"بيان" الشَّيخ بلقَاسِم بن ارْواق أسبابه وأغراضه وميزاته بقلم: الشَّيخ سمير سمراد -حفظه الله-
20-02-2013, 11:47 AM
[توطئة قبل مباحث "البيان" لكاتب العام للجنة الدِّعاية : الشَّيخ بلقَاسِم بن ارْواق-رحمه الله]

"بيان" الشَّيخ بلقَاسِم بن ارْواق أسبابه وأغراضه وميزاته
بقلم : الشَّيخ السَّلفي-خادم العلم- :سمير سمراد –حفظه الله


فصلٌ مستل من الكتاب الفذّ :
الشَّيخ بلقاسم بن ارْوَاقْ: سيرته ومنهجه الإصلاحي


سبب تحرير "البيان" :
كما ذكر الشَّيخ بلقاسم بن ارواق في التَّمهيد الَّذي مهَّد به قبل أن يشرع في الإفاضة في بيان مستند العلماء في حكمهم على "الزَّردة" ، فإنَّ السَّبب الَّذي دعاه إلى تحرير هذا البيات ، هو :
- استمرار كثير من النَّاس على عمل "الزَّردة" بأمر رؤساء الزَّوايا وشيوخ الطُّرق ، وإقرار ومدافعة علماء السُّوء ، وفقهاء الجمود ، ومنها "زردة العاصمة" ، فإنَّه أشار إليها في أوَّل "بيانه" ، إذ حرَّره على إِثرها ، فقال : "بيدَ أنَّ ظنَّنَا قد خاب وثقتنا بالقوم قد ضَعفت أن لم أقل تلاشت بتاتًا عندما رأينا مؤتمرهم ينعقد بعاصمة الجزائر ، وقد حمل إلينا البريد البذيئة ذلك الخطاب الَّذي فاه رئيس القوم وشيخ زاويتهم ، فهزَّت تلك النَّغمات البذيئة قلب كلِّ مبتدع فراح فَرِحًا مستبشرًا ونادى في أهله وعشيرته أنْ قد انتصرنا على جمعيَّة الوهابيِّين كما يسميِّها ظلمًا وعدوانًا ، ثمَّ جمع الوعدات والهدايا والنُّذور ونادى في النَّاس أن اجتمعوا غدًا في ضريح سيدي ... " ، وقد تقدَّم بسط ما جرى في تكلم "الزَّردة" ، المسمَّاة بالمؤتمر الدِّيني ، ومرَّ عليك محاولة فقهائهم الاستدلال على جواز "الزَّردات" ، إذ خطب "الشَّيخ الرَّابحي الإمام بمدينة البليدة فشرح نصوصًا من الدِّين وأصول الدِّين تسوِّغ إقامة "الزَّردات" والمآكل الدِّينيَّة العموميَّة "
- أنَّ ما كتبه العلماء المصلحون ، وما ذكروه من أدلَّة في حكمهم على الزَّردة بالشِّرك ، قابله هؤلاء بالصَّدِّ وعدم القبول ... وهذان سببان غيرُ مباشرين
- والسَّبب المباشر ، هو أنَّ الشَّيخ بلقاسم - المعلِّم في قرية "برباشة" ، كان قد تحاكم إليه جماعة من النَّاس تقبَّلت قلوبهم الإصلاح ، واستجابوا لكلام العلماء ، فقاطعوا الزَّردات والوعدات ، ومن يدعو إليهما ، فأغضب تصرُّفهم هذا شرذمةَ القبوريِّين ، وقامت قيامتهم بالإنكار عليهم ، فجعلوا الشَّيخ بلقاسم حَكَمًا بينهم وبين هؤلاء المنكرين ، وقدَّموه يحاججهم بحجج الحقِّ ، إذْ كان الشَّيخ بلقاسم عندهم من أهل العلم والبيِّنات ، فأفتى "بحرمة الزَّردة" وحرمة الأكل من ذبيحتها - كما أفتى المجلس الإداريُّ للجمعيَّة الَّتي هو عضو عامل فيها - وشفع ذلك - كما يقول - " بحجج قاطعة .." إلاَّ أنَّهم - أي هؤلاء الطُّرقيُّون القبوريُّون - ازدادوا عنادًا وإصرارًا على باطلهم ، وبغيًا على مخالفهم ، يقول : " فأبى عليَّ القوم وأنكروا ثمَّ بَغَوْا فنسبوني - وكلُّ مُحَرِّمٍ لبدعتهم - إلى الكفر " ، ثمَّ ذكر الشَّيخ أنَّه كان على رأس هؤلاء "البغاة" شيخ أزهريُّ (1) يمدُّهم في الغـيِّ
وقد دعاه : "إلى المناظرة" ، ثمَّ شرع الشَّيخ بلقاسم يخاطب هذا الأزهري ، فقال : "وبعد ، فإليك أيُّها الأزهريُّ مستندنا في حرمة الزَّردة وحرمة أكلها ، لأنَّها ممَّا أهلَّ به لغير الله ... " وقال : " وبعد فأرعني سمعك أيُّها الأزهريُّ لأُرِيَكَ الحقَّ واضحًا ، ثمَّ لتفعل ما بدا لك "
- كما كان من واجب الشَّيخ بلقاسم ومن حقِّ جريدة "البصائر" عليه ، و"لجنة الدِّعاية" المتفرِّعة عن المجلس الإداري لجمعيَّة العلماء ، الَّذي اختاره ليكون : "كاتبها العام" ، من حقِّهم عليه أن يمدَّهم بالكتابة الإصلاحيَّة النَّافعة والبحوث العلميَّة المسدَّدة ، تُنشر في جريدتهم ، وإنَّ من "الدِّعاية" الصَّالحة دعوة النَّاس إلى الحقِّ ، وتحذيرهم من الباطل ، عن طريق الكتابة (2) ، وتلك مهمَّة "لجنة الدِّعاية" بالدَّرجة الأولى ، كما قدَّمنا ذلك في الحديث عن وظيفتها
- وكان من أمر أولئك "البغاة" أنَّهم نسبوا كلَّ محرَّم لبدعتهم "الزَّردة" إلى الكفر ، فتصدَّى بلقاسم لردِّ هذه العادية ، وإبطال هذا الزَّعم والفرية ، فعمل على تحسين سمعة العلماء ، فإنَّ دعاة الشِّرك وحماته من الطُّرقيِّين والعلماء الجامدين ، نبزوا المصلحين بــ "الوهَّابيِّين" ، وأفهموا العامَّة أنَّ معنى "الوهَّابي" هو "الكافر بالله ورسوله" ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا [الكهف:5] ، فأصبحت : " العامَّة لا تَعرف من مدلول كلمة "وهَّابي" إلاَّ ما يعرفها به هؤلاء الكاذبون " (3)

موضوع "البيان" وغرضه :
لقد تناول الشَّيخ كما هو ظاهر من العنوان : موضوع "الزَّردة" (4) بالتَّحليل والبيان وأقام الأدلَّة والبراهين على حرمة عملها ، وأنَّ ذبائحها شركيَّة لا يحلُّ أكلها
ويبدو أنَّه أراد أن يزيد ما ورد في منشور الجمعيَّة بيانًا ، فإنَّ المنشور الَّذي خاطبت به الأمَّة ، جاء على صيغة وصايا ، ونداءات ، واختصر فيها الكلام اختصارًا ، واكتفى بخلاصة الحكم ، وما يترتَّب عليه من اجتناب ، فقال المجلس الإداري : " أيُّها المسلمون ! إنَّ اللُّحوم الَّتي تأكلونها في هذه الزَّردة حرام ، لأنَّها ممَّا أهلَّ به لغير الله " ، هذا ما ورد في المنشور ، فكأن بلقاسم أردفه بالشَّرح والبيان ، ومدَّه بالأدلَّة والبراهين ، محاجَّة لمن عارض هذا الحكم واستنكره ، وأبى أن يتَّبع كلام العلماء
- كما رأى ينسج على منوال الشَّيخ مبارك الميلي ، ويسلك طريقته في البحث وبسط الأدلَّة (5) في تقرير ما أجمعت عليه كلمة العلماء المصلحين ، فإنَّه وإن كان الشَّيخ مبارك قد سبق له أن جلَّى حقيقة هذه الذَّبائح ، إلاَّ أنَّ الشَّيخ بلقاسم وجد طوائف من النَّاس ، لاسيما في القرية الَّتي كان معلِّمًا بها ، لا يزالون مخدوعين بأولئك الرُّؤساء المضلِّين ، لا يُقبلون على الكلام العلماء النَّاصحين ، ولا يَرضون عنه ، فأحبَّ أن يكتب مرَّة أخرى في الموضوع ، ويتَّوسع فيه أكثر ، حتَّى إنَّه أتى بالنُّقول الطَّويلة والكثيرة عن العلماء الماضين ، طلبًا لاطمئنان هؤلاء لكلام الحاضرين "علماء الجمعيَّة" ، وإقامة للحجَّة على الباغين ، وقد أفصح عن غرضه في قوله : "إنِّي أكتب للأمَّة لا لهؤلاء الرُّؤساء الَّذين قتلهم التَّعصُّب الأعمى .... " ، كما جاء العنوان يحمل هذا المعنى : "الزَّردة رأس كلِّ شرٍّ ! فاجتنبوها أيُّها المسلمون"

منْ ميزات "البيان" :
كما علمنا قبلُ أنَّ غرض الشَّيخ هو إقناع من لم يرتض حكم العلماء ، وطلب لذلك تكثير الشَّواهد ، والإفاضة في النُّقول عمَّن مضى من العلماء
وقد أتاح هذا "البيان" ذلك ، بأن أوقف القرَّاء ، وطالبي الحقيقة على نقولات قيِّمة من كتب من تقدَّم من المصلحين ، ليصل من خلاله إلى أنَّ ما جاءت به "جمعيَّة العلماء" وأفتت به العموم ، لم يكن بِدْعًا من القول ، ولم يكن دينًا جديدًا خالفت به الأوائل ، كما تلقَّف ذلك المغرورون والمخدوعون ، فأراد أن يزيد الأمَّة اطْمِئْنَانًا ، وقد أفاد هذا في ذاك الزَّمان :
الاطِّلاع على ما قد لا يتيسَّر لكلِّ النَّاس من الخاصَّة بَلْهَ العامَّة الاطِّلاع عليه ، وما قد لا يقع في أيدي المشايخ فضلاً عن الطَّلبة والتَّلاميذ
فمن أبرز ما ميَّز هذا "البيان" وأضفى عليه أهميَّة ، أن تيسَّر للشَّيخ بلقاسم الوقوف على كتاب ابن الأمير الصَّنعاني : "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد" وهو كتاب قيِّم ، فريد في موضوعه ، وقد نقل عنه الفقرات المطوَّلة ، فأدَّى بذلك خدمة عمليَّة عظيمة للجميع ، وأوضِّح ذلك :
فرسالة الصَّنعاني هذه ، لم يقف عليها العلاَّمة الباحث المحقِّق المدقِّق الشَّيخ مبارك الميلي ، ولم يستعن بها على تحريره لمقالة "الشِّرك" ، كما لم يستعن بها بعد حتَّى في كتابه رسالة "الشِّرك" ، إذ لم تحوها خزانته ، ولم يرها عند أهل صداقته ، كما اعتذر لقرَّائه بأنَّه لم يقف على كتاب مجموع على النَّسق الَّذي أراده في الموضوع (6)، وإنَّما وجد في كتاب "صيانة الإنسان" نبذ منقولة من كتاب تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد لمحمد بن إسماعيل الصَّنعاني أحد علماء القرن الثَّاني عشر (7) ، ومن كتاب آخر الشَّوكاني (8)
والشَّيخ بلقاسم – كما هو الظَّاهر – كان ينقل منها مباشرة ، إذ جعل يشير إلى الصَّحيفة ، فكان أوفر حظًّا من الشَّيخ مبارك ، وهذا ما أعطي "بيانَهُ" قيمة علميَّة لأجل مثل هذه الإضافة ، وإنِّي لم أجد كتابة سلكت هذه الطَّريقة ، وأفاضت بالبيان العلمي بعد كتابة الشَّيخ مبارك ، إلاَّ "بيان" الشَّيخ بلقاسم هذا فكانت من فرائد المقالات العلميَّة ، في ذلك العهد .

الحواشي :
(1) : وقد كان هذا وأمثاله سببًا رئيسًا في بقاء النَّاس على الضَّلالات ، بمعارضتهم للعلماء ومدافعتهم عن الشِّرك ، فضلُّوا وأضلُّوا كثيرًا ، وقد شكا العلماء أمثال هؤلاء ممَّن ينتسبون إلى الأزهر ، قال الإبراهيمي عن هذه الطَّائفة المضلّلة الَّتي قفلت من الأزهر ، وأثرها السَّيِّء في الأمَّة : " فزادوها قرحًا على قرح ، وكانوا ضغثًا على إبَّالة ..." انظر "السِّجل" (ص:49)
(2) : وقد كتب الإبراهيمي ، يخاطب كتَّاب "البصائر" ، ويدلُّهم على مواضه الكتابة النَّافعة ، فقال :" أمَّا أقلام كتَّاب "البصائر" فيجب أن تشرح الحقائق الكليَّة من دينيَّة وعلميَّة ، وتبيَّن الحقَّ بدلائله وشواهده ، وتسميَّة باسمه ، وتشرح الباطل وتفضحه لشبهاته ، وأوهامه بما نعهده فيها من نصرة الحقِّ والغضب له ... " الخ وصاياه ["الآثار" (1/210)] ، كما دعاهم إلى توحيد الجهود كلِّها إلى بيان هذه الحقائق بالدُّروس والمحاضرات والكتابة ، وقد كان من آمال الشَّيخ أن يسهم تلاميذ الجمعيَّة وجميع أعضائها مساهمة قيِّمة في الأبحاث العلميَّة (1/193) ، بل الإبراهيمي ذكر في أعمال الجمعيَّة ومقاصدها ، أنَّها تعهد إلى طائفة من كتَّابها أنْ يكتب كلُّ واحد في الفرع الَّذي يتقنه من فروع العلم النَّافعة على طريقة البحث العلمي (1/88)
(3) : "آثار الإبراهيمي" (1/123)
(4) : كما تناول موضوع النَّذر لارتباطه بالزَّردة ،وهو ما يعرف عند العامَّة بــ "الوعْدة" ، وقد تناوله الشَّيخ مبارك أيضًا بالبحث
(5) : وكأنَّ هذا البيان الَّذي حرَّره : عوْدٌ على ما كتبه الشَّيخ مبارك ، وحدَّ خطوطه العريضة وذلك بتكثير الشَّواهد عليه من كلام العلماء السَّابقين لهذا العصر الحاضر
(6) : انظر (ص:15) من "رسالة الشِّرك"
(7) : ما أشار إليه الشَّيخ مبارك من المنقول عن رسالة الصَّنعاني ، موجود في "صيانة الإنسان عن وسوسة الشَّيخ دحلان" للسَّهسواني – الطَّبعة الثَّالثة 1378هــ ، المطبعة السَّلفيَّة – القاهرة ، من (الصَّفحة:150) إلى (ص:152) ، وقد اختار منها مواضع نقلها ، مع اختصار (حذف) كما أشار مصحِّح الكتاب الشَّيخ رشيد رضا ، وليس منها (أي تلك النُّبذ المنقولة) ما أطلع عليه بلقاسم قرَّاءَه
(8) : هو كتاب "الدُّرّ النَّضيد في إخلاص كلمة التَّوحيد" ، نقل منه السَّهسواني مواضع كثيرة من (ص:152) إلى (ص:182) .