بومدين فـُجع بإعدام شعباني.. وهذه هي أخطاء بن بلة
25-12-2015, 09:10 PM
حاوره عبد الحميد عثماني
رئيس تحرير التحقيقات والحوارات الكبرى بجريدة الشروق
ADVERTISEMENT
تعود هذه الأيام الذكرى 37 لوفاة الزعيم هواري بومدين، الرئيس الذي يسكن المخيال الشعبي الجزائري في صورة القائد الملهم، ويصف الكثير من المواطنين في المدن والأرياف، سنواته الثلاثة عشر، بالعصر الذهبي، ومعهم نخبة من السياسيين والمثقفين، يعتبرون عهده (19 جوان 1965 إلى 27 ديسمبر 1978)، هو زمن المدّ الثوري للجزائر في إفريقيا والعالم، حينما برزت بقراراتها السيادية، وهي تواجه تركة استعمارية ثقيلة، لكن، وعلى النقيض من هؤلاء، لا يتردّد تيار واسع في نعتها بالحقبة التسلطية، التي طغى فيها حكم الفرد على حساب المؤسسات الدستورية، بل ويلقون بوزر الآثار الوخيمة التي عرفتها البلاد في فترة لاحقة لرحيله، على المقاربات الخاطئة لنظامه السياسي.
جريدة "الشروق" تفتح في هذا الحوار المطوّل، تلك الحقبة من عمر الدولة الوطنية الحديثة، ليس للإشادة بالإنجازات، بل تضع نفسها في مرافعة تاريخية، من خلال طرح مجمل الأسئلة الحرجة التي تلاحق الرجل، واختارت لذلك أن يكون ضيفها شخصية متميزة بكل المقاييس، سواء عبر موقعها الرسمي سابقا، أو لما تشتهر به من ثقافة تاريخية، حازتها من القراءات الواسعة، والاحتكاك بفاعلين كبار في هرم الدولة الجزائرية، إنه الدكتور محي الدين عميمور، مدير الإعلام برئاسة الجمهورية (1971 إلى 1983)، ثم سفير الجزائر في باكستان 1989) – 1992 (، وعضو في مجلس الأمة عام (1998 إلى 2000)، قبل أن يتوجّ مسيرته كوزير للثقافة والاتصال (2000 إلى 2001)، في حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
أفضل أن نبدأ "قصّة" هواري بومدين مع الاسم، هل صحيح أن محمد بوخروبة قد اختار لقبه الثوري تيمّنا بالوليّين الصالحين في كل من وهران وتلمسان، وبهدف الاندماج في منطقة الغرب الجزائري خلال الثورة؟
يجب أن نتفق أولا على أمر رئيسي، هو أن نفرق بين المعلومة والرأي، وأنا لن أقول لك إلا ما أعرفه يقينا، أو سمعته من مصدر أثق به، وبداية يجب أن نعرف أن استعمال الأسماء الرمزية في الثورة كان له هدفان، الأول محاربة عبادة الذات وتفادي الغرور الشخصي، والثاني حماية أسر المجاهدين من القمع الاستعماري، وبالنسبة لسؤالك يمكنني أن أقول أن الاحتمال الأول، أي التيمن بالوليين الصالحين، هو أقرب للصواب، وأعرفه يقينا، أما الاحتمال الثاني فأراه ظنا لا أملك مصدرا يؤكده.
يعتقد البعض أن هواري بومدين لعب مع رئيسه أحمد بن بلة نفس دور جمال عبد الناصر مع محمد نجيب، بل قلده كذلك في قرار التأميمات، كيف ترى هذا التقييم ...؟
لعلي أطيل هنا قليلا لأوضح الكثير من الأمور.
بالنسبة لدور الرئيس محمد نجيب والرئيس أحمد بن بلة، هناك نقاط تشابه، وهناك فروق يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.
باختصار شديد، وجه التشابه المباشر هو عزلُ رئيسِ جمهورية منتخبٍ جماهيريا من قبل من كان يُعتقد أنه أقرب الناس إليه، وربما كان من أوجه المقارنة الصارخة أن كلا من نجيب وبن بلة كان يخطط للعشاء بمن تغدّى به، طبقا لتعبير سمعته من الرئيس علي كافي عليه رحمة الله، وهو ما اندفع نجيب نحوه بتأثير من بعض قيادات الإخوان المسلمين المنادية بالتخلص من عبد الناصر، وقد عشت هذا شخصيا في الخمسينيات، لكن الفرق الرهيب هو أن اللواء المصري أسيئت معاملته إلى أن قضى نحبه في وضعية بالغة السوء، تعرض فيها للإهانة من صغار الضباط.
وماذا عن نقاط الاختلاف بين حالتي بومدين وعبد الناصر..؟
أهم نقاط الاختلاف هي أن عبد الناصر كان هو القائد الفعلي لحركة الضباط الأحرار، وكان محمد نجيب مجرد واجهة متألقة، أما بن بلة فلم يكن واجهة، فقد كان الرئيس الثالث للمنظمة الخاصة بعد محمد بلوزداد وحسين آيت أحمد، وكان أول ثلاثة قطعوا الخطوات الأولى نحو إشعال ثورة نوفمبر منذ اللقاء بينهم في "مون روج" في 1953، والآخران هما محمد بوضياف وعلي مهساس، وهو ما نتج عنه توجه بوضياف إلى العاصمة لتنظيم اجتماع الـ22، وتفرغ مهساس لتنظيم دعم الهجرة للثورة، بينما تكفل بن بله أساسا باستنفار الدعم العربي للثورة، بدءا بجمال عبد الناصر.
وهكذا ترى أن محمد نجيب لم يكن هو القائد الحقيقي للانقلاب، وتم اللجوء له عندما اختاره عبد الناصر بحكم علوّ رتبته العسكرية، بعد اعتذار اللواء عزيز المصري واللواء أحمد فؤاد صادق.
وبالنسبة للصراع الذي حدث بين الرئيسين أحمد بن بلة وهواري بومدين فلا بد من القول بأن كلاهما كان وطنيا مخلصا ومناضلا متقشفا، وكلاهما أبلى البلاء الحسن في تطبيق ما يؤمن به، وكلاهما تنطبق عليه المقولة الشعبية: عاش ما كْسب مات ما خلّى، لكن للعبة السياسية منطقها، وقمة الدولة ليس فيها إلا كرسي واحد.
وقد واجه بن بلة ظروفا بالغة الصعوبة، ولعل من بينها اتهامه بأنه كان عميلا لجمال عبد الناصر وتابعا له، وهي مقولة ظالمة، كان من بين من روّجوها من قصدهم بن بلة يوما بقوله: سوف ندخلهم حماما يذيب شحومهم، وكان يقصد بذلك العناصر التي كانت تغلي بالتطلعات الطبقية وتريد وراثة الكولون، وعناصر أخرى أقلقتها صرخة بن بلة في تونس ثلاث مرات: نحن عرب.
قبل أن تكمل حديثك عن بن بلة، هل لك أن توضح أكثر هذا الكلام، وهل كان هؤلاء في حاشية بومدين..؟
كان هناك أولا، وبترتيب الاستعراض الذي سبق، بعض القيادات الجزائرية التي كانت تدعي أن سبب تألق بن بلة دوليا هو الإعلام المصري وصوت العرب، واسمح لي هنا ألا أذكر الأسماء وهي معروفة على كل حال، وكان هناك بعض الجزائريين الأثرياء الذين أفزعتهم التوجهات الاشتراكية لنظام الحكم، ومنهم من كان يريد شراء الأراضي التي فر منها الكولون، وكان هناك أخيرا وليس آخرا بقايا الوجود الاستعماري من الاتجاهات الفرانكوبربرية، من دون أن نتناسى الذين صوتوا ضد الاستقلال في استفتاء دوغول عام 1962.
نعود للحديث عن الرئيس أحمد بن بلّة...؟
نعم.. لقد أنجز بن بلة ما استطاع أن ينجزه، لكنه لم يستطع مواجهة الكثير، ربما لأنه كان يفتقد النظرة الإستراتيجية والحاسة التي تمكنه من تحديد الأسبقيات وحسن توقيت القرارات واتخاذ المواقف، وربما كان وراء تخبط سياسته أحيانا عقدة نشأت عن غيابه في السجن الفرنسي فترة، حرمته من الوجود المؤثر والدائم على الساحة الداخلية، بينما تمكن هواري بومدين من الإمساك بمواقع بالغة الأهمية في الدولة الناشئة، انطلاقا من المواقع التي تناوب على قيادتها خلال الثورة، وبدراسة معمّقة لكل المعطيات ولشخصيات الرجال.
وأعتقد أن من أخطاء بن بلة التي تجمعت حتى وصلت به إلى 19 جوان، الصراع مع عباس فرحات في قضية الدستور، فقد اختلف الاثنان نتيجة لتكوين ومسار كل منهما، حول أسبقية الاستشارة بالنسبة للدستور، وهل هو جبهة التحرير الوطني أم الاستفتاء العام، ورأى بن بلة، على ما أذكر، أن لرأي الجبهة الأسبقية لأنها قائدة المسيرة، وهنا استقال عباس فرحات.
وكان من الأخطاء التضييق على مسؤول الحزب الأول المرحوم محمد خيضر، مما اضطره أيضا إلى الاستقالة، وعندها بدا واضحا أن الرئيس يعمل على الانفراد بالسلطة، وتأكد هذا عندما ألغى وزارة الإعلام ووضع القطاع ضمن صلاحيات الرئاسة، ثم أخذ يتجه لتقليص نفوذ وزير الدفاع العقيد هواري بومدين باستفزاز شخصيات مرتبطة به، وهكذا فرض في يوليو 1964 على الولاة تقديم تقاريرهم له مباشرة من دون المرور على وزير الداخلية، ودفع هذا وزير الداخلية أحمد مدغري إلى الاستقالة لأنه المسؤول الأول عن الولاة، ثم اتجه بن بلة إلى وزارة الخارجية لاستبعاد عبد العزيز بوتفليقة، وكانت القطرة التي فاض بها الإناء تكوينه للميلشيات العسكرية لمواجهة نفوذ القوات المسلحة، وهو ما رأى بومدين أنه كان يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية.
لكن الانقلاب اعتبر آنذاك تصحيحا ثوريا ...؟
أي تغيير لرئاسة الدولة خارج الميكانيزمات التي يحددها الدستور هو عمل "انقلابي"، والتغيير أيا كانت تسميته، يظل، سياسيا، عملا انقلابيا إلى أن يقضي عليه انقلاب آخر، اللهم إلا إذا تقدم النظام الجديد بمشروع مجتمع يلبي متطلبات الجماهير ويتفهم احتياجاتها ويحمي تطلعاتها، وأعتقد أن هذا هو ما حدث عندنا، وما عرفته مصر في عهد جمال عبد الناصر، وعند ذاك يفقد تعبير "الانقلاب" مدلوله الأول، ويصبح تصحيحا ثوريا أو ثورة تصحيحية أو ما أشبه.
كنت سألتك من قبل عن تقليد بومدين للرئيس عبد الناصر في قرار التأميم..؟
بالنسبة للتأميمات والمقارنة بين عبد الناصر وبومدين، فلا شك أن الرئيس الجزائري درس جيدا قضية تأميم قناة السويس في مصر، والمؤكد أيضا أنه، كقارئ للتاريخ، استفاد منها، خصوصا في الإعداد لتأميم النفط، والذي لم يكن قرارا عشوائيا بل سبقته دراسات جادة، وربما اتصالات مع الجانب الأمريكي عبر مسعود زقار، الذي قام بجهد كبير لضمان التفهم الأمريكي للقرار الجزائري.
بومدين متّهم بالتحضير لاستلام السلطة، من خلال العمل، مع مجموعة وجدة والضباط الفارين من الجيش الفرنسي، على تشويه صورة بن بلة في أعين الشعب، عن طريق الصراع مع الزعماء التاريخيين، حيث تم إبعاد خيضر واعتقال بوضياف ونفي كريم بلقاسم، وقتل شعباني، والسعي لإعدام آيت احمد...؟
أعتقد مخلصا أنه يوجد خلط كبير في هذه المعطيات، وأنا أقول لك هنا ما أعرفه.
فيما يتعلق بالضباط الفارين من الجيش الفرنسي، لو عدنا إلى مذكرات العقيد الطاهر زبيري، وابتداء من الفصل التاسع، سنجده يستعرض أوجه الخلاف مع الرئيس بومدين حول قضية الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، أو من أطلق عليهم DAF أي (Déserteurs de l’Armée Française ) وهي تسمية أطلقت على الجزائريين الذين كانوا مجندين بشكل دائم وعن طواعية داخل وحدات الجيش الفرنسي خلال فترة الاحتلال، ولا يُقصد بهم الجزائريون الذين قضوا فترة الخدمة العسكرية الإجبارية في صفوف الجيش الفرنسي على غرار بن بولعيد وبن بلة، والتي أكسبتهم خبرة قتالية أفادتهم في حرب التحرير، وربما لا يُقصد بهم الضباط الجزائريين الذين فرّوا من الجيش الفرنسي في السنوات الأولى للثورة، بل من التحقوا بعد ذلك ولم يكونوا يتمتعون بشعبية وسط المجاهدين، بل كان ينظر لهم بعين الريبة.
تقصد دفعة "لاكوست" التي صار لعناصرها شأن كبير في جزائر التسعينات من القرن الفائت...؟
لا...دفعة لاكوست كانت من المدنيين، وواقع الأمر أن تركيز البعض الكبير، وأقول ...البعض، على الضباط الفارين من الجيش الفرنسي كان يقصد به التعتيم على دور بقايا الإدارة الفرنسية وعناصر دفعة لاكوست، والتي كانت في كثير من الحالات، عناصر تخريب للمجتمع الجزائري العربي الإسلامي.
تفضل باستكمال حديثك عن شهادة العقيد زبيري...؟
نعم...يقول سي الطاهر: عُرف أولئك الضباط بمستواهم العسكري النظامي، سواء من حيث التدريب أو من حيث الانضباط، وسعى جيش التحرير خلال الثورة إلى استقطاب الضباط والجنود الجزائريين في الجيش الفرنسي إلى صفوفه، ثم يقول بأنه خلال قيادته لأركان الجيش الوطني الشعبي (1963-1967) كان مجموع هؤلاء بجميع رتبهم نحو 200 ضابط وضابط صف، ولكن أبرزهم كان الرائد عبد القادر شابو، الذي كان يحترمه ولم يحدث طيلة قيادته لأركان الجيش أن اصطدم معه أو حدث بينهما خلاف، والمهم هنا فيما يقوله سي الطاهر أنه كان يرفض من حيث المبدأ أن يتولى أولئك الضباط مناصب قيادية حساسة في الجيش، وهذا ما كان يوافقه فيه بومدين، بنص تعبيره.
ويقول العقيد زبيري إن بومدين سعى إلى إحداث التوازن بين الضباط الفارين من الجيش الفرنسي وقدماء ضباط جيش التحرير في المناصب والمسؤوليات، وكان قادة النواحي العسكرية كلهم، كما يؤكد العقيد، من قدماء ضباط جيش التحرير.
وما يقوله سي الطاهر هنا أكدته مراجع كثيرة، لكن لابد من أن نعرف بأن التحاق الضباط الفارين من الجيش الفرنسي بجيش التحرير بدأ في 1956 على يد كريم بلقاسم، وفي مرحلة لم يكن بومدين يتولّى فيها أي مسؤولية قيادية مؤثرة على الأحداث، ومن هنا فإن تحميله المسؤولية هو أمر مشبوه ومغرض، خصوصا إذا تناسى البعض دور كريم.
ولكن لا بد من الاعتراف بأنه كانت هناك تخوفات مشروعة لدى المقاتلين من المجاهدين، أثبتت الأيام أنها لم تكن كلها أوهاما، وربما كان البعض يعيش مرارة عجزه عن المنافسة، لكن الجانب الآخر كان مترابطا متحدا منسجم التوجهات ومتمرسا في فنون القتال بكل أنواعها، وكان أهم سلاح له إحساسه الدائم بالخطر وولاؤه الظاهر للقيادة، وسنلاحظ عبر المسيرة كلها أن من دفع ثمن الصراعات كان من المجاهدين المنتمين لما يسمّى التيار العروبي، وقع معظمهم ضحية لاستفزازات مقصودة، كما حدث مع العقيد شعباني، والبشر هم البشر في كل مكان وزمان.
أنا سألتك عن تحريض بومدين ضد القيادات التاريخية للإيقاع بالرئيس بن بلّة...؟
بالنسبة للقيادات التاريخية الأخرى، معروف أن هواري بومدين أرسل عبد العزيز بوتفليقة إلى سجن الزعماء الخمسة، وعرض دعم الجيش لمنصب المسؤولية السياسية العليا أولا على محمد بوضياف، الذي رفض تماما كما رفض حسين آيت أحمد، وقبل بن بلة لأنه أدرك ضرورة التحالف مع القوة الوحيدة المنظمة والقادرة على أن تكون قاعدة بناء الدولة المسترجعة.
وكان بوضياف أول من اختلف مع بن بلة وكون حزب الثورة الاشتراكية في سبتمبر 1962، ونفس الأمر حدث مع آيت أحمد الذي رفع لواء التمرد ضد السلطة المركزية في أكتوبر 1963، ولست أنا من يحدد من كان على حق ومن لم يكن.
وهذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن محاولة لاغتيال الدا حسين، وربما كان ذلك مبرر بقائه في سويسرا طوال هذه السنوات، حتى ولو لم يكن المبرر مقنعا، أما قضية شعباني فقد أعدم في عهد الرئيس بن بلة بتهمة التمرد، وكان بومدين عاجزا عن القيام بأي تحرك نظرا للتوازنات في تلك المرحلة على ما أظن، وظلت نهاية أصغر عقيد في جيش التحرير جرحا في نفس بومدين جعلته لا يجرؤ حتى على إعدام من حاول قتله في 1968.







