قرد وغيلم ،كليلة ودمنة
16-02-2014, 07:50 PM
زعموا أن قردا يقال له (ماهر) كان ملك القردة ، وكان قد كبر وهرم فوثب عليه قرد شاب من بيت المملكة فتغلب عليه وأخذ مكانه ، فخرج هاربا على وجهه حتى انتهى إلى الساحل ، فوجد شجرة تين فارتقى إليها واتخذها له مقاما ـ فبينما هو ذات يوم يأكل من ثمرها إذ سقطت من يده تينة في الماء فسمع لها صوتا وإيقاعا فجعل يأكل ويرمي في الماء فأطربه ذلك فأكثر من تطريح التين فيه
وكان ثم غيلم كلما وقعت تينة أكلها ، فلما كبر ذلك ظن أن القرد إنما يفعل ذلك لأجله فرغب في مصادقته وأنس إليه وكلمه ، وألف كل واحد منهما صاحبه
وطالت غيبة الغيلم زوجته ، فجزعت عليه وشكت ذلك إلى جارة لها ، وقالت : ( قد خفت أن يكون عرض له سوء فاغتاله ) فقالت لها ( إن زوجك بالساحل قد ألف قردا وألفه القرد فهو مؤاكله ومشاربه ومجالسه ) .
ثم إن الغيلم انطلق بعد مدة إلى منزله ، فوجد زوجته سيئة الحال مهمومة ، فقال لها : (مالي أراك هكذا ؟ ) فأجابته جارتها :( إن قرينتك مريضة مسكينة ، وقد وصف لها الأطباء قلب قرد ، وليس لها دواء سواه ) فقال:) هذا أمر عسير ومن أين لنا قلب قرد ونحن في الماء ؟ ولكن سأشاور صديقي )، ثم انطلق إلى ساحل البحر فقال له القرد : ( يا أخي ما حبسك عني ؟ ) قال الغيلم : ( ما ثبطني عنك إلا حيائي ، كيف أجازيك على إحسانك إلي ، وإنما أريد الآن أن تتم هذا الإحسان بزيارتك لي في منزلي فإني ساكن في جزيرة طيبة الفاكهة كثيرة الأثمار فاركب ظهري لأسبح بك) فرغب القرد في ذلك ؛ ونزل فامتطى مطا الغيلم ، حتى إذا سبح به ما سبح ، عرض له قبح ما أضمر في نفسه من الغدر ، فنكس رأسه ، فقال له القرد : ( ما لي أراك مهتما؟ ) فقال له الغيلم : ( إنما همي لأني ذكرت أن قرينتي شديدة المرض ، وذلك يمنعني عن كثير مما أريد أن أبلغكه من الإكرام والإلطاف ) فقال القرد : ( إن الذي أعتقد من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف )فقال الغيلم :( أجل ) ، ومضى بالقرد ساعة ثم توقف به ثانية ، فساء ظن القرد وقال في نفسه :( ما احتباس الغيلم وبطؤه إلا لأمر ، ولست آمنا أن يكون قلبه قد تغير علي وحال عن مودتي فإنه لا شيئ أخف وأسرع تقلبا من القلب ) ، ثم قال الغيلم ما الذي يحبسك ؟ ومالي أراك مهتما كأنك تحدث نفسك مرة أخرى ؟ ) قال يهمني أنك تأتي منزلي فلا تلقى أمري كما أحب لأن زوجتي مريضة ) ،قال القرد لا تهتم فإن الهم لا يغني عنك شيئا ، ولكن التمس ما يصلح زوجتك من الأدوية والأغذية ) ،قال الغيلم صدقت ، وإنما قالت الأطباء : إنه لا دواء لها إلا قلب قرد ! ) فقال القرد في نفسه واسوأتاه ! لقد أدركني الحرص والشره على كبر سني حتى وقعت في شر ورطة ، وقد صدق الذي قال : يعيش القانع الراضي مستريحا مطمئنا ، وذوا الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب ،وإني قد احتجت الآن إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه )
ثم قال للغيلم وما منعك أن تعلمني حتى كنت أحمل قلبي معي ؟ وهذه سنة فينا معاشر القردة ، إذا خرج أحدنا لزيارة صديق له ، خلف قلبه عند أهله أو في موضعه لننظر إذا نظرنا إلى حرم المزور وما قلوبنا معنا ) قال الغيلم وأين قلبك الآن ؟ ) قال : ( خلفته في الشجرة ، فإن شئت فارجع بي إليها حتى آتيك به )
ففرح الغيلم بذلك ورجع بالقرد إلى مكانه ، فلما قارب الساحل وثب القرد عن ظهره فارتقى الشجرة ، فلما أبطأ على الغيلم ناداه يا خليلي احمل قلبك وانزل فقد حبستني ) فقال القرد هيهات ! ولكنك احتلت علي وخدعتني ، فخدعتك بمثل خديعتي ، واستدركت فارط أمري ، وقد قيل :الذي يفسده الحلم لا يصلحه إلا العلم ) قال الغيلم إلا أن الرجل الصالح يعترف بزلته ، وإذا أذنب ذنبا لم يستحي أن يؤدب ، وإن وقع في ورطة أمكنه التخلص منها ، كالرجل الذي يعثر على الأرض ، وعلى الأرض ينهض ويعتمد )
فهذا مثل الرجل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها
عن كليلة ودمنة
وكان ثم غيلم كلما وقعت تينة أكلها ، فلما كبر ذلك ظن أن القرد إنما يفعل ذلك لأجله فرغب في مصادقته وأنس إليه وكلمه ، وألف كل واحد منهما صاحبه
وطالت غيبة الغيلم زوجته ، فجزعت عليه وشكت ذلك إلى جارة لها ، وقالت : ( قد خفت أن يكون عرض له سوء فاغتاله ) فقالت لها ( إن زوجك بالساحل قد ألف قردا وألفه القرد فهو مؤاكله ومشاربه ومجالسه ) .
ثم إن الغيلم انطلق بعد مدة إلى منزله ، فوجد زوجته سيئة الحال مهمومة ، فقال لها : (مالي أراك هكذا ؟ ) فأجابته جارتها :( إن قرينتك مريضة مسكينة ، وقد وصف لها الأطباء قلب قرد ، وليس لها دواء سواه ) فقال:) هذا أمر عسير ومن أين لنا قلب قرد ونحن في الماء ؟ ولكن سأشاور صديقي )، ثم انطلق إلى ساحل البحر فقال له القرد : ( يا أخي ما حبسك عني ؟ ) قال الغيلم : ( ما ثبطني عنك إلا حيائي ، كيف أجازيك على إحسانك إلي ، وإنما أريد الآن أن تتم هذا الإحسان بزيارتك لي في منزلي فإني ساكن في جزيرة طيبة الفاكهة كثيرة الأثمار فاركب ظهري لأسبح بك) فرغب القرد في ذلك ؛ ونزل فامتطى مطا الغيلم ، حتى إذا سبح به ما سبح ، عرض له قبح ما أضمر في نفسه من الغدر ، فنكس رأسه ، فقال له القرد : ( ما لي أراك مهتما؟ ) فقال له الغيلم : ( إنما همي لأني ذكرت أن قرينتي شديدة المرض ، وذلك يمنعني عن كثير مما أريد أن أبلغكه من الإكرام والإلطاف ) فقال القرد : ( إن الذي أعتقد من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف )فقال الغيلم :( أجل ) ، ومضى بالقرد ساعة ثم توقف به ثانية ، فساء ظن القرد وقال في نفسه :( ما احتباس الغيلم وبطؤه إلا لأمر ، ولست آمنا أن يكون قلبه قد تغير علي وحال عن مودتي فإنه لا شيئ أخف وأسرع تقلبا من القلب ) ، ثم قال الغيلم ما الذي يحبسك ؟ ومالي أراك مهتما كأنك تحدث نفسك مرة أخرى ؟ ) قال يهمني أنك تأتي منزلي فلا تلقى أمري كما أحب لأن زوجتي مريضة ) ،قال القرد لا تهتم فإن الهم لا يغني عنك شيئا ، ولكن التمس ما يصلح زوجتك من الأدوية والأغذية ) ،قال الغيلم صدقت ، وإنما قالت الأطباء : إنه لا دواء لها إلا قلب قرد ! ) فقال القرد في نفسه واسوأتاه ! لقد أدركني الحرص والشره على كبر سني حتى وقعت في شر ورطة ، وقد صدق الذي قال : يعيش القانع الراضي مستريحا مطمئنا ، وذوا الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب ،وإني قد احتجت الآن إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه )
ثم قال للغيلم وما منعك أن تعلمني حتى كنت أحمل قلبي معي ؟ وهذه سنة فينا معاشر القردة ، إذا خرج أحدنا لزيارة صديق له ، خلف قلبه عند أهله أو في موضعه لننظر إذا نظرنا إلى حرم المزور وما قلوبنا معنا ) قال الغيلم وأين قلبك الآن ؟ ) قال : ( خلفته في الشجرة ، فإن شئت فارجع بي إليها حتى آتيك به )
ففرح الغيلم بذلك ورجع بالقرد إلى مكانه ، فلما قارب الساحل وثب القرد عن ظهره فارتقى الشجرة ، فلما أبطأ على الغيلم ناداه يا خليلي احمل قلبك وانزل فقد حبستني ) فقال القرد هيهات ! ولكنك احتلت علي وخدعتني ، فخدعتك بمثل خديعتي ، واستدركت فارط أمري ، وقد قيل :الذي يفسده الحلم لا يصلحه إلا العلم ) قال الغيلم إلا أن الرجل الصالح يعترف بزلته ، وإذا أذنب ذنبا لم يستحي أن يؤدب ، وإن وقع في ورطة أمكنه التخلص منها ، كالرجل الذي يعثر على الأرض ، وعلى الأرض ينهض ويعتمد )
فهذا مثل الرجل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها
عن كليلة ودمنة









