بدايات سفور المرأة في العالم الإسلامي (3): العراق
28-01-2015, 03:11 PM
بدايات سفور المرأة في العالم الإسلامي (3): العراق
*
في الحلقتين السابقتين: تحدثتنا عن بداية سفور المرأة المسلمة في:" الجزائر والشام" ، وبينا من خلال أقوال أهل تلك البلاد: أن هذا الأمر لم يحدث إلا بعد سقوط بلادهم بيد:" الاحتلال النصراني": الذي شجع هذا المنكر بمواطأة من:" المنافقين"، و:"مرضى القلوب للأسف".
وكانت حلقتنا الأولى عن:" الجزائر"، وهي تحت هذا الرابط:
http://montada.echoroukonline.com/sh...d.php?t=286705
وأما الحلقة الثانية، فكانت عن:"سوريا"، وهي تحت هذا الرابط:
http://montada.echoroukonline.com/sh...d.php?t=286974
وهذه هي:" الحلقة الثالثة"، وستكون بتوفيق الله عن:" بلاد العراق": التي شهدت في السنوات الماضية: عودة الاحتلال النصراني البغيض لأراضيها، ولكن مما يطمئن المسلم: أن كثيراً من أبناء المسلمين –ذكوراً وإناثاً- قد وعوا الدرس جيداً، وعلموا مكر الأعداء وخبثهم ؛ ولهذا لن يُلدغوا – بإذن الله - مرة أخرى، ولن تنطلي عليهم دعاوى المحتل الزائفة من نشر الحريات، أو تحقيق العدل، أو غيرها من الأكاذيب التي لا زال يروج لها.
فحق للمسلمين أن يقولوا ل:"المستدمر وأذنابه": ما جاء في المثل القديم:" كيف أصدقك، وهذا أثر فأسك؟؟؟ " .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد كانت:" المرأة العراقية" كغيرها من نساء العالم الإسلامي: تلتزم الحجاب الشرعي الذي أمرها الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، فتغطي وجهها عن الرجال الأجانب، واستمرت على هذا الحال الطيب إلى أن سقطت البلاد العراقية بيد:" المحتل الإنجليزي": (عام 1917م في قصة يطول ذكرها): حيث أخذ أعداء الإسلام كعادتهم أينما حلوا: يبعثون:" قضية السفور"، ويُشجعون دعاتها من:" المتمسلمين"، و كذلك:" أتباع دينهم" من أهل البلد المحتل ؛ لتيقنهم أنها:" الخطوة الأولى": لإفساد أبناء المسلمين ، وإشغالهم عن مقاومتهم .
يقول الأستاذ:" عباس بغدادي" في كتابه:" بغداد في العشرينات ":( ص 143 ): واصفًا:" حال المرأة العراقية" ذاك الحين :
{ أما العبي النسائية، فكانت من النوع الحريري الأسود، وأحسنها ماركة:" صائم الدهر"، وماركة:" الشبئون": المستوردات من سوريا. أما الفتيات الصغيرات والعرائس فلباسهن عباءات:" أم جتف"، أي: أن كتف العباءة مدروزة بالكلبدون أو البَكر، أو أن العباءة كلها منسوجة مثل إيزارات اليهوديات والمسيحيات، وينتهي لبس هذه العباءات عند انتهاء حفلة زواج البنت ؛ ذلك أن ولادة الولد الأول: يجعل العروس أماً، ولا يليق بالأم: أن تلبس مثل هذه العباءات، بل تحتفظ بها لبناتها حين يصبحن فتيات، والمرأة المحتشمة تلبس عباءتين:" داخلية": تُلبس على الكتف ، و:"خارجية" على الرأس مع (البوشية): التي تغطي الوجه، ولا تمنع الرؤية، وهي سوداء عدا بوشيات اليهوديات والمسيحيات، فهي مصنوعة من الحرير والكلبدون ، ويمكن رفعها إلى الأعلى وتسمى "بيجة" } .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدأت الدعوة إلى السفور في:" العراق" بواسطة شاعرين هما :" جميل الزهاوي" ، و:" معروف الرصافي".
أما أولهما، فقد جاهر بضلاله في ديوان شعر له: لم يَسمح بنشره في حياته ، سماه:" النزغات!؟؟"، وهو اسم على مسمى!!؟، فكله شكوك وحيرة، وإنكار للغيبيات، بل إنكار لوجود الله!!؟.
وقد قال:" الزهاوي" في:" رسائله" عن هذا الديوان :" وقصائد هذا الديوان: لم تُنشر بعدُ في المجلات والجرائد ، وسوف تُنشر بعد موتي ؛ لأنها تُصادم آراء المتعصبين!!؟".
ولو صدق!!!؟، لقال:" تصادم دين الله عز وجل"، ولكنه كغيره ممن يريد أن يستر:" ضلاله" بمثل هذه الأعذار!!؟.
ثم قام الأستاذ:" هلال ناجي" بنشر هذه القصائد في كتابه:" الزهاوي وديوانه المفقود ". ( ص 122ومابعدها ) .
والعجب في أحوال هذا الشاعر: أنه كان يدور مع مصالحه الدنيوية غير آبه بدين أو خُلق ، فقد ألف كتابًا يرد فيه على دعوة الشيخ المجدد:" محمد بن عبد الوهاب" – رحمه الله - ، تقربًا للدولة العثمانية ، كما اعترف بذلك فيما بعد: سماه:" الفجر الصادق "، وقد رد عليه الشيخ:" ابن سحمان" - رحمه الله – بكتاب:" الضياء الشارق " .
ثم لما احتل الإنجليز بلاده، وانحسر نفوذ العثمانيين: قلب ظهر المجنّ لهم ، وأخذ يذمهم، ويمدح الإنجليز الكفار بقصائد مُخزية!!؟: ومنها قوله :
تبصر أيها العربي واتـركْ* **** ولاء الترك من قــوم لئـام
ووالِ الإنجليز رجال عدلٍ* **** وصدق في الفعال وفي الكلام
أحبُ الإنجليز وأصطفيهم* **** لمرضيّ الإخاء من الأنــام
جلوا في الملك ظلمة كل ظلم* **** بعدل ضاء كالبدر التمـام
هذا:" الزهاوي": الذي كان أول من دعا لسفور:" المرأة العراقية" في شعره ؛ ومن ذلك قوله :
أخر المسلمين عن أمم الأرض* *** حجاب تشقى به المسلـمات
وقوله :
مزقي يا ابنة العراق الحجابا* *** واسفري فالحياة تبغي انقلابا
وكتب مقالة طويلة بعنوان:" المرأة والدفاع عنها": عقد فيها فصلاً بعنوان:" مضار الحجاب"!؟؟، وراح يعدد فيه ما يراه عقله القاصر من:" سخافات!!؟"، لعله يُقنع العراقيين بباطله ؛ كقوله مثلاً:
" إن الحجاب يسيء ظن الغربيين بنا؛ فإنهم يقولون لو كان المسلمون واثقين بعفة نسائهم: لما ضغطوا عليهن هذا الضغط اللئيم؛ فأخفوهن عن عيون تطمع في النظر إلى وجوههن النضرة".!!؟. ( انظر:" الزهاوي: دراسات ونصوص ، لعبدالحميد الرشودي: ص 112-117).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم جاء بعده قرينه وصاحبه:" معروف الرصافي": الذي كان في بداية أمره متدينًا من طلاب العلامة:" محمود شكري الألوسي" – رحمه الله -!!؟ ، ثم نكص على عقبيه، وانتكس إلى الضلال!!؟ – والعياذ بالله - ، ويشهد لهذا قصائده الفلسفية في ديوانه ؛ ومنها قصيدته السيئة:" حقيقتي السلبية": التي يقول فيها :
ولستُ من الذين يرون خيرًا *** بإبقاء الحقيقة في الخــفاء
ولا ممن يرى الأديان قامت *** بوحيٍ مُنـزل للأنبـيــاء
ولكـن هنّ وضـعٌ وابتداعٌ *** من العقلاء أرباب الدهاء!!؟
........ الخ ضلاله، كما في ديوانه:( 1/112-114).
ومما يشهد لذلك : كتابه الذي طُبع حديثًا بعنوان:" الحقيقة المحمدية " ، وكان قد منع أن يُطبع في حياته ؛ لما فيه من:" كفريات وتنقص بسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم"، وقد حاول البعض أن يُشكك في نسبة هذا الكتاب له ، ولكن هيهات!!؟، فقد اعترف بذلك هو بنفسه، ( ولهذه القضية: مقال قادم إن شاء الله ) .
ومن أشعار:" الرصافي" في الدعوة إلى:" سفور المرأة": قصيدته:" المرأة في الشرق": التي قالها زمن الاحتلال الإنجليزي!!؟، ومنها قوله :
وقد ألزموهن الحجاب وأنكروا *** عليهن إلا خـرجة بغطـاء!!؟
وكذلك قصيدته الشهيرة:" التربية والأمهات ": التي مطلعها:
هي الأخلاق تنبت كالنبات *** إذا سُقيت بماء المكـرمات
ولكنه شانها بقوله :
وما ضر العفيفة كشفُ وجه *** بدا بين الأعـفاء الأبــاة
وقد عارض الأستاذ:" حسين الآزري": قصيدته الأولى بقوله :
أكريمة الزوراء لا يذهب بك الـ *** نـهج المخالف بيئـة الزوراء
أو يخـدعنـك شاعرٌ بخيالــه *** إن الـخيال مطــية الشعراء
حصروا علاجك بالسفور وما دروا *** أن الـذي حصروه عـينُ الداء
أسفينـة الـوطن العزيز تـبصري *** بالـقعر لا يغررك سطح الـماء
وحديقة الثـمر الجـني ترصدي *** عبـث الـلصوص بليلة ليـلاء
لكن:" دعوة الزهاوي والرصافي": باءت بالفشل ، وقابلها المسلمون بالإنكار ؛ إلى أن قام الإنجليز بدعم القضية .
وقد ذكر الأستاذ:" أنور الجندي" في كتابه:" الفكر العربي المعاصر في معركة التغريب والتبعية الثقافية ":( ص 623): أن حركة السفور في العراق – بعد هذا - تأخرت (حتى عام 1921 ): عندما حمل الإنجليز لواءها على يد الإنجليزية:" المس كلي": حيث أسست:" أول مدرسة للبنات":( 19/1/1920 ): احتفل بها:" العميد البريطاني!!؟".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد عقد الأستاذ:" خيري العمري" في كتابه:" حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث": فصلا بعنوان:" معركة السفور في العراق ": تطرق فيه إلى تطور القضية بعد ذلك في الصحف ، وما دار حولها ، ثم ختم بقوله:( ص 140-141) :
" وقد يرد إلى الذهن سؤال وهو :
من هي أول امرأة عراقية رفعت النقاب عن وجهها وخرجت سافرة!!؟. والحقيقة: أن الجواب عن ذلك ليس من البساطة بحيث يكفي أن نقول إن فلانة هي من أسفرت في عام كذا دون أن ندعم هذه الدعوى بما يقيم البينة عليها.
لذلك: فإني ألتمس من القارئ عذراً إذا قلت إنني لا أريد أن أتورط كما تورط غيري في حكم قاطع بهذه المسألة.
نعم: ربما يمكن أن نقول إن:" بغداد": لم تخلُ قبل:( عام 1932 ) من عراقيات رفعن النقاب عن وجوههن؛ ولعل عقيلة:" حكمت سليمان" من بينهن، ولكننا لا نملك أن نقول: إنها أول من أسفرت من نساء العراق؛ لاسيما وأن أكثر نساء الريف سافرات.
الأمر الثاني: الذي أريد أن أذكره هو:" وجود قوتين": كانتا تلعبان في تلك الأيام دورًا مهما في توجيه الأمور وهما :" البلاط"، و:" دار الاعتماد البريطاني".
وبالنسبة إلى:" البلاط": لم يكن موقف:" الملك فيصل" من قضية سفور المرأة واضحًا، فهو تارة: يبدي ما يفهم أو يحمل على محمل التأييد والإسناد، وطوراً آخر: يتراجع عندما يجد الرأي العام ناقماً ساخطاً.
والواقع أن الدعوة إلى سفور المرأة ذلك الوقت: لم تجد تقبلاً في الأوساط الشعبية.
ولعل سر هذا التقدم والتراجع: يرجع إلى عوامل شتى منها: تأثره ببعض المقربين إليه، ومدى إيمانهم بحرية المرأة، فالملك:" علي" كان يدفع بالملك:" فيصل" إلى الوقوف بوجه دعاة سفور المرأة ، وأما:" رستم حيدر"، و:" ساطع الحصري"، فكانا يشجعانه؟؟؟.
أما الدكتور:" عدنان الرشيد"، فيقول في مقاله:" 65 عاماً على سفور أول طالبة في بغداد: المنشور في:" مجلة الهلال":( ربيع ثاني 1424هـ ):
" تمر هذه الأيام ذكرى مرور 65 عاماً على سفور أول طالبة في كلية الحقوق في بغداد، وكان ذلك في عام 1934م عندما خلعت الطالبة: "صبيحة الشيخ داود": العباءة، ودخلت الكلية، فانبهر الطلاب من هذا المشهد الذي لم يألفوه" .
ويقول – أيضًا -:" لعلنا في هذا المقام: نذكر دور الفتيات المسيحيات واليهوديات في إحياء حركة السفور في بغداد".
ويقول الأستاذ:" خيري العمري" في كتابه السابق كلامًا له دلالاته عند العقلاء:( ص 138-139) :
" إن مفهوم السفور خلال تلك الفترة يختلف عن المفهوم السائد للسفور في هذه الأيام؛ فقد تطور ذلك المفهوم تطوراً كبيراً.
كان مفهوماً ضيقاً: يُقصد به مجرد رفع النقاب عن الوجه، في حين أنه تجاوز اليوم هذه الدائرة الضيقة، فالمرأة في تلك الأيام: كانت تُعتبر سافرة إذا رفعت النقاب عن وجهها: على أنها اليوم لا يكفي أن ترفع النقاب؛ فلابد لها أن ترفع العباءة أيضاً لتكون في عداد السافرات". فكشف الوجه هو الخطوة الأولى .. فافهم!!؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه:" قصة السفور في بلاد الرافدين" - باختصار - ؛ قادها المحتل الإنجليزي مع زمرة من المنحلين ، وتابعهم فيها بعض الأغرار من الرجال والنساء: ظانين - بجهلهم - أن هذا هو طريق التقدم والتحضر ؛ كما أوهمهم بذلك:" الإنجليز الخبثاء": الذين زينوا لهم هذا الفساد ؛ إلى أن اكتشف الكثيرون والكثيرات من أبناء وبنات فيما بعد:" حقيقة هذه الدعوة الزائفة" ؛ فأخذوا بالعودة إلى الالتزام بأحكام دينهم ، والاعتزاز بأخلاقهم ؛ بعدما تيقنوا أن ذلك لا يمنع من علم أو تقدم كما يدعي الأعداء .
وتشهد السنون الأخيرة:" عودة وأوبة": إلى دين الله في بلاد العراق العزيز وغيرها من بلاد المسلمين، مع حرص على التمسك بعقيدة السلف الصالح، كما نشاهد ونسمع - ولله الحمد والمنة.
والسعيدُ من وُعظ بغيره ..
والله الهادي والموفق .







