حقيقة الدعوة إلى الأخوة الإنسانية!!؟
17-11-2015, 03:08 PM
حقيقة الدعوة إلى الأخوة الإنسانية
!!؟
!!؟لفت فضولي، وأثار انتباهي: استعمال بعض الكتاب العرب لمصطلح:" الإنسانية!!؟"، وقد ظننت للوهلة الأولى بأن قصدهم به إنما هو: بعض المعاني السامية في شريعتنا السمحة، ولكنني سرعان ما اكتشفت خطأ ما أسرع إليه ذهني: اعتمادا على دلالة اللفظ مجردا عن سياقاته، ذلك أنني لاحظت تتابع هؤلاء على استعمال لفظ:" الإنسانية" في:( تمجيد القيم الغربية، وإسباغ هالة التعظيم لها بإطلاق أوصاف: التنوير والحداثة والتقدمية عليها!!؟)، وفي الوقت ذاته: يسعون جاهدين في:( الطعن فيالقيم الإسلامية، ووصفها بالتخلف والرجعية والظلامية!!؟).
وكشفا لحقيقة هؤلاء، ننشر – بتصرف يسير – هذا المتصفح الماتع الرائع، وهو للأستاذ الفاضل:" خباب بن مروان الحمد "، جزاه الله خيرا.
سننشر المقال على حلقتين: تاركين إحالات الكاتب للحلقة الثانية.
وإلى المقصود بتوفيق الكريم المحمود:
يرى المفكرون أن من أصيب بالانهيار الداخلي ، والهزيمة النفسية تجاه من يعاديه، فإنه سيحاول جاهداً بقدر المستطاع: أن يثبت بأنه محب له ومسالم ، فلا بأس أن يهدي له كلمات المحبة والود والإخاء ، ولو كان ذلك على حساب عقيدته التي ينتمي إليها ويستظل بظلها .
واليوم، ونحن نشاهد أعداء الإسلام، وقد:( كشروا عن أنيابهم ، وأبدوا ما كان مخبئاً في صدورهم ومكنون قلوبهم من عداوتهم للمسلمين ، وإرادة الشر والمكر بهم) ، فلا عجب أن نجد كثيراً من الكبراء أو المنتسبين للعلم والفكر حين يتنازلون عن أصول الدين ، وثوابته العظام: خشية أن يصمهم عدوهم بأنهم (متشددون ) أو( أصوليون).
و لا يزداد هؤلاء وأمثالهم إلا انبطاحاً للكفار، ويتزايد سقوطهم الفكري شيئاً فشيئاً، لإرضاء شرذمة الكفر، وعصابة الإجرام – وقد لا يشعرون – ويكون حالهم كما قال الشاعر:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله *** والزاد حتى نعله ألقاها
وإن من المبادئ التي يسعى ( التحالف الصليبي ) لبثها في الأوساط الإسلامية، وخاصة بين النخب العلمية والمثقفة، والذين لهم تأثيرهم على أتباعهم ومريديهم، مبدأ:( الإخاء الإنساني) أو:( الإنسانية )، ومن ثم إلى (الإخاء الديني ) و(التلاحم الفكري ): محاولين أن يصنعوا لها ألواناً براقة [1] ، تخلب الألباب ، وتثير المشاعر ، فيتلقفها المسلمون ، وتسري في عروقهم تلك المبادئ حتى النخاع ، وعندئذٍ يتحقق للصليبين ما أرادوا نشره ، وتنجح لعبتهم الماكرة لكسب المسلمين بجانب صفهم ، وصدق الله حين وصفهم بقوله : (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) [2].
و الغريب أن هذه المبادئ: قد نالت حظاً واسعاً بالانتشار في عقول كثير من المسلمين، وبعض المنتسبين للفكر والعلم !!؟، وعقدت الكثير من اللقاءات والندوات الفكرية والحوارية باسمها، لأجل التنظير لها ، والمنافحة عنها!!؟، حتى ظنت طائفة من المسلمين بأنها مصطلحات:( خير وبر!!؟)، وما دروا أن:" السم دس في العسل"، وصدق من قال:
كم حديث يظنه المرء نفعاً *** وبه لو درى يكون البلاء
* فلنكشف الأوراق، ولنظهر الحقائق :
المُرَاجِعُ لتلك المبادئ، وحين يردها إلى أصلها وجذورها التاريخية ، سيجد أن من أوائل من بدأ بالتركيز على إبرازها هي : ( الحركة الماسونية ) وأذنابها من المستعمرين[3] الحاقدين ، أو ممن تلبس بلباسالإسلام من المنهزمين، وكان متأثراً ببعض نظم تلك الحركة .. و لست مبالغاً، فإن هذه المنظمة العالمية قد بنت ركائز فكرها، ودعائم منهجها على ثلاث مبادئ:(الحرية – الإخاء الإنساني – المساواة )، وهم يسعون لنشرها بكل ما أوتوا من قوة مادية أو معنوية ، حتى يتلقفها الجهلة ، ويكونوا بوقاَ لنشرها والتعريف بها .
وقد ذكر الأستاذ :" عبد الله التل" في كتابه ( جذور البلاء )[4]:مترجماً لكلام اليهود في بروتوكولاتهم ما نصه :( كنا أول من اخترع كلمات الحرية والإخاء والمساواة التي أخذ العلماء يرددونها في كل مكان دون تفكير أو وعي، وهي كلمات جوفاء لم تلحظ الشعوب الجاهلة مدى الاختلاف بل التناقص الذي يشيع في مدلولها، إن شعار الحرية والمساواة والإخاء الذي أطلقناه، قد جلب لنا أعواناً من جميع أنحاء الدنيا) ا.هـ
وبغض النظر عن صحة البروتوكولات ونسبتها للماسونية اليهودية أو عدمها ، فإنهم قطعوا على أنفسهم عهداً بنشرها، ليغزوا بها عقول المسلمين .
ولهذا فقد أصدر المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي فتوى قيمة، بعد أن اطلعوا على أفكار تلك الحركة الخبيثة، وما يهدفون إليه من نشر الثقافات الكافرة، والكتابات الماكرة، وكان في تلك الفتوى ما نصه:
( أنها – أي الحركة الماسونية – تبني صلة أعضائها بعضهم ببعض في جميع بقاع الأرض على أساس ظاهري للتمويه على المغفلين، وهو: الإخاء الإنساني المزعوم بين جميع الداخلين في تنظيمها دون تمييز بين مختلف العقائد والنحل والمذاهب )[5]ا.هـ
* الشريعة الإسلامية ومصطلح ( الإخاء) :
قد بينت الشريعة الإسلامية حقيقة وكيفية(الإخاء) كما في الوحيين:(الكتاب والسنة) وهي :
1ـ أُخوة الدين.
فمن كان كافراً، فهو أخ للكافر، ومن كان مسلماً، فهو أخ للمسلم، ومنه قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)[6]، وإنما أداة حصر فقد حصر الله الأخوة بين المؤمنين فقط ، ومنه قوله تعالى : ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)[7] ، أي: في دين الإسلام [8]، ومنه قوله – صلى الله عليه وسلم – (المسلم أخو المسلم )[9]، ولذا فإنه لما خاف الخليل إبراهيم – عليه السلام- من بطش الطواغيت بزوجته سارة، قال عنها ( إنها أختي )، أي أخته في الدين الحنيف الذي يجمع بينهما، وهو: الإسلام.
ولذا فقد بين – عز وجل – أن المنافقين ليسوا بمسلمين، وأنهم إخوان للكافرين، فنزع أخوتهم من المسلمين، وقرنهم بالأخوة التي تربط بينهم وبين أسيادهم الكافرين، فقال:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)[10].
قال:" ابن الجوزي" عند قوله تعالى :(يقولون لإخوانهم: أي في الدين لأنهم كفار مثلهم، وهم: اليهود )[11].
2. أخوة القرابة والنسب:
ومنه قوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ)[12]، وقد نص جمع من المفسرين بأن المقصود بهذه الأخوة في هذا الموضع بأنها أخوة النسب ، ومنهم:" الشوكاني" حيث يقول:" أي أخوهم من أبيهم لا أخوهم في الدين".[13]، ومن هذا قوله تعالى لموسى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي)[14]، والمقصود به:" هارون -عليهما السلام- والذي كان أخاً لموسى من أب وأم".
* زوبعة عصرية، وإثارة قضية:
أثار بعض المفكرين العصريين والمناصرين لمبدأ:( الإخاء الإنساني ) بأن هذا المصطلح قد ذكره بعض المفسرين في كتبهم، وأن له دليلا من القرآن، مثل قوله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا)[15] ، قائلين: إن القرآن أثبت هذا الإخاء فهو – عليه الصلاة والسلام – لم يكن أخاً لقومه في الدين، لكنَّه أخاهم في البشرية والإنسانية ، ولهذا لا مانع بأن نطلق على النصارى واليهود بأنهم:" إخواننا في الإنسانية" .
وجواب ذلك: بأنه لاشك أننا جميعاً مسلمين وكفار خلقنا الله – عز و جل – من أبينا آدم وأمِّنا حواء- عليهما الصلاة والسلام – فنحن جميعاً نشترك في البنوة لهما وهو – سبحانه – ينادينا جميعاً قائلاً : (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا)[16]، وعليه – راجياً أن يُفْهَمَ ما أعنيه – فلو أطلق البعض هذا المصطلح لأجل تلك البنوة من آدم وحواء – وليس له إلا هذا المراد فقط – لهان الخطب ، وأصبح الأمر قابلاً لوجهات النظر ، من حيث أصل هذا المصطلح ، ولكن .....
* هل يريد هؤلاء العصرانيون: أن يثبتوا هذا المبدأ بهذا التفصيل ، أم:" أن وراء الأكمة ما ورائها!!؟"، وأن المراد غير ما يظهر ، وأن الجوهر بخلاف المظهر!!؟.
- قيل في المثل العربي:( الحقيقة بنت البحث )، ولا شكَّ أنَّ الغوص في معاني الأمور، ومحاولة إدراك حقائقها من الأهمية بمكان ، والحق الذي لا أشك فيه: أن هذا المبدأ لا يقصد جل من يقوله – نسأل الله لنا ولهم الهداية – إلا خلاف الحق ، وتفريغ الإسلام من محتواه الاعتقادي ، وإبعاد المسلمين عن منهج الله القويم ، وصراطه المستقيم[17]، إلى أن ينتقلوا بمن يتأثر بأطروحاتهم تلك إلى إثبات مبدأ:(الإخاء الديني) وقد كان ... فتختلط الأمور، ويصبح الأمر في حيص بيص ، ويطمع الطامعون في إسقاط المسلمين بمزالق عقدية خطيرة تحت مظلة:( التقارب الديني ) أو:(التعايش مع الآخر)، أو:( نبذ الشك والارتياب بالآخرين )، ويصبح من تأثر من المسلمين بتلك الأُطر ، كما قيل :
فتراخى الأمر حتى أصبحت *** هملاً يطمع فيها من يراها
* أهداف المدرسة العصرانية ومقاصدها في التلويح بهذا المبدأ :
1) تمييع عقيدة البراء من الكفار وبغضهم وعدواتهم ، واستبدال ذلك بالدعوة إلى محبَّتهم ومودتهم ومصاحبتهم!!؟، إلى غير ذلك من العبارات التي يحاولوا أن يسترضوا بها الكفار، لتربط بينهم وبين المسلمين بوشيحة الإخاء ، وحين يقتنع المسلم بهذه الدعوات المنهزمة، فإنه سيقل إحساسه بخطر الكفار ، وأهمية البراءة منهم ، بل سيحصل بينه وبينهم نوع من الانسجام الفكري ، والتنازل العقدي ، بغية الاجتماع على قواسم مشتركة!!؟.
وممَّا يجدر التنبُّه له ، ووجدته واضحاً من خلال البحث والاستقراء لكتابات أصحاب المدرسة العصرانية ، حيث رأيتهم متوافقين في مقاصدهم تجاه:(الإخاء الإنساني)، وأنَّهم يريدون من ورائه: القول بمودة الكفار، ومحبتهم والتعايش معهم، ولهم كتابات منتشرة في ذلك، لو قلَّبها المتابع: لوجدها صريحة بنشر هذا المقصد ، فتجد أنَّ بعضهم يقول :(إنَّ الأخوة الإنسانية العامة التي أوجب الإسلام بها التعارف عندما يختلف الناس أجناساً وقبائل يجب وصلها بالمودة ، والعمل على الإصلاح ومنع الفساد ولو اختلف الناس ديناً وأرضاً وجنساً)، بل إنَّ بعضهم يقول:(... ومع ذلك التاريخ السابق، فإننا نحب أن نفتح آذاننا وقلوبنا إلى كل دعوة تؤاخي بين الأديان وتقرب بينها ، وتنزع من قلوب أتباعها أسباب الشقاق).
والحقيقة أنَّ من تعلَّم العقيدة الربَّانيَّة حتَّى تجذَّرت في أعماق نفسه البشرية ، يعلم أنَّ هذا الكلام مغاير لنصوص الكتاب والسنَّة ، فأين يوجد في كتاب الله أو في سنَّة رسول الله: القول بجواز مودَّة الكافر!!؟، فاللَّه ـ عزَّ وجلَّ ـ يقول في محكم التنزيل:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ)[18]، وهنا نهي صريح عن إلقاء المودة للكافرين ، ويقول تعالى كذلك:(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)[19].
قال شيخ الإسلام:" ابن تيمية" رحمه الله معلقاً على هذه الآية:" أخبر الله أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادينلله ورسوله ، فإن نفس الإيمان ينافي مودته كما ينفي أحد الضدين الآخر ، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده ، وهو موالاة أعداءالله )[20] ا.هـ .
ولذلك فإن هذه الآية: لم تخص الذين حاربونا فقط من دونهم، بل عمت الكفار أجمعين، وفي هذا يقول الإمام:" ابن حجر العسقلاني" رحمه الله عن هذه الآية :" البرُّ والصلة والإحسان: لا يستلزم التوادد والتحابب المنهي عنه في قوله تعالى(لا تجد قوماً...)، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل"[21].
وقد يقول قائل: إنَّ المرحلة تقتضي كهذه العبارات، لتخفيف وطأة الكفَّار على المسلمين!!؟.
ولكنَّنا نقول متسائلين كذلك : هل ورد مثل هذا الكلام من رسول الله –صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام حين كانوا مستضعفين في مكة ، وحين كان الكفار يسومونهم سوء العذاب ، رغم توفر الأسباب الداعية لذلك ، ومحبة كفار قريش لتلاقي دينهم مع دين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأن يداهنهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليداهنوه ؟ .
إنَّ ذلك لم يكن ألبتة ، مع أنَّ الكفار كانوا يودون أن يداهنهم رسول الله ـصلى الله عليه وسلَّم ـ ليداهنوه ، فقد قال تعالى عنهم:( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)[22] قال:" أبو المظفر السمعاني" – رحمه الله- ( وقوله(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) أي : تضعف في أمرك فيضعفون ، أو تلين لهم فيلينون )[23] ، وذكر:" القرطبي" – رحمه الله – على هذه الآية عدداً من الأقوال ثم قال : ( قلت : كلها إن شاء الله صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى ، فإن الدهان : اللين والمصانعة ، وقيل: مجاملة العدو وممايلته ، وقيل : المقاربة في الكلام والتليين في القول )[24].
ومع هذا كله فقد أبى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يستمع لكلامهم بل قال بصريح العبارة : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)[25]، وكان- بأبي هو وأمي – مقتفياً لقوله تعالى : (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ .. )[26]
وأمَّا ما زعمه بعضهم بجواز: أن يقول المسلم للنصراني:(أخي)، واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى:(إنَّما المؤمنون إخوة)، ثمَّ ذكر أنَّ النصراني مؤمن من وجه ، والمسلم مؤمن بوجه آخر، فلا شكَّ أنَّ هذا خطأ ، لأنَّه سبحانه وتعالى جلَّى هذه القضية بكل وضوح، فقال عن الكفار:(وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) وقال كذلك عنهم:(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)[27]، والذي يفهم من هذه الآية أنَّه:" لا أخوة سابقة بين دين الكفَّارودين المسلمين إلا إذا دخلوا في الإسلام، فهم إخواننا لهم مالنا وعليهم ما علينا" ، ومن جميل ما قاله الشيخ:" محمد رشيد رضا – رحمه الله" – حول هذه الآية:" وبهذه الأخوة يهدم كل ما كان بينكم وبينهم من عداوة ، وهو نص في أن أخوَّة الدين تثبت بهذين الركنين ، ولا تثبت بغيرهما من دونهما "[28] .
بل إنَّه مخالف لقوله تعالى :(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)[29]، قال الإمام:" ابن تيمية" رحمه الله:" فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان ، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان "[30].
والعجب أنَّه مع هذا التنازل من بعض المنتسبين للعلم ـ هداني الله وإياهم ـ وإطلاقهم لهذه الألفاظ على الكفَّار: لم تلق أذناً صاغية منهم ، ولا يزال هؤلاء العصريون يميعون قضايا الدين ، لإرضاء شرذمة الكفر، ويبقى الكفار يزدادون: قتلاً وسفكاً واتهاماً للمسلمين بالتشدد تارة ، والتنطع تارة أخرى ، والإرهاب تارة أخرى ، وصدق الله :(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[32].
ومن المهم حينها أن نعلم بأنَّ الكفار: لا يريدون من المسلمين إلا الانسلاخ عن الدين ، والكفر برب العالمين ، ولن يكسب المسلمون من هذا كله:" دنيا هنية ، ولا ديناً قوياً"، وأخشى أن نكون كما قيل :
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا *** فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع.
تمام الحديث في الحلقة الثانية بإذنه تعالى.
تمام الحديث في الحلقة الثانية بإذنه تعالى.








