تحريف القرآن عند الرافضة تهمة باطلة أم حقيقة ؟؟
23-02-2008, 07:10 PM
تحريف القرآن عند الشيعة تهمة باطلة أم حقيقة ثابتة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والصلاة والسلام على عبده ونبيه محمد.. وعلى آله أصحابه وأتباعه حملة كتابه وسنة نبيه أجمعين.
وبعد.. فإن أخطر سهم رُمي به الإسلام، ذلك السهم الذي وجهه أعداؤه إلى القرآن، فادّعوا تعرضه للتحريف من قبل الجيل الذي ائتمنهم الله عليه، بعد أن طعنوا في ذلك الجيل المؤتمن واتهموهم بشتى التهم حتى يسهل عليهم -من بعد- توجيه سهامهم إلى القرآن ثم السنة.
إن التشكيك في هذه الجهات الثلاثة: (الصحابة، والقرآن، والسنة) يصدر من مشكاة واحدة. ولا يمكن تجزئته، أو الفصل بين عناصره بأية حال من الأحوال.
إنها أمور ثلاثة مترابطة يؤدي أولها -تلقائياً- إلى آخرها: فالطعن في الصحابة يقود إلى الشك في القرآن؛ لأنهم حملته ونقلته. ويقود - من باب أولى - إلى التشكيك في السنة.
لكن الطاعنين في الصحابة يصرحون بعدم موثوقية السنة المنقولة عن طريقهم، محتجين لذلك بعدم موثوقية من نقلت عن طريقهم تلك السنة، وهم الصحابة..
حتى إذا وصل الحديث إلى القرآن صار أحدهم يناور ويداور، مع أن القرآن قد نقل -ووصل إلينا- عن الطريق نفسه!
ألا يعلم هؤلاء أن الذين طعنوا في الأصحاب إنما قصدوا -أول ما قصدوا بطعنهم- كتاب الله؟ وأما السنة فبالتبع. ولذلك لازمت هذه التهمة كل من طعن بالأصحاب. وتلازمهم إلى يوم القيامة.
من هؤلاء الطاعنين الشيعة الإثني عشرية. لكنهم حين يواجهون بها يحاول أكثرهم مدافعتها، وإن كان بعضهم - وهذا ما لمسته بنفسي - لا يتردد من التصريح بها!
فهل ما يوصم به الشيعة من القول بالتحريف تهمة جائرة؟ أم هي حقيقة واقعة؟
هذا ما ستسفر عنه هذه الرسالة. إضافة إلى ذكر الآثار الخطيرة المترتبة على هذه العقيـدة. مع إبطالها وفق المنهج القرآني.
وبين هذا وذاك سيجد القارئ معلومات وأسلوباً أو منهجاً استدلالياً قد لا يجده فيما قرأ من قبل عن هذا الموضوع الذي يطرق باستمرار. ولولا قناعتي بذلك لما أقدمت على الكتابة فيه؛ إذ ما الفائدة من أن يكون الإنسان في أفكاره أو كتابه نسخة مكررة عن الآخرين؟ إن الأجدر به في هذه الحالة أن يسعى لنشر ما يراه نافعاً من تلك الأفكار، طبقاً للحكمة القائلة: إن لم تكن مبدعاً، فكن ناقلاً إلى غيرك إبداع الآخرين.
الفصل الأول: ثبوت التهمة قطعاً
لن أسعى إلى استقصاء الأدلة القطعية على ثبوت هذه العقيدة في حق الإمامية الإثني عشرية. ولن أفعل ذلك سوى أن أشير إلى ذلك إشارة من خلال الحديث باختصار عن أحد الكتب المعتمدة لأحد كبار علمائهم يعتبر أحد أعمدة (المذهب)، وصاحب كتاب من (الكتب الثمانية) التي إليها المرجع في معرفة الفقه الإمامي. فليس الأمر في حاجة إلى كبير جهد لأن يكتشف! ولا أنا أول من (سُجلت) له (براءة) اكتشاف لأفوز بوسام هذا السبق فأحتاج -من أجل بيان هذا (الاكتشاف) العجيب!- إلى بسط الأدلة. وليس الموضوع برمته من الخفاء بحيث يحتاج إلى رحلة استكشافية! بل هو مصرح به في أمهات كتبهم وعلى ألسنة كبار مراجعهم وعلمائهم بلا غموض ولا مواربة!
يكفي أن ترجع إلى ما سطره علي بن إبراهيم القمي - شيخ الكليني - في (تفسيره)، والكليني في (كافيه)، والنوري الطبرسي في كتابه (فصل الخطاب..)، وأبو الحسن العاملي في مقدمته (مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار) على تفسير (البرهان) لهاشم البحراني، والطبرسي في (احتجاجه)، ونعمة الله الجزائري في (أنواره).. وقائمة طويلة لا تنتهي من هذه المصادر والمراجع.
والأمر - بعد ذلك - ثابت لديهم ثبوت (الإمامة).. هكذا يصرح محققوهم، يقولون: إن روايات التحريف متواترة كتواتر روايات (الإمامة) وطرقها واحدة..
يقول محمد باقر المجلسي عن أخبار أو روايات التحريف: (وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة وطرحها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً. بل اعتقادي أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة)([1]). وكذا قال النوري الطبرسي.
فإنكار التحريف يستلزم إنكار (الإمامة) ضرورة ولابد. هذا نص قولهم! فما يفعله بعضهم من الإنكار عندما يحرج على رؤوس الملأ، أو في الكتب الدعائية المؤلفة خصيصاً لترويج المذهب مثل كتاب (المراجعات)؛ مكابرة يستجيزونها تقيةً خوف الفضيحة، لعظم الجريمة!
أقسام المنكرين للتحريف من الإمامية:
والمنكرون لوجود هذه العقيدة لديهم من الإمامية:
إما أنهم لم يطلعوا على حقيقة مذهبهم فنحيلهم إلى مصادرهم ليطلعوا عليها بأنفسهم، أو إلى بعض من كتب تفصيلاً في هذا الشأن. ولا بأس أن أقيد بعض الدلائل التي تكفي طالب الحق.
وإما أنهم يعلمون علم اليقين لكنهم يكابرون! وهؤلاء لا نحيلهم إلى شيء لأنهم ليسوا بحاجة إلى شيء! ولا ينفع معهم الإكثار من إيراد الأدلـة لأنهـم يعلمون ولكن.. (يتقون) فهم لا يهتدون([2])!
علماء الإمامية متواطئون على القول بالتحريف:
القائلون بالتحريف من الإمامية صنفان:
الأول: علماء مقصودهم هدم الدين: يعلمون أن الدين كله قائم على أساس حفظ القرآن من الزيادة والنقصان: فبثبوته تثبت أصول الدين جميعاً، وبانهياره تنهار هذه الأصول جميعاً.
هل أدركت الآن السر الذي من أجله ابتدأت حجة الله تعالى على خلقه بتحرير هذه القضية الكبرى قبل أي شيء آخر: ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ)) [البقرة:2] ثم ثنّت بإثباتها: ((وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة:23].
ولأن أولئك العلماء يشعرون أن أكبر غصة في حلوقهم هي حين يطالبون بالنص الصريح من القرآن على ما أضافوه من أصول إلى الدين ولكي يستريحوا من هذه الغصة، قالوا بنقصه وتحريفه. ولذلك هم يؤكدون على نقصانه دون الزيادة فيه!
الثاني: عوام استزلهم أولئك العلماء (لع) بعد أن رسـّخوا لديهم الاعتقاد بخيانة الأصحاب نقلة الكتاب. فلما استجازوا الطعن في الناقل استسهلوا انتقال الطعن إلى المنقول. وهو المقصود.
أدلة الإثبات:
أما العلماء فمتواطئون على هذه العقيدة. لكن بيـن مصرح وملمح. ولنا على ذلك دليل الإجمال، ودليل التفصيل:
أما دليل الإجمال: فإن المنكرين يتظاهرون بالقول بتكفير من اعتقد بالتحريف، وخروجه من الملة([3]). فلو كانوا صادقين فيما يقولون لصرحوا بكفر من يقول بالتحريف من علمائهم، وهم كثر وكلامهم صريح. ومنهم من أفرده بمؤلف خاص. لكننا لا نجد أحداً من المنكرين من الأولين والآخرين كفّر واحداً من أولئك القائلين بالتحريف على مدار تأريخهم! بل - وفوق ذلك - يدافعون عنهم دفاعاً مستميتاً، ويوثقونهم أعلى ما يكون التوثيق. خذ الكليني والمفيد والمجلسي والطبرسي مثلاً!
وأما دليل التفصيل: فإن كتب القوم مشحونة شحناً بهذه العقيدة. وهذه شواهد قاطعة على ما أقول:
شواهد قاطعة:
كثير من علماء الإمامية يصرح تصريحاً بأن القرآن لحقه التحريف من قبل الصحابة الذين تآمروا على علي و(أهل بيته) فمحوا فضائلهم التي وردت بنص التنزيل. بل إن بعض هؤلاء العلماء تجرأوا فأفردوا لإثبات ذلك مصنفات كاملة في هذا الموضوع!! مثل المخذول الميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي (لع) في كتابه: (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب). وهو من كبار علماء ومحدثي الطائفة، وموثق لديهم بالإجماع، فهو صاحب أحد الأصول والمراجع الروائية الثمانية المعتمدة لديهم والمسمى (مستدرك الوسائل) الذي قالوا عنه: (لا يمكن أن يصل العالم إلى درجة الاجتهاد حتى يقرأ كتاب المستدرك للنوري الطبرسي). ولمكانته العظيمة عندهم دفنوه بجوار مرقد علي (رض) في الإيوان الثالث من صحن المرقد. قال عنه عباس القمي (وهو تلميذه) في كتاب (الكنى والألقاب): (الشيخ الأجل ثقة الإسلام والمسلمين مروج علوم الأنبياء والمرسلين…إلخ).
عرض موجز لكتاب (فصل الخطاب):
يقول الطبرسي هذا في أول صفحة من كتابه المذكور:
(هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب). ومخطوطة الكتاب في أربعمائة صفحة. توجد نسخة منها في مكتبة الأوقاف المركزية في بغداد المحروسة تحت رقم (23072).
والكتاب كله محاولة مخذولة بذل صاحبها فيها جهداً كبيراً من أجل أن يثبت أمرين اثنين فقط أولهما: تحريف القرآن، والثاني: أن هذا الاعتقاد هو مذهب علماء الطائفة الإثني عشرية جميعاً. أما من صرح منهم بعدم التحريف فيقول عنهم أن ذلك خرج منهم مخرج التقية. وقد استدل على هذا الخروج باستدلالات قوية. وأوّلَ كلامهم بأنهم يقصدون القرآن المحفوظ عند (الإمام الغائب).
ملخص الكتاب:
وملخص الكتاب: ثلاث مقدمات وبابان:
المقدمة الأولى: (ص1-23): ذكر فيها جمع القرآن وسببه وأن كيفيته عرّضت القرآن للنقص.
والمقدمة الثانية: (ص23-25): ذكر فيها أقسام التغيير الممكن حصوله والممتنع دخوله فيه. وذكر من الصور الحاصلة: نقصان السورة كسورة الحفد وسورة الخلع وسورة الولاية. ونقصان الآية ونقصان الكلمة وتبديلها كتبديل (آل محمد) في سورة آل عمران بـ(آل عمران). ونقصان الحرف كالياء في قوله تعالى: (يا ليتني كنت ترابا) والأصل ترابيا. يريد النسبة إلى (أبي تراب) أي: علي. والهمزة من قوله تعالى: (كنتم خير أمة) يريد (أئمة). وترتيب السور وترتيب الآيات وترتيب الكلمات.. إلخ.
والمقدمة الثالثة: (ص25-35): ذكر فيها طائفة كبيرة من علمائـهم الذيـن قالـوا بالتحريف. ومنهم من أفرده بمصنف مستقل. حتى قال: إن هذا مما أجمعت عليه الطائفة إلا من شذ. وحمل قول هؤلاء الشاذين على(التقية).
وأما الباب الأول: (ص35-360): فهو في التدليل على وقوع التحريف في القرآن.
والباب الثاني: (ص360-398): فهو في الرد على أدلة المنكرين للتحريف.
نقل إجماع الطائفة الإثني عشرية على التحريف:
وممن صرح بإجماع علماء الطائفة على هذه العقيدة:
الشيخ المفيد بقوله: (واتفق علماء الإمامية أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل)([4])
ومنهم أبو الحسن العاملي بقوله: (إن تحريف القرآن من ضروريات مذهب الشيعة)([5]).
ومنهم نعمة الله الجزائري بقوله: (إن الأخبار الدالة على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادةً وإعراباً هي أخبار مستفيضة ومتواترة وصريحة، وإن علماء المذهب قد أجمعوا وأطبقوا على صحتها والتصديق بها)([6]).
وعدنان البحراني بقوله: (الأخبار في تحريف القرآن لا تحصى وكثيرة، وقد تجاوزت حد التواتر، وهو إجماع الفرقة المحقة، وكونه من ضروريات مذهبهم)([7]).
بل تجرأ بعضهم كالشيخ يحيى تلميذ الكركي فادعى إجماع أهل القبلة من الخاص والعام على هذه العقيدة([8]).
لا تكفير بل توثيق على أعلى المستويات:
قلنا: إن المنكرين من الإمامية لهذه العقيدة يتظاهرون بتكفير من اعتقد بتحريف القرآن. ولكننا لم نر أحداً منهم كفّر عالماً واحداً من علمائهم الذين يصرحون بالاعتقاد بتحريف القرآن تصريحاً واضحاً لا شبهة فيه، حتى الذين ينسبون ذلك إلى المذهب ويقولون: إنه من ضرورياته، وإن إجمـاع الطائفـة حاصل عليه([9]).
وهذا يدل على أن الجميع يعتقدون هذه العقيـدة أو أنهم - على الأقل - لا يستوحشون منها، ولا يرون كفر معتنقها، وأنهم غير جادين في القول بإنكارها. حتى النوري الطبرسي وأمثاله ممن أفردوا لإثباتها مصنفات مستقلة يوثقونه توثيقاً ما بعده توثيق! بل يكابرون مكابرة عجيبة في الدفاع عنه إلى حد أن بعضهم يدعي أن كتابه (فصل الخطاب) إنما ألفه في الرد على من قال بتحريف الكتاب([10])!
أصول الدين عند الإمامية بين التعطيل والتبديل:
قلنا في أكثر من مناسبة: إن الاختلاف الطائفي هو اختلاف أصولي وليس فروعياً. وذلك بأن تخرج طائفة بأصل جديد تلزم به المسلمين، أو تنكر أصلاً ثابتاً من أصول الدين.
والإمامية أضافوا للدين أصولاً كثيرة: اعتقادية وعملية: كالإمامة والعصمة والتقية وخمس المكاسب. وأنكروا أصولاً أخرى ثابتة كأصل حفظ القرآن الذي هو أصل الأصول في الإسلام.
ويثبتون في الوقت نفسه أصول الدين الأخرى المتفق عليها كالتوحيد والنبوة والمعاد، والصلاة والحج والزكاة. لكن الملاحظ أنهم حين يثبتون هذه الأصول إنما يثبتونها قولاً وشكلاً، ثم يقومون بتفسيرها تفسيراً ينتج عنه تبديل هذه الأصول حقيقةً ماذا بعد هذا يا رافضة اتقوا الله فى انفسكم وكفوا على ما انتم فيه ويلكم من الله ويل اصحاب العمائم السوداء من الله
الفصل الثاني: إبطال عقيدة التحريف طبقاً للمنهج القرآني
العقائد التي شذ بها الإمامية الإثنا عشرية عن المسلمين نوعان:
نوع لا وجود له - (كالإمامة) و(العصمة) -اخترعوه وأثبتوه. وهذا لا دليل لهم على وجوده من القرآن سوى المتشابهات.
ونوع ثابت - كحفظ القرآن - نفَوه وأنكروه. وهذا لا دليل لهم على نفيه سوى الشبهات.
والثابت قطعاً لا ينقض بشبهة، بل لا ينقض أصلاً، بل كل ما عارض الثابت أصلاً فهو شبهة باطلة قطعاً.
وهذا دليلنا وحجتنا القطعية اليقينية على بطلان عقيدة التحريف طبقاً للمنهج القرآني.
ولو جازت الزيادة والنقصان في حرف من القرآن لجاز ذلك في كلمة، وهذا يستلزم جوازه في أكثر من ذلك، وهنا يمسي القرآن كمصدر موثوق للهداية غير ذي معنى؛ لأنه إذا سرى الشك إلى مصدر الهداية تعدى ذلك إلى الهداية نفسها، وعند ذاك يسري الشك إلى أي أصل من أصول الدين الذي تقوم عليه الهداية، ويتمكن أي إنسان من التملص منه بإثارة الشبهات حوله، وكذلك يتمكن من إضافة أي أصل إلى الدين بالطريقة نفسها، ولكن بصورة معكوسة: فينفي الموجود بحجة أنه زائد مضاف، ويثبت المفقود بحجة أنه ناقص محذوف، كما قالوا عن نصوص (الإمامة).
مجمل القول أن الاعتقاد بجواز طروء التحريف على القرآن يؤدي إلى تعطيل الدين وتخريبه، فنحتاج إلى نبي جديد يأتي بكتاب جديد يهيمن على هذا الكتاب ويشهد له أو عليه، وهذا مخالف لأصل ختم النبوة؛ فالله تعالى حفظ الكتاب لأنه ختم النبوة، وختم النبوة لأنه حفظ الكتاب، فلا حاجة لبعثة نبي جديد.
فلو جاز وقوع التحريف في الكتاب لكنا محتاجين دوماً لبعثة نبي جديد يثبت لنا، ويدلنا قطعاً على مواضع التحريف فيه، وإلا فمن يقوم بهذا الدور؟
هل الروايات؟ كلا.. فإن التحريف إذا تطرق إلى الكتاب كان تطرقه إلى الروايات أولى، فكيف يعالـج هذا بهذا؟
أم العقول؟ والعقول مختلفة فعقل من هو الحكم؟ اللهم إلا إذا كان صاحب العقل نبياً يأتيه الوحي من السماء، وهذا مستحيل أيضاً لختم النبوة.
لهذا وغيره أجمع المسلمون على حفظ القرآن، وبطلان القول بتحريفه، وتكفير من يقول بهذا القول.
الأدلة على حفظ القرآن أظهر من أن تذكر:
لا أرى حاجة للتدليل على أصل كل الأصول في دين الإسلام، ألا وهو حفظ القرآن، وتهافت القول بتحريفه، ويكفي في ذلك أن أصحاب دعوى التحريف أنفسهم لا يجرؤون على التصريح بها علناً بصورة لا يتمكنون بعدها من نفي هذه التهمة عنهم، فنراهم يصرحون بها في حال وينكرونها في حال، فمثلاً يذكرونها في كتاب، وينكرونها في آخر، أو في موضع آخر من الكتاب نفسه! ويصرحون بها في المجالس الخاصة، وينكرونها في وسائل الإعلام أو أمام الملأ، مع أنهم يجاهرون بإبراز غيرها من السوءات العقيدية كتجريح الصحابة، وهذا يعني أنهم لو علموا أن لهم حجة - ولو بوجه بعيد - لما اختفوا بها هذا الاختفاء.
إن كل مسلم يقرأ في أول آية من كتاب الله بعد مقدمته (سورة الفاتحة) قوله تعالى: ((ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ)) [البقرة:1-2].
ثم أقام الله تعالى الدليل القاطع على نفي الريب عن كتابه الهادي بقوله: ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة:23]، وأي ريب ينفى عنه إذا جاز عليه التحريف بالزيادة والنقصان؟! ولذلك يقول تعالى: ((وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:41-42].
((وَمَا كَانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ)) [يونس:37].
((وَتَمّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [الأنعام:115].
(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبّكَ لا مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً)) [الكهف:27].
((إنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].
القرآن هو الشاهد والمشهود:
لقد ثبت لنا نحن المسلمين أن القرآن محفوظ من التحريف بالنص القرآني الصريح المكرر المثبت بالحجج القرآنية العقلية الذاتية، أي: من داخل القرآن نفسه، بمعنى أن القرآن يشهد لنفسه بنفسه ويدل على نفسه بنفسه فلا يحتاج إلى شاهد أو دليل من خارجه، وفي هذا يقول تعالى: ((أَفَلا يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82]. ويقول: ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّنْ مِثْلِهِ)) [البقرة:23].
فالله تعالى يحتج لصحة القرآن بحجة عقلية مصدرها القرآن نفسه!
فالقرآن هو الدليل وهو المدلول عليه، وهو الشاهد وهو المشهود عليه، وهو الحجة وهو المحتج له به! والدليل على حفظ القرآن نقلاً وعقلاً هو القرآن نفسه!
وهذا -في رأيي- أقوى من دليل التواتر، فإن التواتر إذا كان يورث الإيمان، فهذا يمنح الاطمئنان: ((قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي)) [البقرة:260].
فلن تجد شيئاً يبعث اليقين ويورث الإيمان ويمنح الاطمئنان إلى صحة القرآن.. كالقرآن.
السر في لزوم الإمامية للقول بتحريف القرآن:
يدرك الإمامية جيداً عجزهم عن إثبات أصولهم بواسطة القرآن! ولا يستطيعون تمرير هذه الأصول بسهولة في وجوده كاملاً!! فالقرآن صرح بجلاء تام بذكر مسائل دون (الإمامة) و(العصمة) بكثير، كالوضوء والطهارة من الحدث الأصغر والأكبر! فكان قولهم بطروء النقص على القرآن، لتكون هذه (الأصول) مما حذفت نصوصها!
والشيء نفسه دفعهم إلى القول بأن الأصول تثبت بالعقل لا بالنقل، كل ذلك لعلمهم يقيناً بعدم وجود ما يثبت أصولهم من النقل القطعي ثبوتاً ودلالة! إذن وجود القرآن كاملاً يحرجهم كثيراً حين يجدون أنفسهم مطالبين أمام الجميع بما يثبت أصولهم من النصوص القرآنية الصريحة.
فأصول الإمامية لم تقم على صريح القرآن، ولا فروعهم على صحيح السنة.
وهذا يتبين من تأمل المفارقة الأخرى الآتية: لو افترضنا جدلاً أن الله تعالى رفع الكتاب والسنة من الأرض فإن النتيجة الحتمية أن ديننا سيختفي ويزول، بينما دين الإمامية سوف يبقى ويستمر!! لأنهم إنما أسسوه على أوهام سموها (عقليات) وأباطيل سموها (روايات) ألصقوها بمتشابه الآيات المعطلة عن الفعل من الأساس دون ردها إلى (الإمام) أي إلى هذه الروايات في حقيقة الأمر، لاسيما مع وجود المراقد، وهذا كله: (العقليات والروايات والمراقد) لا يزول بزوال الكتاب والسنة! بل ينتعش.. وينتفش!!
فسبحان من جعل أصول الحق قائمة على حفظ القرآن وبقائه، وجعل أصول الباطل لا تقوم إلا على تحريف القرآن وإبعاده!
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والصلاة والسلام على عبده ونبيه محمد.. وعلى آله أصحابه وأتباعه حملة كتابه وسنة نبيه أجمعين.
وبعد.. فإن أخطر سهم رُمي به الإسلام، ذلك السهم الذي وجهه أعداؤه إلى القرآن، فادّعوا تعرضه للتحريف من قبل الجيل الذي ائتمنهم الله عليه، بعد أن طعنوا في ذلك الجيل المؤتمن واتهموهم بشتى التهم حتى يسهل عليهم -من بعد- توجيه سهامهم إلى القرآن ثم السنة.
إن التشكيك في هذه الجهات الثلاثة: (الصحابة، والقرآن، والسنة) يصدر من مشكاة واحدة. ولا يمكن تجزئته، أو الفصل بين عناصره بأية حال من الأحوال.
إنها أمور ثلاثة مترابطة يؤدي أولها -تلقائياً- إلى آخرها: فالطعن في الصحابة يقود إلى الشك في القرآن؛ لأنهم حملته ونقلته. ويقود - من باب أولى - إلى التشكيك في السنة.
لكن الطاعنين في الصحابة يصرحون بعدم موثوقية السنة المنقولة عن طريقهم، محتجين لذلك بعدم موثوقية من نقلت عن طريقهم تلك السنة، وهم الصحابة..
حتى إذا وصل الحديث إلى القرآن صار أحدهم يناور ويداور، مع أن القرآن قد نقل -ووصل إلينا- عن الطريق نفسه!
ألا يعلم هؤلاء أن الذين طعنوا في الأصحاب إنما قصدوا -أول ما قصدوا بطعنهم- كتاب الله؟ وأما السنة فبالتبع. ولذلك لازمت هذه التهمة كل من طعن بالأصحاب. وتلازمهم إلى يوم القيامة.
من هؤلاء الطاعنين الشيعة الإثني عشرية. لكنهم حين يواجهون بها يحاول أكثرهم مدافعتها، وإن كان بعضهم - وهذا ما لمسته بنفسي - لا يتردد من التصريح بها!
فهل ما يوصم به الشيعة من القول بالتحريف تهمة جائرة؟ أم هي حقيقة واقعة؟
هذا ما ستسفر عنه هذه الرسالة. إضافة إلى ذكر الآثار الخطيرة المترتبة على هذه العقيـدة. مع إبطالها وفق المنهج القرآني.
وبين هذا وذاك سيجد القارئ معلومات وأسلوباً أو منهجاً استدلالياً قد لا يجده فيما قرأ من قبل عن هذا الموضوع الذي يطرق باستمرار. ولولا قناعتي بذلك لما أقدمت على الكتابة فيه؛ إذ ما الفائدة من أن يكون الإنسان في أفكاره أو كتابه نسخة مكررة عن الآخرين؟ إن الأجدر به في هذه الحالة أن يسعى لنشر ما يراه نافعاً من تلك الأفكار، طبقاً للحكمة القائلة: إن لم تكن مبدعاً، فكن ناقلاً إلى غيرك إبداع الآخرين.
الفصل الأول: ثبوت التهمة قطعاً
لن أسعى إلى استقصاء الأدلة القطعية على ثبوت هذه العقيدة في حق الإمامية الإثني عشرية. ولن أفعل ذلك سوى أن أشير إلى ذلك إشارة من خلال الحديث باختصار عن أحد الكتب المعتمدة لأحد كبار علمائهم يعتبر أحد أعمدة (المذهب)، وصاحب كتاب من (الكتب الثمانية) التي إليها المرجع في معرفة الفقه الإمامي. فليس الأمر في حاجة إلى كبير جهد لأن يكتشف! ولا أنا أول من (سُجلت) له (براءة) اكتشاف لأفوز بوسام هذا السبق فأحتاج -من أجل بيان هذا (الاكتشاف) العجيب!- إلى بسط الأدلة. وليس الموضوع برمته من الخفاء بحيث يحتاج إلى رحلة استكشافية! بل هو مصرح به في أمهات كتبهم وعلى ألسنة كبار مراجعهم وعلمائهم بلا غموض ولا مواربة!
يكفي أن ترجع إلى ما سطره علي بن إبراهيم القمي - شيخ الكليني - في (تفسيره)، والكليني في (كافيه)، والنوري الطبرسي في كتابه (فصل الخطاب..)، وأبو الحسن العاملي في مقدمته (مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار) على تفسير (البرهان) لهاشم البحراني، والطبرسي في (احتجاجه)، ونعمة الله الجزائري في (أنواره).. وقائمة طويلة لا تنتهي من هذه المصادر والمراجع.
والأمر - بعد ذلك - ثابت لديهم ثبوت (الإمامة).. هكذا يصرح محققوهم، يقولون: إن روايات التحريف متواترة كتواتر روايات (الإمامة) وطرقها واحدة..
يقول محمد باقر المجلسي عن أخبار أو روايات التحريف: (وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة وطرحها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً. بل اعتقادي أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة)([1]). وكذا قال النوري الطبرسي.
فإنكار التحريف يستلزم إنكار (الإمامة) ضرورة ولابد. هذا نص قولهم! فما يفعله بعضهم من الإنكار عندما يحرج على رؤوس الملأ، أو في الكتب الدعائية المؤلفة خصيصاً لترويج المذهب مثل كتاب (المراجعات)؛ مكابرة يستجيزونها تقيةً خوف الفضيحة، لعظم الجريمة!
أقسام المنكرين للتحريف من الإمامية:
والمنكرون لوجود هذه العقيدة لديهم من الإمامية:
إما أنهم لم يطلعوا على حقيقة مذهبهم فنحيلهم إلى مصادرهم ليطلعوا عليها بأنفسهم، أو إلى بعض من كتب تفصيلاً في هذا الشأن. ولا بأس أن أقيد بعض الدلائل التي تكفي طالب الحق.
وإما أنهم يعلمون علم اليقين لكنهم يكابرون! وهؤلاء لا نحيلهم إلى شيء لأنهم ليسوا بحاجة إلى شيء! ولا ينفع معهم الإكثار من إيراد الأدلـة لأنهـم يعلمون ولكن.. (يتقون) فهم لا يهتدون([2])!
علماء الإمامية متواطئون على القول بالتحريف:
القائلون بالتحريف من الإمامية صنفان:
الأول: علماء مقصودهم هدم الدين: يعلمون أن الدين كله قائم على أساس حفظ القرآن من الزيادة والنقصان: فبثبوته تثبت أصول الدين جميعاً، وبانهياره تنهار هذه الأصول جميعاً.
هل أدركت الآن السر الذي من أجله ابتدأت حجة الله تعالى على خلقه بتحرير هذه القضية الكبرى قبل أي شيء آخر: ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ)) [البقرة:2] ثم ثنّت بإثباتها: ((وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة:23].
ولأن أولئك العلماء يشعرون أن أكبر غصة في حلوقهم هي حين يطالبون بالنص الصريح من القرآن على ما أضافوه من أصول إلى الدين ولكي يستريحوا من هذه الغصة، قالوا بنقصه وتحريفه. ولذلك هم يؤكدون على نقصانه دون الزيادة فيه!
الثاني: عوام استزلهم أولئك العلماء (لع) بعد أن رسـّخوا لديهم الاعتقاد بخيانة الأصحاب نقلة الكتاب. فلما استجازوا الطعن في الناقل استسهلوا انتقال الطعن إلى المنقول. وهو المقصود.
أدلة الإثبات:
أما العلماء فمتواطئون على هذه العقيدة. لكن بيـن مصرح وملمح. ولنا على ذلك دليل الإجمال، ودليل التفصيل:
أما دليل الإجمال: فإن المنكرين يتظاهرون بالقول بتكفير من اعتقد بالتحريف، وخروجه من الملة([3]). فلو كانوا صادقين فيما يقولون لصرحوا بكفر من يقول بالتحريف من علمائهم، وهم كثر وكلامهم صريح. ومنهم من أفرده بمؤلف خاص. لكننا لا نجد أحداً من المنكرين من الأولين والآخرين كفّر واحداً من أولئك القائلين بالتحريف على مدار تأريخهم! بل - وفوق ذلك - يدافعون عنهم دفاعاً مستميتاً، ويوثقونهم أعلى ما يكون التوثيق. خذ الكليني والمفيد والمجلسي والطبرسي مثلاً!
وأما دليل التفصيل: فإن كتب القوم مشحونة شحناً بهذه العقيدة. وهذه شواهد قاطعة على ما أقول:
شواهد قاطعة:
كثير من علماء الإمامية يصرح تصريحاً بأن القرآن لحقه التحريف من قبل الصحابة الذين تآمروا على علي و(أهل بيته) فمحوا فضائلهم التي وردت بنص التنزيل. بل إن بعض هؤلاء العلماء تجرأوا فأفردوا لإثبات ذلك مصنفات كاملة في هذا الموضوع!! مثل المخذول الميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي (لع) في كتابه: (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب). وهو من كبار علماء ومحدثي الطائفة، وموثق لديهم بالإجماع، فهو صاحب أحد الأصول والمراجع الروائية الثمانية المعتمدة لديهم والمسمى (مستدرك الوسائل) الذي قالوا عنه: (لا يمكن أن يصل العالم إلى درجة الاجتهاد حتى يقرأ كتاب المستدرك للنوري الطبرسي). ولمكانته العظيمة عندهم دفنوه بجوار مرقد علي (رض) في الإيوان الثالث من صحن المرقد. قال عنه عباس القمي (وهو تلميذه) في كتاب (الكنى والألقاب): (الشيخ الأجل ثقة الإسلام والمسلمين مروج علوم الأنبياء والمرسلين…إلخ).
عرض موجز لكتاب (فصل الخطاب):
يقول الطبرسي هذا في أول صفحة من كتابه المذكور:
(هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب). ومخطوطة الكتاب في أربعمائة صفحة. توجد نسخة منها في مكتبة الأوقاف المركزية في بغداد المحروسة تحت رقم (23072).
والكتاب كله محاولة مخذولة بذل صاحبها فيها جهداً كبيراً من أجل أن يثبت أمرين اثنين فقط أولهما: تحريف القرآن، والثاني: أن هذا الاعتقاد هو مذهب علماء الطائفة الإثني عشرية جميعاً. أما من صرح منهم بعدم التحريف فيقول عنهم أن ذلك خرج منهم مخرج التقية. وقد استدل على هذا الخروج باستدلالات قوية. وأوّلَ كلامهم بأنهم يقصدون القرآن المحفوظ عند (الإمام الغائب).
ملخص الكتاب:
وملخص الكتاب: ثلاث مقدمات وبابان:
المقدمة الأولى: (ص1-23): ذكر فيها جمع القرآن وسببه وأن كيفيته عرّضت القرآن للنقص.
والمقدمة الثانية: (ص23-25): ذكر فيها أقسام التغيير الممكن حصوله والممتنع دخوله فيه. وذكر من الصور الحاصلة: نقصان السورة كسورة الحفد وسورة الخلع وسورة الولاية. ونقصان الآية ونقصان الكلمة وتبديلها كتبديل (آل محمد) في سورة آل عمران بـ(آل عمران). ونقصان الحرف كالياء في قوله تعالى: (يا ليتني كنت ترابا) والأصل ترابيا. يريد النسبة إلى (أبي تراب) أي: علي. والهمزة من قوله تعالى: (كنتم خير أمة) يريد (أئمة). وترتيب السور وترتيب الآيات وترتيب الكلمات.. إلخ.
والمقدمة الثالثة: (ص25-35): ذكر فيها طائفة كبيرة من علمائـهم الذيـن قالـوا بالتحريف. ومنهم من أفرده بمصنف مستقل. حتى قال: إن هذا مما أجمعت عليه الطائفة إلا من شذ. وحمل قول هؤلاء الشاذين على(التقية).
وأما الباب الأول: (ص35-360): فهو في التدليل على وقوع التحريف في القرآن.
والباب الثاني: (ص360-398): فهو في الرد على أدلة المنكرين للتحريف.
نقل إجماع الطائفة الإثني عشرية على التحريف:
وممن صرح بإجماع علماء الطائفة على هذه العقيدة:
الشيخ المفيد بقوله: (واتفق علماء الإمامية أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل)([4])
ومنهم أبو الحسن العاملي بقوله: (إن تحريف القرآن من ضروريات مذهب الشيعة)([5]).
ومنهم نعمة الله الجزائري بقوله: (إن الأخبار الدالة على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادةً وإعراباً هي أخبار مستفيضة ومتواترة وصريحة، وإن علماء المذهب قد أجمعوا وأطبقوا على صحتها والتصديق بها)([6]).
وعدنان البحراني بقوله: (الأخبار في تحريف القرآن لا تحصى وكثيرة، وقد تجاوزت حد التواتر، وهو إجماع الفرقة المحقة، وكونه من ضروريات مذهبهم)([7]).
بل تجرأ بعضهم كالشيخ يحيى تلميذ الكركي فادعى إجماع أهل القبلة من الخاص والعام على هذه العقيدة([8]).
لا تكفير بل توثيق على أعلى المستويات:
قلنا: إن المنكرين من الإمامية لهذه العقيدة يتظاهرون بتكفير من اعتقد بتحريف القرآن. ولكننا لم نر أحداً منهم كفّر عالماً واحداً من علمائهم الذين يصرحون بالاعتقاد بتحريف القرآن تصريحاً واضحاً لا شبهة فيه، حتى الذين ينسبون ذلك إلى المذهب ويقولون: إنه من ضرورياته، وإن إجمـاع الطائفـة حاصل عليه([9]).
وهذا يدل على أن الجميع يعتقدون هذه العقيـدة أو أنهم - على الأقل - لا يستوحشون منها، ولا يرون كفر معتنقها، وأنهم غير جادين في القول بإنكارها. حتى النوري الطبرسي وأمثاله ممن أفردوا لإثباتها مصنفات مستقلة يوثقونه توثيقاً ما بعده توثيق! بل يكابرون مكابرة عجيبة في الدفاع عنه إلى حد أن بعضهم يدعي أن كتابه (فصل الخطاب) إنما ألفه في الرد على من قال بتحريف الكتاب([10])!
أصول الدين عند الإمامية بين التعطيل والتبديل:
قلنا في أكثر من مناسبة: إن الاختلاف الطائفي هو اختلاف أصولي وليس فروعياً. وذلك بأن تخرج طائفة بأصل جديد تلزم به المسلمين، أو تنكر أصلاً ثابتاً من أصول الدين.
والإمامية أضافوا للدين أصولاً كثيرة: اعتقادية وعملية: كالإمامة والعصمة والتقية وخمس المكاسب. وأنكروا أصولاً أخرى ثابتة كأصل حفظ القرآن الذي هو أصل الأصول في الإسلام.
ويثبتون في الوقت نفسه أصول الدين الأخرى المتفق عليها كالتوحيد والنبوة والمعاد، والصلاة والحج والزكاة. لكن الملاحظ أنهم حين يثبتون هذه الأصول إنما يثبتونها قولاً وشكلاً، ثم يقومون بتفسيرها تفسيراً ينتج عنه تبديل هذه الأصول حقيقةً ماذا بعد هذا يا رافضة اتقوا الله فى انفسكم وكفوا على ما انتم فيه ويلكم من الله ويل اصحاب العمائم السوداء من الله
الفصل الثاني: إبطال عقيدة التحريف طبقاً للمنهج القرآني
العقائد التي شذ بها الإمامية الإثنا عشرية عن المسلمين نوعان:
نوع لا وجود له - (كالإمامة) و(العصمة) -اخترعوه وأثبتوه. وهذا لا دليل لهم على وجوده من القرآن سوى المتشابهات.
ونوع ثابت - كحفظ القرآن - نفَوه وأنكروه. وهذا لا دليل لهم على نفيه سوى الشبهات.
والثابت قطعاً لا ينقض بشبهة، بل لا ينقض أصلاً، بل كل ما عارض الثابت أصلاً فهو شبهة باطلة قطعاً.
وهذا دليلنا وحجتنا القطعية اليقينية على بطلان عقيدة التحريف طبقاً للمنهج القرآني.
ولو جازت الزيادة والنقصان في حرف من القرآن لجاز ذلك في كلمة، وهذا يستلزم جوازه في أكثر من ذلك، وهنا يمسي القرآن كمصدر موثوق للهداية غير ذي معنى؛ لأنه إذا سرى الشك إلى مصدر الهداية تعدى ذلك إلى الهداية نفسها، وعند ذاك يسري الشك إلى أي أصل من أصول الدين الذي تقوم عليه الهداية، ويتمكن أي إنسان من التملص منه بإثارة الشبهات حوله، وكذلك يتمكن من إضافة أي أصل إلى الدين بالطريقة نفسها، ولكن بصورة معكوسة: فينفي الموجود بحجة أنه زائد مضاف، ويثبت المفقود بحجة أنه ناقص محذوف، كما قالوا عن نصوص (الإمامة).
مجمل القول أن الاعتقاد بجواز طروء التحريف على القرآن يؤدي إلى تعطيل الدين وتخريبه، فنحتاج إلى نبي جديد يأتي بكتاب جديد يهيمن على هذا الكتاب ويشهد له أو عليه، وهذا مخالف لأصل ختم النبوة؛ فالله تعالى حفظ الكتاب لأنه ختم النبوة، وختم النبوة لأنه حفظ الكتاب، فلا حاجة لبعثة نبي جديد.
فلو جاز وقوع التحريف في الكتاب لكنا محتاجين دوماً لبعثة نبي جديد يثبت لنا، ويدلنا قطعاً على مواضع التحريف فيه، وإلا فمن يقوم بهذا الدور؟
هل الروايات؟ كلا.. فإن التحريف إذا تطرق إلى الكتاب كان تطرقه إلى الروايات أولى، فكيف يعالـج هذا بهذا؟
أم العقول؟ والعقول مختلفة فعقل من هو الحكم؟ اللهم إلا إذا كان صاحب العقل نبياً يأتيه الوحي من السماء، وهذا مستحيل أيضاً لختم النبوة.
لهذا وغيره أجمع المسلمون على حفظ القرآن، وبطلان القول بتحريفه، وتكفير من يقول بهذا القول.
الأدلة على حفظ القرآن أظهر من أن تذكر:
لا أرى حاجة للتدليل على أصل كل الأصول في دين الإسلام، ألا وهو حفظ القرآن، وتهافت القول بتحريفه، ويكفي في ذلك أن أصحاب دعوى التحريف أنفسهم لا يجرؤون على التصريح بها علناً بصورة لا يتمكنون بعدها من نفي هذه التهمة عنهم، فنراهم يصرحون بها في حال وينكرونها في حال، فمثلاً يذكرونها في كتاب، وينكرونها في آخر، أو في موضع آخر من الكتاب نفسه! ويصرحون بها في المجالس الخاصة، وينكرونها في وسائل الإعلام أو أمام الملأ، مع أنهم يجاهرون بإبراز غيرها من السوءات العقيدية كتجريح الصحابة، وهذا يعني أنهم لو علموا أن لهم حجة - ولو بوجه بعيد - لما اختفوا بها هذا الاختفاء.
إن كل مسلم يقرأ في أول آية من كتاب الله بعد مقدمته (سورة الفاتحة) قوله تعالى: ((ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ)) [البقرة:1-2].
ثم أقام الله تعالى الدليل القاطع على نفي الريب عن كتابه الهادي بقوله: ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة:23]، وأي ريب ينفى عنه إذا جاز عليه التحريف بالزيادة والنقصان؟! ولذلك يقول تعالى: ((وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:41-42].
((وَمَا كَانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ)) [يونس:37].
((وَتَمّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [الأنعام:115].
(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبّكَ لا مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً)) [الكهف:27].
((إنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].
القرآن هو الشاهد والمشهود:
لقد ثبت لنا نحن المسلمين أن القرآن محفوظ من التحريف بالنص القرآني الصريح المكرر المثبت بالحجج القرآنية العقلية الذاتية، أي: من داخل القرآن نفسه، بمعنى أن القرآن يشهد لنفسه بنفسه ويدل على نفسه بنفسه فلا يحتاج إلى شاهد أو دليل من خارجه، وفي هذا يقول تعالى: ((أَفَلا يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82]. ويقول: ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّنْ مِثْلِهِ)) [البقرة:23].
فالله تعالى يحتج لصحة القرآن بحجة عقلية مصدرها القرآن نفسه!
فالقرآن هو الدليل وهو المدلول عليه، وهو الشاهد وهو المشهود عليه، وهو الحجة وهو المحتج له به! والدليل على حفظ القرآن نقلاً وعقلاً هو القرآن نفسه!
وهذا -في رأيي- أقوى من دليل التواتر، فإن التواتر إذا كان يورث الإيمان، فهذا يمنح الاطمئنان: ((قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي)) [البقرة:260].
فلن تجد شيئاً يبعث اليقين ويورث الإيمان ويمنح الاطمئنان إلى صحة القرآن.. كالقرآن.
السر في لزوم الإمامية للقول بتحريف القرآن:
يدرك الإمامية جيداً عجزهم عن إثبات أصولهم بواسطة القرآن! ولا يستطيعون تمرير هذه الأصول بسهولة في وجوده كاملاً!! فالقرآن صرح بجلاء تام بذكر مسائل دون (الإمامة) و(العصمة) بكثير، كالوضوء والطهارة من الحدث الأصغر والأكبر! فكان قولهم بطروء النقص على القرآن، لتكون هذه (الأصول) مما حذفت نصوصها!
والشيء نفسه دفعهم إلى القول بأن الأصول تثبت بالعقل لا بالنقل، كل ذلك لعلمهم يقيناً بعدم وجود ما يثبت أصولهم من النقل القطعي ثبوتاً ودلالة! إذن وجود القرآن كاملاً يحرجهم كثيراً حين يجدون أنفسهم مطالبين أمام الجميع بما يثبت أصولهم من النصوص القرآنية الصريحة.
فأصول الإمامية لم تقم على صريح القرآن، ولا فروعهم على صحيح السنة.
وهذا يتبين من تأمل المفارقة الأخرى الآتية: لو افترضنا جدلاً أن الله تعالى رفع الكتاب والسنة من الأرض فإن النتيجة الحتمية أن ديننا سيختفي ويزول، بينما دين الإمامية سوف يبقى ويستمر!! لأنهم إنما أسسوه على أوهام سموها (عقليات) وأباطيل سموها (روايات) ألصقوها بمتشابه الآيات المعطلة عن الفعل من الأساس دون ردها إلى (الإمام) أي إلى هذه الروايات في حقيقة الأمر، لاسيما مع وجود المراقد، وهذا كله: (العقليات والروايات والمراقد) لا يزول بزوال الكتاب والسنة! بل ينتعش.. وينتفش!!
فسبحان من جعل أصول الحق قائمة على حفظ القرآن وبقائه، وجعل أصول الباطل لا تقوم إلا على تحريف القرآن وإبعاده!
من مواضيعي
0 انظر سبحان الله
0 رداً على القناص20 الذى شتمنى فى منتدى فلسطين
0 ارجو من المشرفين تغير اسمى من معاوية الاثرى الى معاوية الغزى
0 خبر عاجل ......... أستشهاد صاحب هذه العضوية
0 الشجاعة فى الحق خلق من الاخلاق الكريمة
0 السلام عليكم يا اخوة اين هذا المشروع .............؟
0 رداً على القناص20 الذى شتمنى فى منتدى فلسطين
0 ارجو من المشرفين تغير اسمى من معاوية الاثرى الى معاوية الغزى
0 خبر عاجل ......... أستشهاد صاحب هذه العضوية
0 الشجاعة فى الحق خلق من الاخلاق الكريمة
0 السلام عليكم يا اخوة اين هذا المشروع .............؟







