معضلة تأليه الإنسان عند الغرب .
20-09-2012, 01:36 PM
السلام عليكم
أثار الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه "العالم من منظور غربي" قضية جوهرية مصيرية تعيّن مسار الإنسان في هذه الحياة، أطلق عليها اسم التحيز، وهو يعني لغويا "الانضمام والموافقة في الرأي". والتحيز حتمي وهو "من صميم المعطى الإنساني – كما يوضح ذلك المسيري- فكل ماهو إنساني يحوي قدرا من التفرد والذاتية ومن ثم التحيز"، ولا يعتبره بذلك "أمرا سلبيا بل يحمل معانٍ إيجابية مثل رفض فكرة بساطة الواقع وآلية الإدراك وسلبيته وفكرة القانون العام".
وقد رصد من خلال تأملاته نماذج شتى من التحيزات التي طبعت فكر الناس وسلوكهم الاجتماعي، على أساس نموذج معرفي يمثل "صورة عقلية للعالم تشكل ما يمكن تسميته "خريطة معرفية" ينظر الإنسان من خلالها للواقع".
ليصل آخر المطاف إلى النموذج المهيمن وهو النموذج المعرفي الغربي الذي أمضى سنوات طويلة يدرسه ويحلله منهجيا من خلال آلية التحيز حتى لدى أولئك الذين يزعمون الحرية والموضوعية العلمية.
ومؤدى هذا النموذج أن "الإنسان كائن طبيعي (مادي) موجود داخل نظام طبيعي (مادي)؛ فهو جزء لا يتجزأ من الطبيعة، ليس له غاية أو هدف إنساني مستقل عن غايات الطبيعة وليس له إرادة مستقلة عن القانون الطبيعي".
ولقد استعاض الغرب عن الرؤية الهيومانية التي ألّهت الإنسان أول الأمر لتجعلته مركز الكون برؤية عقلية نفعية مادية، قضى فيها بموت الإله عندما ألغى ثنائية الإنسان والخالق، ثم بموت الإنسان حينما ألغى ثنائية الإنسان والطبيعة ليجعل منه جزءا من المادة.
ولقد أصبح العالم اليوم ينظر بعين واحدة مبصرة، بينما فقدت العين الأخرى فعاليتها فأصبحت كفيفة تستمد النور من الأخرى. ويذكر المسيري في هذا الصدد كيف أعاد الغرب "صياغة الإنسان وبيئته المادية والاجتماعية بما يتفق مع القوانين الطبيعية العامة التي أدركها الإنسان من خلال دراسته لعالم الطبيعة والأشياء – وهو ما يسمى "عملية الترشيد" أي تنميط الواقع من خلال فرض الواحدية المادية حتى يمكن التحكم الكامل فيه ثم حوسلته...".
وأحكم هذا النموذج المادي سيطرته على العالم الإسلامي أيضا - الذي يحمل فرضا نموذجا معرفيا مغايرا -، لأنه لم يعد يملك من أمره شيئا وقد جعل مفاتيح "الهدى والرشاد" في غيره، وسار مقتفيا أثره مستضعفا مستكينا لأنه آمن أن غيره قد ملك زمام الأمور كلها وأصبح هو الآمر الناهي.
ولما تمكن هذا الاعتقاد من نفسه انحاز مقلدا الآخر "المتقدم المتحضر"، وانسلخ شيئا فشيئا عما كان بالأمس دينه وعقيدته، ومصدر قيمه وسلوكاته.
ولقد أرسل الدكتور عبد الوهاب المسيري عقله الثاقب يجوب في أرجاء مجتمعاتنا العربية المسلمة ليقف على أمثلة شتى تعبر عن تحيزاتنا لهذا النموذج المادي الغربي وتظهر مدى سيطرته على عقولنا وسلوكاتنا.
نرى ذلك في لباسنا ولغة حديثنا وأثاث منزلنا ونمط عيشنا في الأسرة والمجتمع، ويكفي أن ننظر إلى ما كان بالأمس الشغل الشاغل للكبار تجاه الصغار وهو التربية، لتغيب اليوم من ألسنتنا عبارات: "احشم" و"عيب" وتغزو عبارات "نشريلك" في علاقة الآباء بالأبناء وقد اتسعت مطالبهم واحتياجاتهم. وخرجت الأم أيضا إلى العمل بدعوى التحضر وابتغاء تحسين مستوى المعيشة لتحقق الأسرة درجة "التقدم" الذي هو مادي في صميمه!
كما خضع لباس المرأة المسلمة لأهواء الموضة ومصممي الأزياء الغربيون لتتأرجح أوصافه بين الطول والقصر، والكشف والستر!
وإذا ولجنا باب العلم والبحث العلمي وجدنا تبني الباحثين المسلمي العقيدة لأفكار الغرب ومصطلحاتهم وتحيزاتهم المعرفية، ثم هم يرفضون إقحام انتمائهم الثقافي بدعوى الموضوعية. وقد صدمني يوما أن تقوم باحثة بتخصص الفلسفة بدراسة فلسفة جون بول سارتر دون أن ترى ضرورة أن تبرز ثقافتها الإسلامية مقابل ذلك الإلحاد الصارخ!
وجاء في الفصل الأخير من الكتاب طرح للنموذج البديل حيث اقترح الكاتب "بدلا من الإذعان للأمر الواقع، أن نمسك جميعا القلم ونفتح باب الاجتهاد ونفهم التقدم وندرس أسسه المعرفية وثمنه وثمرته".
وهو يدعو إلى صياغة النموذج الحضاري الإسلامي الذي يصلح أن يكون بديلا عنه إن أحسنا الأخذ به على أساس معرفي علمي سليم، يرى ضرورة رصد نقائصنا ونقائصهم كما يقف أيضا على مزايا النموذج المادي التي لابد أن نستفيد منها.
وما سوف يقوم به المسلم ضمن هذا النموذج البديل هو إعادة صناعة الإنسان وبيئته الاجتماعية بما يتوافق مع طبيعته الثنائية: المادية-الروحية من خلال الرؤية الكونية التي أرشده إليها كتاب الله العزيز والذي يجعل الإنسان أكرم المخلوقات، ويجعل الطبيعة مسخرة له ليقوم بدور التعمير فيحقق الغاية من وجوده وهي عبادة الله وحده.
وقبل ذلك على المسلم أن يعيد صياغة نفسه بطرح تحيزاته لذلك النموذج المادي المهيمن على أساس خصوصيته الإنسانية أولا ثم الإسلامية ثانيا والتي كفر بها الرجل الغربي، ليقوم بدور الشاهد الذي حمّله الله تعالى إياه؛ ناهيا عن منكر عظيم سنّه الغرب وألزم الناس على اتباعه، آمرا بمعروف يخرج الناس من عبودية المادة إلى عبادة خالق المادة والإنسان جميعا.
ثم يكون شاهدا على العالم الغربي الذي انتحر روحيا بعدما أسلمها لسلطان شهواته وهو اليوم ينتحر جسديا، لينفخ فيه روحا جديدة نابعة من فحوى ديننا الحنيف.
وليس للمسلم- بل وللعالم أجمع- من سبيل غير ذاك السبيل الذي أعرض عنه الغرب اعتقادا منه بعدم جدواه وهو الله الذي قضى بموته ليتحرر من قيد الدين ولاذ بالوثن الذي صنعه فأسماه المادة التي بدأ صرحها ينقض وقد ظن ألن تبيد أبدا؛ ليقع فريسة نوازعه المادية الاستهلاكية فتهوي به وهو على حافة حضارته في أزمات اقتصادية ومالية قد أحاطت به سرادقها.
وقد وجدت في تتبعي لتحليل المسيري لآلية التحيز وأشكاله ومظاهره، مفهوما قرآنيا كأنه يدل على المعنى ذاته وهو مفهوم "الاتباع"، يبدو أنه حتمي أيضا إذ لابد للإنسان أن يكون متّبِِعا أو متَّبَعا وهو يعني "اقتفاء المتبِع أثر المتبَع بالسير في طريقه. وقد يستعار في الدين والعقل والفعل". [نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي]
وهو في أسوء أشكاله اتباع للهوى واتباع لخطوات الشيطان ثم اتباع للآباء وللشهوات وللباطل ليأتي في المقابل من يتبع آيات الله ويتبع الرسل ويتبع ملة إبراهيم ويتبع الهدى ويتبع الحق.
أذكر على سبيل المثال قوله تعالى في سورة النساء: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [125].
وأذكر كتاب الدكتور أحمد خيري العمري "الفردوس المستعار والفردوس المستعاد" الذي قام بتحليل ونقد عميق للأركان الخمسة التي سنتها أمريكا، حيث قابل بين ثوابتنا الإسلامية وثوابتهم المادية فجعل الشهادة لله وحده مقابل وثن المادة، والصلاة ومبدأ الجماعة في الإسلام مقابل الفردية الغربية، ونظام الزكاة مقابل الاقتصاد الحر بلا تدخل، والصيام مقابل الاستهلاك بلا حدود، وحقيقة الآخرة مقابل فلسفة الآن وهنا.
فلا غُروَ أن البديل عن هذا النموذج المادي المهيمن هو ذاك الذي يعرضه الله في كتابه العزيز ويدعو الناس إلى اتباعه وامتثاله، فهل سنحسن عرضه كسلعة بديلة عن سلعتهم؟
ونحن لا محالة مسؤولون يوما عن تبعيتنا وعن تحيزاتنا وقد جعل الله لنا قبلة مادية هي الكعبة المشرفة وجعل لنا قبلة معنوية تتمثل في "تحيزاتنا" الفكرية المعرفية وتوابعها السلوكية؛ فلباسنا ولغة حديثنا ومصطلحاتنا ورؤانا الفكرية كل ذلك سوف يوضع في الميزان وسنُسأل عن مواردها من أين جاءت ولماذا تبنينا إحداها دون الأخرى!
ولا نتحجج يومئذ بأنا كنا مستضعفين: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم:21].
ولنسأل أنفسنا بسؤال رب البرية: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس:35].
لقد فقد الغرب المسوّغ لعيشه بعدما أوشكت "قيمه" المادية على الإفلاس وفقد قانونه المادي الذي حكم به العالم "مصداقيته" أو لأقل بريقه الذي سحر به أعين الناس واسترهبهم فأفقد المسلمون توازنهم الاجتماعي [طالع كتاب: فقدان التوازن الاجتماعي لجودت سعيد]، ولابد من إعادة التوازن للعالم بصياغة نموذج معرفي يجعله في توافق مع نفسه ومع غيره من بني البشر ومع الكون من حوله.
جاء هذا العمل في إطار الحلقات الفكرية المعرفية: "الفكر، الوعي، العمل" التي جرت بمعهد المناهج.
أثار الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه "العالم من منظور غربي" قضية جوهرية مصيرية تعيّن مسار الإنسان في هذه الحياة، أطلق عليها اسم التحيز، وهو يعني لغويا "الانضمام والموافقة في الرأي". والتحيز حتمي وهو "من صميم المعطى الإنساني – كما يوضح ذلك المسيري- فكل ماهو إنساني يحوي قدرا من التفرد والذاتية ومن ثم التحيز"، ولا يعتبره بذلك "أمرا سلبيا بل يحمل معانٍ إيجابية مثل رفض فكرة بساطة الواقع وآلية الإدراك وسلبيته وفكرة القانون العام".
وقد رصد من خلال تأملاته نماذج شتى من التحيزات التي طبعت فكر الناس وسلوكهم الاجتماعي، على أساس نموذج معرفي يمثل "صورة عقلية للعالم تشكل ما يمكن تسميته "خريطة معرفية" ينظر الإنسان من خلالها للواقع".
ليصل آخر المطاف إلى النموذج المهيمن وهو النموذج المعرفي الغربي الذي أمضى سنوات طويلة يدرسه ويحلله منهجيا من خلال آلية التحيز حتى لدى أولئك الذين يزعمون الحرية والموضوعية العلمية.
ومؤدى هذا النموذج أن "الإنسان كائن طبيعي (مادي) موجود داخل نظام طبيعي (مادي)؛ فهو جزء لا يتجزأ من الطبيعة، ليس له غاية أو هدف إنساني مستقل عن غايات الطبيعة وليس له إرادة مستقلة عن القانون الطبيعي".
ولقد استعاض الغرب عن الرؤية الهيومانية التي ألّهت الإنسان أول الأمر لتجعلته مركز الكون برؤية عقلية نفعية مادية، قضى فيها بموت الإله عندما ألغى ثنائية الإنسان والخالق، ثم بموت الإنسان حينما ألغى ثنائية الإنسان والطبيعة ليجعل منه جزءا من المادة.
ولقد أصبح العالم اليوم ينظر بعين واحدة مبصرة، بينما فقدت العين الأخرى فعاليتها فأصبحت كفيفة تستمد النور من الأخرى. ويذكر المسيري في هذا الصدد كيف أعاد الغرب "صياغة الإنسان وبيئته المادية والاجتماعية بما يتفق مع القوانين الطبيعية العامة التي أدركها الإنسان من خلال دراسته لعالم الطبيعة والأشياء – وهو ما يسمى "عملية الترشيد" أي تنميط الواقع من خلال فرض الواحدية المادية حتى يمكن التحكم الكامل فيه ثم حوسلته...".
وأحكم هذا النموذج المادي سيطرته على العالم الإسلامي أيضا - الذي يحمل فرضا نموذجا معرفيا مغايرا -، لأنه لم يعد يملك من أمره شيئا وقد جعل مفاتيح "الهدى والرشاد" في غيره، وسار مقتفيا أثره مستضعفا مستكينا لأنه آمن أن غيره قد ملك زمام الأمور كلها وأصبح هو الآمر الناهي.
ولما تمكن هذا الاعتقاد من نفسه انحاز مقلدا الآخر "المتقدم المتحضر"، وانسلخ شيئا فشيئا عما كان بالأمس دينه وعقيدته، ومصدر قيمه وسلوكاته.
ولقد أرسل الدكتور عبد الوهاب المسيري عقله الثاقب يجوب في أرجاء مجتمعاتنا العربية المسلمة ليقف على أمثلة شتى تعبر عن تحيزاتنا لهذا النموذج المادي الغربي وتظهر مدى سيطرته على عقولنا وسلوكاتنا.
نرى ذلك في لباسنا ولغة حديثنا وأثاث منزلنا ونمط عيشنا في الأسرة والمجتمع، ويكفي أن ننظر إلى ما كان بالأمس الشغل الشاغل للكبار تجاه الصغار وهو التربية، لتغيب اليوم من ألسنتنا عبارات: "احشم" و"عيب" وتغزو عبارات "نشريلك" في علاقة الآباء بالأبناء وقد اتسعت مطالبهم واحتياجاتهم. وخرجت الأم أيضا إلى العمل بدعوى التحضر وابتغاء تحسين مستوى المعيشة لتحقق الأسرة درجة "التقدم" الذي هو مادي في صميمه!
كما خضع لباس المرأة المسلمة لأهواء الموضة ومصممي الأزياء الغربيون لتتأرجح أوصافه بين الطول والقصر، والكشف والستر!
وإذا ولجنا باب العلم والبحث العلمي وجدنا تبني الباحثين المسلمي العقيدة لأفكار الغرب ومصطلحاتهم وتحيزاتهم المعرفية، ثم هم يرفضون إقحام انتمائهم الثقافي بدعوى الموضوعية. وقد صدمني يوما أن تقوم باحثة بتخصص الفلسفة بدراسة فلسفة جون بول سارتر دون أن ترى ضرورة أن تبرز ثقافتها الإسلامية مقابل ذلك الإلحاد الصارخ!
وجاء في الفصل الأخير من الكتاب طرح للنموذج البديل حيث اقترح الكاتب "بدلا من الإذعان للأمر الواقع، أن نمسك جميعا القلم ونفتح باب الاجتهاد ونفهم التقدم وندرس أسسه المعرفية وثمنه وثمرته".
وهو يدعو إلى صياغة النموذج الحضاري الإسلامي الذي يصلح أن يكون بديلا عنه إن أحسنا الأخذ به على أساس معرفي علمي سليم، يرى ضرورة رصد نقائصنا ونقائصهم كما يقف أيضا على مزايا النموذج المادي التي لابد أن نستفيد منها.
وما سوف يقوم به المسلم ضمن هذا النموذج البديل هو إعادة صناعة الإنسان وبيئته الاجتماعية بما يتوافق مع طبيعته الثنائية: المادية-الروحية من خلال الرؤية الكونية التي أرشده إليها كتاب الله العزيز والذي يجعل الإنسان أكرم المخلوقات، ويجعل الطبيعة مسخرة له ليقوم بدور التعمير فيحقق الغاية من وجوده وهي عبادة الله وحده.
وقبل ذلك على المسلم أن يعيد صياغة نفسه بطرح تحيزاته لذلك النموذج المادي المهيمن على أساس خصوصيته الإنسانية أولا ثم الإسلامية ثانيا والتي كفر بها الرجل الغربي، ليقوم بدور الشاهد الذي حمّله الله تعالى إياه؛ ناهيا عن منكر عظيم سنّه الغرب وألزم الناس على اتباعه، آمرا بمعروف يخرج الناس من عبودية المادة إلى عبادة خالق المادة والإنسان جميعا.
ثم يكون شاهدا على العالم الغربي الذي انتحر روحيا بعدما أسلمها لسلطان شهواته وهو اليوم ينتحر جسديا، لينفخ فيه روحا جديدة نابعة من فحوى ديننا الحنيف.
وليس للمسلم- بل وللعالم أجمع- من سبيل غير ذاك السبيل الذي أعرض عنه الغرب اعتقادا منه بعدم جدواه وهو الله الذي قضى بموته ليتحرر من قيد الدين ولاذ بالوثن الذي صنعه فأسماه المادة التي بدأ صرحها ينقض وقد ظن ألن تبيد أبدا؛ ليقع فريسة نوازعه المادية الاستهلاكية فتهوي به وهو على حافة حضارته في أزمات اقتصادية ومالية قد أحاطت به سرادقها.
وقد وجدت في تتبعي لتحليل المسيري لآلية التحيز وأشكاله ومظاهره، مفهوما قرآنيا كأنه يدل على المعنى ذاته وهو مفهوم "الاتباع"، يبدو أنه حتمي أيضا إذ لابد للإنسان أن يكون متّبِِعا أو متَّبَعا وهو يعني "اقتفاء المتبِع أثر المتبَع بالسير في طريقه. وقد يستعار في الدين والعقل والفعل". [نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي]
وهو في أسوء أشكاله اتباع للهوى واتباع لخطوات الشيطان ثم اتباع للآباء وللشهوات وللباطل ليأتي في المقابل من يتبع آيات الله ويتبع الرسل ويتبع ملة إبراهيم ويتبع الهدى ويتبع الحق.
أذكر على سبيل المثال قوله تعالى في سورة النساء: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [125].
وأذكر كتاب الدكتور أحمد خيري العمري "الفردوس المستعار والفردوس المستعاد" الذي قام بتحليل ونقد عميق للأركان الخمسة التي سنتها أمريكا، حيث قابل بين ثوابتنا الإسلامية وثوابتهم المادية فجعل الشهادة لله وحده مقابل وثن المادة، والصلاة ومبدأ الجماعة في الإسلام مقابل الفردية الغربية، ونظام الزكاة مقابل الاقتصاد الحر بلا تدخل، والصيام مقابل الاستهلاك بلا حدود، وحقيقة الآخرة مقابل فلسفة الآن وهنا.
فلا غُروَ أن البديل عن هذا النموذج المادي المهيمن هو ذاك الذي يعرضه الله في كتابه العزيز ويدعو الناس إلى اتباعه وامتثاله، فهل سنحسن عرضه كسلعة بديلة عن سلعتهم؟
ونحن لا محالة مسؤولون يوما عن تبعيتنا وعن تحيزاتنا وقد جعل الله لنا قبلة مادية هي الكعبة المشرفة وجعل لنا قبلة معنوية تتمثل في "تحيزاتنا" الفكرية المعرفية وتوابعها السلوكية؛ فلباسنا ولغة حديثنا ومصطلحاتنا ورؤانا الفكرية كل ذلك سوف يوضع في الميزان وسنُسأل عن مواردها من أين جاءت ولماذا تبنينا إحداها دون الأخرى!
ولا نتحجج يومئذ بأنا كنا مستضعفين: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم:21].
ولنسأل أنفسنا بسؤال رب البرية: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس:35].
لقد فقد الغرب المسوّغ لعيشه بعدما أوشكت "قيمه" المادية على الإفلاس وفقد قانونه المادي الذي حكم به العالم "مصداقيته" أو لأقل بريقه الذي سحر به أعين الناس واسترهبهم فأفقد المسلمون توازنهم الاجتماعي [طالع كتاب: فقدان التوازن الاجتماعي لجودت سعيد]، ولابد من إعادة التوازن للعالم بصياغة نموذج معرفي يجعله في توافق مع نفسه ومع غيره من بني البشر ومع الكون من حوله.
جاء هذا العمل في إطار الحلقات الفكرية المعرفية: "الفكر، الوعي، العمل" التي جرت بمعهد المناهج.
هَلْ أتى عَلى الإنْسان حينً من الدَّهر لمْ يَكنْ شيئًا مذكورًا
سورة الإنسان الآية 1
من مواضيعي
0 ماهو أدق وأبلغ تعبير حين تأمر بهذا الفعل ؟
0 علماء السعودية ينقلبون على الإنقلابيين
0 هل أنت ... ممن هم على ما كان عليه صلى الله عليه وسلّم في هذه ؟
0 مشروعية الاحزاب في الاسلام
0 لن أخرج معك ... يا طالوت !!!
0 السياسة بدعة !!! وكأنها داء عضال او طاعون قتّال.
0 علماء السعودية ينقلبون على الإنقلابيين
0 هل أنت ... ممن هم على ما كان عليه صلى الله عليه وسلّم في هذه ؟
0 مشروعية الاحزاب في الاسلام
0 لن أخرج معك ... يا طالوت !!!
0 السياسة بدعة !!! وكأنها داء عضال او طاعون قتّال.
التعديل الأخير تم بواسطة محمد البليدة ; 20-09-2012 الساعة 01:39 PM







