كيف تاجر مصممو الازياء بعذابات الفقراء و المساكين
07-11-2013, 10:12 AM
آه لو كنت أفهم في صرعات الأزياء أيام الدراسة لكنت قد أسقطت بالضربة القاضية المحنة التي مررت بها لأكثر من عام ولجنـّبت نفسي كماً هائلاً من المعاناة والإحراج والمتاعب وسهر الليالي والتفكير والبحث بـ(سراج وفتيلة) عن خياطي الملابس المهترئة في شوارع وحارات المدينة ،ولكنت تفاخرت بأنني سابق لعصري وبأنني قريب من أفكار وتصاميم المصممين العظام من أمثال فيرساتشي وغوتشي وبوص وأيف سان لوران وغيرهم. لكنني لسوء الحظ كنت، لو سُئلت في ذلك الوقت العجيف عن أسماء هؤلاء المصممين في مسابقة تلفزيونية، لقلت إنهم صحفيون أو كتاب غربيون من باب التذاكي تفادياً للإحراج والظهور بمظهر الغشيم الذي لا يفقه في بيوت الموضة وأعلامها الكبار. لكن من قلة الحيلة والتفكير الدائم بالحصول على لقمة خبز او قلم سيلا في تلك الأيام الخوالي لم أعر صرعات الموضة أي اهتمام يُذكر، فسد الرمق وستر الجسد بأي نوع من القماش، حتى لو كان خيشاً، كان أهم بألف مرة من الانشغال بمن صمم هذا الزي العجيب أو ذاك.
آه.. لو أطلق فالنتينو وليفايز ورانغلر وبوص وغانت وبول أند شارك وكالفن كلاين وغيرهم من مصممي بناطيل الجينز المشاهير صرعة السراويل الممزقة عند الركبة في ذلك الوقت لكانوا قد أنقذوني من عذاب أليم لازمني شهوراً بلياليها ولبقيت مديناً لهم طوال عمري لأنهم يكونون بذلك قد حولوا نقمتي إلى نعمة ومصيبتي إلى فرج وتخلفي إلى «حضارة». فقد شاءت الأقدار ذات يوم أن اشتري بنطال جديدا بعد ان اهترئة البناطيل التي كنت أشتريها من محلات ( الشيفون او البالة) التي تبيع الملابس المستعملة بدراهم معدودة تمكنت وقتها بقدرة قادر من توفير ثمنه بعد عمل مرير في كل الأشغال الشاقة. وشعرت عندها أنني «فوق القمر» كما يقول الانجليز للتعبير عن فرحتهم الغامرة بمقتنياتهم الجديدة. لكن فرحتي العظيمة بذاك البنطال المشؤوم لم تدم طويلاً، فمن شدة فرحتي به كنت انتظر بفارغ الصبر الإعلان عن عرس جديد في ذلك الحي العتيق الذي كنت اسكن فيه كي أرتدي البنطال وأتفاخر به للانتقام من كل الجيران المتهكمين الذين كانوا يعيرونني دائماً بملابس «البالة او الشيفون» المستعملة التي كنت أتدثر بها في ذلك الزمان اللعين. لكن (يا فرحة ما كملت) ، فلم يستطع بنطالي الجديد أن يصمد أمام عيون أهالي الحي العتيق الحسودة ،فقد قصفوه بقذيفة حسد من العيار الثقيل جعلته يتمزق من عند الركبة وأنا عائد برفقة صديق من العرس ليلاً بعد سقوطي في حفرة لعينة كانوا قد حفروها للتو من أجل تركيب عامود كهرباء لإنارة الحي المظلمة ولتصبح فيما بعد كميناً للبؤساء المتعوسين من أمثالي
وكانت مصيبتي في تلك الأثناء المأساوية التاريخية مصيبة ما بعدها مصيبة ربما تعادل سقوط برلين بالنسبة لهتلر، وانهيار الاتحاد السوفيياتي بالنسبة للرفاق، و النكسة بنسبة للعرب ، فلا تبخسوا السراويل حقها يا أهل الزمان! فقد كنت أخطط للتباهي بالبنطال المسكين بين زملائي في الثانوية ودخول قاعة القسم بكل ثقة واعتزاز لو لا المصيبة خاصة أنني كنت من قبل في شدة الإحراج وأنا أدخل القسم مرتدياً بنطالاً ضيق قليلا لم أكن أعرف إذا كان رجالياً أم نسائياً مما جعلني أسلك الممرات الضيقة في حرم الثانوية وأنزوي في آخر القاعة بالقرب من الحائط كي لا يرى بنطالي أحد. آه منك يا موسكينو لماذا لم يتفتق ذهنك عن تصميم بناطيل عصرية أنيقة ممزقة في أكثر من مكان في ذلك الزمان المشين كما تفعل هذه الأيام لكنت وفرت علي زيارة عشرات المختصين بترقيع الملابس الرثة في شوارع مدينة القديمة الذين كانوا يبتزونني، إما بتصوير محنة بنطالي بأنها صعبة للغاية وتكاد تستعصي على القطع الصغيرة التي كانوا يستطيعون بها ترميم وإخفاء أي عيب لحق بالملابس، أو بطلب مبلغ كبير لإعادة بنطالي إلى بريقه الأول قبل موقعة الحفرة المشؤومة التي أودت بحياة أكثر من خمسة سنتيمترات من قماشه وبسلسلة طويلة من الأحلام الوردية المفرطة في التفاؤل التي كنت أعلقها على هذا الاستثمار البنطالوني طويل الأجل
لأن خائب الرجاء يعضه الكلب لو كان راكباً على الجمل، ومما زاد في الطنبور نغماً تداعت المآسي على غرار نظرية الدومينو، فقد اتسع الرقع على الراقع في حالتي المستعصية حيث أخفقت الخيطان التي استخدمها الخياط في رتق الثغرة الممزقة، فازداد منظر البنطال تشوهاً وعادت حليمة لعادتها القديمة تتعذب من مظهر ملابسها الرديئة. فما الفرق بين بنطال مستعمل وبنطال مرقوع؟ الثاني قد يكون أسوء بكثير لأن الثياب المرقوعة لا يرتديها إلا المعوزون والفقراء والمحتاجون،أما البنطلون المستعمل فعلى الأقل من الصعب تمييزها عن الجديدة أحياناً. وهذا ما كنت أحاول التحايل عليه بكل السبل والوسائل القليلة المتاحة في وسط كان يتباهى فيه بعض الطلبة والطالبات بتغيير ملابسهم بين الصباح و المساء فما بالك أن يلبسوا نفس القطعة طوال العام الدراسي. كم كنت أحلم ألا أعود للجلوس في آخر القاعة بجانب ذلك الحائط المظلم كي لا يرى الطلاب والطالبات بنطالي التعيس. لكنني لم أجد بداً من العودة إلى الزوايا المعتمة في القاعة. وعندما كنت أرى بعض العيون الفاحصة ستحدق في بنطالي المرقوع كنت أهم بوضع يدي على الرقع متظاهراً بأن وجعا ألمّ بركبتي. لماذا كل هذا العك والعناء يا مصممي الأزياء الميامين! أين غيرتكم على الفقراء والمحتاجين؟
كم أضحك في سري وأتعجب هذه الأيام وأنا أرى فتيات وفتياناً كثيرين يتباهون ببناطيلهم المثقوبة من كل حدب وصوب أو المفتوقة قصداً قماشاً ولوناً! وكم أتعجب في هذا الزمان وأنا أشاهد في المحلات الفاخرة بنطالاً كالح اللون ومليئاً بالبقع التي تشبه بقع الشحم وزيت السيارات وكان يمكن أن أرفض ارتداءه حتى أثناء موسم الحصاد وقد بلغ سعره مئات اليوروهات ، ناهيك عن أنه يتصدر واجهة المحل كما لو كان لوحة فنية فانكوخية عظيمة علماً أنه أشبه بالسراويل التي يرتديها «الميكانيسيان» في محطات تشحيم السيارات لكثرة ما علق به من شحوم وزيوت! آه.. كيف انقلبت الأذواق والموازين فأصبحت السراويل الممزقة عند الركبتين موضة جمالية بامتياز بينما كنت أنا ألوذ بالزوايا المظلمة وأفعل المستحيل كي أخفي ما انفتق من بنطالي الوحيد. فلم تعد الموضة أن ترتدي بزة ذات قماش راق ومظهر أخاذ وبراق بل أن تلبس ثياباً غريبة عجيبة حتى لو بدت خارجة للتو من أكياس النفايات أو معثور عليها في أحد أكوام القمامة. وصار أي شيء فيه فساد للذوق وقلة أدب واحتشام وخربطة وشربكة وجنون وانفلات وألغاز صار موضة عالمية. آه من هذا البطر الرهيب الذي أوصلنا إلى التفاخر والمباهاة بثيابنا المشوهة عن عمد والتبختر بها في الأسواق والمدارس و الشوارع الطويلة والعريضة كما لو كانت فتحاً جمالياً عظيماً أو قطعاً فنية عز نظيرها! شكراً لكم يا مصممين لأنكم، وعن غير قصد، ساويتم بين الأغنياء والمحتاجين، فقط من خلال الثياب المفتوقة والمرقـّعة، حتى لو تاجرتم بعذابات الفقراء والمساكين والمحرومين
للمتابعة عبر حسابي في الفيسبوك
https://www.facebook.com/Benaceur.Houari01
قال العلامة المفكر مالك بن نبي -رحمه الله - : الأُمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها .
https://www.facebook.com/Benaceur.Houari01
قال العلامة المفكر مالك بن نبي -رحمه الله - : الأُمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها .







