ديننا رهينة علم ميت.. ومن الجبن التعرض لأفكاري بكلام تاف
12-04-2015, 09:33 PM

بين 24 نوفمبر و29 ديسمبر 2014، كتبتُ سلسلة من ستة مقالات صدرت بالفرنسية في جريدة "لوسوار دالجيري" تَسَلسَلَت عناوينها كالآتي: 1- "مرافعة من أجل إصلاح الإسلام" 2- "هل يمكن إصلاح الإسلام؟" 3- "إعادة القرآن إلى ترتيبه الصحيح" 4- "تغيير نظرتنا إلى لله" 5- "تغيير نظرتنا لسبب وجود الإنسان" 6 - "تغيير نظرتنا للآخرين". وتَلَت هذه السلسلة زوبعة من ردود الفعل السلبية، ممّا حثّ بعض الصحف والقنوات التلفزيونية الخاصة إلى استضافتي لمناقشة موضوع واحد بالتحديد من بين المسائل التي تطرقت إليها، وهو مسألة ترتيب السور في القرآن الكريم. إشكالية لَفَتَت على ما يبدو انتباهَ رأي عام لا يعرف إلا القليل عمَّا يتعلّق بها.

يُمكنُ لمَن يَهُمُّهُ الأمر أن يجد تلك المقالات وتسجيلات الحصص التلفزيونية التي استضافتني، على صفحتي بالفايسبوك، حيثُ يمكن لأَيّ كانَ الاطّلاع على ما صَدَرَ منّي كتابةً أو كلامًا، وتكوين نظرة دقيقة وصحيحة على ما قُلتُهُ أو كَتَبتُه. يمكن كذلك أن يُصَحّحَني من شاءَ ذلك إذا لاحظ خطأً، أو وَجَدَ تغييرا في الأحداث التاريخية أو الثوابت، أو تشويها في ما تناولته من السنة أو القرآن. كُلُّ ما أطلبه هو أن يَستَندَ النقدُ إلى حَد أَدنى من الحجة والبرهان، لا أن يَقتصر على التلويح في وجهي بلافتة: "ممنوع المرور".

فأنا لست سوى جزائري مسلم كَتَبَ الكثير والكثير حول الإسلام، منذ 1970 وإلى يومنا هذا، بين مقالات صحفية وكُتُب، ورغم هذا يَعتَبرُ نَفَسهُ لا يزال يسعى في طريق العلم طالبا له. لكني أجيب معشر "العلماء" الذين وصفوني بالجاهل في الصحافة المعربة والتلفزة الوطنية والإذاعة، بأني لا أطلبُ أكثر من أن أتعلم منهم إذا تفضلوا ودَلُّوني لأَعثُرَ على ما كتبته أقلامهم الموقرة أو، إن لم يَحدُث بَعدُ أن كتبوا شيئا، أن يجربوا حظهم هذه المرة، لعلهم يَتَمَكَّنونَ من إفحامي أنا وما كَتبتهُ بعلمهم الجليل.

وأَستنكرُ على وجه الخصوص ما جادت به قريحة وزير الشؤون الدينية من كلام جائر حول شخصي حين أَمَرَهُ جمعٌ من "العُلماء" عبر الصحافة (جريدة الشروق 04/04/2014) باتخاذ موقف ضدي. كان يمكن له إن شاء أو استطاع، أن "يصححني" كتابيا منذ 08 ديسمبر 2014، تاريخ صدور مقالي المتعلق بترتيب السور في القرآن الكريم، لكنه وقتها لم يفعل. أعلم أن الكتابة ليست بالأمر اليسير على الجميع، لكنه من غير أخلاق المسلم، بل ومن الجبن، أن يتعرض المرء لسمعتي أو لكتاباتي بكلام تافه، نُطقَ عن هوى وذَهَبَ أدراج الرياح فَورَ ما انتهي. يبدو أن "وزير آخر الزمان" هذا بعيد كل البعد عن إسلام قرطبة الذي أثقل مسامعنا بالحديث عنه، ليوهمنا أنه يدركه أو يؤمن به.

أَمَّا بَعدُ، فلنتطرق، أو بالأحرى فَلنَعُد إلى إشكالية الترتيب الزمني لنزول القرآن الكريم ومقارنته بالترتيب الذي يوجد عليه اليوم. أودُّ التذكير أني لم أكتشف أو أخترع هذه المسألة التي يعرفها كل علماء الدين الحقيقيين في العَالَم منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم). كل ما جئت به من جديد هو أني رأيت في هذا الأمر مصدرا فكريّا (ربما الأخير) يمكن أن يُؤَسس لانطلاقة جديدة للفكر في دار الإسلام ويغير رؤية ديننا الحنيف للعالم. ديننا الذي نجده اليوم رهينة لـ "علم" ميت، أفقدهُ الحيوية الضرورية لبروز حركية فكرية واجتماعية بناءتين.

هذا "العلم" الذي أكل عليه الدهر وشرب، والذي قادنا خلال القرون الستة الماضية إلى الانحطاط والاستعمار، ويقف اليوم في وجه تقدمنا الفكري والثقافي والاجتماعي والذهني، حتى انتهى بنا الأمر إلى أن صار كل مسلم مهاجر أو مسافر إلى الخارج يعتبر إرهابيا محتملا. كذلك نراه يُوَرّطُ المسلمين رغم أنوفهم في حرب عالمية داخل عالمهم وضده، سوف تأتي على جميع الدول المسلمة واحدة تلو الأخرى.

تلك هي الزاوية التي أنظر منها إلى هذه المسألة. ونيتي ليست "التدخل" في أمور الدين أو الشريعة، بل دراسة إشكالية حضارية والتطرق إلى مسألة حياة أو موت، في زمن تسقط فيه جثث المسلمين كالذباب، داخل أرضهم وخارجها دون سبب، أو بالأحرى بسبب قراءة بالية وخطيرة لمبادئ ديننا الحنيف. ولنتذكر بالمناسبة 200 . 000 من موتانا الذين سقطوا أيضا لأسباب تتعلق بذات التصور القاتل الذي انتشر اليوم في كامل العالم الإسلامي وحتى خارجه. سأخوض في المستقبل أكثر تفصيلا في هذه المسألة، لأكتفي اليوم باقتراح طريقة تفاعلية يمكن من خلالها للقارئ أن يشارك في التفكير في موضوع يعنيه أكثر مما يتصور، وذلك عبر التفكير في بعض الأسئلة البسيطة والأحداث التاريخية المثبتة.

1) لماذا نجد في عناوين سور المصحف الشريف الإشارة إلى كون السورة "مكية" و"مدنية"، ونجد حتى في بعض النسخ الرقم الذي تحمله كل سورة في الترتيب الذي نزلت فيه، والذي يختلف (باستثناء ثلاث منها) عن ذلك الذي توجد عليه حاليا في المصحف؟

2) ألا يُطلعُنا تاريخ الإسلام على وجود "مصحف حفصة" و"مصحف عثمان" رضي الله عنهما؟

3) لو كان القرآن موجودا على شكل مصحف مقيد نهائيا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو حتى بعد وفاته، فما الذي جعل عمر بن الخطاب يلح على الخليفة أبي بكر (رضي الله عنهما) حتى استجاب إليه، بضرورة جمع آيات القرآن الكريم التي كانت بحوزة العديد من الصحابة مثل علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، أُبيّ بن كعب، زيد بن ثابت وآخرين (رضي الله عنهم جميعا)، خاصة بعد غزوة اليمامة التي استشهد فيها العديد ممن كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب؟

4) لو كان رسول الله قد ترك القرآن على شكل مصحف مُدَوَّن نهائيا، فلماذا رفض الخليفة أبو بكر رضي الله عنه أوَّلا، قبل أن يقتنع في آخر الأمر، مجيبا عمر بن الخطاب بأنه لن يتخذ قرارا يأمر بما لم يُقدم عليه الرسول (صلعم)؟ أليس في هذا شهادة حاسمة من أقرب المقربين إلى رسول الله (صلعم)، بأن القرآن لم يكن قد جمع بعد؟

5) إن كان كذلك، فما الذي جعل أبا بكر يُكَلّف زيد بن ثابت وجَمعا من كتاب الوحي المقربين من الرسول (رضي الله عنهم جميعا)، بمهمة جمع الآيات القرآنية المحفوظة عند هذا وذاك، موصيا إياهم بالتأكد من تطابقها قبل أن تدوّن في "مصحف حفصة"، الذي تَوَّجَ هذه المهمة؟ نُذَكّرُ هنا أن زيد بدوره لم يوافق في أول الأمر، قبل أن يقنعه أبو بكر وعمر (رضي الله عنهم جميعا). كما نتذكر أيضا مقولته المعروفة "لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن". ما الأمر الذي شبهه زيد في قوله بنقل الجبال، إذا كان قد أُنجز من قبله أو كان عملا يسيرا يستند إلى شيء كان موجودا؟

6) لماذا لم يفرض بعد ذلك أبو بكر حتى وفاته، ثم بعده عمر (رضي الله عنهما) خلال العشر سنوات التي تولّى فيها الخلافة، مصحف حفصة على معشر المسلمين؟ فنحن نعرف أن النسخ الأخرى للقرآن الكريم استمرت خلال هذه الفترة في التداول بكل حرية بين المسلمين ومن بينها: "مصحف علي"، "مصحف ابن مسعود"، مصحف ابن كعب". كما تجدر الإشارة هنا أن الآيات كانت مدونة حسب الترتيب الزمني لنزولها في "مصحف علي" مثلا؛

7) لماذا انقضت 15 سنة كاملة قبل أن يقرر الخليفة عثمان رضي الله عنه جمع القرآن الكريم بصفة نهائية ويَفرضَ كتابته بخط وحيد؟ فقد طلب الخليفة من حفصة، أرملة النبي وابنة عمر، أن تسلمه النسخة التي بحوزتها ثم قَدَّمَها إلى لجنة أشرفَ عليها مرة أخرى زيد بن ثابت، وضمت عبد الله بن الزبير، سعد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث (رضي الله عنهم جميعا). ثم أمر بعد ذلك بحرق النسخ الأخرى للقرآن وبأن لا يُحتَفَظَ إلّا بمصحفه. ثم مضت بعد ذلك خمسون سنة أخرى قبل أن يُحَدّدَ الحجاج بن يوسف طريقة شَكل كلماته، معطيا بذلك للقرآن الصيغة التي نعرفها اليوم؛

8) ألا يخبرنا تاريخ الإسلام بأن طريقة عثمان رضي الله في جمع القرآن، كانت سببا من الأسباب التي أدّت إلى اغتياله، وأن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) الذي كان عضوا في لجنة أبي بكر لكنه أقصي من لجنة عثمان، اعترض على "مصحف عثمان"؟

9) خلال السنوات الثلاث عشر الأولى من الرسالة، من 610م إلى 622م، أقام رسول الله (صلعم) في مكة فقط. وفيها نزل عليه الوحي بالسور الـ86 الأولى تباعا، وهو ما يمثل قرابة الثلثين من القرآن. فلماذا لا نجد هذه السور مرتبة كما نزلت الواحدة تلو الأخرى في المصحف؟ كان من المنطقي أن تصنف على هذا المنوال، ثم أن تأتي لتكملها بعد ذلك السور الـ 28 التي نزلت، متسلسلة بدورها، في المدينة المنورة من سنة 622م إلى 632م. بينما نجد عندما نفتح القرآن اليوم: سورة مكية، ثم 4 سور مدنية، ثم سورتين مكيتين، ثم سورتين مدنيتين، ثم 3 سور مكية، ثم سورة مدنية، ثم 8 سور مكية، ثم سورة مدنية، ثم سورتين مكيتين إلخ.

10) يُجمعُ المتحدثون أن الرسول (صلعم) رتّبَ بنفسه وبموافقة جبريل عليه السلام، جزءا من سُوَر القرآن من الأطول إلى الأقصر، وأنه أمر أيضا بنقل بعض الآيات من سورة إلى أخرى. هذا الجزء (السور السبعة الأولى بعد الفاتحة) هو الذي يوصف "بالتوقيفي" أي المقرر من عند الله (بينما يوصف الباقي بالتوفيقي). لكن إذا كان الأمر كذلك فلماذا أنزلت هذه السور إذا في غير الترتيب المراد لها؟

11) نجد في القرآن الكريم آية تتحدث عن الجمع الرباني للقرآن وحفظه: "لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ" (سورة القيامة 16 إلى 19). هذه السورة نزلت في المرتبة 31 حسب الترتيب الزمني (75 في الترتيب الحالي)، أي في بداية الرسالة، حين كان القرآن لا يزال في طور التنزيل. ومن وجهة نظري، فإن هذه الآية هي التي يكمن فيها مفتاح إشكالية جمع القرآن، حيث رُبَّما فُهمَ منها أن الله تعالى هو الذي سيعنى بذلك.

خلافا لما صرح به وزير الشؤون الدينية في التلفزيون الوطني (النشرات الإخبارية للسبت 04 أفريل)، مُبديا بالمناسبة جهلهُ الواسع العميق بتاريخ القرآن وظروف جمعه، فإن تسمية السور القرآنية لم تنزل مع الوحي بل وضعت من قبل البشر. فالقرآن لم ينزل على شكل سُور، بل على شكل آيات جُمعَت بعدها على شكل سور، حسب ما أوصى به الرسول (صلى الله عليه وسلم). وإن لم يكن كذلك، فكيف نُفَسّرُ إذاً أن 40 سورة من القرآن، تتشكل من آيات بعضها مكية وبعضها الآخر مدنية؟ وكيف نفسر أيضا أَنَّ آراء المتحدثين تختلف في ما يلي:

- تسمية السُّوَر (وبعضها تحمل أكثر من اسم واحد) مثلما هو الحال بالنسبة إلى: الفاتحة، المسد، الماعون، الإخلاص، فاطر، الإسراء، غافر، فُصّلَت، المُلك، محمّد، المطفّفين، الإنسان، العلق، التوبة؛

- زمن ومكان تنزيل آيات بعض السور، مثلا: الرّعد، الإنسان، البَيّنة؛

- العدد الصحيح والدقيق لآيات بعض السور مثل: الرّعد، النّمل، الدّخان، الأحقاف، الرحمن.


ترجمة: بوكروح وليد - بتصرف