التجديد أو الانقراض
23-06-2015, 10:26 AM
ان الدين الحق هو الروحانية والروحانية قوامها الذوق والجمال و الاحاسيس الراقية و كذا الفكر المستنير المنفتح على آيات الكون المبثوثة في النفس والآفاق، لذلك نحن لا نتكبر عن جوهر الدين المستنير و لا على النصوص الروحانية الكبرى التي ترجع للملهمين من أنبياء و صوفية و أدباء و رواءيين عالميين شرفاء، ثم ان الإتجاه العقلي للبشرية الحديثة ليس موجها لإقصاء التاريخ الروحي للإنسانية كما يظن المبتدءون الظرفاء بل هو متجه نحو أنصاف المتدينيين و كهنة المعبد و زعماء الطوائف اللاهوتية الذين عجزوا عن الإستنارة العقلية و الروحية معا، لذلك يلجأوون لإنتقاد و إقصاء كلا الإتجاهين الروحاني و العقلاني معا.
و ما رميهم بالزندقة و الهرطقة كل من يخالفهم الرأي والتأويل مستعينين بالسلطان المتواطئة و الفئات الإجتماعية المهيمنة الا دليلا على افلاس بضاعتهم وعجزها التام عن ربط علاقة سليمة مع الذات ومع العالم جميعا.
وحتى نتجنب تكرار انتاج هذه السلالة المريضة من انصاف العلماء يجب ان يخرج الباحثون في الشأن الديني والتراثي من التصارع حول مشاكل التفسير و التاويل والقياس والترجيح بين الادلة، و كذا المفاضلة فيما بينهم بالاتباع والتسلف و زعم كل طرف من الاطراف المتصارعة انه وحده القادر وفق منهجه الاستنباطي على كشف المعنى المستور في النص، وبيان الحقيقة المطلقة، والهيمنة على نظرية كل شيئ... الى منهج آخر في الرؤية والبحث يسعي لكشف بنية النص و بيان العلاقات الوظيفية التي تصنع المعنى و تسيره، ومحاولة فهم المعنى في اطاره التاريخي وكشف كل الملاباسات الفكرية والسياسية والانثربولوجية التي انتجته وعملت على انبثاقه، حتى ننتج جيلا يفكر ويسأل وينتقي ويبني افكاره باستقلالية ولا ننتج غثائية خاملة تقول في سرها وجهرها نحن نفتخر كوننا مستنين بالاوائل وعلى نهجم سائرين مع تابعي التابعين...
لان الاكتفاء بالسعي الحميم لكشف معنى مستور في النص إنما هي وظيفة العقل القروسطوي العقيم المستند الى الفكر التوسلي والتمثيلي والقياسي والمحاكاتي والاسقاطي، العاجز عن فهم وظيفة النص واللغة وكيفية اشتغالها بحمل المعنى الروحي والاجتماعي والتاريخي. لذلك سرعان ما ينغلق المنهج القياسي على نفسه متوهما بلوغ الحقيقة المطلقة، ولاغيا ما عداه من نصوص تفسيرية منافسة..وهذا ما لاحظه الباحث المستشرق الالماني شاخت في كتابه حضارة الاسلام عندما حكم على العقل العربي كونه عقل قياسي تجميعي، يستند في معقوليته على حدثنا وروى لنا وقيل ان وجاء في الاثر وروى الجمهور...الخ
و قد انتهت هذه االوظيفة اليوم مع بدأ عصر السيمياء و الهيرمينوطيقا، والفينومينولوجيا والفيلولوجيا والايتيمولوجيا و البنيوية و التفكيكية والاركيولوجيا وغيرها من المناهج العلمية المنتظمة حول نسق تساؤلي معقلن، عميق ومنظم وهادف ومتجذر في مقولات فلسفية لها شأنها. وليس على مجرد مقولات الرأي والمذهب والطائفة..
إن عقولا عاجزة لسبب من الاسباب على تمثل المعارف و المناهج الحديثة سوف لن ترضى بغير وظيفة التفسير والتأويل المملة والعقيمة والتي هي في النهاية لا تخبرنا الا عن نفسية المفسر وثقافة زمانه وملابسات لحظة الكتابة.
ثم ان القول بان هذه الامة تستند الى الدين الحق والفطرة السليمة هو مجرد وهم امومي ذاتي عصابي، دأب العرب قبل الاسلام وبعده بالتفاخر والاعتداد به بلا سند موضوعي، بينما الوعي الانساني السليم الذي يقود مسيرة البشرية اليوم نحو المستقبل هو ذاك الوعي الذي يعيش في توتر وقلق معرفي دائم، متطلعا بفؤاده نحو بناء ما هو افضل فأفضل، فارضا على الوجود الروحي والمادي معا اسئلة جديدة ذات ثورية وجرأة وو فق افق انساني عميق جدا، غير مستند بالضرورة الى تراث ديني او ابستيمولوجي ثابت ومحدد مسبقا بمقولات نهائية..
اما الفكر العربي المبني على المدارس الفقهية والعقدية العقيمة المسؤولة الاولى عن تخريج ملايين الغثائية فهو ظل يردد على مسامعنا ان كل شيئ على ما يرام ، وان العصمة مع النقل لا مع العقل و ان الاتباع اولى من الابتداع و ان كل بدعة ضلالة وكل ضلا....وفي كل الاحوال فالمخلص الذي يأتي في آخر الزمان سوف يعيد الامور الى نصابها..سيقضي على الفتن ويوحد الامة على دكتاتور واحد ويقتل الشيطان الاسطوري المسيح الدجال الذي هو مجرد مخيال فارسي زرادشتي ...
وإذا لم تفلح الحكومات العربية في تحديث البرامج التربوية و الجامعية وادخال المناهج العلمية الحديثة في قراءة النصوص التراثية وتعميم تخصص الانثربولوجيا الدينية والقراءة العلمية للتاريخ فاننا لن نجني سوى مزيدا من الغلو و التطرف و العقم و عمى الرؤية و العيش خارج االعصر، وسنظل نقذف الى هامش البشرية الحديثة حتى ننقرض تماما.
ثم ان هؤلاء الاسلامويون المندفعون بالحس و الوجدان الغريزي لمقاتلة الأشرار،و إنجاز الوعد وتحقيق السيادة الموهومة على باقي الخلق، و كل ذلك الدجل الذي يراودهم كالوسواس القهري والذي ينبعث لهم من الأطر الفكرية القروسطوية المنغلقة على نفسها و التي تشكلت و تبلورت واكتملت بنيتها جراء التامل العميق والدائم في تجربة دينية وتاريخية وثقافية واحدة ووحيدة هي التجربة الكلاسيكية الاسلامية ، نافية كل ما عاداها من تجارب الامم الاخرى، لانها ظلت تعتبرها تجارب الامم الهالكة من الكفرة الاشرار الضالين عن الطريق المستقيم / من تفلسف فقد تزندق.
لأن الإديولوجيا الاسلامية السائدة اليوم هي مجرد خطاب إحتجاجي على اللامعنى الذي كرسته خمسين سنة من العلمانية المشوهة والعجز المستمر عن الخروج من مجتمعات ما قبل الدولة الى مجتمعات التمدن والقانون المدني لذلك تراها مصطلمة ولا ترى أمامها شيئا وكل افعالها واحتجاجاتها انما هي رد فعل لفعل مجهول ومن ثم أتركوها تبلغ ذروتها و سوف تنهار من تلقاء نفسها .
اقول: المسلمون لحد الساعة لم يفهموا تجديدات ابن رشد وتوجيهاته لخلق علم كلام جديد خالي من التناقضات ولا تجديدات الشاطبي في الاصول ولا محمد اركون في الفكر ولا هم سيفهمفون مشاريع ملك بن نبي او الجابري ومحمد شحرور وعبد المجيد الشرفي والعفيف الاخضر ولا اي مفكر كان وهذا ان دل على شيئ فانما يدل ان الازمة في حالة تجذر وليست في حالة انفراج

الاستاذ ب . بن شيخة
[SIGPIC][/SIGPIC]