تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > منتدى العلوم والمعارف > منتدى النقاش العلمي والفكري

> ريادة تأسيس الفكر العلمي قوبلتْ بالرفض العنيف

 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
sabrina88
زائر
  • المشاركات : n/a
sabrina88
زائر
ريادة تأسيس الفكر العلمي قوبلتْ بالرفض العنيف
22-06-2015, 09:07 AM
ريادة تأسيس الفكر العلمي قوبلتْ بالرفض العنيف


إن المتعلمين والمعلمين بمختلف مراحل التعليم يعملون في نطاق ما هو جاهز وسائد من المعارف والإبداعات، فحتى أساتذة الجامعات مهمتهم نقل معلومات جاهزة إلى الدارسين، فهم ناقلو معارف وليسوا مبدعيها، أما الذين يتجاوزون منهم هذه المهمة فهم عددٌ قليل إلى درجة الندرة
يوجد إيهامٌ شديد في الطريقة التي يتلقى بها الناس قصة تقدم الحضارة، فقد أُوهموا بأن التقدم الحضاري تلقائي وأنه الأصل في الحياة الإنسانية وأن التغيُّر الكيفي ينتج عن التراكم الكمي، وهذا الإيهام فظيع الضرر لأنه قد قَلَبَ الحقيقة تمامًا فقد جعل الناس ينتظرون عكس الذي سيحصل، فحين نقرأ تاريخ حياة الرواد في كل المجالات في كافة العصور وفي مختلف الأمم تتجسَّد أمامنا بوضوح شديد معاناتهم في مواجهة التيارات السائدة التي تتحكم تلقائيّاً بعقول الناس وعواطفهم وتسيطر على أوضاعهم وتحدد اتجاهاتهم وتنساب منها تلقائيّاً استجاباتهم، ولكننا في المقابل نقرأ ما يُكتَب بنشوة وافتخار عن التطور الحضاري وإظهاره وكأنه انسيابٌ تلقائي للتراكم الكمي ومرور الزمن، وكأن الإنسانية كلها كانت ومازالت بطبيعتها وبشكل تلقائي مستشرفة للتغيير ومتطلعة للتقدم ومتهيئة لقبول المغاير والترحيب به والاستجابة لمتطلباته فيجري تكرار المقولة الخاطئة بأن: (التقدم سُنَّة الحياة) وهذا يخالف الواقع مخالفة صارخة ويتعارض مع الحقيقة تعارضًا حاداً، فالجمود والتخلف هما سنة الحياة تلقائيّاً، أما التقدم فهو تحريكٌ لهذا الجمود وخرقٌ لهذا التخلف وإحلالٌ لبنية ذهنية منفتحة وفاعلة محل بنية ذهنية منغلقة ومنفعلة.

إن الناس في كل زمان ومكان محكومون حتمًا ببنى عقلية وعاطفية وبأنماط ونماذج وتصورات وعادات ذهنية وميول وجدانية وتجسيدات سلوكية تكوّنت تلقائيّاً ولا يمكن الإفلات منها تلقائيّاً، فهي قوالب شديدة الصلابة وقوية القبضة بشكل حاسم، فإذا أُوهم الناس بأن التقدم يحصل تلقائيّاً فإن المعضلة تشتد وتتفاقم بهذه المفارقة عن المسار الحقيقي لحركة التقدم الحضاري، ثم ما يقال عن هذا التقدم بعد أن يتحقق ويتآلف الناس معه ويعتادوا عليه وتصبح نتائجه واقعًا جياشًا في حياتهم. وبهذه المفارقة يحصل التباسٌ شديد بل يحصل تغييبٌ غير مقصود لأهم الحقائق عن تلقائية الرفض للمغاير الذي هو سبيل التقدم والازدهار ولا يمكن تحقيق أي تقدم في أي مجال من دون التخلي جزئيّاً عن السائد وقبول المغاير، وهذا التغييب العفوي الذي يدفع إليه الانبهار بالتطورات الحضارية المدهشة فيلتهب الحماس لتأكيد قدرة الإنسان على التغيُّر والنمو والتطور.

إن هذا الانبهار وهذا التأكيد ينتج عنهما تضليلٌ غير مقصود، فالذين قادوا خطوات الإنسانية إلى التقدم في كافة المجالات خلال مراحل التاريخ وعملوا على تحرير الإنسانية من قيود الجهل وأغلال الثقافات وتَحكُّم الواقع هم عددٌ محدودٌ جدا من الأفراد الرواد انفكُّوا بشكل استثنائي خارق من أسر السائد وانطلقوا يكشفون فظاعة القيود ويُعرُّون أسباب الجمود ويفتحون الآفاق، ولكنهم رغم حُسن نواياهم وعظمة تضحياتهم وضرورة وجودهم فقد قوبلوا دائمًا في كل زمان ومكان بالرفض التلقائي العنيف والتضييق الخانق وبذلك يظهر سُخف مقولة: التقدم سنة الحياةّ!

إن تحقيق التقدم في أي مجال ثقافي أو اجتماعي أو سياسي راسخ ليس تلقائيّاً كنتيجة للتراكم الكمي كما يجري تصويره بسذاجة تصطدم بقوة مع وقائع التاريخ وتنفيها معاناة الرواد في كل الأزمنة وجميع الأمكنة، فالتقدم الحضاري يمر دائمًا بعمليات طويلة معقدة تشبه استخلاص قطعة صغيرة من الذهب من عشرات الأطنان من الأحجار والرغام، إنها تحتاج إلى الكثير من الحفر والفرز والغربلة والمعالجة والتكرير، ولكن الأجيال اللاحقة تستمتع بثمار تلك العمليات المعقدة من غير أن تدركها، بل إن الناس اللاحقين يتعاملون مع النتائج العظيمة التي صارت جزءًا من الحياة وكأنها نتائج بدهية موجودة منذ الأزل!

إن هذا المقال عن ريادة غاليليو الخارقة في تأسيس انطلاقة العلم الحديث لكن لابد من الإشارة إلى أنه كان مسبوقًا باكتشاف كوبرنيكوس الذي مثّل ثورة فكرية عارمة في التصور وفي مسارات البحث وفي مآلات التفكير وفي تقويض البداهات الخاطئة، وكان ذلك الاكتشاف المزلزل هو الشرارة الأولى التي أيقظت عقولاً فردية نابهة كان غاليليو في مقدمتهم، إن كوبرنيكوس رغم صدقه وصحة اكتشافه ورغم أنه من رجال الكنيسة إلا أنه لم يتمكن في حياته من إعلان ما توصّل إليه وإنما سمح بإعلانه بحذر شديد وهو على فراش الموت ولم تفلته الكنيسة بل لاحقته بعد موته ولعنته وحرَّمت قراءة كتابه، أما برونو الذي تحمّس للاكتشاف وراح ينشره ويروّج له فقد قامت الكنيسة بإحراقه حيّاً، وأما غاليليو الذي أثبت صحة الاكتشاف بواسطة المنظار الفلكي الذي اخترعه بنفسه فإنه رغم أنه خضع للتهديد واستجاب للضغط وأعلن التراجع عن آرائه والإقرار خطيّاً بخطئه وخطأ كوبرنيكوس فإن ذلك لم ينقذه فقد حوكم وحوصر ومُنع من مقابلة الناس أو التحدث إليهم وأمضى حياته تحت الإقامة الجبرية، وليس الموقف من غاليليو سوى نموذج للموقف من كل الرواد وهذا شاهدٌ من شواهد الريادة الفردية الخارقة والاستجابة الاجتماعية السلبية القامعة، لكن أفكار جاليليو امتدَّت خارج إيطاليا إلى بلدان أخرى في أوروبا فوجدت استجابة إيجابية أتاحت لها أن تتفاعل وتنمو وتؤثر ففي اليوم الذي مات فيه غاليليو وُلد نيوتن.

إن الدلالة الكبرى لهذا الموقف القامع في إيطاليا تتأكد حين ندرك أن المعارضين لغاليليو لم يكونوا من العامة فقط، وإنما جاءت المعارضة الأقوى من أساتذة الجامعات ومن الكنيسة ومن حماة الثقافة السائدة الذين يقدسون الموروث ويرفضون المغاير مهما كان مدعومًا بالتجارب والوقائع.. فلقد عانى غاليليو من ممثلي المؤسسات التعليمية وغيرهم من المأسورين بما تبرمجوا به مهما كان مضمونه واتجاهه ومن حماة السائد بكل جموده وانغلاقه.. وأدرك ندرة القادرين على تجاوز المألوف فكتب يقول: (في العلم.. المرجعية المتجسدة برأي الآلاف لا تساوي لمعة ذهن من إنسان واحد) إذ كان غاليليو يدرك أن الريادات الفكرية الخارقة هي التي تكسر الجمود وتتحرر من القيود وتعترض على الترديد والاجترار وتقود المسيرة الإنسانية نحو التقدم والازدهار، ولكنه أدرك أيضاً أن الناس لا يتقبلون هذه الالتماعات الخارقة إلا بعد أجيال من الرفض ومقاومة الجديد، فالأصل في مواقف المجتمعات والمؤسسات والثقافات والناس عمومًا هو الرفض الحاسم للمغاير ومضايقة وتهميش من يَدْعو إليه.

إن عقل غاليليو المتوقد جاء مختلفاً عن العقل السائد المحيط به فقد ظل يلاحظ ويدون ملاحظاته ويقارن ويفحص ويحلل ويفرز ويتأمل ويستنتج، ولكنه وجَدَ أن الناس حتى من يُنظَر إليهم بوصفهم علماء أو مرجعيات يبقون مأخوذين بما تعلموه واعتادوا عليه وتبرمجوا به، إنهم يحكمون على المغاير بمعايير السائد وليس بمعايير موضوعية محايدة فتكون النتيجة هي الرفض التلقائي للمغاير، وكما يقول بريام أبليارد في كتابه (فَهْمُ الحاضر: تاريخ بديل للعلم): "غاليليو كان يمتلك تلك الثقة الجديدة.. تلك المعرفة الجديدة التي انبثقت من عينه ومن مقرابه ومنطقه فالأحلام الخرافية كانت على وشك أن تُكشَف على أنها مجرد أحلام وكنا على وشك أن نفيق من نومنا"، فلم يكن غاليليو من نتاج البيئة التي نشأ فيها ولا من ثمار الجامعة التي دَرَسَ فيها وإنما كان في تفكيره وفي منهجه وفي اتجاهه مضادًا للبيئة وثائرًا على جمود الجامعة، فهو ككل الرواد نتاج نفسه، لقد تعمّق في دراسة الفلسفة اليونانية وتفتّق ذهنه عن رؤى مغايرة لما نشأ عليه وما تعلّمه، فقد كان يسخر من معلميه وينتقد أساتذته بحدّة، وهذا هو شأن كل الرواد فمهما كَثُر عدد الناس فإنهم لا يفكرون تفكيرًا منتجًا إلا إذا فكروا بطرائق مختلفة، أما إذا تشابهوا في التفكير فإنهم في الحقيقة لا يفكرون وإنما هم بمثابة نُسَخ مكررة.

إن الناس في كل زمان ومكان يبقون متهيئين تلقائيّاً لرفض الأفكار المغايرة، لكن المخترعات الكاشفة كانت عونًا حاسمًا في تحقيق الاكتشافات وفي إقناع المتشككين بالمشاهدات الحية، وكما يقول بريام: "المقراب هو الذي وضع نهاية لأرسطو وحدَّد وجهتنا".. ورغم أن المعارضين من أساتذة الجامعات ورجال الكنيسة وقادة الثقافة كابروا ورفضوا النظر من المنظار إلا أن غيرهم انبهروا من رؤية الكواكب والمجرات والنجوم بواسطة هذا المنظار العجيب الذي كان في وقته حدثًا استثنائيّاً باهرًا، وكما يقول لورين إيزلي في كتابه (مدار الزمن): "فَتَحَ غاليليو بمرصده آفاق الظلمة الهائلة.. وفي مدى القرون الثلاثة بعده أصاب هذا العالم الظاهري تغييرٌ هائلٌ في عقولنا فإن ضوءًا خافتًا قصيّاً يكاد لا يبين للعين المجردة اتضح لنا الآن أنه مجرَّة"، لم تكن أفكار غاليليو أفكارًا مجردة، وإنما كانت مدعومة بالمشاهد الفلكية الحية الباهرة، لذلك فرغم الموقف العنيف من الكنيسة والرفض القوي من الجامعات فإن تأثيره امتد إلى أوروبا ووجد صداه في فلسفة ديكارت في فرنسا ونيوتن في انجلترا وتجاوب معه المفكرون في كل مكان من أوروبا، لكن النتائج على مستوى الشعوب سوف تستغرق زمنًا طويلاً ، فالتغيير على مستوى الأفكار والتصورات هو أشبه بكسر بنية ذهنية قائمة واستبدالها ببنية ذهنية مغايرة.

لقد فطن غاليليو لظواهر الانتظام في الكون وأدرك أن هذا الانتظام يدل على وجود قوانين كونية يمكن اكتشافها، وأنه بهذا الاكتشاف يمكن للإنسانية أن تستثمر هذا الانتظام في خدمتها وتطوير وسائلها وتسخير القوى الطبيعية في تنمية الإمكانات الإنسانية.. إن الناس عمومًا لا ينتبهون لدلالات الظواهر حتى يظهر فردٌ رائد مشرق العقل استثنائي التفكير فيدرك هذه الدلالات، وكما يقول الفيلسوف الأميركي المعاصر وليم غيمس في كتابه (بعض مشكلات الفلسفة): "لم يكن أبسط انتظام في الأشياء يجذب انتباه الناس بعيدًا عن الصفات التي انتهوا إليها في الأصل".. إن أشد الظواهر إثارة وإدهاشًا يصير بالتكيف والتعود غير مثير ولا مدهش حتى يفطن فردٌ واحد من بين الملايين لهذه الظاهرة المألوفة أو تلك ويفجِّر ما فيها من دلالات عظيمة أخفاها التعوُّد.

إن دلالات الانتظام بزغت مع أفكار غاليليو والرواد الذين جاؤوا بعده، وكما يقول وليم غيمس: "قليلٌ من بيننا من يدرك قِصَر عهد العلم فمنذ ثلاث مئة وخمسين عامًا لم يكن أحدٌ يكاد يعتقد في نظرية كوبرنيكوس في الكواكب ولم تكن المجموعات البصرية قد اكتشفت بعد وكان الناس يجهلون دورة الدم ووزن الهواء وتوصيل الحرارة وقوانين الحركة.. لم تكن هنالك ساعات ولم يكن هنالك مقاييس للحرارة ولم يكن هنالك جاذبية".. إن هذه الحقائق عن الكون والإنسان قد صارت الآن من المعارف المتاحة للجميع، لكن العلم ليس معلومات؛ وإنما هو طريقة تفكير وأنماط تصورات ومنظومة قيم واتجاهات اهتمام، لذلك فإن أهمية غاليليو وأمثاله من الرواد تتجدد مع الزمن، فمازالت المؤلفات والدراسات تصدر عنه وسوف يظل اسمه يتردد بوصفه مؤسِّس العلم الحديث، وكما يقول وليم غيمس: "بدأ العلم الحديث مع غاليليو وكبلر وديكارت وتوريشلي وباسكال وهارفي ونيوتن وهوغنز وبويل.. انتقلت المكتشفات التي اشتهرت بها حياة خمسة رجال من الواحد منهم إٍلى الآخر على التعاقب كانت كل تلك المكتشفات هي الثمرات الأولى لاكتشافات غاليليو..".

إن هؤلاء الرواد الأفذاذ كانوا ذوي بصائر خارقة ولم يكن اهتمامهم موجّهاً لحفظ معلومات جزئية، وإنما كانوا يبحثون عن المبادئ الكلية والقوانين الجامعة، وكما يقول وليم غيمس: "فالرجال الذين بدأوا هذا العلم لتحرير العقل البشري كانوا فلاسفة بالمعنى الأصيل لكلمة فلسفة"، ويقول وليم غيمس: "إن خصب التصورات والأفكار الحديثة جعلت المجالات الخاصة في المعرفة تنمو وتزدهر.. ولم يكن لأحد أن يسبق إلى التنبؤ بهذا الخصب الفذ الذي حققته تلك العبقريات.. ولم يكن لأحد أن يحلم بذلك التحكم في الطبيعة الذي أفضى إليه البحث عما يجري فيها من تغيرات".. إن تصورنا عن التطور الحضاري في كافة اتجاهاته يجب أن يتغيّر تغيراً جذرياً، إنه ليس نتاج التراكم التلقائي، وإنما هو ينهض على جناحي الريادات الفردية الخارقة والاستجابات الاجتماعية الإيجابية الكافية، ولكن تاريخ الأفكار والعلوم والفنون يؤكد بوضوح تام بأن الرواد في كل المجالات عانوا من الرفض التلقائي العنيف، وأن الاستجابات لا تأتي إلا متأخرة وربما يمتد التأخر قرونًا.

لقد ثار غاليليو على الطريقة السائدة في التفكير وفي التعليم وفي منهج البحث وابتكر منهجًا جديدًا في التعلُّم والتجريب والبحث والتحقق فكتب يقول: "من يرغب في إيجاد شيء جديد فعليه أن يلجأ للتخيُّل وأن يُعمل فكره ويكتشف".. إن التخيُّل وإعمال الفكر يعنيان عدم الاكتفاء بالموجود، وإنما إيجاد ما ليس موجودًا، ولم يكتف غاليليو بالقول بل لجأ إلى تطوير وسائل الرؤية والكشف والتحقق فتمكّن من اختراع منظار فلكي كَشَفَ به لأول مرة في التاريخ طبيعة الكواكب والنجوم وأمدّه بوسيلة حاسمة لإثارة دهشة الناس وإقناع بعضهم.

إن أهمية غاليليو تأتي من تشكيكه في السائد وتهيئة الأذهان لقبول التغيير، كما تأتي من طريقته الجديدة في التفكير ومنهجه في الإثبات واعتراضه على تقديس المألوف وسعيه إلى هدم الأسوار التي تعوق الإنسانية وتستبقيها مرتهنة لمفاهيم خاطئة وتصورات غير صحيحة.. لذلك فإن إنجازاته مازالت موضوعًا للدراسة والبحث والإشادة!

الجوهري والأساسي جداً أن يدرك الناس أن التقدم الحضاري ليس تلقائيّاً وأنه يتعارض مع التكوين التلقائي للعقل وأنه من طبيعة الكيانات الثقافية أنْ ترفض التغيير تلقائيّاً وأن حصول التقدم مشروطٌ بظهور ريادات فردية خارقة، كما أنه مشروطٌ بشكل أشد بالاستجابة الاجتماعية الإيجابية الكافية لهذه الريادات، غير أن الناس يتلقون النتائج التي تُسفر عنها عمليات الريادة والاستجابة في مجالات الفكر والفعل ومجالات العلم والفن وفي غيرها من المجالات مفصولةً عن معارك الرفض، فمن النادر أن يدركوا طبيعة الريادة واختلافها النوعي عن السائد، إنهم لا ينتبهون لفرادتها النوعية ولا يتعرفون على العقبات الخانقة التي واجهت الرواد من البيئات المحيطة بهم وكيف صارعوا ببسالة مدهشة ضد التيار السائد وكيف عوملوا باستخفاف مهين أو بعنف لا يليق إلا بالمجرمين، ومع كل ذلك فإنه لولا هذه الريادات الفردية الخارقة والصامدة لما تقدمت العلوم والفنون ولما تغيرت الأوضاع ولما ازدهرت الحضارة.

إن المتعلمين والمعلمين بمختلف مراحل التعليم يعملون في نطاق ما هو جاهز وسائد من المعارف والإبداعات، فحتى أساتذة الجامعات مهمتهم نقل معلومات جاهزة إلى الدارسين، فهم ناقلو معارف وليسوا مبدعيها، أما الذين يتجاوزون منهم هذه المهمة فهم عددٌ قليل إلى درجة الندرة، وهم بهذا التجاوز يخرجون من نطاق السائد المهيمن إلى مستوى مغاير فيصيرون من المبدعين أو الرواد أو من قادة الفكر أو الفعل، وفي الغالب يواجههم حُماة السائد وعامة الناس بالرفض العنيف والتضييق الخانق، ثم قد تأتي أجيالٌ قد تفطن لأهمية ما أتوا به فتحصل الاستجابة الإيجابية بالتدريج وربما يستجاب للريادة في بيئة أخرى تختلف عن البيئة التي ترفض الريادة وتستنكر التغيير كما هو شأن الرواد العرب: ابن رشد والرازي وابن سينا والكندي والفارابي وابن النفيس وابن الهيثم وغيرهم من العلماء والفلاسفة الذين نشأوا في البيئة العربية، لكنها رفضتْهم رفضًا قاطعًا وعنيفًا، وهو منهجٌ في التعامل مع المغاير مازلنا نكرره مع روادنا، ولكن بالمقابل فإن أوروبا قد استقبلت أفكار روادنا بالقبول والتفاعل فازدهرت هذا الازدهار الذي مكّنها من قيادة العالم.

لا يمكن أن تتطور العلوم والفنون والتقنيات وتزدهر الحضارة بواسطة المردّدين، فلو بقي كل الدارسين خلال التاريخ يتلقون معلومات ويحصلون على شهادات مقابل هذا التلقي ويرددون ماتَلَقَّوه لما تقدمت العلوم والفنون ولكان ازدهار الحضارة محالاً ، لكن أفرادًا استثنائيين يخترقون إجماع الترديد فيفكرون بشكل مختلف فهم يحللون ما يقرأون ويتفاعلون مع الواقع ويقارنون بين ما يقال وما يمارَس ويلاحظون المفارقات في أحوال الأفراد وفي أوضاع المجتمعات، ويلفت نظرهم التفاوت الشديد بين الأفراد من ذوي التخصص الواحد، كما يلاحظون تفاوتًا أشد بين الأمم ذات الثقافات المختلفة ويحرصون على أن يدركوا أو يفهموا أسباب هذا التفاوت ويطلقون الخيال لارتياد آفاق جديدة بحثًا عن عوامل التفاوت وأسباب الاختلافات ويسيرون مع طُرق غير مطروقة ولا يذوبون في الواقع؛ بل يبقون حساسين فينتبهون لما لا يلفت نظر الآخرين ويفكرون خارج التصورات السائدة فيرون ما لا يراه غيرهم ويكتشفون ما خفي عن سواهم.

د.ابراهيم البليهي
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 10:24 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى