حلقات مسلسل الاختطاف في الجزائر لا تزال متوالأقرباء يشكلون خطرا كما الغرباء ومدارس حرّاسها الأولياء!
09-12-2015, 07:58 AM
نبض الشارع: هل البحث بالمروحيات قاصر على أبناء المليارديرات؟!
قصص الاختطاف كثيرة وضحاياها بالمئات، هكذا يقول الواقع وهكذا تقول الإحصائيات، فأطفال أبرياء طالتهم أيادي الغدر والاعتداء، وأحالت واقعهم الجميل إلى مأساة..
حوادث متتالية وأرقام عالية سجلتها مصالح الأمن خلال أربع سنوات متتاليات، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على حجم الكارثة التي ألمت بالمجتمع وصارت تهدّد أمن العائلات..
لا حديث في الجزائر اليوم إلا عن مسلسل الرعب الذي بات يؤرق مضاجع الآباء والأمهات، ويسرق من فلذات أكبادهم الفرح والابتسامات، فوسائل الإعلام بمختلف أنواعها تابعت تفاصيل كل الحالات، ونقلت صورا تقشعرّ لها الأبدان وتسيل لها العبرات.. صور لبراءة مغتالة بلا ذنب، سلبوها حقها في الحياة وجعلوها تخشى القريب قبل الغريب وتموت رعبا في كل الأوقات، فمتى يا ترى تكون آخر الحلقات؟!
مدارس الجزائر حرّاسها الأولياء!
في جولة استطلاعية أردنا من خلالها أن نعرف مدى الأثر الذي خلفته قصص الاختطاف في النفوس الحيارى، قادتنا الخطى إلى مختلف أحياء الجزائر العميقة التي صارت تعجّ بحركة الأولياء المتوجهين صوب المدارس لاصطحاب أطفالهم خوفا من الخطر المحدق بهم، والذي هو في الغالب "الاختطاف"..
نفوس وجلة مما يمكن أن يحدث في ثانية غفلة، وأجساد منهكة من مهمة "المرافقة" التي صارت مفروضة بشكل يومي، ونظرات توجس وريبة مرسلة هنا وهناك تراقب مداخل المؤسسات التربوية لعلّها ترصد مشتبها به يحوم حول الحمى كي يسرق فرحة عائلة ما..
وجهتنا الأولى كانت مدرسة الشهيد "محمد سعيدون" بالجزائر العاصمة، التي وجدنا أمامها أزيد من عشرين امرأة، قدمن في الصباح الباكر رفقة أطفالهن، ينتظرن جرس الثامنة، وهو موعد الدخول إلى الفصول الدراسية، تقدمنا من إحداهن وسألناها عن حالها في هذا الجو الماطر البارد فقالت بحسرة: "حالي كحال سائر الآباء والأمهات في هذا الوطن، فنحن نخشى أن يصيب أطفالنا أذى، لذلك نضطر لمرافقتهم تقريبا أربع مرات في اليوم، وهي مهمة ليست بالسهلة خاصة في فصل الشتاء"، لتتدخل جارتها التي كانت واقفة معها: "هكذا نحن من سنوات نرافق أطفالنا للمدارس في كل الأوقات كي لا يصيبهم مكروه خاصة مع ما صار متداولا من أخبار الاختطاف والقتل والانتقام".
وفي بلدية أخرى من بلديات الجزائر، تسمى "درارية" تقع مدرسة "لمّو بغدادي" التي زرناها قبل الثامنة بدقائق معدودات، فلاحظنا جموع الوافدين من الآباء تصل تباعا، منهم من أتى بالسيارة مصطحبا مجموعة أطفال متقاربين في السن، ومنهم من جاءت تهرول ممسكة يد ابنها أو ابنتها بشدّة، ومنهم من يمشي على مهل ويتلو على مسامع صغيره توصيات الصباح التي تدور في مجملها عن اجتناب الحديث مع الغرباء والابتعاد عنهم وعدم مرافقتهم، تقول السيدة كريمة وهي موظفة وأم لثلاث أطفال متمدرسين: "أنا مضطرة لإيصالهم يوميا للمدرسة في الصباح الباكر وفي وسط النهار أوصي جارتي باصطحابهم، وبطبيعة الحال أدفع لها مقابل ذلك كوني موظفة، ولا يمكنني التفرغ للمهمة، وأيضا لا يمكنني تركهم يذهبون بمفردهم لأن الخطر بات يتربص بالبراءة عندنا".
لا راحة ولا لعب!
وضع صعب، لا راحة ولا لعب ولا ضحكة نابعة من القلب.. هذا هو حال النساء والأطفال، وكل أبناء الجزائر، الذين أصبحوا يعيشون الرعب بكل معانيه من يوم انتشرت حوادث الاختطاف والقتل والتنكيل، يقول محمد وهو أب لطفل، وجدناه واقفا معه في انتظار رنين جرس مدرسة الإخوة أميود بالعاصمة: "أطفالنا ممنوعون من اللعب ونساؤنا محرومات من الراحة وما من حلول جذرية تلوح في الأفق فماذا يتوقع العالم أن يكون حالنا؟.. نحن نعيش في غربة روحية لم نعشها من قبل والخوف يكبل كل حواسنا فحسبنا الله ونعم الوكيل".
مجرد اللعب في الحي مع أبناء الجيران صار من الممنوعات على الأطفال، وإن تم السماح به فتحت الرقابة الصارمة للأهل، وغفوة راحة بعد يوم شاق ومتعب صارت حلما بعيد المنال لأمهات أصبحن متأهبات على قدم وساق لتفقد أحوال فلذات أكبادهن، تقول نجاة التي وجدناها رفقة ابنتها ذات الثماني سنوات أمام مدرسة الشهيد "أحمد حيرش" ببلدية خرايسية: "نحن تعساء جدا.. الخوف أفقدنا طعم الحياة، وكل يومياتنا أصبحت عبارة عن ذهاب إلى المدرسة ورجوع من المدرسة، بل أحيانا نضطر أبناءنا للغياب إن لم نجد شخصا موثوقا به يرافقهم"، لتضيف نعيمة بحسرة، وهي موظفة وأم لطفلين متمدرسين: "وظيفتي على المحك ولم أعد أقوى على التوفيق بينها وبين باقي الواجبات خاصة مع انتشار قصص الاختطاف التي أرعبتنا وجعلتنا نرافق أطفالنا في كل وقت كي لا نخسرهم في غمضة عين".
راقب الغريب ولا تأمن القريب!
مرّت حلقات كثيرة من مسلسل اختطاف الأطفال في بلادنا، والسيناريو لا يزال متواصلا، يبعث في الأنفس الوجلة فضولا كبيرا وشعورا عميقا بالأسى، ويدفع للتساؤل في نهاية كل حلقة: الدور على من هذه المرة؟؟؟ ، يقول عبد الغني الذي وجدناه في حدود منتصف النهار واقفا أمام مدرسة مطماطي عبد القادر بولاية تيبازة ينتظر خروج ابنته: "عبد الرحيم قتله والده وشيماء أصدقاء والدها، وأنيس قاتله مجهول!!..فمن نستأمن؟؟"..
سكت السيد عبد الغني برهة ثم أردف: "هارون وإبراهيم قتلهما منحرفان، وياسر قتله جاره، وسندس زوجة عمها، فمن نستأمن؟؟"، وتقول السيدة زهرة من بلدية باش جراح بالعاصمة، والتي لا تكاد تفارق مدرسة "مولود فرعون" أين يدرس ابنها: "بربكم من نستأمن على فلذات أكبادنا؟.. من نستأمن إذا كان القريب أكثر غدرا من الغريب؟.. أنا لم أعد أثق بأحد وطفلي أرافقه ولو خرج 10 مرات في اليوم.. أفضّل أن أموت تعبا على أن أموت حزنا لفقده".
كانت الساعة حوالي 8:48 دقيقة صباحا حينما التقينا بالسيدة صوريا ترافق ابنها وسيم – سنة أولى ابتدائي - إلى مدرسة بن سي حمدي إبراهيم بشارع رومانيا ولاية قسنطينة، قالت إنها مضطرة لمرافقته أربع مرات كل يوم ذهابا وإيابا، وعن سبب هذا العناء رغم قصر المسافة بين البيت والمدرسة، أوضحت أم وسيم أن إرهاب الطرقات ليس السبب الوحيد الذي بات يهدد الأطفال الصغار بل أيضا إرهاب البشر الذين أصبحوا يجدون في الأطفال تجارة رابحة لابتزاز أهاليهم وتصفية الحسابات أو حتى ممارسة الأفعال المخلة بالحياء على البراءة.
ومن دائرة شلغوم العيد التي اهتزت قبل حوالي ثلاثة أشهر على وقع حادثة اختفاء الطفل أنيس برجم الذي عثر على جثته متعفنة في إحدى المجاري المائية بولاية ميلة، التقينا بسيدة قرب مدرسة غدير عبد الرحمان، وقد قالت بأسف: "الرعب سكن قلوب الأطفال الصغار منذ سماعهم بحادثة اختفاء الطفل أنيس ثم وفاته، وأيضا بسبب تحذير أهاليهم وتوصياتهم لهم بتجنب الحديث أو تلبية نداء أي شخص غريب، حيث انعدمت الثقة حتى بين أقرب الناس كالجيران".
أبناء الفقراء يختطفون ويقتلون!
إذا كانت نهاية حلقة الطفل "ليث كاوة" من مسلسل الاختطاف مفرحة وسعيدة، وكذا "أمين ياريشان"، إلا أن حلقات كثيرة كانت صادمة وبنهايات أقل ما يقال عنها بأنها مأساوية ومفجعة، كحلقة الطفلين إبراهيم وهارون التي أبكت الحجر بعد أن عثر عليهما مقتولين، أحدهما موضوع داخل كيس بلاستيكي والآخر داخل حقيبة، وحلقة ياسر الذي ذبح ورمي أمام مدخل العمارة التي يقطن بها، وشيماء التي اغتصبت ورميت في مقبرة، يقول رابح، الذي جاء في حدود الثالثة مساء لاصطحاب ابنه من المدرسة إلى البيت: "في ظل غياب الحماية الكافية لأبناء الفقراء أفضل أن أراقب أطفالي جيدا، وأرافقهم إلى المدرسة صباحا ومساء".
وفي بلدية الأربعاء بولاية البليدة، كان السيد البشير يتكئ على أحد جدران مدرسة "محمد زميط" ينتظر رنين الجرس كي يصطحب ابنته لتناول طعام الغذاء.. كانت عقارب الساعة تشير إلى 11.15 وكان البشير قد أتى قبل الموعد بنصف ساعة، وعن معاناته يقول: "يا أختي من تراه يشفق لحالنا؟ هل لأننا فقراء علينا أن نترك أشغالنا تضيع كي نتفرغ لحراسة أطفالنا؟ أليس من واجب الدولة توفير الأمن والأمان للمواطن أم مواطنو هذه الدولة فقط هم المليارديرات الذين تحرك لأجلهم الطائرات حينما يختطف أبناؤهم؟؟؟".
ما قاله السيد البشير هو جزء من نبض الشارع الجزائري الذي سبرنا رأيه فوجدناه يستهجن ظاهرة الاختطاف بالأساس لكنه يقف مشدوها حيال قضية اختطاف ابن الملياردير الذي تحركت لأجله طائرات الهليكوبتر في السماء وجندت لأجله قوات الأمن بمختلف تخصصاتها، بل وتدخل وزير العدل شخصيا في الموضوع حتى عاد الطفل إلى أحضان والديه، في حين اختطف المئات من أبناء الفقراء ولم يرسلوا غير الكلاب لتقفي آثارهم فكانت النتائج كارثية، وعودة البراءة مقتولة في أكياس بلاستيكية، فهل لأنهم فقراء يختطفون ويقتلون ويوضعون في الأكياس السوداء كما القمامة؟؟؟ هذا ما يشغل بال الرأي العام.
الشعب مطلبه الإعدام..
أطفال كثر علّقت صورهم على جدران الخوف، وتم العثور على أغلبهم أمواتا، في مناطق معزولة أو بالقرب من المناطق السكنية، داخل حقيبة أو كيس بلاستيكي، أو في حال مأساوي تنفطر له القلوب الحية، والكل يتساءل: متى كان الجزائري يختطف، ويقتل ويرمى كما القمامة؟؟؟
قصص مفجعة ومؤثرة لحوادث اختطاف، وقتل، ورعب، تابعها الجزائريون حلقة بعد حلقة.. تابعوها ببالغ الاهتمام وبخشوع تام على أمل أن تكون النهايات مفرحة ومبشّرة لأولياء الضحايا، لكن للأسف الشديد أغلب المصائر كانت مأساوية وبلون الحداد.. كانت صدمة ما بعدها صدمة أصابت الإنسانية في الصميم، وجعلت المطلب الوحيد للرأي العام هو الإعدام؟..
نعم كل الشعب نادى ولا زال ينادي بالإعدام، وكيف لا ينادي به والجزائر كلها اهتزت لمصير أطفال اختفوا في ظروف غامضة ثم عثر عليهم جثثا هامدة!!.. أطفال قتلوا غدرا ولا يزال أهلهم يبكون لفقدهم قهرا.. يبكون بدل الدمع دما، وحسبهم الله في مجرمين جبنوا ولم يستقوي غدرهم إلا على أبرياء بعمر الزهور، لا يستطيعون دفع الأذى عن أنفسهم، يتساءل أقرانهم بأي ذنب قتلوا؟.

[/CENTER][/QUOTE]