السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(8): آداب الحوار:(ب)
08-02-2014, 01:45 PM
السلسة الذهبية في الآداب النبوية
الحلقة:(8): آداب الحوار:(ب)
الحلقة:(8): آداب الحوار:(ب)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
تحديد الأصول والمراجع عند الاختلاف:
حتى يكون النقاش مفيداً فلابد أن يكون هناك أصول يرجع إليها، والأصول التي يرجع إليها في النقاشات -وخصوصاً النقاشات العلمية- هي الكتاب والسنة بطبيعة الحال؛ لأن الله قال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى:10] وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59] فلابد أن يكون هناك تسليم بهذا، وليس إذا أتيت له بآية قال: لا.
كما قال الشيخ عبد الرحمن الصمد رحمه الله، قال: لما أراد أن يناظر واحداً من الصوفية في بلاد الشام، فدخلوا في قضية الأموات والمقبورين فقال الشيخ: هذا الميت الذي تقولون عنه إنه ولي هو بشر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وكيف يملك لكم أنتم نفعاً، كيف يملك لغيره نفعاً وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟ قال: بلى عنده ما عنده، فأتى الشيخ بالآية وقال: قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف:194] فقال ذاك الصوفي: يا ابني! هذه آية وهابية نشرك فيها.
فسبحان الله! صار القرآن مقسماً إلى قرآن وهابية، وقرآن صوفية، إنها لمصيبة! فإذاً لابد أولاً من التسليم بالمرجع، أي: لنحتكم إليه إذا تنازعنا {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59].
ولذلك لما جرت مناظرة بين الشافعي وإسحاق رحمهما الله في كراء بيوت مكة، والمسألة الأخرى؛ ما حكم تملك بيوت مكة؟ فالمهم أن الشافعي رحمه الله كان يرى جواز التملك والإجارة، ما دام أنه ملكه فليفعل فيه ما يشاء، وإسحاق كان لا يرى كراء بيوت مكة، فقال الشافعي في النقاش والحوار قال الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} [الحشر:8] فنسب الديار إلى مالكها أو إلى غير مالكها؟ الإضافة هذه (ديارهم) تدل على أن هذه ملك لهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فنسب الديار إلى أربابها أم إلى غير أربابها؟ واشترى عمر بن الخطاب داراً للسجن من مالكٍ أو من غير مالك؟ فقال إسحاق: الدليل على صحة قولي أن بعض التابعين قال: كذا كذا، فقال الشافعي لبعض الحاضرين: من هذا الذي يناقش؟ فقيل: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم، قال إسحاق: هكذا يزعمون! قال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك فكنت آمر بعرك أذنيه، يعني: لو كان غيرك أمامي لأمرت بعرك أذنيه، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: قال عطاء وطاووس والحسن، وهل لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة؟ فإذاً لابد أن يكون هناك مرجع عند الاختصام وأقصد: أصولاً وضوابط يرجع إليها لكي يكون الحوار مجدياً.
تحديد موضوع النقاش والحذر من التشعبات:
لابد من تحديد الهدف، وتحديد الهدف مسألة مهمة، والشافعي رحمه الله كان إذا ناظره إنسان في مسألة فدخل في غيرها قال: نفرغ من المسألة الأولى ثم نصير إلى ما تريد، يعني: دعنا نأخذها واحدةً واحدةً، قال الخطيب البغدادي رحمه الله في ذكر آداب الجدل والمناظرة: ويكون كلامه يسيراً جامعاً بليغاً، فإن التحفظ من الزلة مع الإقلال دون الإكثار، وفي الإكثار ما يخفي الفائدة ويضيع المقصود، ويورث الحاضرين الملل.
وقال الجويني رحمه الله: وعليك بمراعاة كلام الخصم، وتفهم معانيه على غاية الاستقصاء، فإن فيه أماناً من اضطراب ترتيب حصول الكلام عليك، فيسهل عليك عند ذلك وضع كل شيءٍ موضعه، وإن طول عليك بعباراته الطويلة فلخص من جميعها موضع الحاجة إليه فتحصرها عليه، يعني: تقول في النهاية: يا أخي! طيب وأصل كلامك ورأيك أنك تقول: كذا كذا، تلخص كلامه الطويل الذي قاله، فإن وافق على هذا التلخيص فاشرع في نقد ما قاله وتفنيده إذا كان ضد الحق بحسب ما تعلمه أنت.
فإذاً لابد من حصر موضوع النقاش؛ لأن التشعبات والنقاشات الكثيرة جداً تضيع المقصود، وتدخل في متاهات، وهذا كثيراً ما نلاحظه في الحوارات العقلية.
الإخلاص عند المناظرة:
لابد أن يتصف المحاور بالإخلاص، وأن يكون القصد وجه الله تعالى، ويخلص النية في جداله بأن يبتغي وجه الله وليس المغالبة للخصم.
الشافعي رحمه الله قال: ما ناظرت أحداً قط على الغلبة - أي: ما دخلت في نقاش مع أحد قط ونيتي أن أغلبه فقط- وإنما دخلت في النقاش للوصول إلى الحق مني أو منه، وعندي أو عنده.
والمقصود هو طلب الحق، فإذا توافرت الرغبة للوصول إلى الحق لدى الطرفين وصل إليه بإذن الله، لكن المشكلة أن يكون الغرض من الحوار أن ينصر الإنسان رأيه بغض النظر عن كونه خطأً أو صحيحاً، ولذلك لابد أن يدخل الإنسان ساحة الحوار وهو يبحث عن الحق حتى لو كان عند خصمه، قال الله تعالى في حوار أهل الكتاب: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24] (وإنا أو إياكم) أحد الطرفين، لا نقل: نحن على حق وأنتم على باطل من أول الطريق؛ فلن يجدي النقاش إذا كان كل من الطرفين يدعي أنه وحده على الحق: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24] وينبغي أن يكون المحاور لا فرق عنده بين أن يظهر الحق على يديه أو على يدي الآخر، المهم الوصول إلى الحق.
ومن إخلاص الشافعي رحمه الله قال: ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ، وقال: ما كلمت أحداً إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبالِ بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه، وهذا تجرد صعب، لكن من أراده وفقه الله تعالى إليه، بل ربما وصلت القضية إلى أن بعض المتحاورين من السلف لما تحاورا رجع كل منهما إلى الطرف الآخر.
ومع الشافعي وإسحاق مرة أخرى، لكن الآن الطرف الآخر، إسحاق ناظر الشافعي -والإمام أحمد موجود في المجلس- في جلود الميتة إذا دبغت، قال الشافعي: دباغها طهورها، يعني: تستعمل، قال إسحاق: ما الدليل؟ فقال الشافعي: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ميمونة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال: هلا انتفعتم بجلدها) فقال إسحاق: حديث ابن عكيم (كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ -أي جلد- ولا عصب).
وهذا الحديث أشبه أن يكون ناسخاً لحديث ميمونة، حديث ميمونة يقول: (هلا انتفعتم) وهذا يقول: (لا تنتفعوا) وهذا الثاني متأخر قبل موته بشهر، فقال الشافعي: هذا كتابٌ وهذا سماع -يقول: حديثي الذي احتججت به سنده السماع وحديثك -يا إسحاق - بالكتابة (كتب إلينا رسول الله) يريد أن يقول: إن حديثي أقوى، السماع أقوى من الكتابة- فقال إسحاق: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر رسائل وكانت حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي؛ لأن إسحاق أتى له بالحديث المتأخر، وهو حديث حجة ولو كان كتاباً؛ بدليل أن رسائل النبي صلى الله عليه وسلم قامت بها الحجة على كسرى وقيصر، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي فأفتى بحديث ميمونة، يعني: انتهى النقاش بأن تبنى إسحاق رأي الشافعي، وقضية السكوت عن الكلام كانت اعتباراً، لكن الإنسان ممكن أن يرد بأي كلام.
المناظر يذكر ما له وما عليه:
ثم من أدب الحوار أن الإنسان يذكر ما له وما عليه، يعني: لو أراد أن يناقش في مسألة فقهية؛ كطهارة الدم، أو قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية وراء الإمام، أليس الطرفين في مسائل خلافية؟ أليس لكل منهما أدلة؟ بلى.
فإذاً نورد ما لهذا القول وما عليه، وليس له أن يخفي أدلة الفريق الآخر، فإنه ليس من الإنصاف، بل هو من اللبس والتلبيس -إخفاء وكتم- ولذلك بعض الجهلة إذا أرادوا النقاش مع النصارى يخفون فضائل عيسى عليه السلام، يقولون: نتحدث بفضائل محمد عليه الصلاة والسلام، بل بعضهم يبتدع، لما رأوا الرافضة يسبون أبا بكر وعمر قال واحد منهم:
سبوا علياً كما سبوا عقيقكم كفرٌ بكفرٍ وإيمانٌ بإيمان
أي: واحدة بواحدة.
فإذاً عندما ندخل في حوار فلابد أن نقيم الوزن لحجج الطرف الآخر، وفي كثير من الأحيان -خصوصاً في المسائل الاجتهادية والآراء- لا تستطيع أن تزن رأي الآخر، لكن تقول: يا أخي! هناك رأيان، وأرى أن أدلة هذا الرأي أقوى وأرجح فقط، أما أن تقول هذا حق وهذا باطل، فهذا لا يأتي في المسائل الاجتهادية، وإلا ما صارت اجتهادية ولا حدث الخلاف فيها، ولكن نتكلم الآن على قضية الرجحان.
من أدب الحوار قبول الحق ولو من عدو:
فقد تقدم الكلام في الحلقة الأولى عن آداب الحوار، ونتابع الحديث اليوم في الحلقة الثانية من هذا الأدب الذي يحتاجه كل باحثٍ عن الحق، وكل داعيةٍ إلى الله، وكل أخ في مناقشة إخوانه من المسلمين، ويحتاجه حتى الزوج مع زوجته، والولد مع أبيه وأمه، وهذه المسألة -وهي مسألة الحوار- إذا كانت في الحق فإن الله سبحانه وتعالى يوفق أطراف الحوار للوصول إلى الحق؛ لأن القصد الأول من الحوار هو معرفة الحق.
ولذلك -أيها الإخوة- لابد أن يوطن أطراف الحوار أنفسهم على قبول الحق من أي الأطراف جاء، فإذا تبين الحق فلا يجوز الجدال فيه: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} [الأنفال:6] ويجب المصير إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الحق ولو جاء من عدو، وقد روت طفيلة بنت صيفي الجهنية قالت: (أتى حبرٌ من الأحبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، فقال صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! وما ذاك؟ قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة، قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال: إنه قد قال: فمن حلف فليحلف برب الكعبة، قال: يا محمد! نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً، قال: سبحان الله! وما ذاك؟ قال: تقولون: ما شاء الله وشئت، قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال: إنه قد قال حقاً فمن قال: ما شاء الله فليفصل بينهما بقوله ثم شئت) رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وكذلك صححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
ومعروفٌ أيضاً قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان الذي جاء بصورة رجلٍ يسرق الطعام من مال الزكاة، فأمسكه ثم أطلقه حتى قال له في الثالثة: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعني وأعلمك كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: وما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة:255] فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح، قال أبو هريرة: فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك وأخبره بالخبر، فقال عليه الصلاة والسلام: أمَا إنه قد صدقك وهو كذوب).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز إذا قال يهوديٌ أو نصرانيٌ فضلاً عن الرافضي قولاً فيه أي حق لا نقبله، ولا يجوز أن نرفضه؛ لأنه جاء من عدو، ولذلك ينبغي في الحوار سماع كلام الخصم، وتقبل الحق الذي جاء منه بقبول حسن، والاعتراف بالخطأ والتسليم بالحق الذي يظهره الخصم، والمسألة كما ترون -أيها الإخوة- مسألة تجرد، فمن تجرد لله وفقه الله.
ثم من آداب الحوار المهمة ألا يكون قصد المحاور الانتصار للنفس، والعلو على المحاورين الآخرين، أو إفحام الخصم واستعراض القوة، وقد تقدم الكلام على ذلك، ومن أهم أسباب الانتصار للنفس أن المحاور يرجو في حواره مع غيره أن يرفع كفته، أو كفة شيخه أو مذهبه أو طائفته وحزبه وجماعته، ويغفل على أن ظهور الحق على يديه أو على يد صاحبه خيرٌ له وفضلٌ عليه من الله تعالى، قال الجويني رحمه الله: فأول شيءٍ على المناظر أن يقصد التقرب إلى الله سبحانه، ويطلب مرضاته في امتثال أمره سبحانه وتعالى فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلى الحق، ويتقي الله أن يقصد بنظره أو بمناظرته المباهاة وطلب الجاه، والمماراة والرياء، ويحذر أليم عقاب الله، ولا يكون قصده الظفر بالخصم، والسرور بالغلبة والقهر، فإنه من دأب الأنعام الفحولة كالكباش والديكة.
والإنسان إذا كان قصده بالحوار أن يتغلب على خصمه فقط فإنه لا يرعوي عن إتيانه بأي حجة من حقٍ أو باطل، ولا يقبل الحق إذا جاء من الخصم، وكذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما عرَّف الكبر قال: (الكبر بطر الحق وغمط الناس) فبطر الحق أي: رده، وغمط الناس: ظلمهم وعدم إعطائهم حقوقهم وبخسهم إياها، وهو عين الكبر، ولذلك لابد في الحوار من التواضع، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (ما من آدمي إلا في رأسه حكمةٌ في يد ملك) طبعاً هذا شيءٌ من الغيب لا نعلمه (فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، فيرفع الله ذكره وشأنه بين الناس، وإذا تكبر قيل للملك: ضع حكمته) رواه الطبراني وحسنه الألباني، وقال عمر بن الخطاب: [إن العبد إذا تواضع لله عز وجل رفع حكمته، وقال: انتعش رفعك الله، فهو في نفسه حقير وفي أعين الناس كبير، فإذا تكبر وعد صوره ووهصه، أي: ضرب به الأرض].
الحذر من المراء والجدال:
ثم من الآداب المهمة في الحوار الحذر من الجدال، فإن اللدد والخصومة من الآفات القاتلة، فيصطبغ الحوار بصبغة التعنت والعناد، ولا يعود القصد هو الحق ولا الهدى، ويتحول الحوار إلى مراء وجدل، فما هو المراء والجدل بالباطل؟ المراء: أن تنكر الحق الذي ظهرت دلالته ظهوراً واضحاً وتتعصب للباطل، والتعصب للمذهب أو الشيخ أو الفئة يحول الحوار إلى مراء وجدال، وينتهي إلى خصومة وفرقة، وتمتلئ الصدور بالأحقاد وتشحن النفوس بالكراهية، والجدل آفة يصاب بها الإنسان غالباً في المحاورات، والجدل من طبيعة الناس الفارغين، الذي عنده عمل وإنتاج لا يقع في الجدال في الغالب، الذي يقع في الجدال هم أهل الفراغ، ولذلك يهدرون أوقاتهم بالجدال، ومع الأسف فإن عدداً من الشباب يحولون المجالس العلمية، والمحاضن التربوية، والمجتمعات الدعوية إلى مراء وجدال تقضي على البذور الكريمة والفائدة والنفع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً: (ما ضل قوماً بعد هدىً آتاهم إلا أوتوا الجدل) وقال: حسَّان بن عطية رحمه الله: إذا أراد الله بقومٍ شراً ألقى بينهم الجدل وخزن العلم، فلا يكون علماً وإنما يعطون الجدل.
لو قال قائل: إن من الجدال ما هو مفيد، ألم يقل الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] فنقول: إنه تعالى ما قال: {وجادلهم} فقط، وإنما قال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] ومعنى ذلك أن الجدال أنواع، فما هي أنواع الجدال؟ الجدال محمودٌ ومذموم.
أولاً: فالجدال المذموم ما كان بغير حجة ولا دليل.
ثانياً: الجدال لنصرة الباطل والشغب للتمويه على الحق، وكان الكفار يفعلونه كثيراً، قال تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ} [غافر:5] وهؤلاء مهما نصحتهم لا يستفيدون، كما قال نوح لقومه: {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود:34].
ومن الجدال ما يكون محموداً ومنه ما يكون مذموماً.
قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله: من الجدال ما يكون محموداً مرضياً، ومنه ما يكون مذموماً محرماً، فالمذموم منه ما كان لدفع الحق، أو تحقيق العناد، أو ليلبس الحق بالباطل، أو لما لا يطلب به تعرف ولا تقرب، أو للمماراة، أو لطلب الجاه، أو إظهار التفوق على الخصوم، أو أنه يعرف أن عنده لسانة وقدرة على الحوار، وأنه لا يتوقف ولا ينقطع، والله سبحانه وتعالى ضرب أوجه الجدال المذمومة في قوله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف:58].
أما الجدال المحمود: فهو الذي يحقق الحق ويكشف عن الباطل، ويهدف إلى الرشد، ويرجى به رجوع المبطل إلى الحق، وهذا المقصود بقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] وقول الله تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197] فالمقصود به الجدال المذموم، أما لو تناقش بعض طلبة العلم في مسائل مثلاً في الحج ليستدلوا بها على السنة؛ كأن يتناقشوا في مكان الوقوف عند رمي الجمرات، وأين يضع الجمرة، فمثل هذا لا يكون جدالاً مضيعاً للوقت ولا منهياً عنه في الحج؛ لأنه لمصلحة الحج، فإذاً هذا الجدال لمصلحة الحج، ويعظم به الأجر وتصاب السنة.
الهدوء عند الحوار:
ومن الآداب المهمة في الحوار: الهدوء، وكثيراً ما تتحرك الطبائع الكامنة في النفوس، ويحدث غليان وغضب وانفعال وعصبية، وتندفع الكلمات، وتتسابق الأطراف كالسيل الجارف بالتهكم والسخرية وتراشق التهم ونحو ذلك، وهذا من أخطر آفات الحوار؛ لأنه لم يعد هناك حوار مثمر، وهذا مفسد للعلاقات، ولذلك بعض الناس تحس أنك لو ما دخلت معه في حوار لكان أحسن، كنت صاحباً له قبل الحوار، وبعد الحوار صار بينكما قطيعة، ولذلك تتنافر القلوب من آثار الحوار المذموم.
إن القلوب إذا تنافر ودها ÷مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
والصراخ والشتائم كل إنسان قد يقدر عليه، لا فرق في ذلك بين كبير وصغير وجاهل وعالم، وكما قال قائل:
صغار الأسد أكثرها زئيراً÷ وأصرمها اللواتي لا تزير
أي: لا تزأر، والذي يميز الرجل الرباني الصادق في حواره هدوء نفسه، وعفة لسانه: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً} [طه:43 - 44] والنبي صلى الله عليه وسلم كما قال أنس: (لم يكن سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً)، وشيخ الإسلام رحمه الله خاض غمار حوارات كثيرة، ومناظرات مع أهل البدعة، وكان من الخلاصات التي خرج بها يقول: الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد، والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يكبر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم، فقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46].
والإنسان إذا جلس في مجالس أهل العلم ينبغي أن يتأدب، ولذلك الحوار العلمي ينبغي أن يأخذ أدباً أعلى بكثير من الحوار في المسائل الدنيوية، أو في الأسعار، أو في السلع، أو في مساومات أو في نحو ذلك، وبعض الإخوان قد يظن أن الحوار مع أهل البدع يقتضي أن ترفع الصوت، وتظهر الغضب، وتقطب الجبين، وتحمر العينان، وتتسارع الأنفاس، وهذا غير صحيح.
ولكي يتقبل الشخص الآخر فلابد أن تظهر الهدوء في النقاش؛ لأن القصد الآن ليس ألا تتيح له فرصة في الكلام إذا كان الحديث بينك وبينه، وإنما المقصود أن يصل الرجل إلى الحق ويقتنع به، ولذلك عامة الناس لا يحبون التشنج والانفعالات في النقاشات، ويقولون: هذا الشيخ الذي خرج من البرنامج الفلاني ما عنده إلا العصبية والانفعال، وتلك المرأة غلبته وتفوقت عليه، مع أنه خرج لينصر الحق بزعمه، وهي تمثل أهل الباطل، فالناس ينفرون من التشنج والانفعال، نعم بعض الأحيان يلزم إظهار شيء من الشدة، لكن لا إلى أن يتحول الحوار إلى صراخ، والغضب لا يبقي سداداً للفكر، ويتعكر المنطق بسببه، وتتقطع مادة الحجة، وقال ابن القيم رحمه الله: الغضب نوعٌ من الغلق تستغلق به على الإنسان الأمور، وكيف يأتي المرء بحجة أو ينقض حجة للخصم إذا كان في حال الغضب، الغضب عدو العقل وهو للعقل كالذئب للشاة قلما يتمكن منه إلا اغتال العقل، هكذا صوره ابن القيم رحمه في إغاثة اللهفان، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: (أسألك كلمة الحق في الرضا والغضب) وكلما ازداد انفعال المتحاورين ازدادت الشقة بينهما وابتعد الواحد منهما عن الآخر (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب).
روي أن المزني رحمه الله ناظره إنسان كثير الصياح والشغب فقال المزني: أخبرنا الشافعي أن أبا حنيفة ناظر رجلاً فكثر صياح أبي حنيفة فمر به رجل آخر وقال: أخطأت يا أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ما هذه المسألة؟ -أنت أيها المار ما الذي نتحدث عنه؟ - فقال الرجل: لا أدري، فقال أبو حنيفة: وكيف عرفت أني أخطأت؟ فقال الرجل: لأنك إذا أخطأت صحت، وإذا أصبت رفقتَ، فعلمت أنك أخطأت حيث رأيتك تصيح. إذاً فمسألة الصياح هذه تفسد الحوار.
إذا ما كنت ذا فضلٍ وعلمٍ÷ بما اختلف الأوائل والأواخر
فناظر من تناظر في سكونٍ÷ حليماً لا تلح ولا تكابر
يفيدك ما استفاد بلا امتنانٍ÷ من النكت اللطيفة والنوادر
وإياك اللدود ومن يرائي÷ بأني قد غلبت ومن يفاخر
فإن الشر في جنبات هذا÷ يمني بالتقاطع والتدابر
وروي أن رجلاً من بني هاشم اسمه عبد الصمد رفع صوته في النقاش عند أحد الخلفاء، فقال له: لا ترفع صوتك يا عبد الصمد إن الصواب في الأسدّ لا في الأشدّ، الأسد: القول السديد، الأشد: وليس بالصوت الشديد.
وإذا أفحش الخصم في جوابه فينبغي عدم الحدة؛ لأن الصياح لا يقابل بالصياح والاستخفاف؛ فهذا من أخلاق السفهاء، ومن الطرائف أن أحد الشعراء سمع اثنين ينتسبان إلى الفقه ينبز أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس، فقال:
البغل والجاموس في جدليهما÷ قد أصبحا عظةً لكل مناظر
برزا عشية ليلة فتباحثا ÷ هذا بقرنيه وذا بالحافر
ما أتقنا غير الصياح كأنما ÷لقنا جدال المرتضى ابن عساكر
فالمناقشة ليست بالقرون والحوافر، وإنما بالكلام المتزن الهادئ، والإنسان إذا كان عصبياً فلا ينصح بخوض حوارات، ومن كان حاد المزاج فقد يفسد أكثر مما يصلح، وإذا أردنا أن نرشح أشخاصاً للحوار، فلنرشح أشخاصاً عُرفوا بهدوء الطبع؛ لأن المحاور خصوصاً في هذا الزمان ينتدب على أنه يمثل فكرة من الأفكار، أو منهجاً من المناهج، فإذا كان إنساناً حاداً عصبياً يمكن أن يؤدي إلى إقناع الناس بالباطل، أو ينفروا من الحق، فينبغي أن يعتنى بالحوارات ولا يدخل فيها إلا من عنده صفات علمية وأخلاقية تؤهله للدخول.







