بومدين خسر نحناح.. ولو اجتمع به لتغيرت أوضاع الجزائر
03-01-2016, 11:11 PM


حاوره: عبد الحميد عثماني

رئيس تحرير التحقيقات والحوارات الكبرى بجريدة الشروق


يعتقد الدكتور محيي الدين عميمور أن الرئيس هواري بومدين قد خسر الشيخ محفوظ نحناح (رحمهما الله)، حيث يصفه بالرجل الرائع والذكيّ، ويرى أن الظروف التاريخية لم تسمح لاجتماعهما، ولو حصل ذلك لتغيرت أشياء كثيرة في الجزائر، حسب قوله.
أما عن معارضة الشيخ عبد اللطيف سلطاني للنظام الجزائري، فيرجعها مدير الإعلام سابقا برئاسة الجمهورية إلى عهد الرئيس أحمد بلّة، وينقل مجدّدا، قضية خلافه مع الحكم بسبب حرمانه من التعيين في وزارة الشؤون الدينية غداة الاستقلال!
أما عن معارضة الشيخ عبد اللطيف سلطاني للنظام الجزائري، فيرجعها مدير الإعلام سابقا برئاسة الجمهورية إلى عهد الرئيس أحمد بلّة، وينقل مجدّدا، قضية خلافه مع الحكم بسبب حرمانه من التعيين في وزارة الشؤون الدينية غداة الاستقلال!
وفي الجزء الثامن من حواره مع "الشروق"، يشكّك السفير السابق، في حدوث التعذيب بالصورة التي يرويها خصوم الرئيس بومدين في مذكراتهم، وإن حصل فلا علم له بالأمر، بل يطالب هؤلاء علنا، إن كانوا يحوزون الأدلة، بالتوجه للقضاء، كونها تجاوزات لا تسقط بالتقادم!
هناك من يروّج لتعليمات صدرت بمنع كاتب ياسين من التدخل بأي طريقة للنقاش في الميثاق الوطني، ولم يكن يُسمح في الإعلام إلا بمرور الأفكار التي تتفق مع رغبة النظام..؟
متابعة النقاشات حول الميثاق الوطني كانت مهمة كل من وزير الإعلام الدكتور أحمد طالب في الصحافة ورئيس لجنة التوجيه بالحزب المرحوم محمد الشريف مساعدية في اللقاءات الجماهيرية، والدكتور طالب هو على قيد الحياة، أطال الله عمره، ولك أن تسأله، ولم يبلغن أحد آنذاك بأن كاتب ياسين أرسل مقالا لأي صحيفة وامتنعتْ عن نشره، وقد كان المسرح الوطني تحت تصرفه، وأنت تعرف أن أفكارا كثيرة يمكن أن تتضمنها المسرحيات المعروضة.
وأعتقد أن المهم هو ألا تكون الخصومة حول القضايا الداخلية مبررا لاتخاذ مواقف مؤيدة لمواقف خصوم البلاد أو منسجمة معها أو حتى متسترة عليها.
أنت تُجهدني في تفكيك كلامك المشفّر... هل تقصد أن كاتب ياسين وقع في ذلك؟
كلامي ليس مشفرا، أنا قلت أنه لم يصل إلى علمي أن أي مقالات لكاتب ياسين قد منعت، وما رويته هو قاعدة عامة في التعامل السياسي مع المواقف التي عشناها مع مفدي زكرياء، ومع البيان الرباعي في 1976.
التعذيب مث لما يرويه بورقعة، والأحكام القاسية التي تعرض لها منتسبو "الحركة الديمقراطية للتجديد الجزائري"، تراها مبررة...؟
لست أدري، هل أنا أتحاور مع عبد الحميد عثماني أم مع لخضر بورقعة، وهو بالمناسبة رفيق عزيز أتبادل معه الاحترام والتقدير، ومع ذلك أقول لك أن التعذيب، سواء كان نفسيا أو بدنيا، هو أمر مرفوض، وأن يتهم بومدين من طرف خصومه بكل نقيصة هو أمر طبيعي، لأنهم خصومه، لكن أي تجاوزات لا تسقط بالتقادم، ويستطيع من تعرضوا لها أن يطالبوا القضاء بإنصافهم، ولكن ليس باجترار الاتهامات بمناسبة وبغير مناسبة.
حقيقي أن رئيس الدولة مسؤول حتى عن تعثر بغلة في البيداء، ولكن علينا أيضا أن نكون منصفين، ونعرف أن مخالفات كثيرة يمكن أن تحدث بدون علم المسؤول الأول، ناهيك عن موافقته أو تعليماته، وعلى من يملك بينة تخالف ما أقوله أن يتفضل بتقديمها.
وقد قرأت يوما لشخص ادعى بأن بومدين كان يقضي ليله في قصر الشعب وهو يتمتع، قبل أن ينام، بمشاهدة أفلام مسجلة لتعذيب خصومه، وهو افتراء غبي، لأن من المعروف أن بومدين لم ينم في قصر الشعب إلا أياما معدودة كان خلالها مسجى في تابوته قبل تشييع جنازته إلى مقره الأخير.
أنت تنفي حدوث التعذيب في حق السياسيين على عهد بومدين، وإن وقع فلا علم له به، أليس ذلك "عذر أقبح من ذنب"...؟
أعتقد أن هذا التعبير غير موفق، وأنا لم أكن رئيسا للحكومة أو وزيرا للداخلية أو مديرا للأمن، كنت مجرد مستشار يُعطي رأيه عندما يستشار ويقوم بمهمة واضحة المعالم محددة التبعات، وبالتالي فأنا لا أنفي، لكنني أيضا لا أؤكد، وهذا وذاك ليس من حقي، وعلى الشهود العيان مسؤولية رواية الأحداث كما عاشوها.
هل كان من المنطقي والأخلاقي اتهام رموز تاريخية، رفضت بومدين، بالعمالة للامبريالية والصهيونية، فقط لتبرير وشرعنة الصراع على السلطة...؟
اتهام رموز تاريخية بالعمالة للإمبريالية وللصهيونية أمر ليس منطقيا ولا أخلاقيا، بل وليس تصرفا سياسيا ناضجا، ولا يبرره الصراع على شرعنة السلطة كما تقول، ويبقى أن تقول لي: منْ اتهم منْ؟
وللتذكير فإن الرئيس بومدين استعان بكل من أراد من التاريخيين الانسجام مع مسيرة البلاد بعد 19 جوان 1965، وهكذا فإن واحدا من ثلاثي الباء الشهير، وهو لخضر بن طوبال، عين في منصب رئيس المؤسسة العربية للبترول التي كان مقرها الجزائر، وواحد من الستة التاريخيين، وهو رابح بيطاط، عُيّن وزيرا للدولة، وهو منصب أعلى من منصب الوزير، وعدد من التاريخيين وعديد من رجال "إيفيان" عينوا في مناصب وزارية أو دبلوماسية، ومن هؤلاء جميعا على ما أتذكر علي كافي وإبراهيم مزهودي ومحمد الصديق بن يحيى وامحمد يزيد والطيب بوالحروف ومصطفى بن عودة وأخيرا وليس آخر رضا مالك.
وقد سمعت أنه عرضت مناصب على آخرين لم يقبلوها، ربما لأنه كانت لهم نظرة أخرى.
وأنا أذكر خصوم بومدين ممن يحملونه كل الأوزار بقوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى".
ممكن تذكر لي من هم الذين رفضوا تقلّد المناصب الرسمية مع بومدين...؟
قلت لك أنني سمعت، ولم أقل أنني أعرف على وجه التأكيد، وأظن أنه كان من بينهم عبد الحفيظ بوصوف، وهو ما كتبته في آخر إصداراتي.
من المسؤول عن اغتيال كريم بلقاسم ومحمد خيضر في ظروف غامضة، عامي 1970 و1967، أليس بومدين ونظامه السياسي...؟
أنت تكرر أسئلة سبق أن طرحتها، حتى ليظن القارئ أنك "تسأل عراف ملح" للرئيس بومدين، لكنني أسألك: لماذا لم يطرح أحد تلك الاتهامات بالاغتيال السياسي أمام محكمة دولية لإحقاق الحق بدلا من اجترار الاتهامات التي أصبحت تجارة (fonds de commerce) لمن لا رأسمال عنده، وطبعا لا أقصدك أنت على وجه التحديد.
سبق أن أجبتني بفرضيات مقبولة حول ملابسات وفاة كريم بلقاسم، لكنك تحاشيت تماما التعليق على موت محمد خيضر، هل كان ذلك عن عمد منك، أم لعدم علمك بالحقيقة...؟
مرة أخرى أقول لك أنني مجرد مثقف يحاول أن يحلل الأمور على أساس ما يتوفر لديه من معطيات، أنا لست قاضي تحقيق ولست مندوبا للعناية الإلهية ولست ممثلا لجهاز المحاسبة التاريخية، وما ينطبق على مأساة كريم بلقاسم يمكن أن ينطبق أيضا على مأساة محمد خيضر، رحمهما الله، وأذكرك بالمشاكل التي قامت بين خيضر وبعض من كانوا يرفعون لواء المعارضة، لأنه رفض أن يعطيهم نصيبا من أموال جبهة التحرير التي كانت في عهدته آنذاك، وربما هناك معطيات لا أعرفها، ولهذا قلت وأكرر أن هذه القضية مكانها أكاديميات البحث العلمي والدراسات التاريخية وليس الشارع، بالمعنى السياسي للتعبير.
ألا تعتقد أن بومدين قد ظلم فرحات عباس وبن خدة وحتى محمد خير الدين، بقطع أرزاقهم، بسبب موقفهم السياسي من حكمه...؟
يجب أن تتذكر أولا أساس التنافر بين رئيس الجمهورية والسياسيين الذين أصدروا بيان السبعينيات، وهم ليسوا ثلاثة بل أربعة، فقد كان معهم حسين لحول، رحم الله الجميع.
البيان كان يضم نقطتين أساسيتين، الأولى مطالبة بالديمقراطية، وهو طلب منطقي حتى وإن جاء متأخرا أو صدر في مرحلة إعداد الميثاق الوطني، بحيث اعتبر مناورة لتشتيت الأفكار حول وثيقة يصوت عليها الشعب، لكن النقطة التي ضايقت بومدين، بل وكل المناضلين، هي تعاطف مصدري البيان مع موقف ملك المغرب ضد الجزائر في قضية الصحراء الغربية، والمتناقض مع الموقف الجزائري المنسجم مع الإرادة الدولية وقرارات منظمة الوحدة الإفريقية، وذلك أمر أتصور أنه لا يقبل من شخصيات تفهم منطق الدولة، وأيا كان خلافها مع قيادتها.
أما الادعاء بقطع الأرزاق، فما أعرفه هو أن صيدلية بن خدة في حيدرة ظلت تعمل كغيرها من الصيدليات، وأن الشيخ خير الدين ظل يستفيد من الأرض التي تمكن من شرائها في بئر خادم، وإن كنت لا أعرف شيئا عن فرحات عباس.
وأنا أقدر في بن خدة سابق نضاله السياسي والإعلامي، لكنني سمعت أنه أوصى بدفنه في مقبرة منطقة سكناه، وليس في مقبرة العالية، حيث دفن فرحات عباس، وإذا كان هذا اختيارا سياسيا فأنا أدينه، لأن مقبرة العالية هي رمز للمصالحة الوطنية، ونجد فيها قبر محمد العموري غير بعيد عن كريم بلقاسم الذي يوجد بجانب ضريح عبان رمضان، ونجد قبر بوضياف مجاورا لقبر بومدين وغير بعيد عن قبر لالا فاطمة نسومر، ومازلت أتمنى لو نقلت رفات مصالي الحاج وربما أيضا قايد أحمد إلى العالية، وهكذا يلتقي في المقبرة من اختلفت بهم السبل في الحياة، وهذا بالطبع رأي شخصي.
وهل لديك تفسير لسبب رفض بن خدّة الدفن بجوار بومدين ورفاقه من الراحلين في دار الحقّ...؟
لم يكن بيني وبين الرئيس بن خده ما يجعله يُسرّ لي بخلفية قراراته ونواياه، وفي غياب المعلومة يصبح من حق أي منا أن يتخيل السبب على ضوء الخلاف الذي نشب بين الرجلين، والذي حرم رئيس الحكومة المؤقتة من رئاسة الدولة إثر استرجاع الاستقلال، ربما كما كان يأمل على ضوء الاستقبال الذي حظي به عند دخوله إلى العاصمة قادما من تونس.
بلعيد عبد السلام يقول إن أولئك في توقيعهم لبيان "أبريل 1976" كانوا ضحية لعناصر من داخل مجلس الثورة، حرّكوهم لتخويف بومدين، حتى يدفعوه للاحتماء بهم، من يقصد في تقديرك، وهل كان الرئيس يشعر بمثل تلك المناورات...؟
هذا القول يوضحه من طرحه، لكنني أرفض أن تقدم شخصيات تاريخية مرموقة مثل فرحات عباس أو بن خدة في صورة دمىً يحركها من أراد، وأعيد تذكيرك بمضمون البيان وبالجانب الذي تناقض مع موقف الدولة الجزائرية من النظام المغربي.
ليس بالضرورة أن التحريك كان بخلفية التوظيف، بل لتقاطع القناعات، طالما أن هناك في جوار بومدين من كان يتحفظ على بعض سياساته...؟
مازلت أكرر أنني أرفض أن يعتبر البعض شخصيات محترمة مثل بن خدة وفرحات عباس مجرد دمىً يمكن تحريكها، وعلى من يملك معلومات مؤكدة عن أشخاص بعينهم كانوا بجانب بومدين ويتحفظون على سياسته أن يقول ما يعرفه، وأنا بالطبع لا أقصدك، لكنني أقصد من يروج لتلك الأقاويل.
كيف تنظر إلى تعامل بومدين مع المعارضة الإسلامية، التي مثلها في منتصف السبعينات كل من عبد اللطيف سلطاني ومحفوظ نحناح رحمهما الله...؟
لم أعرف أن أحدا من الشيخين الجليلين ادعى أنه هو ممثل المعارضة الإسلامية، وقد كان لكل منهما موقف اعتمد على نظرته للأمور، لكن رأس الدولة في أي بلد كان هو كقائد الطائرة، وخصوصا في مرحلة الانطلاق، فهو المسؤول الأول عن قيادة الدولة، خصوصا إذا لم يكن من يعارضه منتخبا من الشعب، أو مختارا بصفة ديمقراطية من الاتجاه الذي يمثله.
من جهة أخرى، يبدو لي أن هناك خلطا بين وضعية كل من الشيخين سلطاني ونحناح، فاختلاف الأول الأساسي كان مع الرئيس بن بله، وقيل يومها إنّ ذلك كان نتيجة لتعيين أحمد توفيق المدني وزيرا للأوقاف، وهو ما كنت تناولته يوما في الشروق، وقلت أنه كان من حق الشيخ سلطاني أن يطالب بالمنصب لعلمه ولفضله، وكان من حق رئيس الدولة أن يعين من يثق فيهم في مراكز المسؤولية.
بالنسبة للشيخ نحناح، كان الاختلاف أساسا في مرحلة إعداد الميثاق الوطني، وهو اختلاف لا يسيء لأي طرف، لأن ذلك هو منطق التعامل السياسي، وبنظرة كل واحد للواقع كما يراه وكما يريد أن يراه.
وأظنك أنك تعرف أنني توسطت للشيخ نحناح لدى الرئيس الشاذلي بن جديد بناء على طلب من وزير الشؤون الدينية آنذاك، الشيخ عبد الرحمن شيبان، رغم أنني لم أكن أعرفه شخصيا، وهو موقف لم أندم عليه، لأنني اكتشفت رجلا رائعا، ذكيا، أعتقد أننا خسرناه، ربما لأن الظروف لم تجمعه مع الرئيس بومدين فتفرقت بهما السبل.
وأنا أزعم أنه لو تم الجمع بين الرجلين لتغيرت أشياء كثيرة.
ولعلي أقول فيما يتعلق بما تسميه المعارضة الإسلامية، أن هناك أخطاء كثيرة ارتكبت تجاه التيار الإسلامي، وخصوصا في مواصلة التنافر مع الزوايا، والتي كان مفروضا أن تترك لها مهمة تأطير العامّة، ليركز العلماء على التعامل مع الخاصة.
ولعلي أذكرك بأن التيارات اليسارية التي تناقضت مع التصحيح الثوري عادت وجرت وراءه للاستفادة منه تحت شعار "التأييد الناقد" (soutien critique) وكان تأثيرها على عملية التوجه السياسي وما مارسته من إقصاء لخصومها وراء الكثير من الأخطاء المرتكبة، وهذا كله استفادت منه عناصر رفعت شعار المعارضة الإسلامية، وعن حق في كثير من الأحيان، وعن تسرع وعدم تفهم للأوضاع في أحيان أخرى.
لكن الكتاب الأشهر للشيخ سلطاني "المزدكية أصل الاشتراكية" ظهر في عزّ النظام البومديني عام 1974... كيف تعامل معه؟
لم أقرأ الكتاب، لمجرد أن عنوانه كان يشي بمضمونه، ولم يُسمح بالطبع باستيراده من المغرب حيث طبع، وكانت طبعة وحيدة على ما أعرف.