت بين الناس »(16)، وقد قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهـم قبل القبور قبـور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور.
قامت في ظل الشريعة الإسلامية حضارة زاهرة جمعت بين العلم والإيمان وبين الدين والدنيا، فكان كثير من فقهاء الدين علماء مضلعين في علوم الكون والحياة، وكثير من أساطين الطب والفيزياء والرياضيات وغيرها من العلوم من أكابر علماء الدين مثل ابن رشد وابن خلدون وغيرهما من العلماء المسلمين الذين ذاع صيتهم والذين لا تزال أسماؤهم منقوشة في سجل تاريخ العلوم بخط من ذهب، وممن تحدث عن ثمار هذا العلم ( دزايبر ) في كتابه عن ( النزاع بين العلم والدين ) و( غوستاف لوبون ) في ( حضارة العرب ) و( جورج سارتون ) في ( تاريخ العلم والدين ) و( وبريفولت ) في ( بناء الإنسانية ) وغيرهم ممن أثبتوا بالأدلة التاريخية اكتشاف المسلمين للمنهج العلمي التجريبي قبل أن تعرفه أوربا بقرون، فكان بذلك فضل السبق للعلماء المسلمين قبل بيكون وغيره(17).
ونظرا لما سبق ذكره من تطور علمي لدى المسلمين قام جورج الثاني بإيفاد بعثة من بنات أشراف أوربا إلى الأندلس قصد الدراسة والتعلم، وقد كاتب الخليفة هشام الثالث في هذا الشأن قائلا: « من جورج الثاني ملك انجلترا وفرنسا والنرويج إلى الخليفة هشام الثالث. بعد التعظيم والتوقير سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم في بلادكم العامرة، فأردنا لبلادنا اقتباس هذه الفضائل لنشر العلم في بلادنا التي يحيطها الجهل من أركانها الأربعة.
وقد وضعنا ابنة شقيقتنا الأميرة ( دوبانت ) على رأس بعثة من بنات الأشراف الإنجليز... » من خادمكم المطيع « جورج »(18).
فما أحوجنا إلى معرفة تاريخ أمتنا الإسلامية في عصورها الزاهرة، وما أحوجنا إلى الوقوف على آثار أجدادنا وما خلفوه لنا من علم ومعرفة في جميع المجالات، وما أحوجنا إلى العلم والعمل حتى نسود العالم كما سادوه هم، كانوا هم العلماء وغيرهم الجهلة، هم الأقوياء وغيرهم الضعفاء، هم المتحضرون وغيرهم المتخلفون ولله في خلقه شؤون.
لم يقتصر علماء الإسلام في معارفهم أيام ازدهار الأمة الإسلامية على علم دون غيره بل تعلموا كل العلوم النقلية منها والعقلية والتجريبية، تعلموا الفقه والتفسير والحديث والتاريخ والفلسفة والرياضيات وعلم الفلك والجغرافيا والطبيعة والفيزياء وغيرها، تعلموها وأجادوها وتفننوا فيها، ومن أبرز علماء الفقه؛ الأئمة الأربعة، وعلماء الحديث، الأئمة العشرة، أما العلوم الأخرى فقد برز فيها كل من ابن سينا وابن الهيثم والرازي والخوارزمي والفارابي وابن رشد وابن خلدون وأبو حامد الغزالي كل في مجال اختصاصه وغير هؤلاء العلماء كثيرون، هذا في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تغط في سبات عميق(19).
تفرض طبيعة الإسلام على الأمة التي تعتنقه أن تكون أمة متعلمة ترتفع فيها نسبة المثقفين، وتهبط أو تنعدم نسبة الجاهلين(20)، فالعلم وسيلة للرقي ولا يمكن لأية أمة أن ترقى بدون علم وللأسف؛ فإن الأمة الإسلامية اليوم أمة لا تقرأ وإذا قرأت لا تفهم وإذا فهمت لا تطبق وإذا طبقت لا تحسن التطبيق الشيء الذي لا يشرف خير أمة أخرجت للناس.
قال معروف الرصافي:
هل العلم في الإسلام إلا فريضة وهل أمة سادت بغير التعلم؟
وأنشط بالعلم العزائم، وابتنـى لأهليه مجدا ليس بالمتهدم(21).
للعلم قيمة وأهمية بالغة في حياة الإنسان، والدين الإسلامي قد أطنب في مدحه حتى جعل منزلة العالم بين العباد كمنزلة البدر بين سائر الكواكب!، وجعل فضل العالم تشهد به الطيور في الجو والحيتان في البحر!(22)، فأين نحن اليوم من ذلك؟!، نُشرف المغني والعازف والرسام واللاعب والمهرج ونكرمهم إلا الأستاذ والطبيب والباحث والكاتب ... فليس لهم بيننا مكانة! ولا يستحقون التكريم!.
ولقد أرشد القرآن الكريم الإنسان إلى البحث والنظر والتأمل في هذا الكون، ذلك لأن التأمل والتفكر هو من طرق الاهتداء إلى الخالق سبحانه، فأصحاب العقول الكبيرة هم الذين يهتدون بعقولهم إلى الخالق سبحانه ويدركون أن هذا الكون لم يخلق عبثا وإنما خلق لمهمة(23)، فالإسلام قد رفع قدر العلم إلى أعظم الدرجات وأعلى المراتب، وجعله من أول واجبات المسلم، ومن توجيهاته: أن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدماء الشهداء، قال الأستاذ محمد أسد المعروف قبل إسلامه باسم ( ليوبولدفايس ): « ما من دين ذهب أبعد من الإسلام في تأكيد غلبة العقل، وبالتالي غلبة العلم على جميع مظاهر الحياة »(24).
قال أحد الشعراء:
ان العلـوم وان جلت محاسنـها فتاجها ما به الإيمــان قد وجبا
هو الكتاب العزيـز الله يحفظـه وبعد ذلك علم فرج الكـــربا
ذاك فاعلم حديث المصطفى فيه نور النبوة سن الشــرع والأدبا
وبعد هذا علـوم لا انتهاء لــها فاختر لنفسك يا مــن اثر الطلبا
والعلـم كنز تجده في معادنــه يا أيها الطالب ابحث وانظر الكتبا
واتل بفهـم كتاب الله فيــه أتت كل العلــــوم تدبره تر العجبا
واقرأ هديت حديث لمصطفى وسل مولاك ما تشتهي يقضي لك الاربا.
من ذاق طعما لعلـم الدين سر به اذا تزيد منه قـــال واطربا(25).
العلم للإسلام كالحياة للإنسان، والمعرفة الجيدة أسبق عند الله من العمل المضطرب. ومن العبادة الجافة المشوبة بالجهل والقصور، وعلوم الحياة مساوية لعلوم الآخرة في خدمة الدين وتجلية حقائقه(26)، والعلم بالله أشرف ألوان العلوم، وأن المعارف الأخرى إن لم تكن وسيلة إليه فلا خير فيها.
إن المرء يفقد قيمته الأدبية والمادية يوم يكون نابغة في فن ما أو في الفنون كلها ثم هو بالله جاهل وعليه جريء.
والعباقرة الذين يضعون أصابعهم على زناد التفجير الذري، وينذرون بإهلاك الألوف المؤلفة لغرض خسيس ليسوا إلا قطعانا من الذئاب الكاسرة أهانوا العلم ولم يكرمهم العلم !!(27).
العلم أفضل من المال، فالمال قد يؤدي بصاحبه إلى الترفع والعظمة والطغيان وهضم حق الآخرين، أما العلم فيؤدي بصاحبه إلى التواضع واحترام الغير، والمال ينفذ بالإنفاق والعلم بالإنفاق يزكو، قال الإمام علي كرم الله وجهه: « العلم خير من المال: فالعلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالإنفاق »(28).
المقصود بالعلم هنا ما يؤخذ بالجد والاجتهاد وسهر الليالي وليس العلم الذي يؤخذ بالمحسوبية والمال كما هو الحال اليوم الذي تناقش فيه صاحب الماجستير أو الدكتوراه فتجده إلى العامي أقرب وأشبه، وتسأل إمام المسجد في أبسط أمور العبادة فيتلعثم، وتستفسر المعلم عن أبسط قواعد النحو والصرف فيقول لا أدري، وتذهب إلى الإداري لاستخراج وثيقة فتجد الأخطاء فيها تتزاحم، وتذهب إلى الطبيب فيصف لك دواء ليس هو من الشيح والحرمل بأبعد، فيا لطيف ألطف بنا!، وأنا لا أعمم هنا؛ بل هناك من هم في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقهم وهم بها أجدر، إلا أن الرداءة التي انتشرت اليوم في جميع الميادين قد غطت بردائها الكل حتى صار من الصعب التمييز بين الصالح والطالح، وكل يعرف نفسه قبل أن يعرفه غيره.
للعلم أخلاقيات يجب أن يتحلى بها المتعلم وهي:
1- الصبر الجميل وتحمل الصعاب وسهر الليالي بغية الوصول إلى الحقيقة، فطريق المعرفة ليست معبدة.
2- الطاعة الكاملة والأدب الرفيع مع المعلم، الشيء الذي هو اليوم مفقود.
3- أن تكون الغاية من طلب العلم الرشاد والوصول إلى الحق والصواب وإتباع الهداية والصلاح(29).
قال الشافعي رضي الله عنه في هذا المجال:
اصبر على مر الجفا من معلـم فإن رسوب العلم في نفراته
ومن لم يذق مر التعلــم ساعة تجرع ذل الجهل طول حياته
وذات الفتى– والله- بالعلم والتقى إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته(30).
وقال رحمه الله:
أخي لن تنال العلـم الاّ بستة سأنبيك عن تــفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة وصحبة أستاذ وطول الزمان(31).
وقد مدح أحمد شوقي المعلم قائلا:
قم للمعلـم وفه التبجيــــلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشيء أنفسا وعقولا؟
سبحانك اللهم، خير معلـــم علمت بالقلم القـرون الأولى
أخرجت هذا العقل من ظلماته وهديته النور المبيـن سبيلا(32).
وعن تخلف المسلمين اليوم في العلم يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:
« بمقدار ما مدح الدين العلم، بمقدار ما تهاوى المسلمون في الجهل.
فما حولتهم نصائحه بدورا ولا شموعا، ولا شهد لهم بالفضل طير ولا دابة، بل قلت نسبة المتعلمين، وفحشت نسبة الجهال، وأضحى مستوانا العلمي لا يشرف أبدا »(33).
وقال أيضا: « ألا يضحك الشيطان طويلا عندما يرى جهازا علميا ضخما عند الملاحدة الذين يرفضون عقيدة الألوهية، وجهازا علميا ضخما عند المشركين الذين يجعلون الألهة مثنى وثلاث ورباع! فإذا جاء أرض الإسلام لم ير إلا علما مستوردا من هنا ومن هناك، لأنه لا منابع له في أرضه...!!.
وقد حرص الأربيون والأمريكيون على أن يظل هذا العلم منقولا لا معقولا، مجلوبا لا أصيلا، مشترى لامكتسبا حتى نظل فقراء إليهم أبدا، ما نستطيع من قيودهم فكاكا..
يقول الدكتور بشير التركي: في العهود الأولى للإسلام أقام المسلمون صناعات جديدة عديدة في ميادين شتى، فبعد أن أخذوا كل ما وصلت إليه الحضارات السابقة أبدعوا من جهودهم ما أربى عليها، وصهروا ذلك في صناعة متطورة كانت دعامة مكينة لليقظة الإسلامية التي شملت العالم أجمع، بل كانت طورا عظيما في الإرتقاء العالمي.
ثم سرعان ما تدهورت هذه الصناعة الإسلامية، وصارت أثرا بعد عين، وربما رأى الناس بقايا منها في الصناعات التقليدية التي يراها السائحون الأجانب..»(34).
وفي نفس الإطار يقول الدكتور يوسف القرضاوي أطال الله في عمره: « نحن نرى ونلمس ضعف المستوى التعليمي في مجتمعاتنا إلى حد مخجل ولكننا صامتون أو مشغولون، أو مجاملون ... نحن لا نحب أن نقرأ، لأن القراءة تتطلب منا جهدا وتفكيرا حتى نفهم ونتابع، ولكن الكسل عندنا أحلى من العسل!!.
لقد قال: ( موشي دايان ) يوما لقومه من اليهود، وقد لاموه على بعض تصريحات تكشف عن أطماعهم وتطلعاتهم، وقد خشوا أن يقرأها العرب، ويكشفوا خططهم، قال لهم: اطمئنوا فإن العرب لا يقرأون!!(35).
وأختتم هذا الفصل بهذا الكلام، كلام محمد الغزالي رحمه الله ويوسف القرضاوي أطال الله في عمره، فهما ينظران إلى حال الأمة الإسلامية بعين البصيرة.
ــــــــــــ
(1)- ينظر الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي، ص90.
(2)- بداية الآية ( أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ- انَآءَ اليْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ...).
(3)- ينظر تفسير ابن كثير، الجزء السابع ص326.
(4)- ينظر تفسير ابن كثير، الجزء السابع ص326.
(5)- الطريق من هنا، ص30.
(6)- روح الدين الإسلامي، ص84.
(7)- روح الدين الإسلامي، ص84.
(8)- روح الدين الإسلامي، ص86.
(9)- روح الدين الإسلامي، ص86.
(10)- روح الدين الإسلامي، ص86.
(11)- سفينة الإيمان، ص47.
(12)- مفتريات على الإسلام، ص225.
(13)- مفتريات على الإسلام، ص225.
(14)- مفتريات على الإسلام، ص225.
(15)- تفسير ابن كثير، الجزء الخامس ص580.
(16)- ابن قيم الجوزية، ص121.
(17)- ينظر شريعة الإسلام خلودها وصلاحها للتطبيق في كل زمان ومكان، ص63.
(18)- الحق المر، ص11.
(19)- ينظر ركائز الحضارة في الإسلام، ص19.
(20)- خلق المسلم، ص213.
(21)- وحي الأدباء كتابا وشعراء، ص162.
(22)- ينظر الإسلام والأوضاع الاقتصادية، ص86.
(23)-أسس في التصور الإسلامي، ص16.
(24)- مفتريات على الإسلام، ص225.
(25)- رسالة الشرك ومظاهره، ص47.
(26)- خلق المسلم، ص214- 218.
(27)- الطريق من هنا، ص29.
(28)- ركائز الحضارة في الإسلام، ص21.
(29)- ينظر ركائز الحضارة في الإسلام، ص8.
(30)- شرح ديوان الإمام الشافعي، ص36.
(31)- شرح ديوان الإمام الشافعي، ص90.
(32)- وحي الأدباء كتابا وشعراء، ص67.
(33)- الإسلام والأوضاع الاقتصادية، ص86.
(34)- الطريق من هنا، ص31.
(35)- أين الخلل؟، ص11.

المراجع والمصادر
- القرآن الكريم برواية ورش.
- الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي.
– الإمام الجليل الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير الجزء الخامس والسابع، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة السادسة1404هـ - 1984م.
- الشيخ محمد الغزالي، الطريق من هنا، دار الكتاب الجزائر.
- عفيف عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامي، دار العلم للملايين بيروت - لبنان، الطبعة السادسة عشرة تشرين الثاني1977.
- محمد الصالح الصديق، سفينة الإيمان، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر.
- أحمد محمد جمال أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة أم القرى، مفتريات على الإسلام، نشر وتوزيع مكتبة رحاب الجزائر، الطبعة الخامسة 1407هـ -1987م.
- محمد مسلم الغنيمي، حياة الإمام ابن القيم الجوزية، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثانية 1401هـ -1981م.
- يوسف القرضاوي، شريعة الإسلام خلودها وصلاحها للتطبيق في كل زمان ومكان، دار الشهاب باتنة الجزائر.
- الشيخ محمد الغزالي، الحق المر، دار الشهاب باتنة الجزائر بالتعاون مع مكتبة التراث الإسلامي القاهرة.
- عبد الحميد مهدي، ركائز الحضارة مفهوم: العلم، الإيمان، العمل في الإسلام، دار الشهاب للطباعة والنشر باتنة – الجزائر.
- محمد الغزالي، خلق المسلم، دار الشهاب للطباعة والنشر باتنة- الجزائر.
– إسماعيل اليوسف، وحي الأدباء- كتابا وشعراء-، دراسات ومنتقيات أدبية من الشعر والنثر.
- محمد الغزالي، الإسلام والأوضاع الإقتصادية، مكتبة رحاب الجزائر.
- الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس الأستاذ المساعد في الجامعة الأردنية، أسس في التصور الإسلامي، دار الشهاب للطباعة والنشر باتنة الجزائر، الطبعة الرابعة 1407هـ - 1987م.
- مبارك بن محمد الميلي أمين مال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، رسالة الشرك ومظاهره، دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة الجزائر، الطبعة الثالثة 1403هـ -1982م.
- د. رحاب عكاوي، شرح ديوان الإمام الشافعي أبي عبد الله محمد بن ادريس، دار الفكر العربي بيروت.
- الدكتور يوسف القرضاوي، أين الخلل؟، نشر وتوزيع مكتبة رحاب الجزائر، الطبعة الثانية1406هـ - 1986م.
بوداود جلولي
.../...