في مكتبة الكونغرس:نسخ قيّمة من القرآن الكريم
22-12-2013, 10:40 AM
في مكتبة الكونغرس الأمريكي:نسخ قيّمة من القرآن الكريم ومخطوطات عربية في الفقه الإسلامي مجموعات نادرة من جلود الكتب تجسّد فن التجليد الإسلامي
دخلت الولايات المتحدة ميدان المخطوطات العربية والإسلامية متأخرة من حيث الزمن، وكانت أوروبا سباقة في هذا الميدان إذ نجد في مكتباتها مخطوطات جد نفيسة اقتنتها بوسائل مختلفة منذ أجيال عديدة يعود بعضها إلى القرن السادس عشر.
بحلول القرن العشرين بدأ بعض الأفراد في الولايات المتحدة يهتمون بدراسة الشرق الأوسط حباً بالمعرفة، وبدأت بعض الجامعات في إدخال برامج دراسية عن الحضارة العربية والإسلامية. ووافق ذلك اهتمام بالمخطوطات لما فيها من معارف وفنون تعكس المستوى الحضاري المتقدم الذي وصلت إليه البلدان العربية والإسلامية في عهود ازدهارها. وقد تمكنت المكتبات الأميركية من الحصول على العديد منها ويمكننا القول: إن المخطوطات المكتوبة بالخط العربي يزيد عددها عن العشرين ألفاً منتشرة بين المكتبات الجامعية والعامة وفي المتاحف وعند عدد من الأثرياء أو الباحثين المهتمين بشؤون الشرق الأوسط.
ويعدّد «توماس مارتن» في كتابه «مجاميع المخطوطات الإسلامية في أميركا الشمالية» أسماء مئة وتسع من المؤسسات الجامعية والمتحفية التي تمتلك مخطوطات إسلامية وعربية وفارسية وتركية، أكثريتها الساحقة عربية، كما يوجد عدد كبير من المخطوطات المصورة على الميكروفيلم، وهناك عدد من المكتبات الجامعية، حيث توجد دراسات شرق أوسطية، تقتني مجموعة ممتازة ونادرة، بعضها قديمة العهد وبعضها بخط مؤلفيها، وبعضها الآخر في منتهى الوضوح والنقاء.
* التراث الفكري العربي في الجامعات الأمريكية:
تشير الدراسات إلى أن الباحثين الأميركيين، وهم قليلو العدد، بدؤوا في جمع التراث العربي عن طريق الشراء منذ أوائل القرن التاسع عشر. ونذكر من هؤلاء على سبيل المثال: وليم بنتلي (1759 – 1819م)؛ ولكن لم تتصاعد عملية شراء المخطوطات وتجميعها حتى الربع الثاني من القرن العشرين مما أعطى الولايات المتحدة مجموعات نادرة قد لا تقل شأناً عن المجموعات الموجودة في أوروبا.
وتمتلك جامعة برنستون أكبر عدد من المخطوطات العربية والإسلامية، وفيها العديد من نوادر المخطوطات من حيث القِدم ومن حيث الناحية الفنية، إما لأنها مكتوبة بخطوط مؤلفيها أو لكونها مزوقة ومذهبة. ويعود الكثير من الفضل في اقتناء هذه المجموعة وفهرستها إلى الدكتور فيليب حتي، اللبناني الأصلي والذي كان أول من شق ا لطريق إلى إدخال الدراسات العربية إلى البرامج الأكاديمية للجامعات الأميركية كأحد حقول الاختصاص، ومن بين مخطوطات برنستون النفيسة «شرح الاصطرلاب» للطوسي ومجموعة تشتمل على 113 رسالة في العلوم الرياضية والمواقيت وأحكام النجوم والهندسة وصناعة الساعات الظلية، ومنها أيضاً كتاب «النيازك» لأرسطوطاليس نقله إلى العربية حنين بن إسحق. وفي مكتبة جامعة يايل مخطوطات قديمة جداً مثل «فتوح البلدان» للبلاذري، وهي نسخة غير منقوطة من القرن الخامس الهجري، ومصحف بخط رفيع جداً بالغ الصغر بقلم ياقوت المستعصمي تاريخها 1261م. وعلى الإجمال فإن في أكثر الجامعات والمتاحف التي تهتم بالدراسات الشرق أوسطية مجموعات مختلفة من المخطوطات.
* نوادر المخطوطات في مكتبة الكونغرس:
وتقتني مكتبة الكونغرس الأميركي حوالي 1700 مخطوطة عربية وحوالي ثلاثمائة مخطوطة فارسية وتركية، كما تقتني مجموعة نادرة من جلود الكتب من أزمنة مختلفة. ويمكننا أن نقول إن هذه المجموعة النادرة هي أكبر مساعدة لمن يريد دراسة فن التجليد في الحضارة الإسلامية، فمنها العادي ومنها المزوّق والمذهّب والمزخرف بالمينا.
ويعود مصدر أكثر المخطوطات العربية في مكتبة الكونغرس إلى سنة 1945 عندما قررت المكتبة إنشاء قسم خاص بالشرق الأوسط على إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وتزايد الاهتمام بشؤون هذه المنطقة، وقد اشترت المكتبة مجموعة من المؤلفات القيّمة كان يقتنيها الأستاذ الأزهري محمود الإمام المنصوري.
وكانت المجموعة تحتوي على نحو 1300 مخطوطة في أكثر حقول المعرفة. لكن الكثير من تلك المخطوطات كان في الفقه الإسلامي، وأما بقية المخطوطات فمصادرها مختلفة منها قسم حصلت عليه بالشراء والقسم الآخر بالإهداء.
وتحتوي المخطوطات العربية على عدد من الكتب النادرة والقديمة، منها نسخة من القرآن الكريم على جلد الغزال تعود إلى القرن الرابع أو الخامس الهجري، ويعود عدد من المخطوطات إلى القرن الثامن الهجري ككتاب «تفسير القرآن» لأبي الليث نصر بن محمد السمرقندي منسوخة سنة 692هـ/1293م، وكتاب «في معرفة أنواع الحديث» لابن صلاح نُسخت سنة 1354، و«صور الكواكب» للصوفي منسوخة لأولوغ بك.
* الخط العربي: أصالة وفن وجمال:
ومن أبرز مقتنيات مكتبة الكونغرس الأميركي من المخطوطات النادرة مصحف يشتمل على بعض أجزاء القرآن الكريم بخط الشيخ ياقوت حمد الله الأماسي (1433-1520م)، وهي نسخة نادرة من حيث جمالها ووضعها الخاص بين المخطوطات التي تقتنيها المكتبة.
ولكن قبل أن نأتي على وصف هذا المخطوط النادر لا بد وأن نلقي نظرة سريعة على دور الشيخ حمد الله في تطوير الخط العربي وتقدمه في الفن الإسلامي، فمن المعروف أن أول من أدخل إصلاحات كبرى على القلم الكوفي الذي كانت تُكتب به العربية كان «ابن مقلة» الذي يُعتقد أنه توفي سنة 940م، إذ حوّل الخط المربع الشكل إلى خط ليّن متزن، وتبعه «ابن البواب» الذي يُعتقد أنه توفي سنة 1022م، الذي أكمل ما بدأه ابن مقلة. ويأتي في شجرة الخطاطين بعد هؤلاء «ياقوت المستعصمي» الذي يُعتقد أنه توفي عام 1298م، وقد عاش في زمن آخر خلفاء العباسيين ولعب دوراً مهماً في تطوير الخط العربي وتجويده مضيفاً عليه جمالاً بالغاً من الكمال والحُسن، ويُنسب إليه شذب القلم بطريقة تجعل جرّته الثخينة منها والرفيعة أكثر تميزاً وأشد روعة.
وتبعه في شجرة كبار الخطاطين الشيخ «حمد الله الأماسي» الرائد الأكبر للخطاطين الأتراك، وفي دراسة قيّمة للدكتور «جورج عطية» رئيس قسم الشرق الأوسط بمكتبة الكونغرس، يعدّ ظهور الشيخ حمد الله في تركيا فاتحة عهد جديد في فن الخط استمر طويلاً حتى يومنا هذا.
* حمد الله الأتاسي: المؤسس الأول لمدرسة الخط العثماني:
وكان الشيخ أستاذاً في الأقلام الستة، الثلث، النسخ، المحقق، الريحان، التوقيع، الرقاع. وقضى عمره في كتابة العديد من المصاحف التي بلغ عددها سبعة وأربعين مصحفاً، كما كتب العديد من الأنعام الشريفة وأجزاء من القرآن الكريم ومجاميع الدعاء والطومار والمرقعات وغير ذلك.
وكان الشيخ حمد الله مالكاً للحسِّ الجمالي شأنه في ذلك شأن ياقوت المستعصمي، ويمكننا أن نقول إنه المؤسس الأول للمدرسة التركية العثمانية في الخطوط ويقال إن السلطان العثماني بايزيد الثاني قبل توليه العرش وعندما كان أميراً وحاكماً لأماسيا طلب من الشيخ أن يبتكر قلماً يكون خاصاً بالأتراك فاعتزل الناس لمدة أربعين يوماً وعاد بعد ذلك بالأقلام التي أصبحت مثالاً ومنهاجاً لكل الخطاطين من بعده، فالشيخ هو أول من جعل من الخط فناً قائماً بذاته وليس مجرد أداة للكتابة، وأصبحت الكتابة بعده «فن الخط» واتصفت بالجمال المنبثق من البساطة.
فحتى عهده كنا نرى مثلاً أن الحروف التي تخط من أعلى إلى أسفل (ا،ك،ل) لم تكن متوازية بينما نراها عند الشيخ متوازية دائماً، وهكذا أزال من الخط الضعف والتفاوت غير المتناغم الذي كان يتصف به خط المستعصمي. فالكتابة التي كان يخطها تظهر الانضباط الشديد والدقة ولكنها تبدو وكأنها منسابة بدون أي جهد وبكل نعومة ورقّة، فتلك الحروف الطويلة والمبالغ فيها تساعد في الحقيقة على إظهار شكل متناغم مما يعزز من حركة الخط وتظهر المصاحف التي خطها الشيخ حمد الله لقلم النسخ في عهد بايزيد الثاني (1481-1512) غنية بالزخرفة ولا شك أن الشيخ كان على رأس العاملين في تطوير الزخرفة في المصاحف التركية.
* نسخة مصحف فريدة الخط والزخرفة:
ولعل أكثر ما خطّه الشيخ حمد الله يوجد الآن في مكتبة سراي طوبقابي في اسطنبول ويوجد بعضها في انجلترا وإيرلندا، ومن المرجح أن نسخة المصحف المحتوي على أجزاء من القرآن الكريم الموجودة في مكتبة الكونغرس ربما وصلتها بواسطة أحد تجار الكتب والعاديات في باريس، في أواخر العشرينات.
وقد حصل على مجموعات من الصحائف والمخطوطات الجميلة من مصادر مختلفة باع بعضها وأهدى البعض الآخر إلى مكتبة الكونغرس، وتدل سجلات المكتبة على أن عدد القطع المختلفة التي قدمها التاجر بلغت حوالي 300 قطعة من بينها أربعون مخطوطة.
جدير بالذكر أن المصحف المذكور بقي مدة طويلة قبل أن يعطيه أحد الاهتمام اللازم. وقد تغيّر هذا الوضع الآن، إذ بدأ الاهتمام به من قبل بعض مؤرخي الفن عندما عُرض في معرض مكتبة الكونغرس عن «الكتاب في العالم الإسلامي» ومن ثم في متحف ساكلر التابع لمعهد سميثونيان في واشنطن.
والمشكلة الرئيسية التي واجهت التأكد من نسبة المصحف إلى الشيخ حمد الله هو كون البيانات في نهايتها مطموسة فكأن أحداً حاول حكّها ومحوها بشكل متعمد. ولذلك كان لا بد من محاولة قراءتها بطريقة علمية فصوّرت المساحة المتضررة باستعمال فيلم ذي أشعة فوق حمراء سريعة حوّرت طريقة التحميض لكي تصل إلى درجة عليا من الدكونة والضياء في الصورة الفوتوغرافية فظهرت الحروف بشكل يمكن التعرف عليها بسهولة أكثر.
فظهر الحرف (ك) وكلمة (حمد) و(ألف) الله و(نون) ابن وكلمة (الشيخ) كاملة. وقد كان الخطاطون القدماء كثيراً ما يعرّفون أنفسهم في نهايات أعمالهم هكذا مثلاً: «كتبه حمد الله المعروف بابن الشيخ» على أن ما يزيد في تثبيت نسبة العمل إلى الشيخ حمد الله هو المقدمة الجميلة جداً المهداة لفيروز آغا خزندار.
والمعروف أن فيروز آغا خزندار في عهد بايزيد الثاني كان راعياً لأهل الفن والخطاطين خصوصاً للشيخ حمد الله الذي كان السلطان بايزيد الثاني يعزه ويحترمه وهو الذي جلبه من أماسيا إلى القصر في اسطنبول، ويدل الإهداء على متانة العلاقة بين فيروز آغا والشيخ حمد الله كما يدل على أن الشيخ حمد الله هو الخطاط أو على الأقل المشرف على إخراج المصحف الجميل في معمل القصر. كما وأن هذا كله يشير بقوة إلى أن تاريخ المخطوطة يعود إلى أواخر القرن الخامس عشر أو أوائل القرن السادس عشر وهي الفترة التي كان فيروز آغا يحتل أثناءها وظيفة الخزندار في القصر.
وتتألف مخطوطة المصحف هذه من 66 ورقة (131 صفحة) يمكن تقسيم بنيتها الفنية إلى أربعة أقسام رئيسية: الإهداء والفاتحة يحتويها القسم الأول: سورة الأنعام وسورة الكهف يحتويهما القسم الثاني: سورة سبأ والملائكة (فاطر) يحتويهما القسم الثالث، وأما القسم الأخير فيحتوي على سورتي يس وفتح.
وكون المصحف يحتوي على أجزاء فقط من القرآن الكريم ليس بالأمر المستغرب، فمن المعروف أن الشيخ حمد الله كان من عادته أن يفعل ذلك ويجرب طرقاً وأساليب عديدة في اتجاهه نحو الجودة والكمال، وأما الإهداء والفاتحة فهما من أجمل ما وضع من الزخرفة والتزايين الإسلامية.
فالإهداء مكتوب بخط الثلث الذي أجاده وحسّنه الشيخ حمد الله على أرضية زرقاء تبهر النظر ذات ألوان متدرجة في الزرقة من غامقة وفاتحة وأكثر فتوحة ومزخرفة بتزايين ورقية على أشكال تتداخل مع التزايين الورقية بحركات متناغمة ضمن جدول ذهبي.
وأما الفاتحة فأرضيتها ذهبية ومكتوبة بخط الثلث بماء الذهب وعليها زخارف ورقية تؤلف أشكالاً دائرية متداخلة، ويتغير أسلوب المخطوطة في القسم الثاني وما بعده، فهذا القسم مكتوب بالخط المحقق الكبير وسبعة أسطر في الصفحة. وأما القسمان الثالث والرابع فمكتوبان بالخطر الريحاني وكلها من الأقلام التي طورها وحسّنها الشيخ حمد الله. وزخرفت مساحات النص بأربعة هوامش ذهبية، في أول القسم الثالث، متناظرة طولية الشكل وبأشكال متنوعة.
ولكن أهم ما في المخطوطة من الناحية الفنية فهو الإهداء والمقدمة الفائقة الجمال، وفي نظر بعض مؤرخي الفن الإسلامي الذين شاهدوا الإهداء استنتجوا بسبب ألوانه وأشكاله إنه المثيل الذي احتذاه الفنانون الإسلاميون في تزويق وزخرفة الفن الخزفي المتميز باستعمال الألوان الزرقاء والأشكال الورقية.
المصادر:
- المخطوطات العربية في مكتبة الكونغرس الأمريكي: د. جورج عطية – المجال – 1957..
- مخطوطة نادرة للمصحف الشريف: دليل متحف ساكلر – واشنطن..
- محمد مروان مراد
دخلت الولايات المتحدة ميدان المخطوطات العربية والإسلامية متأخرة من حيث الزمن، وكانت أوروبا سباقة في هذا الميدان إذ نجد في مكتباتها مخطوطات جد نفيسة اقتنتها بوسائل مختلفة منذ أجيال عديدة يعود بعضها إلى القرن السادس عشر.
بحلول القرن العشرين بدأ بعض الأفراد في الولايات المتحدة يهتمون بدراسة الشرق الأوسط حباً بالمعرفة، وبدأت بعض الجامعات في إدخال برامج دراسية عن الحضارة العربية والإسلامية. ووافق ذلك اهتمام بالمخطوطات لما فيها من معارف وفنون تعكس المستوى الحضاري المتقدم الذي وصلت إليه البلدان العربية والإسلامية في عهود ازدهارها. وقد تمكنت المكتبات الأميركية من الحصول على العديد منها ويمكننا القول: إن المخطوطات المكتوبة بالخط العربي يزيد عددها عن العشرين ألفاً منتشرة بين المكتبات الجامعية والعامة وفي المتاحف وعند عدد من الأثرياء أو الباحثين المهتمين بشؤون الشرق الأوسط.
ويعدّد «توماس مارتن» في كتابه «مجاميع المخطوطات الإسلامية في أميركا الشمالية» أسماء مئة وتسع من المؤسسات الجامعية والمتحفية التي تمتلك مخطوطات إسلامية وعربية وفارسية وتركية، أكثريتها الساحقة عربية، كما يوجد عدد كبير من المخطوطات المصورة على الميكروفيلم، وهناك عدد من المكتبات الجامعية، حيث توجد دراسات شرق أوسطية، تقتني مجموعة ممتازة ونادرة، بعضها قديمة العهد وبعضها بخط مؤلفيها، وبعضها الآخر في منتهى الوضوح والنقاء.
* التراث الفكري العربي في الجامعات الأمريكية:
تشير الدراسات إلى أن الباحثين الأميركيين، وهم قليلو العدد، بدؤوا في جمع التراث العربي عن طريق الشراء منذ أوائل القرن التاسع عشر. ونذكر من هؤلاء على سبيل المثال: وليم بنتلي (1759 – 1819م)؛ ولكن لم تتصاعد عملية شراء المخطوطات وتجميعها حتى الربع الثاني من القرن العشرين مما أعطى الولايات المتحدة مجموعات نادرة قد لا تقل شأناً عن المجموعات الموجودة في أوروبا.
وتمتلك جامعة برنستون أكبر عدد من المخطوطات العربية والإسلامية، وفيها العديد من نوادر المخطوطات من حيث القِدم ومن حيث الناحية الفنية، إما لأنها مكتوبة بخطوط مؤلفيها أو لكونها مزوقة ومذهبة. ويعود الكثير من الفضل في اقتناء هذه المجموعة وفهرستها إلى الدكتور فيليب حتي، اللبناني الأصلي والذي كان أول من شق ا لطريق إلى إدخال الدراسات العربية إلى البرامج الأكاديمية للجامعات الأميركية كأحد حقول الاختصاص، ومن بين مخطوطات برنستون النفيسة «شرح الاصطرلاب» للطوسي ومجموعة تشتمل على 113 رسالة في العلوم الرياضية والمواقيت وأحكام النجوم والهندسة وصناعة الساعات الظلية، ومنها أيضاً كتاب «النيازك» لأرسطوطاليس نقله إلى العربية حنين بن إسحق. وفي مكتبة جامعة يايل مخطوطات قديمة جداً مثل «فتوح البلدان» للبلاذري، وهي نسخة غير منقوطة من القرن الخامس الهجري، ومصحف بخط رفيع جداً بالغ الصغر بقلم ياقوت المستعصمي تاريخها 1261م. وعلى الإجمال فإن في أكثر الجامعات والمتاحف التي تهتم بالدراسات الشرق أوسطية مجموعات مختلفة من المخطوطات.
* نوادر المخطوطات في مكتبة الكونغرس:
وتقتني مكتبة الكونغرس الأميركي حوالي 1700 مخطوطة عربية وحوالي ثلاثمائة مخطوطة فارسية وتركية، كما تقتني مجموعة نادرة من جلود الكتب من أزمنة مختلفة. ويمكننا أن نقول إن هذه المجموعة النادرة هي أكبر مساعدة لمن يريد دراسة فن التجليد في الحضارة الإسلامية، فمنها العادي ومنها المزوّق والمذهّب والمزخرف بالمينا.
ويعود مصدر أكثر المخطوطات العربية في مكتبة الكونغرس إلى سنة 1945 عندما قررت المكتبة إنشاء قسم خاص بالشرق الأوسط على إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وتزايد الاهتمام بشؤون هذه المنطقة، وقد اشترت المكتبة مجموعة من المؤلفات القيّمة كان يقتنيها الأستاذ الأزهري محمود الإمام المنصوري.
وكانت المجموعة تحتوي على نحو 1300 مخطوطة في أكثر حقول المعرفة. لكن الكثير من تلك المخطوطات كان في الفقه الإسلامي، وأما بقية المخطوطات فمصادرها مختلفة منها قسم حصلت عليه بالشراء والقسم الآخر بالإهداء.
وتحتوي المخطوطات العربية على عدد من الكتب النادرة والقديمة، منها نسخة من القرآن الكريم على جلد الغزال تعود إلى القرن الرابع أو الخامس الهجري، ويعود عدد من المخطوطات إلى القرن الثامن الهجري ككتاب «تفسير القرآن» لأبي الليث نصر بن محمد السمرقندي منسوخة سنة 692هـ/1293م، وكتاب «في معرفة أنواع الحديث» لابن صلاح نُسخت سنة 1354، و«صور الكواكب» للصوفي منسوخة لأولوغ بك.
* الخط العربي: أصالة وفن وجمال:
ومن أبرز مقتنيات مكتبة الكونغرس الأميركي من المخطوطات النادرة مصحف يشتمل على بعض أجزاء القرآن الكريم بخط الشيخ ياقوت حمد الله الأماسي (1433-1520م)، وهي نسخة نادرة من حيث جمالها ووضعها الخاص بين المخطوطات التي تقتنيها المكتبة.
ولكن قبل أن نأتي على وصف هذا المخطوط النادر لا بد وأن نلقي نظرة سريعة على دور الشيخ حمد الله في تطوير الخط العربي وتقدمه في الفن الإسلامي، فمن المعروف أن أول من أدخل إصلاحات كبرى على القلم الكوفي الذي كانت تُكتب به العربية كان «ابن مقلة» الذي يُعتقد أنه توفي سنة 940م، إذ حوّل الخط المربع الشكل إلى خط ليّن متزن، وتبعه «ابن البواب» الذي يُعتقد أنه توفي سنة 1022م، الذي أكمل ما بدأه ابن مقلة. ويأتي في شجرة الخطاطين بعد هؤلاء «ياقوت المستعصمي» الذي يُعتقد أنه توفي عام 1298م، وقد عاش في زمن آخر خلفاء العباسيين ولعب دوراً مهماً في تطوير الخط العربي وتجويده مضيفاً عليه جمالاً بالغاً من الكمال والحُسن، ويُنسب إليه شذب القلم بطريقة تجعل جرّته الثخينة منها والرفيعة أكثر تميزاً وأشد روعة.
وتبعه في شجرة كبار الخطاطين الشيخ «حمد الله الأماسي» الرائد الأكبر للخطاطين الأتراك، وفي دراسة قيّمة للدكتور «جورج عطية» رئيس قسم الشرق الأوسط بمكتبة الكونغرس، يعدّ ظهور الشيخ حمد الله في تركيا فاتحة عهد جديد في فن الخط استمر طويلاً حتى يومنا هذا.
* حمد الله الأتاسي: المؤسس الأول لمدرسة الخط العثماني:
وكان الشيخ أستاذاً في الأقلام الستة، الثلث، النسخ، المحقق، الريحان، التوقيع، الرقاع. وقضى عمره في كتابة العديد من المصاحف التي بلغ عددها سبعة وأربعين مصحفاً، كما كتب العديد من الأنعام الشريفة وأجزاء من القرآن الكريم ومجاميع الدعاء والطومار والمرقعات وغير ذلك.
وكان الشيخ حمد الله مالكاً للحسِّ الجمالي شأنه في ذلك شأن ياقوت المستعصمي، ويمكننا أن نقول إنه المؤسس الأول للمدرسة التركية العثمانية في الخطوط ويقال إن السلطان العثماني بايزيد الثاني قبل توليه العرش وعندما كان أميراً وحاكماً لأماسيا طلب من الشيخ أن يبتكر قلماً يكون خاصاً بالأتراك فاعتزل الناس لمدة أربعين يوماً وعاد بعد ذلك بالأقلام التي أصبحت مثالاً ومنهاجاً لكل الخطاطين من بعده، فالشيخ هو أول من جعل من الخط فناً قائماً بذاته وليس مجرد أداة للكتابة، وأصبحت الكتابة بعده «فن الخط» واتصفت بالجمال المنبثق من البساطة.
فحتى عهده كنا نرى مثلاً أن الحروف التي تخط من أعلى إلى أسفل (ا،ك،ل) لم تكن متوازية بينما نراها عند الشيخ متوازية دائماً، وهكذا أزال من الخط الضعف والتفاوت غير المتناغم الذي كان يتصف به خط المستعصمي. فالكتابة التي كان يخطها تظهر الانضباط الشديد والدقة ولكنها تبدو وكأنها منسابة بدون أي جهد وبكل نعومة ورقّة، فتلك الحروف الطويلة والمبالغ فيها تساعد في الحقيقة على إظهار شكل متناغم مما يعزز من حركة الخط وتظهر المصاحف التي خطها الشيخ حمد الله لقلم النسخ في عهد بايزيد الثاني (1481-1512) غنية بالزخرفة ولا شك أن الشيخ كان على رأس العاملين في تطوير الزخرفة في المصاحف التركية.
* نسخة مصحف فريدة الخط والزخرفة:
ولعل أكثر ما خطّه الشيخ حمد الله يوجد الآن في مكتبة سراي طوبقابي في اسطنبول ويوجد بعضها في انجلترا وإيرلندا، ومن المرجح أن نسخة المصحف المحتوي على أجزاء من القرآن الكريم الموجودة في مكتبة الكونغرس ربما وصلتها بواسطة أحد تجار الكتب والعاديات في باريس، في أواخر العشرينات.
وقد حصل على مجموعات من الصحائف والمخطوطات الجميلة من مصادر مختلفة باع بعضها وأهدى البعض الآخر إلى مكتبة الكونغرس، وتدل سجلات المكتبة على أن عدد القطع المختلفة التي قدمها التاجر بلغت حوالي 300 قطعة من بينها أربعون مخطوطة.
جدير بالذكر أن المصحف المذكور بقي مدة طويلة قبل أن يعطيه أحد الاهتمام اللازم. وقد تغيّر هذا الوضع الآن، إذ بدأ الاهتمام به من قبل بعض مؤرخي الفن عندما عُرض في معرض مكتبة الكونغرس عن «الكتاب في العالم الإسلامي» ومن ثم في متحف ساكلر التابع لمعهد سميثونيان في واشنطن.
والمشكلة الرئيسية التي واجهت التأكد من نسبة المصحف إلى الشيخ حمد الله هو كون البيانات في نهايتها مطموسة فكأن أحداً حاول حكّها ومحوها بشكل متعمد. ولذلك كان لا بد من محاولة قراءتها بطريقة علمية فصوّرت المساحة المتضررة باستعمال فيلم ذي أشعة فوق حمراء سريعة حوّرت طريقة التحميض لكي تصل إلى درجة عليا من الدكونة والضياء في الصورة الفوتوغرافية فظهرت الحروف بشكل يمكن التعرف عليها بسهولة أكثر.
فظهر الحرف (ك) وكلمة (حمد) و(ألف) الله و(نون) ابن وكلمة (الشيخ) كاملة. وقد كان الخطاطون القدماء كثيراً ما يعرّفون أنفسهم في نهايات أعمالهم هكذا مثلاً: «كتبه حمد الله المعروف بابن الشيخ» على أن ما يزيد في تثبيت نسبة العمل إلى الشيخ حمد الله هو المقدمة الجميلة جداً المهداة لفيروز آغا خزندار.
والمعروف أن فيروز آغا خزندار في عهد بايزيد الثاني كان راعياً لأهل الفن والخطاطين خصوصاً للشيخ حمد الله الذي كان السلطان بايزيد الثاني يعزه ويحترمه وهو الذي جلبه من أماسيا إلى القصر في اسطنبول، ويدل الإهداء على متانة العلاقة بين فيروز آغا والشيخ حمد الله كما يدل على أن الشيخ حمد الله هو الخطاط أو على الأقل المشرف على إخراج المصحف الجميل في معمل القصر. كما وأن هذا كله يشير بقوة إلى أن تاريخ المخطوطة يعود إلى أواخر القرن الخامس عشر أو أوائل القرن السادس عشر وهي الفترة التي كان فيروز آغا يحتل أثناءها وظيفة الخزندار في القصر.
وتتألف مخطوطة المصحف هذه من 66 ورقة (131 صفحة) يمكن تقسيم بنيتها الفنية إلى أربعة أقسام رئيسية: الإهداء والفاتحة يحتويها القسم الأول: سورة الأنعام وسورة الكهف يحتويهما القسم الثاني: سورة سبأ والملائكة (فاطر) يحتويهما القسم الثالث، وأما القسم الأخير فيحتوي على سورتي يس وفتح.
وكون المصحف يحتوي على أجزاء فقط من القرآن الكريم ليس بالأمر المستغرب، فمن المعروف أن الشيخ حمد الله كان من عادته أن يفعل ذلك ويجرب طرقاً وأساليب عديدة في اتجاهه نحو الجودة والكمال، وأما الإهداء والفاتحة فهما من أجمل ما وضع من الزخرفة والتزايين الإسلامية.
فالإهداء مكتوب بخط الثلث الذي أجاده وحسّنه الشيخ حمد الله على أرضية زرقاء تبهر النظر ذات ألوان متدرجة في الزرقة من غامقة وفاتحة وأكثر فتوحة ومزخرفة بتزايين ورقية على أشكال تتداخل مع التزايين الورقية بحركات متناغمة ضمن جدول ذهبي.
وأما الفاتحة فأرضيتها ذهبية ومكتوبة بخط الثلث بماء الذهب وعليها زخارف ورقية تؤلف أشكالاً دائرية متداخلة، ويتغير أسلوب المخطوطة في القسم الثاني وما بعده، فهذا القسم مكتوب بالخط المحقق الكبير وسبعة أسطر في الصفحة. وأما القسمان الثالث والرابع فمكتوبان بالخطر الريحاني وكلها من الأقلام التي طورها وحسّنها الشيخ حمد الله. وزخرفت مساحات النص بأربعة هوامش ذهبية، في أول القسم الثالث، متناظرة طولية الشكل وبأشكال متنوعة.
ولكن أهم ما في المخطوطة من الناحية الفنية فهو الإهداء والمقدمة الفائقة الجمال، وفي نظر بعض مؤرخي الفن الإسلامي الذين شاهدوا الإهداء استنتجوا بسبب ألوانه وأشكاله إنه المثيل الذي احتذاه الفنانون الإسلاميون في تزويق وزخرفة الفن الخزفي المتميز باستعمال الألوان الزرقاء والأشكال الورقية.
المصادر:
- المخطوطات العربية في مكتبة الكونغرس الأمريكي: د. جورج عطية – المجال – 1957..
- مخطوطة نادرة للمصحف الشريف: دليل متحف ساكلر – واشنطن..
- محمد مروان مراد
من مواضيعي
0 التغذية: نصائح وحيل حول الأكل الصحي اهمالها قد يسبب لنا مشاكل صحية لا نعرف اين سببها؟
0 فوضى سينوفاك الصينية.. لقاح واحد و3 نتائج متضاربة
0 "نوع آخر مثير للقلق".. سلالات كورونا المتحورة تنتشر في 50 بلدا
0 إجراء تغييرات إيجابية: نصائح وحيل للتغذية السليمة ولتقوية الاعصاب
0 هل لديك وزن زائد؟ نستطيع مساعدتك
0 يؤثر نظامك الغذائي على صحتك: كيفية الحفاظ على التغذية الجيدة
0 فوضى سينوفاك الصينية.. لقاح واحد و3 نتائج متضاربة
0 "نوع آخر مثير للقلق".. سلالات كورونا المتحورة تنتشر في 50 بلدا
0 إجراء تغييرات إيجابية: نصائح وحيل للتغذية السليمة ولتقوية الاعصاب
0 هل لديك وزن زائد؟ نستطيع مساعدتك
0 يؤثر نظامك الغذائي على صحتك: كيفية الحفاظ على التغذية الجيدة







